إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الزواج المختلط وجريمة الفرار بمحضون.. أبناء ضحايا «الاختطاف».. قلوب «ممزقة» وتعقيدات قانونية

-الأستاذ عبد الستار المسعودي لـ«الصباح»: «استعادة المحضون من البلد الأجنبي حيث تم تهريبه ممكن إجرائيا ولكن في الواقع هناك صعوبات».

-الطفلة كاميليا اختفت مع أمها الرومانية دون أثر ووالدها مستغيثا: «من يعيد لي ابنتي»!

-رئيس «جمعية النهوض بالأسرة والمجتمع» لـåالصباح»: «لا بد من مراجعة قانون الحضانة».

«اختفت ابنتي مع والدتها الحاملة للجنسية الرومانية منذ أسبوعين لا أعلم عنها شيئا»، بهذه الكلمات المرتبكة واليائسة تحدّث إلينا الأب محمد نعيم قلبي بعدما ما اكتشف أن طليقته الرومانية غافلته واختطفت ابنته التي لم تتجاوز السادسة من عمرها، ثم اختفت في ظروف غامضة،مرجّحا أن تكون فرّت بها إلى خارج البلاد رغم أن حضانة الطفلة مع الأب الذي يعيش وضعا نفسيا سيئا ولا يصدّق أنه قد يكون خسر ابنته نهائيا وأنه لن يراها في حياته مرة أخرى !

محمّد نعيم قلبي ليس إلا واحدا من عشرات الآباء التونسيين وكذلك الأمهات الذين ذهبوا ضحية جريمة الفرار بمحضون التي يعاقب عليها القانون التونسي بالسجن لمدة تتراوح بين 3 أشهر وعام سجنا مع غرامة مالية أو بإحدى العقوبتين وذلك بموجب قانون عدد 2 لسنة 1962، وتعني هذه الجريمة عدم إحضار طفل محكوم بحضانته لمن له الحق في طلبه ولا تشترط لارتكابها العنف لإثبات الجريمة، حيث أن مجرّد اختطاف الطفل أو إخفائه يعتبر جريمة .

ولكن هذه العملية تتحوّل إلى مأساة عائلية إذا كان أحد الأبوين أجنبي وخطّط للفرار بالمحضون كما هو الحال في قضية الحال حيث يستحيل لاحقا الوصول إلى الطفل المحضون، ومع تزايد نسب الزواج المختلط في السنوات الأخيرة تزايدت معها حالات الفرار بالأطفال والقصّر من جنسية تونسية إلى الخارج وعجز الآباء والأمهات عن استعادتهم لاحقا وهو ما يعني فقدان الابن أو الابنة بشكل نهائي، كما وأن بعض المعطيات تشير أيضا إلى أن هناك تونسيين يفرّون بأبنائهم من الخارج إلى تونس وفي كل الحالات أصبحت هذه القضية أحد أهم المخاطر التي تواجه الزواج المختلط في صورة عدم اتفاق الزوجين على مواصلة الحياة المشتركة ووجود قرار بالانفصال.

وطالما طرحت مشكلة حضانة الأطفال في تونس إشكالات كبيرة تؤثّر بشكل مباشر على توازنهم النفسي، كما وأن قانون الحضانة بات بدوره يحتاج إلى مواكبة المخاطر والتحدّيات الجديدة ويستدعي النقاش والتنقيح، كما طالب بذلك رئيس «الجمعية التونسية للنهوض بالأسرة والمجتمع»، توفيق العياري في تصريح لـ«الصباح».

كما أن الفرار بمحضون إلى الخارج يطرح عدة تحدّيات في استعادة المحضون كما أكّد ذلك الأستاذ عبد الستار المسعودي في تصريح لـ «الصباح».

