إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

رؤية جديدة لإصلاح المنظومات.. الفلاحة مجدداً في صدارة الاهتمامات

مرة أخرى، يضع رئيس الجمهورية قيس سعيّد الفلاحة في صدارة الأولويات الوطنية، بوصفها ركيزة سيادية تمس من جوهر الأمن القومي والكرامة الوطنية.

فالفلاحة، وفقا للتوجه الذي تتبناه الدولة في أعلى هرمها، لا تمثل مجرد نشاط اقتصادي هامشي، وإنما هي خط الدفاع الأول عن استقلال القرار الوطني وضمان استمرارية الدولة في عالم تتزايد فيه الأزمات الغذائية.

ومن هذا المنطلق، يندرج الاجتماع المنعقد بقصر قرطاج عصر الخامس عشر من ديسمبر الجاري، والذي جمع رئيس الجمهورية قيس سعيّد برئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزير الفلاحة عز الدين بالشيخ، ضمن مسار واضح يعيد الاعتبار للفلاح التونسي، وخاصة صغار الفلاحين، ويضعهم في قلب السياسات العمومية للدولة.

هذا اللقاء مثّل محطة جديدة أعاد من خلالها رئيس الجمهورية قيس سعيّد التأكيد على ضرورة تذليل كافة الصعوبات التي تعترض صغار الفلاحين في حلقات ما بعد الإنتاج: من عصر الزيتون إلى التخزين ثم التسويق. وهي مقاربة تعكس في جوهرها إدراكا بأن الإشكال لا يكمن في الأرض ولا في الفلاح وإنما في منظومة تعطلت وتعثرت على مدار عقود.

ودعا رئيس الدولة قيس سعيّد في هذا الإطار إلى تعبئة شاملة لمختلف الهياكل المتداخلة من أجل رفع العراقيل التي تواجه صغار الفلاحين، وضمان الظروف الكفيلة بتثمين مجهوداتهم وحماية حقوقهم، بما يرسّخ موقعهم كحلقة أساسية في المنظومة الفلاحية والسياسات العمومية للدولة.

من المعالجات إلى الإصلاح الهيكلي

ويعكس هذا الطرح توجها واضحا تتبناه الدولة في أعلى هرمها نحو الانتقال من منطق المعالجات الظرفية إلى منطق الإصلاح الهيكلي الشامل لمنظومة الزيتون، بما يضمن إنصاف صغار الفلاحين وحمايتهم من إخلالات السوق. فالدعوة إلى تذليل الصعوبات في مراحل العصر والتخزين والتسويق لا تنفصل عن وعي عميق بأن هذه الحلقات تمثل محور الإشكال الذي يهدر مجهود الفلاح ويقلل من مردوديته. كما أن التشديد على تضافر جهود مختلف الأطراف وابتكار إجراءات جديدة يعكس رغبة في كسر الأساليب التقليدية التي أثبتت محدوديتها، وفتح المجال أمام مقاربات أكثر نجاعة ومرونة.

وفي هذا السياق، تكتسب دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى إقرار خطوط تمويل ميسرة والبحث عن أسواق جديدة وتحديد سعر مرجعي دلالات سياسية واقتصادية واضحة، إذ تعكس في طياتها أن الدولة مطالبة بلعب دور تعديلي وحمائي يضمن توازن المنظومة ويحفظ حقوق الفلاحين كاملة، بعيدا عن منطق المضاربة والاحتكار. وهو توجّه يرسّخ قناعة مفادها أن دعم الفلاح لا يتحقق فقط بزيادة الإنتاج، بل أساسا بضمان شروط عادلة لتصريفه وتسويقه، بما يحوّل الجهد الفلاحي إلى قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.

ومن محطة إلى أخرى، يرتقي خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيّد من رصد الإشكالات القائمة إلى تسمية مكامن الخلل وتحميل المسؤوليات، وفقا لرؤية تقوم على الوضوح والحزم، وتقطع مع منطق التبرير، بما يرسّخ ثقافة المحاسبة، ويجعل من تحمل المسؤولية ركيزة أساسية لإنصاف الفلاحين وإنجاح السياسات العمومية.

