إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في يوم دراسي بالأكاديمية البرلمانية.. مناقشة مبادرة تشريعية تتعلق بتسوية مخالفات الصرف

-  النواب يطالبون بالتسريع في مراجعة مجلة الصرف

في انتظار إحالة مقترح القانون المتعلق بمجلة الصرف الذي تم تقديمه من قبل مجموعة من أعضاء مجلس نواب الشعب إلى لجنة المالية والميزانية، نظمت الأكاديمية البرلمانية أمس بقصر باردو بحضور ممثلين عن الإدارة العامة للديوانة بوزارة المالية والبنك المركزي التونسي والمجلس البنكي والمالي يوما دراسيا  حول المبادرة التشريعية المتعلقة بتسوية مخالفات الصرف المعروض على أنظار اللجنة.

وخلال النقاش استعرض أصحاب هذه المبادرة وفي مقدمتهم النائب ماهر الكتاري أسباب تقديمها وفسروا مضامينها وعبروا عن استعدادهم للتفاعل الإيجابي مع مقترحات إثرائها.  وطالب العديد من النواب بالتسريع في مراجعة الترسانة القانونية ذات العلاقة بمجال الصرف وتلافي تعدد النصوص وتشعبها، وعددوا النقائص التي تشوبها وانتقوا طابعها الزجري، وقالوا إن العديد من المواطنين ارتكبوا مخالفات عن جهل بقانون  وتعرضوا إلى عقوبات سالبة للحرية وخطايا مالية بمبالغ خيالية، وعبروا عن رغبتهم في التخلي عن التشريعات البالية والمضي في تحقيق الثورة التشريعية التي يتطلع إليها الشعب التونسي وطالبوا بسن مجلة جديدة للصرف وإنهاء العمل بالقانون عدد 18 لسنة 1976 المؤرخ في 21 جانفي 1976 المتعلق بمراجعة وتدوين التشريع الخاص بالصرف والتجارة الخارجية والمنظم للعلاقات بين البلاد التونسية والبلدان الأجنبية وهو حسب رأي بعضهم لم يعد مواكبا للعصر  ولا يستجيب للتطورات التي يشهدها العالم، وهناك منهم من اقترح على الحكومة الجلوس على طاولة واحدة مع المجلس النيابي  للتفكير معا في حلول تشريعية للمشاكل المطروحة في علاقة بالصرف.

وقبل النقاش العام قدم رئيس لجنة المالية والميزانية بالبرلمان عبد الجليل الهاني بسطة حول مضامين مقترح القانون المتعلق بتسوية مخالفات الصرف الذي تضمن حسب قوله جملة من الأحكام الرامية للعفو الصرفي  وفتح حسابات بالعملة وذكر أن اللجنة نظمت جلستين حوله ودعت كل المتدخلين في المجال المالي والصرفي ليوم دراسي تم تنظيمه حول مشاكل مجلة الصرف الصادرة عام 1976 والتي تم تنقيحها في الثمانينات. وأضاف أن تونس مازالت تعمل بنظم قانونية تجاوزتها الأحداث حيث خلقت أنواع جديدة من العملات منها العملات المشفرة وشهد العالم في السنوات الأخيرة تطورات تكنولوجية بوتيرة كبيرة جدا. وذهب الهاني إلى أن العملة الورقية التي تتم حمايتها في تونس بقوانين عدة تم سنها في الستينات قد تندثر تلك العملة بعد عشرين سنة ويتم تعويضها بعملات أخرى. ونبه رئيس اللجنة إلى مشكلتين في مجال الصرف يتعلق الأول بالقوانين الجاري بها العمل والتي لم تواكب تطور العملات ولم تستجب لحاجيات المؤسسات الناشئة التي يستثمر فيها فئة كبيرة من الشباب الذين يتعاملون مع الخارج ويجتهدون لتوفير موارد رزق وموارد من العملة الأجنبية أما المشكل الثاني فيتمثل حسب قوله في أن مجلة الصرف الحالية تجعل المواطن المقيم يخاف من مسك العملة لأنه حتى وإن كان المبلغ فإن حمله دون ترخيص من البنك المركزي يترتب عنه عقوبة مالية وعقوبة سالبة للحرية. ويرى الهاني أنه لا بد من تغيير هذه القوانين لمواكبة التطورات العالمية وأضاف أن المقترح تضمن سن عفو صرفي على المقيمين وذكر أنه مع معاقبة من ارتكب مخالفات بشكل متعمد لكن هناك من قاموا بمخالفات عن حسن نية وهو ما تسبب لهم في عديد الخطايا المثقلة ومنها على سبيل الذكر عندما يفتح التونسي حسابا بالخارج دون ترخيص فيجد نفسه عند العودة إلى تونس محل عقوبات على معنى مجلة الصرف، وأكد رئيس اللجنة أن مقترح القانون استثنى من عمليات تسوية مخالفات الصرف الحالات التي فيها شبهات فساد أو تمويل الإرهاب وغسل الأموال وخلص إلى التأكيد على أهمية القيام بعفو وبمصالحة شاملة بما يسمح باسترجاع الموارد وتنمية المداخيل بالخارج وتنمية المخزون من العملة الأجنبية بالبنك المركزي، وعبر عن أمله في تمرير مقترح القانون المتعلق بتسوية مخالفات الصرف. وذكر أن لجنة المالية والميزانية مازالت إلى اليوم تنتظر من الحكومة تقديم مشروع مجلة صرف جديدة.

جرائم صرفية

وتطرق مدير النزاعات بالإدارة العامة للديوانة بوزارة المالية العميد أنور السبيعي إلى وضعية المخالفات الصرفية الحالية. وذكر أن العديد من الأشخاص يجدون أنفسهم متورطين في جريمة صرفية دون أن تكون لهم دراية بها وكذلك الشأن بالنسبة إلى المؤسسات. ونبه من تنامي المخالفات والجرائم الصرفية بشكل متزايد جراء كثرة النصوص القانونية والترتيبية وتشعبها وتداخلها في علاقة بقانون الصرف منها على سبيل الذكر قانون التجارة الخارجية ومجلة الديوانة وقانون مكافحة الإرهاب ومنع تبييض الأموال وعديد النصوص الأخرى بما أدى إلى عدم وضوح الرؤية أمام المتعاملين من أشخاص طبيعية أو معنوية. وقال إنه في علاقة بعملية توريد العملة فإن قانون الصرف يتيح حرية تامة شرط إيداع العملة لدى وسيط بنكي مع إمكانية الاحتفاظ بالمبلغ طيلة فترة الإقامة، وعند إعادة تصدير المبالغ من العملة فهي إذا فاقت خمسة آلاف دينار فيجب التصريح بها لدى الدخول وفي سنة 2018 صدر عن وزير المالية إعلان صرف نص على أنه لا يمكن تصدير مبالغ نقدية تفوق 30 ألف دينار، وأوضح أنه بالنسبة إلى القانون الأساسي لمكافحة تبييض الأموال فقد نص على التصريح لدى مصالح الديونة بالمبالغ التي تعادل أو تفوق مبلغ يتم ضبطه بقرار من وزيرة المالية وتم ضبط المبلغ بعشرين ألف دينار، أما في مجلة الديوانية فإن توريد بضائع محجرة دون التصريح بها لدى مصالح الديوانة يشكل جريمة ديوانية يعاقب مرتكبها، وفسر انه بسبب تداخل القوانين فان توريد العملة يصبح عملية معقدة، وإضافة إلى ذلك استدل ممثل الديوانة عند حديثه عن تشعب المنظومة القانونية بمثال آخر وهو يتعلق بتعريف مفهوم  الأشخاص المقيمين وغير المقيمين فهذا التعريف يختلف من مجلة الصرف إلى القانون الجبائي فالقانون المتعلق بالأنشطة الاقتصادية وقانون الاستثمار ومجلة المحروقات  والقانون المتعلق بالمؤسسات الصحية التي تسدي خدماتها لغير المقيمين وغيرها فبتداخل العديد من القوانين يفقد المفهوم معناه وخلص إلى أن هذه الوضعية أدت إلى عدم فهم مجلة الصرف والالتزامات الصرفية المحمولة على المقيمين وغير المقيمين وهو ما تسبب في تطور المخالفات الصرفية. وقال إن هذا الغموض يقابله تشدد في زجر الجرائم الصرفية إذ نصت مجلة الصرف على فصل وحيد فيه عقوبة بالسجن من شهر إلى خمس سنوات وخطية مالية.. ويشمل هذا الفصل كامل الجرائم الصرفيه مهما كانت درجة خطورتها فالمواطن الذي يسافر ويحمل معه مائة دينار يكون قد ارتكب مخالفة صرفية والأحكام تصل إلى 300 ألف دينار خطية وخمس سنوات سجن وهو ما يؤكد حسب وصفه تشدد القانون الصرفي وبين أن هذا التشدد لم يميز مدى خطوة الجريمة وهو ما أدى إلى ثقل عبء المخالفات.