اختفاء محيّر

في حديثه عن قضية اختطاف ابنته من طرف أمّها الحاملة للجنسية الرومانية، يقول محمد نعيم قلبي في حديثه لـ«الصباح» : «حضانة الطفلة كانت عندي وكانت والدتها الحاملة للجنسية الرومانية تتمتّع بحق رؤيتها في عطلة آخر الأسبوع ولم أكن متشدّدا في الالتزام بالإجراءات التي يسمح بها قانون الحضانة حيث كان بإمكانها رؤيتها متى شاءت، خاصة وأن الأم مستقرّة منذ حوالي سنتين في تونس وتستطيع رؤية ابنتها متى شاءت، ويوم 9 أكتوبر الجاري عندما ذهبت مساء للعودة بابنتي من المدرسة وجدت طليقتي الرومانية أمام المدرسة وقد طلبت مني أن ترافقها ابنتي لتشتري لها بعض الملابس وكانت آخر مرة أرى فيها ابنتي».

ومنذ تلك اللحظة اختفت الطفلة كاميليا مع والدتها الرومانية وقد بحث عنها والدها طوال الفترة الماضية ووفق بعض المعطيات الأمنية فان الطفلة لم يثبت مغادرتها تونس بالطرق القانونية خاصة وأن جواز سفرها معه وهو ما جعله يرجّح إمكانية الهروب بها في رحلة هجرة غير نظامية، وقد قام والد الطفلة بكل الإجراءات القانونية المستوجبة كما قام بمراسلة وزارة الخارجية باعتبار أن طليقته أجنية .

أطفال ضحايا الزواج المختلط في تونس

منذ أسابيع أكّد المتحدث باسم هيئة عدول الإشهاد كمال بن منصور بأن نسبة الزواج المختلط شهدت ارتفاعا في السنوات الأخيرة باعتبار أن إجراءات عقد الزواج في تونس غير معقّدة وتتم بسرعة خاصة في صفوف الشباب، حيث أشار بن منصور إلى أن عدل الإشهاد لا يمكنه الامتناع عن إبرام عقد زواج لشخصين يبلغان من العمر 18 سنة بحضور شاهدين من نفس سنهما حيث ينص القانون على أن يكون الشاهدان من أهل الثقة فقط أي أن القانون لا يشترط بأن يكونا من عائلة أو أقارب الزوجين، وفق تقديره.

وهذه الإجراءات القانونية المرنة جعلت من زواج الأجانب بالتونسيين غير معقّدة وتحتاج بضعة وثائق فقط، ويعيد المختصون ظاهرة الزواج المختلط بالأساس إلى الارتفاع الكبير في نسبة الهجرة سواء كانت هجرة كفاءات أو يد عاملة وحتى الهجرة غير النظامية، وهو ما يجعل التونسيين منفتحين أكثر على العالم الخارجي وعلى مجتمعات وثقافات جديدة، والانفتاح يتيح الفرصة للدراسة والعمل مع جنسيات مختلفة فيحدث التعارف ثم الزواج.. ولذلك نجد أن أغلب عقود الزواج هذه تتم في الخارج وأن بعد الانفصال يواجه التونسيون سواء من الرجال أو النساء مشاكل كبيرة للاحتفاظ بحضانة أطفالهم حتى في صورة عودتهم إلى تونس.

ورغم أن العائلات التونسية في البداية تشجّع على هذا النوع من الزواج ولا تجد فيه حرجا، فأصبحت –بدورها- تشجع على الهجرة والاستقرار خارج حدود الوطن وترفض رجوع أولادها للعيش في تونس، وبالتالي فإنها باتت تشجع على الزواج بالأجانب، عكس ما كان سائدا في السابق حيث يعتبر الزواج بأجنبية نوعا من التمرّد على العادات والتقاليد .

وإذا كان الزواج المختلط يمكن أن يكون مفيدا للأطفال ويمنحهم فرصة النهل أكثر من ثقافة الغير والعيش في مجتمع يجعلهم منفتحين على كل الأفكار في المستقبل إلا أن عدم توافق الأبوين يذكّي الاختلاف الثقافي والحضاري والعقائدي داخل الأسرة ويجعل كل واحد منهما يسعى إلى الاحتماء بنظامه القانوني والقضائي ليحقق الانتصار لثقافته في تصوره لمستقبل أبنائه، ومن هنا يبرز الاختلاف والمشاكل التي تصاحب حق الحضانة الذي من المفروض أن في منحه تحقيق لمصلحة الطفل الفضلى، ولكن في الزواج المختلط يصبح الأمر أكثر تعقيدا وتتصادم أحيانا الحضانة التي تكون عند الأم مثلا بالولاية التي تبقى دائما لدى الأب، ويؤدي تنازع الحقوق والواجبات بين الأم الحاضنة والولي القانوني إلى طرح السؤال حول مثلا حق الأم الحاضنة في مغادرة البلاد التونسية بعد أن انقضى سبب إقامتها بها بانفصام زواجها مع تواصل تمتعها بحق الحضانة والعكس صحيح، مثلما هو الشأن في قضية الطفلة كاميليا .