فقد أكد رئيس الدولة قيس سعيّد، إثر هذا اللقاء، أنه لا عذر لأحد في التردد أو التحفظ، وأن تونس دولة موحدة وعلى الجميع، في القطاعين العام كما الخاص، أن يتحمل مسؤوليته كاملة في تحقيق طموحات الشعب التونسي. فحين يدعو الوطن إلى الواجب، فلا مجال للتقاعس أو الحسابات الضيقة، خاصة عندما يتعلق الأمر بثروة وطنية استراتيجية كالزيتون، الذي يمثل تاريخيا واقتصاديا أحد أعمدة الهوية الفلاحية التونسية.

وفي هذا الإطار، يبرز موقف رئيس الدولة قيس سعيّد الرافض لترك الفلاحين يعزفون عن جني الزيتون نتيجة الإحباط أو الخسارة. فهذه الثروة، وفق تعبيره، ليست ملكا فرديا وإنما هي ملك وطني مشترك، يتعيّن الحفاظ عليها وتنميتها على غرار بقية الثروات الوطنية.

وهذا الخطاب يعيد الاعتبار لقيمة العمل الفلاحي ويضعه في مرتبة الواجب الوطني، لا مجرد نشاط موسمي يحتكم إلى منطق الربح والخسارة.

وانطلاقا من هذا التصور، كان من البديهي أن يتوقف لقاء قرطاج عند وضعية عدد من الدواوين العمومية التي أُحدثت منذ مطلع ستينات القرن الماضي، والتي تراجع دورها بشكل لافت، حتى كادت تتحول إلى هياكل بلا روح. وقد مثّل ديوان الزيت نموذجا لهذا التراجع، حيث تقلصت قدرته على التخزين من 350 ألف طن سنة 1962 إلى نحو 90 ألف طن فقط خلال السنة الجارية. ورغم أن هذا الرقم يمثل تحسنا طفيفا مقارنة بالسنة الماضية، إلا أنه يظل دون المستوى المطلوب في ظل صابة قياسية وحاجيات متزايدة.

منظومة تحمي المنتجين

ومن هنا، جاءت دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى العمل بسرعة قصوى حتى يستعيد ديوان الزيت دوره الذي أُحدث من أجله. فالمسألة، في جوهرها، لا تتعلق فقط بمؤشرات التخزين وإنما بإعادة بناء منظومة تدخل عمومي فعّالة وناجعة، وقادرة على تعديل السوق وحماية المنتجين، لاسيما صغار الفلاحين من تقلبات الأسعار ومنطق الاحتكار. وهي مقاربة تنسجم مع رؤية وإرادة سياسية أشمل لإصلاح المؤسسات العمومية تتجاوز سياسة التفريط فيها إلى العمل على إعادة توجيهها خدمة للصالح العام.

أمن غذائي كامل

من جانب آخر، وعلى امتداد هذا اللقاء، لم يغفل رئيس الدولة قيس سعيّد عن مسألة مستلزمات الإنتاج الفلاحي، حيث أسدى تعليماته بضرورة توفير البذور المحلية والأسمدة في كل مناطق الجمهورية. وهي مسألة يراها متابعون للشأن العام على غاية من الأهمية، كونها تعكس إدراكا بأن السيادة الغذائية تنطلق من التحكم في وسائل الإنتاج وأن الاعتماد المفرط على التوريد يضعف قدرة الدولة على الصمود في مواجهة الأزمات العالمية. فالبذور المحلية تتجاوز كونها مجرد خيار تقني لتكون عنوانا للسيادة والاستدامة وحماية الخصوصية الزراعية الوطنية.

وتتويجا لكل هذه المحاور، التي تمثّل في جوهرها حلقات مترابطة ومتماسكة كحبات العقد، ما إن تنفرط واحدة منها حتى يضيع كل تماسك المنظومة، فتتراجع فعالية السياسات وتضعف قدرة الدولة على تحقيق أهدافها في دعم الفلاحين وتأمين الأمن الغذائي، جدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد تأكيده على أن تونس قادرة على تحقيق أمنها الغذائي الكامل، معتبرا أن هذا الأمن جزء لا يتجزأ من الأمن القومي. فالغذاء، في عالمنا اليوم، أصبح يمثل ورقة سيادية بامتياز، تتقاطع فيها السياسة والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، يصبح دعم الفلاح، لاسيما صغار الفلاحين، استثمارا في تحصين الدولة واستمرارية مؤسساتها.