وبخصوص الصلح أشار السبيعي إلى أنه في علاقة بالجرائم التي لم يقع فيها الحجز الفعلي للمبالغ موضوع المخالفات الصرفية فإن قيمة الخطية عند الصلح تكون بنسبة 110 بالمائة وتبلغ أحيانا 130 بالمائة مثل المخالفة المتعلقة بعدم إرجاع محاصيل الصادرات. ولاحظ أن المخالفات الصرفية أصبحت هاجس المواطن العادي وكذلك المؤسسة والمصدر كما لو أن العملة بضاعة محجرة تحجيرا باتا مثل المخدرات لاحظ أنه أمام هذه الوضعية تعمل الحكومة على إصلاح الوضعية عبر إعداد مشروع مجلة صرف جديدة سيتم بمقتضاها تجاوز العديد من الإشكاليات ويرى ممثل الديوانة أنه يتعين مراجعة المجلة في أقرب الآجال.

وبخصوص مقترح القانون المتعلق بتسوية مخالفات الصرف المعروض على النقاش بين أنور السبيعي أنه لا بد من ملاءمته مع القانون الأساسي المتعلق بتبييض الأموال واستفسر عن سبب إقصاء الأشخاص المعنويين منه والحال أن العديد من الشركات تعاني من مخالفات صرفية تهدد وجودها، أما بالنسبة إلى المخالفات المرتبكة من قبل الأشخاص الطبيعيين فدعا إلى توضيح إن كان قد تم إقصاء غير المقيمين أي التونسيين بالخارج، والأجانب المقيمين بتونس من الذين ليست لهم دراية بقانون الصرف. وذكر العميد أنور السبيعي مدير النزاعات بالإدارة العامة للديوانة بوزارة المالية أن مقترح القانون  تعرض إلى ثلاثة أصناف من المخالفات الصرفية موضوع التسوية وهي عدم التصريح بالمكاسب بالخارج، وعدم إعادة مداخيل المكاسب، ومسك عملات نقدية أجنبية، لكن هناك مخالفات أخرى لم تقع الإشارة إليها في هذا المقترح مثل إرجاع محاصيل الصادرات خارج الآجال القانونية وهي معضلة يعاني منها المصدرون وحالات أخرى مثل التعامل بين المقيم وغير المقيم على خلاف الصيغ القانونية.

رأي البنك المركزي

وقالت المديرة العامة لعمليات الصّرف بالبنك المركزي التونسي روضة بوقديدة إن البنك المركزي يدعم كلّ مبادرة تشريعية من شأنها أن تساهم في تعزيز شفافية المعاملات المالية وتحسين إدماج الموارد بالعملة الأجنبية في الدورة الاقتصادية المنظمة  لما لذلك من أثر إيجابي على الاستقرار النقدي والتوازنات المالية الكبرى للبلاد، وثمنت مقترح القانون المتعلق بتسوية مخالفات الصرف من حيث الأهداف المعلنة والغاية الإصلاحية التي يرمي إليها لكنها دعت المجلس النيابي إلى الأخذ بعين الاعتبار عدّة جوانب تحدثت عنها لاحقا في مداخلتها.

وفسرت بوقديدة الجدوى من قانون الصرف باعتباره إطارًا قانونيًا يهدف إلى تنظيم المعاملات المالية مع الخارج وحماية احتياطي البلاد من العملة القابلة للتحويل. فهو حسب قولها يمكّن الدولة من مراقبة تدفّق الأموال  بالعملات الأجنبية، والحدّ من التصرّفات غير القانونية كتهريب الأموال، بما يساهم في الحفاظ على استقرار الدينار والتوازنات المالية الكبرى. وذكرت أن قانون الصرف يعتبر أداة أساسية لتطبيق السياسة الاقتصادية للدولة وخاصة مع استمرارية مؤشرات اقتصادية تتسم بالهشاشة فيما يخصّ العلاقات
المالية مع الخارج في ظل عجز مزمن للميزان التجاري واحتياطي  بالعملة غير مستقر ونسبة مديونية مرتفعة نسبيا.  وذكرت أن المؤشرات الحالية على سبيل المثال تبين أنّ خدمة الدين الخارجي تستأثر بنسبة هامة من احتياطي
العملة الأجنبية، إذ تتراوح بين 35 بالمائة و45 بالمائة سنويًا، الأمر الذي يفرض ضغطًا متواصلًا على الموارد الخارجية.وقالت إن منظومة الصرف تقوم بالأساس على حماية احتياطي العملة القابلة للتحويل والمساهمة في استقرار الدينار وتأطير المعاملات المالية مع الخارج

واستعرضت بوقديدة إثر ذلك أهم مراحل تطور تشريع الصرف حيث تم القيام سنة 1993 بمراجعة عميقة لمجلة الصرف كرست تحرير العمليات الجارية مع الخارج المرتبطة خاصّة بالنشاط المهني والعمليات ذات الصبغة الشخصية وكذلك عمليات تحويل الأموال بعنوان الاستثمار الأجنبي بتونس، ثم تمت مراجعة مجلة الصرف سنة 2011 بإدراج استثناءات إضافية في خصوص واجبي التصريح بالعملات بالخارج وإعادة المداخيل إلى البلاد التونسية بالنسبة للأشخاص الطبيعيين الذين غيروا مكان إقامتهم من الخارج إلى البلاد التونسية من تاريخ صدور المرسوم عدد 98 لسنة 2011، وأشارت إلى مراجعة الأمر التطبيقي لمجلة الصرف عدة مرات وهو ما كرس مزيدا من الإجراءات التحريرية
خاصة في علاقة بفتح حسابات بالعملة وحيازة العملات وتقليص مجال تراخيص الصرف بالنسبة لعمليات الاستثمار الأجنبي.

دور البنك المركزي

وقالت روضة بوقديدة إنه في إطار مواصلة العمل على تحقيق الأهداف المرجوّة من قانون الصرف وفي إطار مراعاة  التوازن بين متطلبات تحرير العمليات المالية وتبسيط إجراءاتها من جهة ومتطلبات حماية ميزان المدفوعات وحماية العملة الوطنية في هذه المرحلة الدقيقة من جهة ثانية، فقد عمل البنك المركزي التونسي على: اعتماد سياسة في مجال تطبيق تشريع الصرف ترتكز على إصدار مناشير بصفة دورية تتعلق بمراجعة مناشير سابقة أو تخص عمليات جديدة تم تحريرها من الناحية الصرفية، وعمل على إعداد تصور بالتنسيق مع كل الهياكل المعنية حول تطوير منظومة العلاقات المالية مع الخارج عن  طريق سن قانون صرف جديد وذلك بهدف إدخال أكثر مرونة عبر إجراءات آنية تأخذ بعين الاعتبار في نفس الوقت مقتضيات المتعاملين الاقتصاديين وواقع الاقتصاد التونسي وكذلك بهدف فتح المجال لإصلاحات أكثر تقدّما حسب وصفها.

وذكّرت ممثلة البنك المركزي نواب الشعب بأهم الواجبات المحمولة على المقيمين من الناحية الصرفية وبمنظومة الحسابات بالعملة أو بالدينار القابل للتحويل للأشخاص الطبيعيين المقيمين.