ولئن كان القانون التونسي يشترط بموجب الفصل 61 من مجلة الأحوال الشخصية ألا تسافر الحاضنة بمحضونها سفر نقلة يؤدي إلى منع الولي من ممارسة صلاحيات ولايته، إلا أن الطفلة كامليا نجحت أمّها في اختطافها ومغادرة تونس معها بطريقة ما رغم أنها لا تتمتّع بالحضانة القانونية للطفلة، فحتى الأم الحاضنة عندما تتعمّد مخالفة شروط إسناد الحضانة بالنقلة يؤدي فعليا لخلق حالة يستعصي التعامل معها إذ يتعذر على نسبة هامة من الآباء التونسيين الذود عن حقوقهم أمام قضاء الدول التي تلجأ إليها الأم الحاضنة كما يؤدي ارتفاع تكلفة التقاضي بتلك الدول مقارنة بإمكانيات الأفراد التونسيين ومستوى مداخيلهم إلى إيجاد حاجز فعلي يمنع الآباء من حقهم في التقاضي فما بالك والأم غير حاضنة وتعمّدت خطف الطفلة!

قانون يعجز أمام الواقع

وظاهرة الفرار بمحضون لا يعاني منها المجتمع التونسي فقط بل هناك إحصائيات فرنسية تشير إلى أنه خلال سنة 2012 تم تسجيل 158 حالة اختطاف طفل من طرف أحد أبويه كانت 17 حالة منها وجهتها البلاد التونسية.

وفي ذات السياق يقول رئيس «الجمعية التونسية للنهوض بالأسرة والمجتمع» توفيق عياري، إن حضانة الأطفال باتت تطرح اليوم إشكاليات عميقة في تونس ولا تتعلّق فقط بحالات الزواج المختلط، وقد أكّد توفيق عياري أن «الجمعية التونسية للنهوض بالأسرة والمجتمع» تشتغل اليوم على التحسيس بضرورة مراجعة بعض التشريعات التي لها علاقة باستقرار الأسرة وتوازنها ومنها القانون المتعلّق بالحضانة، قائلا: «قد يصبح الوضع الأسري أكثر تعقيدا في الزواج المختلط خاصة في علاقة بالحضانة أو بعد فرار أحد الأبوين بالطفل المحضون، حيث تابعنا حالات كثيرة لهذا الفرار حتى دون إجازة قانونية من الأب حيث يلجأ البعض إلى تهريب الأطفال إما عبر الهجرة غير النظامية أو التسلّل خلسة إلى دول مجاورة ومن ذلك العودة بالأطفال إلى بلدان بما يعقّد لاحقا وضعية استعادة هؤلاء الأطفال أو حتى رؤيتهم».

وما تقترحه «الجمعية التونسية للنهوض بالأسرة والمجتمع»، هو تعديل الإجراءات القانونية وترك خيارات أكثر في إجراءات الرؤية بالنسبة للحضانة، ويقول توفيق العياري: «تعديل شروط الرؤية وجعلها أكثر مرونة ولا تقتصر فقط على يوم أو يومين في الأسبوع يمكن أن يساعد على المراقبة المستمّرة من المحروم من الحضانة بالقانون، ويمنع من وجود التجاوزات كالاعتداء بالعنف أو التحريض أو جريمة الفرار بمحضون، فالتشديد في شروط الحضانة لصالح من حكم القضاء بحقه في هذه الحضانة أراها بمثابة ثغرة قانونية يجب إصلاحها حتى نمنح الطرف المحروم من الحضانة الحق في المراقبة وفي الوقوف على أي تجاوز في حق المحضون».