من جهة أخرى، جدير بالذكر أنها ليست هذه المرة الأولى التي يولي فيها رئيس الجمهورية قيس سعيّد اهتماما بصغار الفلاحين وبدواليب تسيير المنظومة الفلاحية. فقد سبق له، تزامنا مع مواسم الإنتاج الكبرى، أن أقرّ إجراءات دعم موجهة لهم، تؤكد اعتباره صغار الفلاحين أولوية قصوى في قلب السياسات الوطنية، مشددا على أن ضمان حقوقهم يعتبر جزءا لا يتجزأ من منظومة حماية الإنتاج الوطني وتعزيز الأمن الغذائي.

وفي هذا الصدد، يعكس لقاء رئيس الجمهورية قيس سعيّد مع وزير الفلاحة في السادس من أكتوبر الماضي نفس التوجه الاستراتيجي، إذ كرّس اهتمامه بصغار الفلاحين وجعل دعمهم أولوية وطنية ثابتة. فقد تناول هذا اللقاء محاور أساسية تمحورت حول الاستعداد الجيد لموسم جني الزيتون، وضمان عمليات العصر والتسويق في أحسن الظروف، مع توسيع آفاق التصدير إلى الأسواق الجديدة في آسيا وأمريكا الجنوبية، وتوفير التمويل لعمليات التعليب لضمان بروز الإنتاج الوطني باسم تونس في الخارج.

وجدد رئيس الدولة قيس سعيّد تأكيده على أهمية الإحاطة بصغار الفلاحين في كافة مراحل الإنتاج، معتبرا أن الأمن الغذائي جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي، من البذور الوطنية إلى استغلال الأراضي المنتجة، وهو نفس التوجه الذي تجسد في لقاءات لاحقة حيث شدد على تذليل الصعوبات أمام الفلاحين وإدراجهم في صميم السياسات العمومية.

وبذلك يتجلى بوضوح أن التوجه الداعم للفلاحة وصغار الفلاحين لا يعتبر مجرد خطوة ظرفية مناسباتية وإنما هو سياسة متواصلة وثابتة على مر اللقاءات الرسمية تجمع بين دعم الإنتاج وإصلاح المؤسسات العمومية الزراعية، وتنويع الأسواق، بما يضمن حماية حقوق الفلاحين وتعزيز دورهم كركيزة أساسية في تحقيق الأمن الغذائي الوطني والتنمية الفلاحية.

الفلاحة.. رهان أساسي

في هذا الخضم، يكشف لقاء قرطاج الأخير، وغيره من اللقاءات السابقة، أن الدولة في أعلى هرمها تراهن اليوم على القطاع الفلاحي كقطاع استراتيجي محوري للنهوض بالاقتصاد الوطني وتعزيز الأمن الغذائي.

وهو ما تجسد عبر إرادة سياسية لا تتوقف عند حدود التصريحات أو الاجتماعات الرسمية وإنما تتجاوزها لتتجلى في تبني سياسات متكاملة تشمل توفير مستلزمات الإنتاج الفلاحي ودعم صغار الفلاحين، وتحديث الدواوين والمؤسسات العمومية الفلاحية، وتوسيع الأسواق الداخلية والخارجية، بما يجعل الفلاحة ليست مجرد نشاط اقتصادي بل رافعة استراتيجية لتحقيق النمو المنشود.

وهذا الطرح يعكس رؤية متكاملة تعيد الاعتبار للفلاحة كخيار استراتيجي، عبر رؤية تضع الفلاح في قلب السياسات العمومية، وتربط بين منظومات الإنتاج والتسويق، وبين الإصلاح المؤسساتي والسيادة الوطنية. وهي رؤية، وإن كانت تقتضي جهودا لترجمتها على أرض الواقع، فإنها تبعث برسالة واضحة مفادها أن الدولة اختارت، مرة أخرى، أن تنحاز لمن يزرعون الأرض معتبرة أن صمود هؤلاء الفلاحين واستمرار إنتاجهم يمثل ضمانة حقيقية للأمن الغذائي الوطني، وأن الفلاحة تظل رافعة أساسية للنمو والتنمية والرخاء الاقتصادي، وهو خيار يعكس انحيازا للكرامة والسيادة الوطنية.