التحديات المطروحة

وبخصوص قراءة البنك المركزي لمقترح القانون المتعلق بتسوية مخالفات الصرف أشارت روضة بوقديدة إلى أن هذا المقترح يهدف إلى إتاحة الفرصة للمخالفين لتصحيح أوضاعهم المالية وتجنب الملاحقات القضائية والعقوبات وتعبئة موارد بالعملة للدولة من خلال استرجاع الأموال بالعملة الموجودة بالخارج والعملة المتداولة بالبلاد التونسية بصفة غير قانونية ودمجها في الاقتصاد الوطني، وضخ موارد جديدة بالدينار بعنوان المساهمات التحررية لدعم الخزينة وتكوين فكرة أشمل على مكتسبات التونسيين المقيمين بالخارج وإدماج الأموال في الدورة الاقتصادية الرسمية وتقليص من منابع تمويل السوق الموازية.

وقالت إن مقترح هذا القانون يطرح جملة من التحديات وفسرت ممثلة البنك المركزي التونسي أن إصدار قانون لتسوية مخالفات الصرف قبل المصادقة على مشروع القانون المتعلق بمجلّة الصرف، الذي يهدف إلى تعصير وتبسيط وتسهيل عمليات الصرف المستقبلية وتعزيز الثقة بين الدولة ومواطنيها، يعد معالجة غير مكتملة ويضعف من إمكانيات تحقيق الأهداف وخاصة إقبال الأشخاص على الانتفاع بالتسوية مما يقلل من فرص نجاحه.  كما نبهت نواب الشعب إلى أن إصدار قانون لتسوية مخالفات الصرف يجب أن يتزامن مع استكمال مسار انضمام الجمهورية التونسية إلى اتفاقية التبادل الآلي للمعلومات الجبائية وذلك بإصدار قانون أساسي يتعلّق بالموافقة على انضمام الجمهورية التونسية إلى الاتفاق متعدّد الأطراف بين السلط المختصة بشأن التبادل الآلي للمعلومات المتعلقة بالحسابات المالية الذي من شأنه أن يحفز الأشخاص المعنيين على تسوية وضعياتهم. ومن بين التحديات الأخرى التي يطرحها إصدار قانون يتعلق بتسوية المخالفات الصرفية في الوقت الذي تمر به البلاد التونسية بمرحلة التقييم المتبادل من قبل مجموعة العمل المالي (2025-2026) أشارت بوقديدة في هذا الصدد إلى أن إصداره يمكن أن يعطي رسالة يفهم منها وجود تساهل مع الجرائم الماليّة  وهو ما يؤثر سلبيا على نتائج هذا التقييم ويثير تساؤلات حول جدية الدولة التونسية في احترام معايير الشفافية مما يعرضها لمخاطر تصنيف سلبي دولي. وأضافت أن توقيت إصدار هذا القانون يمكن أن يعكس عدم انسجام على مستوى التوجهات العامة حيث يتزامن من إقرار مبدأ فتح حسابات بالعملة لكّل المقيمين في إطار قانون المالية 2026 مما يتعارض مع مبدأ المساواة بين المواطنين في صورة عدم وضع ضوابط في عمليات تموين هذه الحسابات.

خطوط توجيهية

وخلصت روضة بوقديدة ممثلة البنك المركزي التونسي إلى تقديم جملة من التوصيات أو كما وصفتها بالخطوط التوجيهية التي يجب مراعاتها صلب قانون تسوية المخالفات الصرفية وقالت إنه يجب تحديد المخالفات الصرفية القابلة للتسوية بدقة وتكريس الصبغة الوجوبية لإعادة الأشخاص المعنيين بالتسوية إلى البلاد التونسية لكامل المحاصيل والمداخيل والإيداعات بالعملة وضرورة اعتماد نسب مساهمات تحررية تحفيزية وهو ما من شأنه تشجيع الأشخاص المعنيين على الانخراط في هذا المسار مع ضرورة التنصيص صلب القانون على الإحالة إلى نصٍّ ترتيبيٍّ تطبيقيٍّ وضرورة توحيد الحسابات المقننة بالعملة الأجنبية أو بالدينار القابل للتحويل لفائدة الأشخاص الطبيعيين المقيمين لتفادي تشتت الأطر القانونيّة وتعددها وإمكانيّة التضارب بينها، وضرورة تحديد المدة الزمنية للعفو لضمان الطابع الاستثنائي للإجراء ولحسن تقييمه وقياس نجاعته من خلال ضبط حجم الأموال
 المصرّح بها وعدد المنتفعين والأثر على الاحتياطي من العملة الأجنبية وغيرها.

كما أكدت على ضرورة التنصيص على أن هذا الإجراء الاستثنائي  لا ينتفع به الأشخاص الذين تكون في شأنهم تتبعات عدلية جارية أو صدرت ضدهم أحكام باتة تتعلق بمخالفات الصرف قبل دخول القانون حيز النفاذ  وهو شرط أساسي لضمان عدالة العفو واحترام النظام القانوني حسب قولها، ودعت إلى ضرورة مراعاة متطلبات الهياكل الدولية في مجال مكافحة غسل الأموال.

أما من حيث محتوى مقترح القانون المتعلق بتسوية مخالفات الصرف قالت بوقديدة يجب أن يتضمّن النص المتعلق بالعفو أو نصوصه التطبيقية أحكاما تكرس المبادئ الأربعة الأساسية الصادرة عن مجموعة العمل المالي «قافي» لضمان عدم استغلال مثل هذه القوانين كمطية لغسل الأموال، وتتمثّل هذه المبادئ في التطبيق الفعال لتدابير العناية الواجبة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب؛ وحظر الإعفاء من تطبيق متطلبات العناية الواجبة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والتنسيق والتعاون المحلي على امتداد فترة نفاذ الأحكام والتعاون الدولي بما يمكن البلاد التونسية من تبادل المعلومات مع الدول التي توجد بها الأموال والمكاسب.أما من الناحية الإجرائية  فيجب عرض المشروع على كتابة مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا «المينافاتف» للتثبت من مدى احترامه للمبادئ المذكورة.

وبين النائب ماهر الكتاري ممثل جهة المبادرة التشريعية أن الشباب التونسي لم يعد قادرا على العيش بقانون صدر عام 1976 وذكر أن السؤال الحقيقي هو سياسي وهو هل هناك إرادة لتغيير القانون وأضاف أن وزارة المالية طالما رفضت مقترحات النواب في علاقة بالصرف لكن  عندما أصر النواب على إدراج فصل في مشروع قانون المالية لسنة 2026 تولى رئيس الجمهورية ختم هذا القانون وهذا يدل على أن أعلى هرم في السلطة استمع إلى طلبات الشعب ووافق أعضاء مجلس النواب وبالتالي قال النائب إنه  لا يفهم سبب اعتراض الإدارة عليه. وذكر أنه إضافة إلى مقترح تسوية مخالفات الصرف تم تقديم مقترح قانون آخر يتعلق بمجلة الصرف وهي تتضمن العملة الرقمية والمنصات وغيرها من الآليات ودعا رئيس المجلس النيابي إلى إحالة هذا المقترح خلال اجتماع مكتب المجلس إلى لجنة المالية والميزانية. وأشار إلى وجود تداخل كبير بين النصوص القانونية وعبر عن أمله في أن يتم فتح نقاش صلب اللجنة حول الإشكاليات المطروحة في علاقة بالصرف وفي أن يقع دراج حلول تشريعية لها صلب المبادرة التشريعية وعبر عن استعداد جهة المبادرة للتفاعل مع مقترحات الجميع.