وحول الوضعية القانونية لما بعد الفرار بالمحضون إلى بلد أجنبي وإمكانية الأب أو الأم استعادة الطفل بعد ذلك في إطار حكم الحضانة المتمتّع به أكّد الأستاذ عبد الستار المسعودي في تصريح لـ«الصباح» أن علاقة الزواج المختلط من حضانة ونفقة والحق في الزيارة منظمة بمقتضى مجلة القانون الدولي الخاص،  وأن الفصل 6 أشار إلى وضعية الفرار بالمحضون وأن هذه الوضعية تطرح إشكالا إجرائيا وإشكالا واقعيا، مضيفا: «بالنسبة للإشكال الإجرائي يتمثل في ضرورة اكساء حكم الحضانة الصادر عن القضاء التونسي بالصبغة التنفيذية مع ترجمة كل الوثائق القانونية المتعلقة بهذه الوضعية للغة البلد المتوقع أن المحضون موجود بها بعد تهريبه من طرف أحد الأبوين مع التوجّه بعريضة لوزارة الشؤون الخارجية لمراسلة السفير التونسي في ذلك البلد الذي يعلم السلطات القضائية هناك بوضعية المحضون وعلى من يريد استرجاع الطفل من الأبوين أن يتوجه هناك إلى قضاء ذلك البلد ويطالب بتطبيق قرار القضاء التونسي في الحضانة بعد إضفاء حكم الحضانة بالصبغة التنفيذية في ذلك البلد مع شروط أن تكون هناك اتفاقيات دولية بين ذلك البلد وتونس تسمح بذلك وبعد ذلك يتابع الوضعية القانونية والقضائية من هناك ويمكن نظريا أن ينجح في استعادة المحضون الذي تم تهريبه وإذا كان هذا الإجراء ممكنا قانونا فإن تطبيقه في الواقع يطرح إشكاليات أولها الكلفة الباهظة لذلك حيث أنه ليس من السهل التنقل إلى بلد أجنبي ورفع قضية وانتظار مآلاتها من حيث الكلفة المادية والنفسية لذلك، وبالتالي الأمر ممكن إجرائيا ولكن عمليا وفي الواقع هناك صعوبات كبيرة»

 

منية العرفاوي

الزواج المختلط وجريمة الفرار بمحضون..   أبناء ضحايا «الاختطاف».. قلوب «ممزقة» وتعقيدات قانونية

-الأستاذ عبد الستار المسعودي لـ«الصباح»: «استعادة المحضون من البلد الأجنبي حيث تم تهريبه ممكن إجرائيا ولكن في الواقع هناك صعوبات».

-الطفلة كاميليا اختفت مع أمها الرومانية دون أثر ووالدها مستغيثا: «من يعيد لي ابنتي»!

-رئيس «جمعية النهوض بالأسرة والمجتمع» لـåالصباح»: «لا بد من مراجعة قانون الحضانة».

«اختفت ابنتي مع والدتها الحاملة للجنسية الرومانية منذ أسبوعين لا أعلم عنها شيئا»، بهذه الكلمات المرتبكة واليائسة تحدّث إلينا الأب محمد نعيم قلبي بعدما ما اكتشف أن طليقته الرومانية غافلته واختطفت ابنته التي لم تتجاوز السادسة من عمرها، ثم اختفت في ظروف غامضة،مرجّحا أن تكون فرّت بها إلى خارج البلاد رغم أن حضانة الطفلة مع الأب الذي يعيش وضعا نفسيا سيئا ولا يصدّق أنه قد يكون خسر ابنته نهائيا وأنه لن يراها في حياته مرة أخرى !

محمّد نعيم قلبي ليس إلا واحدا من عشرات الآباء التونسيين وكذلك الأمهات الذين ذهبوا ضحية جريمة الفرار بمحضون التي يعاقب عليها القانون التونسي بالسجن لمدة تتراوح بين 3 أشهر وعام سجنا مع غرامة مالية أو بإحدى العقوبتين وذلك بموجب قانون عدد 2 لسنة 1962، وتعني هذه الجريمة عدم إحضار طفل محكوم بحضانته لمن له الحق في طلبه ولا تشترط لارتكابها العنف لإثبات الجريمة، حيث أن مجرّد اختطاف الطفل أو إخفائه يعتبر جريمة .