منال حرزي

رؤية جديدة لإصلاح المنظومات..   الفلاحة مجدداً في صدارة الاهتمامات

مرة أخرى، يضع رئيس الجمهورية قيس سعيّد الفلاحة في صدارة الأولويات الوطنية، بوصفها ركيزة سيادية تمس من جوهر الأمن القومي والكرامة الوطنية.

فالفلاحة، وفقا للتوجه الذي تتبناه الدولة في أعلى هرمها، لا تمثل مجرد نشاط اقتصادي هامشي، وإنما هي خط الدفاع الأول عن استقلال القرار الوطني وضمان استمرارية الدولة في عالم تتزايد فيه الأزمات الغذائية.

ومن هذا المنطلق، يندرج الاجتماع المنعقد بقصر قرطاج عصر الخامس عشر من ديسمبر الجاري، والذي جمع رئيس الجمهورية قيس سعيّد برئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزير الفلاحة عز الدين بالشيخ، ضمن مسار واضح يعيد الاعتبار للفلاح التونسي، وخاصة صغار الفلاحين، ويضعهم في قلب السياسات العمومية للدولة.

هذا اللقاء مثّل محطة جديدة أعاد من خلالها رئيس الجمهورية قيس سعيّد التأكيد على ضرورة تذليل كافة الصعوبات التي تعترض صغار الفلاحين في حلقات ما بعد الإنتاج: من عصر الزيتون إلى التخزين ثم التسويق. وهي مقاربة تعكس في جوهرها إدراكا بأن الإشكال لا يكمن في الأرض ولا في الفلاح وإنما في منظومة تعطلت وتعثرت على مدار عقود.

ودعا رئيس الدولة قيس سعيّد في هذا الإطار إلى تعبئة شاملة لمختلف الهياكل المتداخلة من أجل رفع العراقيل التي تواجه صغار الفلاحين، وضمان الظروف الكفيلة بتثمين مجهوداتهم وحماية حقوقهم، بما يرسّخ موقعهم كحلقة أساسية في المنظومة الفلاحية والسياسات العمومية للدولة.

من المعالجات إلى الإصلاح الهيكلي

ويعكس هذا الطرح توجها واضحا تتبناه الدولة في أعلى هرمها نحو الانتقال من منطق المعالجات الظرفية إلى منطق الإصلاح الهيكلي الشامل لمنظومة الزيتون، بما يضمن إنصاف صغار الفلاحين وحمايتهم من إخلالات السوق. فالدعوة إلى تذليل الصعوبات في مراحل العصر والتخزين والتسويق لا تنفصل عن وعي عميق بأن هذه الحلقات تمثل محور الإشكال الذي يهدر مجهود الفلاح ويقلل من مردوديته. كما أن التشديد على تضافر جهود مختلف الأطراف وابتكار إجراءات جديدة يعكس رغبة في كسر الأساليب التقليدية التي أثبتت محدوديتها، وفتح المجال أمام مقاربات أكثر نجاعة ومرونة.

وفي هذا السياق، تكتسب دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى إقرار خطوط تمويل ميسرة والبحث عن أسواق جديدة وتحديد سعر مرجعي دلالات سياسية واقتصادية واضحة، إذ تعكس في طياتها أن الدولة مطالبة بلعب دور تعديلي وحمائي يضمن توازن المنظومة ويحفظ حقوق الفلاحين كاملة، بعيدا عن منطق المضاربة والاحتكار. وهو توجّه يرسّخ قناعة مفادها أن دعم الفلاح لا يتحقق فقط بزيادة الإنتاج، بل أساسا بضمان شروط عادلة لتصريفه وتسويقه، بما يحوّل الجهد الفلاحي إلى قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.

ومن محطة إلى أخرى، يرتقي خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيّد من رصد الإشكالات القائمة إلى تسمية مكامن الخلل وتحميل المسؤوليات، وفقا لرؤية تقوم على الوضوح والحزم، وتقطع مع منطق التبرير، بما يرسّخ ثقافة المحاسبة، ويجعل من تحمل المسؤولية ركيزة أساسية لإنصاف الفلاحين وإنجاح السياسات العمومية.