المجلس البنكي والمالي

وقدم ممثلون عن المجلس البنكي والمالي بمناسبة اليوم الدراسي حول مقترح قانون يتعلق بتسوية مخالفات الصرف المنعقد أمس بالأكاديمية البرلمانية مقترحات المجلس لضمان وضوح الأطر القانونية وتكاملها وتسريع تطبيق القانون على أرض الواقع ولدعم الدور الرقابي البنكي، ويمثل مقترح القانون حسب المجلس آلية تشريعية استثنائية تهدف إلى تسوية وضعيات مخالفة لقانون الصرف تعود على فترات سابقة وإدماج السيولة غير المصرح بها ضمن الدورة الاقتصادية والمالية الرسمية بما يساهم في دعم الموارد بالعملة وتحسين الشفافية والتخفيف من النزاعات ذات الصبغة الزجرية. وغير أن نجاعة هذا المقترح عند التطبيق وخاصة على المستوى البنكي تبقى مرتبطة بعدد من العوامل الأساسية من أهمها صرامة منظومة الامتثال، وتوحيد الإجراءات والمفاهيم بين الوسطاء المقبولين، والتمديد في أجل الانتفاع بسنتين حتى يتسنى إصدار النصوص الترتيبية والتواصل مع المواطنين واستيعاب منافع التسوية وتحيين مختلف الأنظمة المعلوماتية. وبخصوص مجال تطبيق القانون، يقترح المجلس البنكي والمالي توسيع مجال التطبيق ليشمل الأشخاص المعنويين وعدم الاقتصار على الأشخاص الطبيعيين بالنظر إلى أن جزء هاما من مخالفات الصرف ترتبط بأنشطة اقتصادية وتجارية تمارسها مؤسسات. ويرى المجلس أنه من شأن هذا التوسيع تعزيز الأثر الاقتصادي للقانون وتكريس مقاربة شاملة لتسوية وضعيات مخالفة والحد من المعالجة الجزئية لمخالفات ذات طبيعية متشابهة.

ولتفادي الازدواجية التشريعية يقترح المجلس البنكي والمالي مراجعة الفصل المتعلق بفتح حسابات بالعملة الأجنبية أو بالدينار القابل للتحويل للأشخاص الطبيعيين وذلك تفاديا للازدواجية التشريعية خاصة لأن هذا المبدأ تم التنصيص عليه بالفصل 98 من قانون المالية لسنة 2026 وهو ما يقتضي توحيد المرجعية القانونية وضمان انسجام النصوص. أما بخصوص آلية التسوية ففي علاقة بالمستندات الإثباتية يرى المجلس ضرورة التنصيص صراحة ضمن نصوص القانون التطبيقية على قائمة موحدة للمستندات الاثباتية المعتمدة لاحتساب مبلغ المساهمة التحريرية وذلك قصد تقليص هامش التأويل وتوحيد الممارسات بين الوسطاء المقبولين وتسهيل الرقابة اللاحقة. وبخصوص نسبة الفائدة التحررية يقترح المجلس تعميق دراسة النسب التحريرية لضمان أكثر نجاح وفاعلية لهذا القانون وتشجيع الأشخاص الطبيعيين للانخراط فيه. وبالنسبة إلى استخلاص الأقساط ففي صورة اعتماد آلية الدفع بالتقسيط يقترح المجلس تحديد الجهة المختصة قانونيا بمتابعة استخلاص الأقساط وضبط مسؤوليات وآليات التنسيق بين الجهة المختصة قانونيا بمتابعة الاستخلاص والوسطاء المقبولين وذلك وفق روزنامة تضبط بقرار من الوزير المكلف بالمالية. أما بخصوص الامتثال  ومكافحة غسل الأموال فقد أكد المجلس البنكي والمالي على ضرورة التنصيص صلب مقترح القانون أو ضمن نصوصه التطبيقية على مرجعية التشريعات المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وخاصة تحديد مسؤوليات مختلف الأطراف المتدخلة  من الوسطاء المقبولين، والمستفيدين، والهياكل الرقابية وذلك ضمانا لانسجام هذا النص مع المنظومة التشريعية الوطنية والالتزامات الدولية للجمهورية التونسية. وخلص المجلس البنكي والمالي  إلى تقديم جملة من المقترحات تتمثل في مزيد توضيح الإطار القانوني المنظم لآليات التسوية وتقليص هامش التأويل وتفاوت التطبيق بين المتدخلين وتحسين قابلية أحكام القانون للتنفيذ  وضمان انسجام النص مع التشريعات الجاري بها العمل خاصة في مجال الصرف ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتوفير شروط تطبيق متوازن يحقق الأهداف الاقتصادية والمالية لمقترح القانون دون المساس بمتطلبات الامتثال.

وحضر اليوم الدراسي عن المجلس البنكي والمالي كل من سنية بلحاج ووليد بحر وأيمن بلحاج وفؤاد شلبي وأمين بومدين.

إعداد مجلة صرف

وتعقيبا على مداخلات النواب بينت ممثلة البنك المركزي روضة بوقديدة أن البنك يطبق القانون ولا يشرع لكن رغم ذلك بادر بإعداد مجلة صرف فيها عدة إصلاحات منها تخفيف الأحكام الجزائية والحط من العقوبات مع مراجعة مفهوم الإقامة وتعديل المعاملات المالية المرتبطة بالاستثمار والاقتصاد. وبالنسبة للعملات الجارية فهي حسب قولها محددة بمبالغ لأن الوضع الاقتصادي في الوقت الراهن لا يتحمل التحرير الكامل للدينار، وأضافت أنها عندما تطرقت إلى التحديات في علاقة بمقترح القانون فقد فعلت ذلك عنوة من اجل ضمان كل مقومات نجاح هذا القانون وبينت أنها أكدت على مسألة توقيت تقديم المشروع لان تونس ستصادق سنة 2026 على الاتفاقيات المتعلقة بالتبادل الآلي للمعلومات المالية وهي ترى أن دراسة توقيت تقديم المقترح مهم جدا وهو لا يعكس انكماش البنك المركزي كما يعتقده البعض لأن البنك المركزي مستعد لفتح أبوابه أمام النواب للنقاش. وإلى جانب روضة بوقديدة فقد شاركت في اليوم الدراسي كل من سعيدة حصايري مديرة بالإدارة العامة لعمليات الصرف بالبنك المركزي وأميرة الرواتبي مديرة بالإدارة العامة لعلميات الصرف بالبنك المركزي التونسي.

وتفاعلا مع مداخلات النواب أشار أنور السبيعي ممثل وزارة المالية إلى أهمية التعاون بين الوظيفتين التشريعية والتنفيذية، وعبر عن تفهمه لرغبة النواب في تحقيق قفزة نوعية لكن لا بد لكل خطوة يتم القيام بها أن تكون مدروسة ودعا إلى دراسة المخاطر التي يمكن أن تترتب عن كل إجراء تم اقتراحه صلب المبادرة التشريعية، وأشار إلى التعاون بين الوزارات لدراسة مشروع قانون مجلة الصرف الجديدة التي سيتم فيها ترتيب الجرائم والعقوبات من جرائم بسيطة وصولا إلى الجرائم الخطرة على الاقتصاد الوطني ويرى أنه من الأفضل أن تصدر مجلة الصرف وبالتوازي يصدر قانون العفو الصرفي.

تناغم بين الوظيفتين

وتطرق رئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة إلى الدور الذي تقوم به الأكاديمية البرلمانية عبر تنظيم أيام دراسية حول المبادرات التشريعية ومشاريع القوانين الأساسية حيث يستمع النواب إلى الإطارات العليا بالدولة ويستوضحون حول بعض المسائل حتى يكون النائب عند الضغط على زر التصويت على دراية تامة بمقترح القانون المعروض لأن القانون ليس عبارة عن إرادة جماعية أو إرادة فردية بل هو عند صدوره يصبح ملزما للدولة. وذكر أن المجلس النيابي يريد أن يكون على درجة عالية من التبصر والحكمة عند تمرير القانون وأضاف أن المجلس متعطش لمشاريع القوانين التي تحدث عنها العديد من الوزراء خلال نقاش مشروع الميزانية  ولا بد أن يكون هناك حد أدنى من التناغم بين الوظيفتين التشريعية والتنفيذية وخلاف لذلك يحصل خلل في وظائف الدولة وهو خطير جدا حسب وصفه بودربالة.