ولكن هذه العملية تتحوّل إلى مأساة عائلية إذا كان أحد الأبوين أجنبي وخطّط للفرار بالمحضون كما هو الحال في قضية الحال حيث يستحيل لاحقا الوصول إلى الطفل المحضون، ومع تزايد نسب الزواج المختلط في السنوات الأخيرة تزايدت معها حالات الفرار بالأطفال والقصّر من جنسية تونسية إلى الخارج وعجز الآباء والأمهات عن استعادتهم لاحقا وهو ما يعني فقدان الابن أو الابنة بشكل نهائي، كما وأن بعض المعطيات تشير أيضا إلى أن هناك تونسيين يفرّون بأبنائهم من الخارج إلى تونس وفي كل الحالات أصبحت هذه القضية أحد أهم المخاطر التي تواجه الزواج المختلط في صورة عدم اتفاق الزوجين على مواصلة الحياة المشتركة ووجود قرار بالانفصال.

وطالما طرحت مشكلة حضانة الأطفال في تونس إشكالات كبيرة تؤثّر بشكل مباشر على توازنهم النفسي، كما وأن قانون الحضانة بات بدوره يحتاج إلى مواكبة المخاطر والتحدّيات الجديدة ويستدعي النقاش والتنقيح، كما طالب بذلك رئيس «الجمعية التونسية للنهوض بالأسرة والمجتمع»، توفيق العياري في تصريح لـ«الصباح».

كما أن الفرار بمحضون إلى الخارج يطرح عدة تحدّيات في استعادة المحضون كما أكّد ذلك الأستاذ عبد الستار المسعودي في تصريح لـ «الصباح».

اختفاء محيّر

في حديثه عن قضية اختطاف ابنته من طرف أمّها الحاملة للجنسية الرومانية، يقول محمد نعيم قلبي في حديثه لـ«الصباح» : «حضانة الطفلة كانت عندي وكانت والدتها الحاملة للجنسية الرومانية تتمتّع بحق رؤيتها في عطلة آخر الأسبوع ولم أكن متشدّدا في الالتزام بالإجراءات التي يسمح بها قانون الحضانة حيث كان بإمكانها رؤيتها متى شاءت، خاصة وأن الأم مستقرّة منذ حوالي سنتين في تونس وتستطيع رؤية ابنتها متى شاءت، ويوم 9 أكتوبر الجاري عندما ذهبت مساء للعودة بابنتي من المدرسة وجدت طليقتي الرومانية أمام المدرسة وقد طلبت مني أن ترافقها ابنتي لتشتري لها بعض الملابس وكانت آخر مرة أرى فيها ابنتي».

ومنذ تلك اللحظة اختفت الطفلة كاميليا مع والدتها الرومانية وقد بحث عنها والدها طوال الفترة الماضية ووفق بعض المعطيات الأمنية فان الطفلة لم يثبت مغادرتها تونس بالطرق القانونية خاصة وأن جواز سفرها معه وهو ما جعله يرجّح إمكانية الهروب بها في رحلة هجرة غير نظامية، وقد قام والد الطفلة بكل الإجراءات القانونية المستوجبة كما قام بمراسلة وزارة الخارجية باعتبار أن طليقته أجنية .

أطفال ضحايا الزواج المختلط في تونس

منذ أسابيع أكّد المتحدث باسم هيئة عدول الإشهاد كمال بن منصور بأن نسبة الزواج المختلط شهدت ارتفاعا في السنوات الأخيرة باعتبار أن إجراءات عقد الزواج في تونس غير معقّدة وتتم بسرعة خاصة في صفوف الشباب، حيث أشار بن منصور إلى أن عدل الإشهاد لا يمكنه الامتناع عن إبرام عقد زواج لشخصين يبلغان من العمر 18 سنة بحضور شاهدين من نفس سنهما حيث ينص القانون على أن يكون الشاهدان من أهل الثقة فقط أي أن القانون لا يشترط بأن يكونا من عائلة أو أقارب الزوجين، وفق تقديره.