فقد أكد رئيس الدولة قيس سعيّد، إثر هذا اللقاء، أنه لا عذر لأحد في التردد أو التحفظ، وأن تونس دولة موحدة وعلى الجميع، في القطاعين العام كما الخاص، أن يتحمل مسؤوليته كاملة في تحقيق طموحات الشعب التونسي. فحين يدعو الوطن إلى الواجب، فلا مجال للتقاعس أو الحسابات الضيقة، خاصة عندما يتعلق الأمر بثروة وطنية استراتيجية كالزيتون، الذي يمثل تاريخيا واقتصاديا أحد أعمدة الهوية الفلاحية التونسية.

وفي هذا الإطار، يبرز موقف رئيس الدولة قيس سعيّد الرافض لترك الفلاحين يعزفون عن جني الزيتون نتيجة الإحباط أو الخسارة. فهذه الثروة، وفق تعبيره، ليست ملكا فرديا وإنما هي ملك وطني مشترك، يتعيّن الحفاظ عليها وتنميتها على غرار بقية الثروات الوطنية.

وهذا الخطاب يعيد الاعتبار لقيمة العمل الفلاحي ويضعه في مرتبة الواجب الوطني، لا مجرد نشاط موسمي يحتكم إلى منطق الربح والخسارة.

وانطلاقا من هذا التصور، كان من البديهي أن يتوقف لقاء قرطاج عند وضعية عدد من الدواوين العمومية التي أُحدثت منذ مطلع ستينات القرن الماضي، والتي تراجع دورها بشكل لافت، حتى كادت تتحول إلى هياكل بلا روح. وقد مثّل ديوان الزيت نموذجا لهذا التراجع، حيث تقلصت قدرته على التخزين من 350 ألف طن سنة 1962 إلى نحو 90 ألف طن فقط خلال السنة الجارية. ورغم أن هذا الرقم يمثل تحسنا طفيفا مقارنة بالسنة الماضية، إلا أنه يظل دون المستوى المطلوب في ظل صابة قياسية وحاجيات متزايدة.

منظومة تحمي المنتجين

ومن هنا، جاءت دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى العمل بسرعة قصوى حتى يستعيد ديوان الزيت دوره الذي أُحدث من أجله. فالمسألة، في جوهرها، لا تتعلق فقط بمؤشرات التخزين وإنما بإعادة بناء منظومة تدخل عمومي فعّالة وناجعة، وقادرة على تعديل السوق وحماية المنتجين، لاسيما صغار الفلاحين من تقلبات الأسعار ومنطق الاحتكار. وهي مقاربة تنسجم مع رؤية وإرادة سياسية أشمل لإصلاح المؤسسات العمومية تتجاوز سياسة التفريط فيها إلى العمل على إعادة توجيهها خدمة للصالح العام.

أمن غذائي كامل

من جانب آخر، وعلى امتداد هذا اللقاء، لم يغفل رئيس الدولة قيس سعيّد عن مسألة مستلزمات الإنتاج الفلاحي، حيث أسدى تعليماته بضرورة توفير البذور المحلية والأسمدة في كل مناطق الجمهورية. وهي مسألة يراها متابعون للشأن العام على غاية من الأهمية، كونها تعكس إدراكا بأن السيادة الغذائية تنطلق من التحكم في وسائل الإنتاج وأن الاعتماد المفرط على التوريد يضعف قدرة الدولة على الصمود في مواجهة الأزمات العالمية. فالبذور المحلية تتجاوز كونها مجرد خيار تقني لتكون عنوانا للسيادة والاستدامة وحماية الخصوصية الزراعية الوطنية.

وتتويجا لكل هذه المحاور، التي تمثّل في جوهرها حلقات مترابطة ومتماسكة كحبات العقد، ما إن تنفرط واحدة منها حتى يضيع كل تماسك المنظومة، فتتراجع فعالية السياسات وتضعف قدرة الدولة على تحقيق أهدافها في دعم الفلاحين وتأمين الأمن الغذائي، جدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد تأكيده على أن تونس قادرة على تحقيق أمنها الغذائي الكامل، معتبرا أن هذا الأمن جزء لا يتجزأ من الأمن القومي. فالغذاء، في عالمنا اليوم، أصبح يمثل ورقة سيادية بامتياز، تتقاطع فيها السياسة والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، يصبح دعم الفلاح، لاسيما صغار الفلاحين، استثمارا في تحصين الدولة واستمرارية مؤسساتها.