سعيدة بوهلال

في يوم دراسي بالأكاديمية البرلمانية..   مناقشة مبادرة تشريعية تتعلق بتسوية مخالفات الصرف

-  النواب يطالبون بالتسريع في مراجعة مجلة الصرف

في انتظار إحالة مقترح القانون المتعلق بمجلة الصرف الذي تم تقديمه من قبل مجموعة من أعضاء مجلس نواب الشعب إلى لجنة المالية والميزانية، نظمت الأكاديمية البرلمانية أمس بقصر باردو بحضور ممثلين عن الإدارة العامة للديوانة بوزارة المالية والبنك المركزي التونسي والمجلس البنكي والمالي يوما دراسيا  حول المبادرة التشريعية المتعلقة بتسوية مخالفات الصرف المعروض على أنظار اللجنة.

وخلال النقاش استعرض أصحاب هذه المبادرة وفي مقدمتهم النائب ماهر الكتاري أسباب تقديمها وفسروا مضامينها وعبروا عن استعدادهم للتفاعل الإيجابي مع مقترحات إثرائها.  وطالب العديد من النواب بالتسريع في مراجعة الترسانة القانونية ذات العلاقة بمجال الصرف وتلافي تعدد النصوص وتشعبها، وعددوا النقائص التي تشوبها وانتقوا طابعها الزجري، وقالوا إن العديد من المواطنين ارتكبوا مخالفات عن جهل بقانون  وتعرضوا إلى عقوبات سالبة للحرية وخطايا مالية بمبالغ خيالية، وعبروا عن رغبتهم في التخلي عن التشريعات البالية والمضي في تحقيق الثورة التشريعية التي يتطلع إليها الشعب التونسي وطالبوا بسن مجلة جديدة للصرف وإنهاء العمل بالقانون عدد 18 لسنة 1976 المؤرخ في 21 جانفي 1976 المتعلق بمراجعة وتدوين التشريع الخاص بالصرف والتجارة الخارجية والمنظم للعلاقات بين البلاد التونسية والبلدان الأجنبية وهو حسب رأي بعضهم لم يعد مواكبا للعصر  ولا يستجيب للتطورات التي يشهدها العالم، وهناك منهم من اقترح على الحكومة الجلوس على طاولة واحدة مع المجلس النيابي  للتفكير معا في حلول تشريعية للمشاكل المطروحة في علاقة بالصرف.

وقبل النقاش العام قدم رئيس لجنة المالية والميزانية بالبرلمان عبد الجليل الهاني بسطة حول مضامين مقترح القانون المتعلق بتسوية مخالفات الصرف الذي تضمن حسب قوله جملة من الأحكام الرامية للعفو الصرفي  وفتح حسابات بالعملة وذكر أن اللجنة نظمت جلستين حوله ودعت كل المتدخلين في المجال المالي والصرفي ليوم دراسي تم تنظيمه حول مشاكل مجلة الصرف الصادرة عام 1976 والتي تم تنقيحها في الثمانينات. وأضاف أن تونس مازالت تعمل بنظم قانونية تجاوزتها الأحداث حيث خلقت أنواع جديدة من العملات منها العملات المشفرة وشهد العالم في السنوات الأخيرة تطورات تكنولوجية بوتيرة كبيرة جدا. وذهب الهاني إلى أن العملة الورقية التي تتم حمايتها في تونس بقوانين عدة تم سنها في الستينات قد تندثر تلك العملة بعد عشرين سنة ويتم تعويضها بعملات أخرى. ونبه رئيس اللجنة إلى مشكلتين في مجال الصرف يتعلق الأول بالقوانين الجاري بها العمل والتي لم تواكب تطور العملات ولم تستجب لحاجيات المؤسسات الناشئة التي يستثمر فيها فئة كبيرة من الشباب الذين يتعاملون مع الخارج ويجتهدون لتوفير موارد رزق وموارد من العملة الأجنبية أما المشكل الثاني فيتمثل حسب قوله في أن مجلة الصرف الحالية تجعل المواطن المقيم يخاف من مسك العملة لأنه حتى وإن كان المبلغ فإن حمله دون ترخيص من البنك المركزي يترتب عنه عقوبة مالية وعقوبة سالبة للحرية. ويرى الهاني أنه لا بد من تغيير هذه القوانين لمواكبة التطورات العالمية وأضاف أن المقترح تضمن سن عفو صرفي على المقيمين وذكر أنه مع معاقبة من ارتكب مخالفات بشكل متعمد لكن هناك من قاموا بمخالفات عن حسن نية وهو ما تسبب لهم في عديد الخطايا المثقلة ومنها على سبيل الذكر عندما يفتح التونسي حسابا بالخارج دون ترخيص فيجد نفسه عند العودة إلى تونس محل عقوبات على معنى مجلة الصرف، وأكد رئيس اللجنة أن مقترح القانون استثنى من عمليات تسوية مخالفات الصرف الحالات التي فيها شبهات فساد أو تمويل الإرهاب وغسل الأموال وخلص إلى التأكيد على أهمية القيام بعفو وبمصالحة شاملة بما يسمح باسترجاع الموارد وتنمية المداخيل بالخارج وتنمية المخزون من العملة الأجنبية بالبنك المركزي، وعبر عن أمله في تمرير مقترح القانون المتعلق بتسوية مخالفات الصرف. وذكر أن لجنة المالية والميزانية مازالت إلى اليوم تنتظر من الحكومة تقديم مشروع مجلة صرف جديدة.

جرائم صرفية

وتطرق مدير النزاعات بالإدارة العامة للديوانة بوزارة المالية العميد أنور السبيعي إلى وضعية المخالفات الصرفية الحالية. وذكر أن العديد من الأشخاص يجدون أنفسهم متورطين في جريمة صرفية دون أن تكون لهم دراية بها وكذلك الشأن بالنسبة إلى المؤسسات. ونبه من تنامي المخالفات والجرائم الصرفية بشكل متزايد جراء كثرة النصوص القانونية والترتيبية وتشعبها وتداخلها في علاقة بقانون الصرف منها على سبيل الذكر قانون التجارة الخارجية ومجلة الديوانة وقانون مكافحة الإرهاب ومنع تبييض الأموال وعديد النصوص الأخرى بما أدى إلى عدم وضوح الرؤية أمام المتعاملين من أشخاص طبيعية أو معنوية. وقال إنه في علاقة بعملية توريد العملة فإن قانون الصرف يتيح حرية تامة شرط إيداع العملة لدى وسيط بنكي مع إمكانية الاحتفاظ بالمبلغ طيلة فترة الإقامة، وعند إعادة تصدير المبالغ من العملة فهي إذا فاقت خمسة آلاف دينار فيجب التصريح بها لدى الدخول وفي سنة 2018 صدر عن وزير المالية إعلان صرف نص على أنه لا يمكن تصدير مبالغ نقدية تفوق 30 ألف دينار، وأوضح أنه بالنسبة إلى القانون الأساسي لمكافحة تبييض الأموال فقد نص على التصريح لدى مصالح الديونة بالمبالغ التي تعادل أو تفوق مبلغ يتم ضبطه بقرار من وزيرة المالية وتم ضبط المبلغ بعشرين ألف دينار، أما في مجلة الديوانية فإن توريد بضائع محجرة دون التصريح بها لدى مصالح الديوانة يشكل جريمة ديوانية يعاقب مرتكبها، وفسر انه بسبب تداخل القوانين فان توريد العملة يصبح عملية معقدة، وإضافة إلى ذلك استدل ممثل الديوانة عند حديثه عن تشعب المنظومة القانونية بمثال آخر وهو يتعلق بتعريف مفهوم  الأشخاص المقيمين وغير المقيمين فهذا التعريف يختلف من مجلة الصرف إلى القانون الجبائي فالقانون المتعلق بالأنشطة الاقتصادية وقانون الاستثمار ومجلة المحروقات  والقانون المتعلق بالمؤسسات الصحية التي تسدي خدماتها لغير المقيمين وغيرها فبتداخل العديد من القوانين يفقد المفهوم معناه وخلص إلى أن هذه الوضعية أدت إلى عدم فهم مجلة الصرف والالتزامات الصرفية المحمولة على المقيمين وغير المقيمين وهو ما تسبب في تطور المخالفات الصرفية. وقال إن هذا الغموض يقابله تشدد في زجر الجرائم الصرفية إذ نصت مجلة الصرف على فصل وحيد فيه عقوبة بالسجن من شهر إلى خمس سنوات وخطية مالية.. ويشمل هذا الفصل كامل الجرائم الصرفيه مهما كانت درجة خطورتها فالمواطن الذي يسافر ويحمل معه مائة دينار يكون قد ارتكب مخالفة صرفية والأحكام تصل إلى 300 ألف دينار خطية وخمس سنوات سجن وهو ما يؤكد حسب وصفه تشدد القانون الصرفي وبين أن هذا التشدد لم يميز مدى خطوة الجريمة وهو ما أدى إلى ثقل عبء المخالفات.