وهذه الإجراءات القانونية المرنة جعلت من زواج الأجانب بالتونسيين غير معقّدة وتحتاج بضعة وثائق فقط، ويعيد المختصون ظاهرة الزواج المختلط بالأساس إلى الارتفاع الكبير في نسبة الهجرة سواء كانت هجرة كفاءات أو يد عاملة وحتى الهجرة غير النظامية، وهو ما يجعل التونسيين منفتحين أكثر على العالم الخارجي وعلى مجتمعات وثقافات جديدة، والانفتاح يتيح الفرصة للدراسة والعمل مع جنسيات مختلفة فيحدث التعارف ثم الزواج.. ولذلك نجد أن أغلب عقود الزواج هذه تتم في الخارج وأن بعد الانفصال يواجه التونسيون سواء من الرجال أو النساء مشاكل كبيرة للاحتفاظ بحضانة أطفالهم حتى في صورة عودتهم إلى تونس.

ورغم أن العائلات التونسية في البداية تشجّع على هذا النوع من الزواج ولا تجد فيه حرجا، فأصبحت –بدورها- تشجع على الهجرة والاستقرار خارج حدود الوطن وترفض رجوع أولادها للعيش في تونس، وبالتالي فإنها باتت تشجع على الزواج بالأجانب، عكس ما كان سائدا في السابق حيث يعتبر الزواج بأجنبية نوعا من التمرّد على العادات والتقاليد .

وإذا كان الزواج المختلط يمكن أن يكون مفيدا للأطفال ويمنحهم فرصة النهل أكثر من ثقافة الغير والعيش في مجتمع يجعلهم منفتحين على كل الأفكار في المستقبل إلا أن عدم توافق الأبوين يذكّي الاختلاف الثقافي والحضاري والعقائدي داخل الأسرة ويجعل كل واحد منهما يسعى إلى الاحتماء بنظامه القانوني والقضائي ليحقق الانتصار لثقافته في تصوره لمستقبل أبنائه، ومن هنا يبرز الاختلاف والمشاكل التي تصاحب حق الحضانة الذي من المفروض أن في منحه تحقيق لمصلحة الطفل الفضلى، ولكن في الزواج المختلط يصبح الأمر أكثر تعقيدا وتتصادم أحيانا الحضانة التي تكون عند الأم مثلا بالولاية التي تبقى دائما لدى الأب، ويؤدي تنازع الحقوق والواجبات بين الأم الحاضنة والولي القانوني إلى طرح السؤال حول مثلا حق الأم الحاضنة في مغادرة البلاد التونسية بعد أن انقضى سبب إقامتها بها بانفصام زواجها مع تواصل تمتعها بحق الحضانة والعكس صحيح، مثلما هو الشأن في قضية الطفلة كاميليا .

ولئن كان القانون التونسي يشترط بموجب الفصل 61 من مجلة الأحوال الشخصية ألا تسافر الحاضنة بمحضونها سفر نقلة يؤدي إلى منع الولي من ممارسة صلاحيات ولايته، إلا أن الطفلة كامليا نجحت أمّها في اختطافها ومغادرة تونس معها بطريقة ما رغم أنها لا تتمتّع بالحضانة القانونية للطفلة، فحتى الأم الحاضنة عندما تتعمّد مخالفة شروط إسناد الحضانة بالنقلة يؤدي فعليا لخلق حالة يستعصي التعامل معها إذ يتعذر على نسبة هامة من الآباء التونسيين الذود عن حقوقهم أمام قضاء الدول التي تلجأ إليها الأم الحاضنة كما يؤدي ارتفاع تكلفة التقاضي بتلك الدول مقارنة بإمكانيات الأفراد التونسيين ومستوى مداخيلهم إلى إيجاد حاجز فعلي يمنع الآباء من حقهم في التقاضي فما بالك والأم غير حاضنة وتعمّدت خطف الطفلة!

قانون يعجز أمام الواقع

وظاهرة الفرار بمحضون لا يعاني منها المجتمع التونسي فقط بل هناك إحصائيات فرنسية تشير إلى أنه خلال سنة 2012 تم تسجيل 158 حالة اختطاف طفل من طرف أحد أبويه كانت 17 حالة منها وجهتها البلاد التونسية.