من جهة أخرى، جدير بالذكر أنها ليست هذه المرة الأولى التي يولي فيها رئيس الجمهورية قيس سعيّد اهتماما بصغار الفلاحين وبدواليب تسيير المنظومة الفلاحية. فقد سبق له، تزامنا مع مواسم الإنتاج الكبرى، أن أقرّ إجراءات دعم موجهة لهم، تؤكد اعتباره صغار الفلاحين أولوية قصوى في قلب السياسات الوطنية، مشددا على أن ضمان حقوقهم يعتبر جزءا لا يتجزأ من منظومة حماية الإنتاج الوطني وتعزيز الأمن الغذائي.

وفي هذا الصدد، يعكس لقاء رئيس الجمهورية قيس سعيّد مع وزير الفلاحة في السادس من أكتوبر الماضي نفس التوجه الاستراتيجي، إذ كرّس اهتمامه بصغار الفلاحين وجعل دعمهم أولوية وطنية ثابتة. فقد تناول هذا اللقاء محاور أساسية تمحورت حول الاستعداد الجيد لموسم جني الزيتون، وضمان عمليات العصر والتسويق في أحسن الظروف، مع توسيع آفاق التصدير إلى الأسواق الجديدة في آسيا وأمريكا الجنوبية، وتوفير التمويل لعمليات التعليب لضمان بروز الإنتاج الوطني باسم تونس في الخارج.

وجدد رئيس الدولة قيس سعيّد تأكيده على أهمية الإحاطة بصغار الفلاحين في كافة مراحل الإنتاج، معتبرا أن الأمن الغذائي جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي، من البذور الوطنية إلى استغلال الأراضي المنتجة، وهو نفس التوجه الذي تجسد في لقاءات لاحقة حيث شدد على تذليل الصعوبات أمام الفلاحين وإدراجهم في صميم السياسات العمومية.

وبذلك يتجلى بوضوح أن التوجه الداعم للفلاحة وصغار الفلاحين لا يعتبر مجرد خطوة ظرفية مناسباتية وإنما هو سياسة متواصلة وثابتة على مر اللقاءات الرسمية تجمع بين دعم الإنتاج وإصلاح المؤسسات العمومية الزراعية، وتنويع الأسواق، بما يضمن حماية حقوق الفلاحين وتعزيز دورهم كركيزة أساسية في تحقيق الأمن الغذائي الوطني والتنمية الفلاحية.

الفلاحة.. رهان أساسي

في هذا الخضم، يكشف لقاء قرطاج الأخير، وغيره من اللقاءات السابقة، أن الدولة في أعلى هرمها تراهن اليوم على القطاع الفلاحي كقطاع استراتيجي محوري للنهوض بالاقتصاد الوطني وتعزيز الأمن الغذائي.

وهو ما تجسد عبر إرادة سياسية لا تتوقف عند حدود التصريحات أو الاجتماعات الرسمية وإنما تتجاوزها لتتجلى في تبني سياسات متكاملة تشمل توفير مستلزمات الإنتاج الفلاحي ودعم صغار الفلاحين، وتحديث الدواوين والمؤسسات العمومية الفلاحية، وتوسيع الأسواق الداخلية والخارجية، بما يجعل الفلاحة ليست مجرد نشاط اقتصادي بل رافعة استراتيجية لتحقيق النمو المنشود.

وهذا الطرح يعكس رؤية متكاملة تعيد الاعتبار للفلاحة كخيار استراتيجي، عبر رؤية تضع الفلاح في قلب السياسات العمومية، وتربط بين منظومات الإنتاج والتسويق، وبين الإصلاح المؤسساتي والسيادة الوطنية. وهي رؤية، وإن كانت تقتضي جهودا لترجمتها على أرض الواقع، فإنها تبعث برسالة واضحة مفادها أن الدولة اختارت، مرة أخرى، أن تنحاز لمن يزرعون الأرض معتبرة أن صمود هؤلاء الفلاحين واستمرار إنتاجهم يمثل ضمانة حقيقية للأمن الغذائي الوطني، وأن الفلاحة تظل رافعة أساسية للنمو والتنمية والرخاء الاقتصادي، وهو خيار يعكس انحيازا للكرامة والسيادة الوطنية.

منال حرزي