وبخصوص الصلح أشار السبيعي إلى أنه في علاقة بالجرائم التي لم يقع فيها الحجز الفعلي للمبالغ موضوع المخالفات الصرفية فإن قيمة الخطية عند الصلح تكون بنسبة 110 بالمائة وتبلغ أحيانا 130 بالمائة مثل المخالفة المتعلقة بعدم إرجاع محاصيل الصادرات. ولاحظ أن المخالفات الصرفية أصبحت هاجس المواطن العادي وكذلك المؤسسة والمصدر كما لو أن العملة بضاعة محجرة تحجيرا باتا مثل المخدرات لاحظ أنه أمام هذه الوضعية تعمل الحكومة على إصلاح الوضعية عبر إعداد مشروع مجلة صرف جديدة سيتم بمقتضاها تجاوز العديد من الإشكاليات ويرى ممثل الديوانة أنه يتعين مراجعة المجلة في أقرب الآجال.

وبخصوص مقترح القانون المتعلق بتسوية مخالفات الصرف المعروض على النقاش بين أنور السبيعي أنه لا بد من ملاءمته مع القانون الأساسي المتعلق بتبييض الأموال واستفسر عن سبب إقصاء الأشخاص المعنويين منه والحال أن العديد من الشركات تعاني من مخالفات صرفية تهدد وجودها، أما بالنسبة إلى المخالفات المرتبكة من قبل الأشخاص الطبيعيين فدعا إلى توضيح إن كان قد تم إقصاء غير المقيمين أي التونسيين بالخارج، والأجانب المقيمين بتونس من الذين ليست لهم دراية بقانون الصرف. وذكر العميد أنور السبيعي مدير النزاعات بالإدارة العامة للديوانة بوزارة المالية أن مقترح القانون  تعرض إلى ثلاثة أصناف من المخالفات الصرفية موضوع التسوية وهي عدم التصريح بالمكاسب بالخارج، وعدم إعادة مداخيل المكاسب، ومسك عملات نقدية أجنبية، لكن هناك مخالفات أخرى لم تقع الإشارة إليها في هذا المقترح مثل إرجاع محاصيل الصادرات خارج الآجال القانونية وهي معضلة يعاني منها المصدرون وحالات أخرى مثل التعامل بين المقيم وغير المقيم على خلاف الصيغ القانونية.

رأي البنك المركزي

وقالت المديرة العامة لعمليات الصّرف بالبنك المركزي التونسي روضة بوقديدة إن البنك المركزي يدعم كلّ مبادرة تشريعية من شأنها أن تساهم في تعزيز شفافية المعاملات المالية وتحسين إدماج الموارد بالعملة الأجنبية في الدورة الاقتصادية المنظمة  لما لذلك من أثر إيجابي على الاستقرار النقدي والتوازنات المالية الكبرى للبلاد، وثمنت مقترح القانون المتعلق بتسوية مخالفات الصرف من حيث الأهداف المعلنة والغاية الإصلاحية التي يرمي إليها لكنها دعت المجلس النيابي إلى الأخذ بعين الاعتبار عدّة جوانب تحدثت عنها لاحقا في مداخلتها.

وفسرت بوقديدة الجدوى من قانون الصرف باعتباره إطارًا قانونيًا يهدف إلى تنظيم المعاملات المالية مع الخارج وحماية احتياطي البلاد من العملة القابلة للتحويل. فهو حسب قولها يمكّن الدولة من مراقبة تدفّق الأموال  بالعملات الأجنبية، والحدّ من التصرّفات غير القانونية كتهريب الأموال، بما يساهم في الحفاظ على استقرار الدينار والتوازنات المالية الكبرى. وذكرت أن قانون الصرف يعتبر أداة أساسية لتطبيق السياسة الاقتصادية للدولة وخاصة مع استمرارية مؤشرات اقتصادية تتسم بالهشاشة فيما يخصّ العلاقات
المالية مع الخارج في ظل عجز مزمن للميزان التجاري واحتياطي  بالعملة غير مستقر ونسبة مديونية مرتفعة نسبيا.  وذكرت أن المؤشرات الحالية على سبيل المثال تبين أنّ خدمة الدين الخارجي تستأثر بنسبة هامة من احتياطي
العملة الأجنبية، إذ تتراوح بين 35 بالمائة و45 بالمائة سنويًا، الأمر الذي يفرض ضغطًا متواصلًا على الموارد الخارجية.وقالت إن منظومة الصرف تقوم بالأساس على حماية احتياطي العملة القابلة للتحويل والمساهمة في استقرار الدينار وتأطير المعاملات المالية مع الخارج

واستعرضت بوقديدة إثر ذلك أهم مراحل تطور تشريع الصرف حيث تم القيام سنة 1993 بمراجعة عميقة لمجلة الصرف كرست تحرير العمليات الجارية مع الخارج المرتبطة خاصّة بالنشاط المهني والعمليات ذات الصبغة الشخصية وكذلك عمليات تحويل الأموال بعنوان الاستثمار الأجنبي بتونس، ثم تمت مراجعة مجلة الصرف سنة 2011 بإدراج استثناءات إضافية في خصوص واجبي التصريح بالعملات بالخارج وإعادة المداخيل إلى البلاد التونسية بالنسبة للأشخاص الطبيعيين الذين غيروا مكان إقامتهم من الخارج إلى البلاد التونسية من تاريخ صدور المرسوم عدد 98 لسنة 2011، وأشارت إلى مراجعة الأمر التطبيقي لمجلة الصرف عدة مرات وهو ما كرس مزيدا من الإجراءات التحريرية
خاصة في علاقة بفتح حسابات بالعملة وحيازة العملات وتقليص مجال تراخيص الصرف بالنسبة لعمليات الاستثمار الأجنبي.

دور البنك المركزي

وقالت روضة بوقديدة إنه في إطار مواصلة العمل على تحقيق الأهداف المرجوّة من قانون الصرف وفي إطار مراعاة  التوازن بين متطلبات تحرير العمليات المالية وتبسيط إجراءاتها من جهة ومتطلبات حماية ميزان المدفوعات وحماية العملة الوطنية في هذه المرحلة الدقيقة من جهة ثانية، فقد عمل البنك المركزي التونسي على: اعتماد سياسة في مجال تطبيق تشريع الصرف ترتكز على إصدار مناشير بصفة دورية تتعلق بمراجعة مناشير سابقة أو تخص عمليات جديدة تم تحريرها من الناحية الصرفية، وعمل على إعداد تصور بالتنسيق مع كل الهياكل المعنية حول تطوير منظومة العلاقات المالية مع الخارج عن  طريق سن قانون صرف جديد وذلك بهدف إدخال أكثر مرونة عبر إجراءات آنية تأخذ بعين الاعتبار في نفس الوقت مقتضيات المتعاملين الاقتصاديين وواقع الاقتصاد التونسي وكذلك بهدف فتح المجال لإصلاحات أكثر تقدّما حسب وصفها.

وذكّرت ممثلة البنك المركزي نواب الشعب بأهم الواجبات المحمولة على المقيمين من الناحية الصرفية وبمنظومة الحسابات بالعملة أو بالدينار القابل للتحويل للأشخاص الطبيعيين المقيمين.