وفي ذات السياق يقول رئيس «الجمعية التونسية للنهوض بالأسرة والمجتمع» توفيق عياري، إن حضانة الأطفال باتت تطرح اليوم إشكاليات عميقة في تونس ولا تتعلّق فقط بحالات الزواج المختلط، وقد أكّد توفيق عياري أن «الجمعية التونسية للنهوض بالأسرة والمجتمع» تشتغل اليوم على التحسيس بضرورة مراجعة بعض التشريعات التي لها علاقة باستقرار الأسرة وتوازنها ومنها القانون المتعلّق بالحضانة، قائلا: «قد يصبح الوضع الأسري أكثر تعقيدا في الزواج المختلط خاصة في علاقة بالحضانة أو بعد فرار أحد الأبوين بالطفل المحضون، حيث تابعنا حالات كثيرة لهذا الفرار حتى دون إجازة قانونية من الأب حيث يلجأ البعض إلى تهريب الأطفال إما عبر الهجرة غير النظامية أو التسلّل خلسة إلى دول مجاورة ومن ذلك العودة بالأطفال إلى بلدان بما يعقّد لاحقا وضعية استعادة هؤلاء الأطفال أو حتى رؤيتهم».

وما تقترحه «الجمعية التونسية للنهوض بالأسرة والمجتمع»، هو تعديل الإجراءات القانونية وترك خيارات أكثر في إجراءات الرؤية بالنسبة للحضانة، ويقول توفيق العياري: «تعديل شروط الرؤية وجعلها أكثر مرونة ولا تقتصر فقط على يوم أو يومين في الأسبوع يمكن أن يساعد على المراقبة المستمّرة من المحروم من الحضانة بالقانون، ويمنع من وجود التجاوزات كالاعتداء بالعنف أو التحريض أو جريمة الفرار بمحضون، فالتشديد في شروط الحضانة لصالح من حكم القضاء بحقه في هذه الحضانة أراها بمثابة ثغرة قانونية يجب إصلاحها حتى نمنح الطرف المحروم من الحضانة الحق في المراقبة وفي الوقوف على أي تجاوز في حق المحضون».

وحول الوضعية القانونية لما بعد الفرار بالمحضون إلى بلد أجنبي وإمكانية الأب أو الأم استعادة الطفل بعد ذلك في إطار حكم الحضانة المتمتّع به أكّد الأستاذ عبد الستار المسعودي في تصريح لـ«الصباح» أن علاقة الزواج المختلط من حضانة ونفقة والحق في الزيارة منظمة بمقتضى مجلة القانون الدولي الخاص،  وأن الفصل 6 أشار إلى وضعية الفرار بالمحضون وأن هذه الوضعية تطرح إشكالا إجرائيا وإشكالا واقعيا، مضيفا: «بالنسبة للإشكال الإجرائي يتمثل في ضرورة اكساء حكم الحضانة الصادر عن القضاء التونسي بالصبغة التنفيذية مع ترجمة كل الوثائق القانونية المتعلقة بهذه الوضعية للغة البلد المتوقع أن المحضون موجود بها بعد تهريبه من طرف أحد الأبوين مع التوجّه بعريضة لوزارة الشؤون الخارجية لمراسلة السفير التونسي في ذلك البلد الذي يعلم السلطات القضائية هناك بوضعية المحضون وعلى من يريد استرجاع الطفل من الأبوين أن يتوجه هناك إلى قضاء ذلك البلد ويطالب بتطبيق قرار القضاء التونسي في الحضانة بعد إضفاء حكم الحضانة بالصبغة التنفيذية في ذلك البلد مع شروط أن تكون هناك اتفاقيات دولية بين ذلك البلد وتونس تسمح بذلك وبعد ذلك يتابع الوضعية القانونية والقضائية من هناك ويمكن نظريا أن ينجح في استعادة المحضون الذي تم تهريبه وإذا كان هذا الإجراء ممكنا قانونا فإن تطبيقه في الواقع يطرح إشكاليات أولها الكلفة الباهظة لذلك حيث أنه ليس من السهل التنقل إلى بلد أجنبي ورفع قضية وانتظار مآلاتها من حيث الكلفة المادية والنفسية لذلك، وبالتالي الأمر ممكن إجرائيا ولكن عمليا وفي الواقع هناك صعوبات كبيرة»

 

منية العرفاوي