التحديات المطروحة

وبخصوص قراءة البنك المركزي لمقترح القانون المتعلق بتسوية مخالفات الصرف أشارت روضة بوقديدة إلى أن هذا المقترح يهدف إلى إتاحة الفرصة للمخالفين لتصحيح أوضاعهم المالية وتجنب الملاحقات القضائية والعقوبات وتعبئة موارد بالعملة للدولة من خلال استرجاع الأموال بالعملة الموجودة بالخارج والعملة المتداولة بالبلاد التونسية بصفة غير قانونية ودمجها في الاقتصاد الوطني، وضخ موارد جديدة بالدينار بعنوان المساهمات التحررية لدعم الخزينة وتكوين فكرة أشمل على مكتسبات التونسيين المقيمين بالخارج وإدماج الأموال في الدورة الاقتصادية الرسمية وتقليص من منابع تمويل السوق الموازية.

وقالت إن مقترح هذا القانون يطرح جملة من التحديات وفسرت ممثلة البنك المركزي التونسي أن إصدار قانون لتسوية مخالفات الصرف قبل المصادقة على مشروع القانون المتعلق بمجلّة الصرف، الذي يهدف إلى تعصير وتبسيط وتسهيل عمليات الصرف المستقبلية وتعزيز الثقة بين الدولة ومواطنيها، يعد معالجة غير مكتملة ويضعف من إمكانيات تحقيق الأهداف وخاصة إقبال الأشخاص على الانتفاع بالتسوية مما يقلل من فرص نجاحه.  كما نبهت نواب الشعب إلى أن إصدار قانون لتسوية مخالفات الصرف يجب أن يتزامن مع استكمال مسار انضمام الجمهورية التونسية إلى اتفاقية التبادل الآلي للمعلومات الجبائية وذلك بإصدار قانون أساسي يتعلّق بالموافقة على انضمام الجمهورية التونسية إلى الاتفاق متعدّد الأطراف بين السلط المختصة بشأن التبادل الآلي للمعلومات المتعلقة بالحسابات المالية الذي من شأنه أن يحفز الأشخاص المعنيين على تسوية وضعياتهم. ومن بين التحديات الأخرى التي يطرحها إصدار قانون يتعلق بتسوية المخالفات الصرفية في الوقت الذي تمر به البلاد التونسية بمرحلة التقييم المتبادل من قبل مجموعة العمل المالي (2025-2026) أشارت بوقديدة في هذا الصدد إلى أن إصداره يمكن أن يعطي رسالة يفهم منها وجود تساهل مع الجرائم الماليّة  وهو ما يؤثر سلبيا على نتائج هذا التقييم ويثير تساؤلات حول جدية الدولة التونسية في احترام معايير الشفافية مما يعرضها لمخاطر تصنيف سلبي دولي. وأضافت أن توقيت إصدار هذا القانون يمكن أن يعكس عدم انسجام على مستوى التوجهات العامة حيث يتزامن من إقرار مبدأ فتح حسابات بالعملة لكّل المقيمين في إطار قانون المالية 2026 مما يتعارض مع مبدأ المساواة بين المواطنين في صورة عدم وضع ضوابط في عمليات تموين هذه الحسابات.

خطوط توجيهية

وخلصت روضة بوقديدة ممثلة البنك المركزي التونسي إلى تقديم جملة من التوصيات أو كما وصفتها بالخطوط التوجيهية التي يجب مراعاتها صلب قانون تسوية المخالفات الصرفية وقالت إنه يجب تحديد المخالفات الصرفية القابلة للتسوية بدقة وتكريس الصبغة الوجوبية لإعادة الأشخاص المعنيين بالتسوية إلى البلاد التونسية لكامل المحاصيل والمداخيل والإيداعات بالعملة وضرورة اعتماد نسب مساهمات تحررية تحفيزية وهو ما من شأنه تشجيع الأشخاص المعنيين على الانخراط في هذا المسار مع ضرورة التنصيص صلب القانون على الإحالة إلى نصٍّ ترتيبيٍّ تطبيقيٍّ وضرورة توحيد الحسابات المقننة بالعملة الأجنبية أو بالدينار القابل للتحويل لفائدة الأشخاص الطبيعيين المقيمين لتفادي تشتت الأطر القانونيّة وتعددها وإمكانيّة التضارب بينها، وضرورة تحديد المدة الزمنية للعفو لضمان الطابع الاستثنائي للإجراء ولحسن تقييمه وقياس نجاعته من خلال ضبط حجم الأموال
 المصرّح بها وعدد المنتفعين والأثر على الاحتياطي من العملة الأجنبية وغيرها.

كما أكدت على ضرورة التنصيص على أن هذا الإجراء الاستثنائي  لا ينتفع به الأشخاص الذين تكون في شأنهم تتبعات عدلية جارية أو صدرت ضدهم أحكام باتة تتعلق بمخالفات الصرف قبل دخول القانون حيز النفاذ  وهو شرط أساسي لضمان عدالة العفو واحترام النظام القانوني حسب قولها، ودعت إلى ضرورة مراعاة متطلبات الهياكل الدولية في مجال مكافحة غسل الأموال.

أما من حيث محتوى مقترح القانون المتعلق بتسوية مخالفات الصرف قالت بوقديدة يجب أن يتضمّن النص المتعلق بالعفو أو نصوصه التطبيقية أحكاما تكرس المبادئ الأربعة الأساسية الصادرة عن مجموعة العمل المالي «قافي» لضمان عدم استغلال مثل هذه القوانين كمطية لغسل الأموال، وتتمثّل هذه المبادئ في التطبيق الفعال لتدابير العناية الواجبة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب؛ وحظر الإعفاء من تطبيق متطلبات العناية الواجبة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والتنسيق والتعاون المحلي على امتداد فترة نفاذ الأحكام والتعاون الدولي بما يمكن البلاد التونسية من تبادل المعلومات مع الدول التي توجد بها الأموال والمكاسب.أما من الناحية الإجرائية  فيجب عرض المشروع على كتابة مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا «المينافاتف» للتثبت من مدى احترامه للمبادئ المذكورة.

وبين النائب ماهر الكتاري ممثل جهة المبادرة التشريعية أن الشباب التونسي لم يعد قادرا على العيش بقانون صدر عام 1976 وذكر أن السؤال الحقيقي هو سياسي وهو هل هناك إرادة لتغيير القانون وأضاف أن وزارة المالية طالما رفضت مقترحات النواب في علاقة بالصرف لكن  عندما أصر النواب على إدراج فصل في مشروع قانون المالية لسنة 2026 تولى رئيس الجمهورية ختم هذا القانون وهذا يدل على أن أعلى هرم في السلطة استمع إلى طلبات الشعب ووافق أعضاء مجلس النواب وبالتالي قال النائب إنه  لا يفهم سبب اعتراض الإدارة عليه. وذكر أنه إضافة إلى مقترح تسوية مخالفات الصرف تم تقديم مقترح قانون آخر يتعلق بمجلة الصرف وهي تتضمن العملة الرقمية والمنصات وغيرها من الآليات ودعا رئيس المجلس النيابي إلى إحالة هذا المقترح خلال اجتماع مكتب المجلس إلى لجنة المالية والميزانية. وأشار إلى وجود تداخل كبير بين النصوص القانونية وعبر عن أمله في أن يتم فتح نقاش صلب اللجنة حول الإشكاليات المطروحة في علاقة بالصرف وفي أن يقع دراج حلول تشريعية لها صلب المبادرة التشريعية وعبر عن استعداد جهة المبادرة للتفاعل مع مقترحات الجميع.

المجلس البنكي والمالي

وقدم ممثلون عن المجلس البنكي والمالي بمناسبة اليوم الدراسي حول مقترح قانون يتعلق بتسوية مخالفات الصرف المنعقد أمس بالأكاديمية البرلمانية مقترحات المجلس لضمان وضوح الأطر القانونية وتكاملها وتسريع تطبيق القانون على أرض الواقع ولدعم الدور الرقابي البنكي، ويمثل مقترح القانون حسب المجلس آلية تشريعية استثنائية تهدف إلى تسوية وضعيات مخالفة لقانون الصرف تعود على فترات سابقة وإدماج السيولة غير المصرح بها ضمن الدورة الاقتصادية والمالية الرسمية بما يساهم في دعم الموارد بالعملة وتحسين الشفافية والتخفيف من النزاعات ذات الصبغة الزجرية. وغير أن نجاعة هذا المقترح عند التطبيق وخاصة على المستوى البنكي تبقى مرتبطة بعدد من العوامل الأساسية من أهمها صرامة منظومة الامتثال، وتوحيد الإجراءات والمفاهيم بين الوسطاء المقبولين، والتمديد في أجل الانتفاع بسنتين حتى يتسنى إصدار النصوص الترتيبية والتواصل مع المواطنين واستيعاب منافع التسوية وتحيين مختلف الأنظمة المعلوماتية. وبخصوص مجال تطبيق القانون، يقترح المجلس البنكي والمالي توسيع مجال التطبيق ليشمل الأشخاص المعنويين وعدم الاقتصار على الأشخاص الطبيعيين بالنظر إلى أن جزء هاما من مخالفات الصرف ترتبط بأنشطة اقتصادية وتجارية تمارسها مؤسسات. ويرى المجلس أنه من شأن هذا التوسيع تعزيز الأثر الاقتصادي للقانون وتكريس مقاربة شاملة لتسوية وضعيات مخالفة والحد من المعالجة الجزئية لمخالفات ذات طبيعية متشابهة.

ولتفادي الازدواجية التشريعية يقترح المجلس البنكي والمالي مراجعة الفصل المتعلق بفتح حسابات بالعملة الأجنبية أو بالدينار القابل للتحويل للأشخاص الطبيعيين وذلك تفاديا للازدواجية التشريعية خاصة لأن هذا المبدأ تم التنصيص عليه بالفصل 98 من قانون المالية لسنة 2026 وهو ما يقتضي توحيد المرجعية القانونية وضمان انسجام النصوص. أما بخصوص آلية التسوية ففي علاقة بالمستندات الإثباتية يرى المجلس ضرورة التنصيص صراحة ضمن نصوص القانون التطبيقية على قائمة موحدة للمستندات الاثباتية المعتمدة لاحتساب مبلغ المساهمة التحريرية وذلك قصد تقليص هامش التأويل وتوحيد الممارسات بين الوسطاء المقبولين وتسهيل الرقابة اللاحقة. وبخصوص نسبة الفائدة التحررية يقترح المجلس تعميق دراسة النسب التحريرية لضمان أكثر نجاح وفاعلية لهذا القانون وتشجيع الأشخاص الطبيعيين للانخراط فيه. وبالنسبة إلى استخلاص الأقساط ففي صورة اعتماد آلية الدفع بالتقسيط يقترح المجلس تحديد الجهة المختصة قانونيا بمتابعة استخلاص الأقساط وضبط مسؤوليات وآليات التنسيق بين الجهة المختصة قانونيا بمتابعة الاستخلاص والوسطاء المقبولين وذلك وفق روزنامة تضبط بقرار من الوزير المكلف بالمالية. أما بخصوص الامتثال  ومكافحة غسل الأموال فقد أكد المجلس البنكي والمالي على ضرورة التنصيص صلب مقترح القانون أو ضمن نصوصه التطبيقية على مرجعية التشريعات المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وخاصة تحديد مسؤوليات مختلف الأطراف المتدخلة  من الوسطاء المقبولين، والمستفيدين، والهياكل الرقابية وذلك ضمانا لانسجام هذا النص مع المنظومة التشريعية الوطنية والالتزامات الدولية للجمهورية التونسية. وخلص المجلس البنكي والمالي  إلى تقديم جملة من المقترحات تتمثل في مزيد توضيح الإطار القانوني المنظم لآليات التسوية وتقليص هامش التأويل وتفاوت التطبيق بين المتدخلين وتحسين قابلية أحكام القانون للتنفيذ  وضمان انسجام النص مع التشريعات الجاري بها العمل خاصة في مجال الصرف ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتوفير شروط تطبيق متوازن يحقق الأهداف الاقتصادية والمالية لمقترح القانون دون المساس بمتطلبات الامتثال.

وحضر اليوم الدراسي عن المجلس البنكي والمالي كل من سنية بلحاج ووليد بحر وأيمن بلحاج وفؤاد شلبي وأمين بومدين.

إعداد مجلة صرف

وتعقيبا على مداخلات النواب بينت ممثلة البنك المركزي روضة بوقديدة أن البنك يطبق القانون ولا يشرع لكن رغم ذلك بادر بإعداد مجلة صرف فيها عدة إصلاحات منها تخفيف الأحكام الجزائية والحط من العقوبات مع مراجعة مفهوم الإقامة وتعديل المعاملات المالية المرتبطة بالاستثمار والاقتصاد. وبالنسبة للعملات الجارية فهي حسب قولها محددة بمبالغ لأن الوضع الاقتصادي في الوقت الراهن لا يتحمل التحرير الكامل للدينار، وأضافت أنها عندما تطرقت إلى التحديات في علاقة بمقترح القانون فقد فعلت ذلك عنوة من اجل ضمان كل مقومات نجاح هذا القانون وبينت أنها أكدت على مسألة توقيت تقديم المشروع لان تونس ستصادق سنة 2026 على الاتفاقيات المتعلقة بالتبادل الآلي للمعلومات المالية وهي ترى أن دراسة توقيت تقديم المقترح مهم جدا وهو لا يعكس انكماش البنك المركزي كما يعتقده البعض لأن البنك المركزي مستعد لفتح أبوابه أمام النواب للنقاش. وإلى جانب روضة بوقديدة فقد شاركت في اليوم الدراسي كل من سعيدة حصايري مديرة بالإدارة العامة لعمليات الصرف بالبنك المركزي وأميرة الرواتبي مديرة بالإدارة العامة لعلميات الصرف بالبنك المركزي التونسي.

وتفاعلا مع مداخلات النواب أشار أنور السبيعي ممثل وزارة المالية إلى أهمية التعاون بين الوظيفتين التشريعية والتنفيذية، وعبر عن تفهمه لرغبة النواب في تحقيق قفزة نوعية لكن لا بد لكل خطوة يتم القيام بها أن تكون مدروسة ودعا إلى دراسة المخاطر التي يمكن أن تترتب عن كل إجراء تم اقتراحه صلب المبادرة التشريعية، وأشار إلى التعاون بين الوزارات لدراسة مشروع قانون مجلة الصرف الجديدة التي سيتم فيها ترتيب الجرائم والعقوبات من جرائم بسيطة وصولا إلى الجرائم الخطرة على الاقتصاد الوطني ويرى أنه من الأفضل أن تصدر مجلة الصرف وبالتوازي يصدر قانون العفو الصرفي.

تناغم بين الوظيفتين

وتطرق رئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة إلى الدور الذي تقوم به الأكاديمية البرلمانية عبر تنظيم أيام دراسية حول المبادرات التشريعية ومشاريع القوانين الأساسية حيث يستمع النواب إلى الإطارات العليا بالدولة ويستوضحون حول بعض المسائل حتى يكون النائب عند الضغط على زر التصويت على دراية تامة بمقترح القانون المعروض لأن القانون ليس عبارة عن إرادة جماعية أو إرادة فردية بل هو عند صدوره يصبح ملزما للدولة. وذكر أن المجلس النيابي يريد أن يكون على درجة عالية من التبصر والحكمة عند تمرير القانون وأضاف أن المجلس متعطش لمشاريع القوانين التي تحدث عنها العديد من الوزراء خلال نقاش مشروع الميزانية  ولا بد أن يكون هناك حد أدنى من التناغم بين الوظيفتين التشريعية والتنفيذية وخلاف لذلك يحصل خلل في وظائف الدولة وهو خطير جدا حسب وصفه بودربالة.

سعيدة بوهلال