إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

بلغت حوالي 26 مليار دينار.. طفرة قياسية في السيولة النقدية تعكس انتعاشة تدريجيّة للاقتصاد الوطني

شهدت الكتلة النقدية المتداولة في تونس، أمس، ارتفاعا ملحوظا، حيث بلغت قيمة الأوراق النقدية والقطع المعدنية المتداولة بتاريخ 25 أوت 2025 حوالي 25.9 مليار دينار، مقابل 22.6 مليار دينار في التاريخ نفسه من سنة 2024. وتمثل هذه الزيادة القياسية، التي تعادل 3.3 مليارات دينار إضافية، نسبة نمو بـ+13.6 %، وذلك وفق أحدث البيانات الصادرة عن البنك المركزي.

ارتفاع بقيمة 3.3 مليارات دينار وبنسبة 13.6 % في النقد المتداول

هذا التطوّر يسلّط الضوء على ديناميكية جديدة في الدورة الاقتصادية التونسية، ويطرح في الآن ذاته تساؤلات حول أسبابه المباشرة وانعكاساته على الاقتصاد الوطني، خاصة في ظرفية تتسم بتعقيدات مالية، وضغوط تضخمية، وارتفاع في كلفة المعيشة.

ارتفاع الطلب على السيولة والثقة في المعاملات

ووفق ما كشفه عدد من خبراء الاقتصاد لـ»الصباح»، تتعدّد العوامل التي تفسّر هذا الصعود اللافت في الكتلة النقدية المتداولة. فمن جهة أولى، يعكس هذا التوجّه ارتفاع الطلب على السيولة لدى الأفراد والمؤسسات، نتيجة عوامل موسمية مرتبطة بفترة الصيف وما تحمله من إنفاق إضافي، سواء على مستوى الاستهلاك العائلي أو النشاط السياحي.

ومن جهة ثانية، يمكن قراءة هذا الارتفاع باعتباره مؤشّرا على تحسّن نسبي في الثقة داخل السوق، حيث تميل المؤسسات والأسر إلى التعامل نقدا لتفادي التعقيدات الإجرائية المرتبطة بالمعاملات البنكية أو كلفة الخدمات المالية. كما أن توسّع أنشطة الاقتصاد غير المهيكل يظل عنصرا حاسما في تفسير تضخّم المعاملات النقدية خارج المنظومة البنكية.

انعكاسات مباشرة على الدورة الاقتصادية

الزيادة المسجّلة في حجم السيولة المتداولة تحمل انعكاسات مزدوجة. فمن جانب إيجابي، يعزّز توفّر السيولة قدرات الإنفاق لدى الأسر، ويحفّز الطلب الداخلي، ممّا ينعكس مباشرة على نشاط المؤسسات التجارية والخدماتية، وهو ما يجعل ارتفاع الكتلة النقدية المتداولة عنصرا مساعدا على تنشيط الدورة الاقتصادية وتخفيف حدّة الركود.

كما أن السيولة الإضافية تتيح فرصا أفضل لتيسير المبادلات، وتدعم النشاط الاقتصادي، خاصة في القطاعات المرتبطة بالاستهلاك اليومي والسياحة والصناعات الغذائية.

لكن من جانب آخر، قد يؤدّي ارتفاع السيولة النقدية في السوق إلى تغذية الضغوط التضخمية إذا لم يقابله نموّ موازٍ في الإنتاجية والاستثمار. فالكتلة النقدية، حين تتجاوز قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات، تتحوّل إلى عامل ضغط على الأسعار، وهو ما يستدعي يقظة من السلطات النقدية.

بين انتعاشة نسبية ومخاطر كامنة

من أبرز الدلالات التي يحملها هذا التطوّر، تعاف نسبيّ للاستهلاك الداخلي، حيث تؤشّر الأرقام إلى تحسّن في الطلب المحلي، ما يمكن اعتباره بداية لعودة الثقة لدى المستهلكين بعد سنوات من التذبذب الاقتصادي. كما تكشف هذه البيانات عن استمرار قوة الاقتصاد غير المهيكل، وتضخّم المعاملات النقدية خارج الجهاز البنكي، ما يعكس محدودية اندماج شرائح واسعة من الفاعلين في المنظومة المالية الرسمية.

وحسب خبراء الاقتصاد، لا يمكن فهم تضخّم السيولة النقدية المتداولة دون التوقّف عند حجم الاقتصاد الموازي في تونس، الذي يُقدّر بنحو 40 % من الناتج المحلي الإجمالي، وفق بعض الدراسات الرسمية. هذا القطاع يعتمد بشكل أساسي على المعاملات النقدية المباشرة، بعيدًا عن النظام البنكي، ما يجعل أي زيادة في الكتلة النقدية انعكاسا مباشرا لنموّ الأنشطة غير الرسمية. هذا الواقع يعزّز الحاجة إلى إصلاحات بنيوية تهدف إلى إدماج تدريجي للاقتصاد الموازي داخل المنظومة الرسمية، سواء عبر الحوافز الضريبية، أو تبسيط الإجراءات، أو تشجيع الرقمنة المالية.

آفاق الزيادة.. بين الفرص والمخاطر

ويعتقد أغلب الخبراء، أنه إذا ما تمّت إدارة هذا الارتفاع في الكتلة النقدية المتداولة بطريقة رشيدة، فإنّه يمكن أن يمثّل رافعة حقيقية للنموّ الاقتصادي. فالسيولة المتاحة قد تتحوّل إلى استهلاك أكبر، ومن ثمّة إلى دفع عجلة الإنتاج، وتشغيل اليد العاملة. كما أن زيادة السيولة قد تسهم في تعزيز الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين، وتحسين الدورة المالية داخل السوق.

لكن، في المقابل، يظلّ التحدي الأكبر متمثّلا في تحويل هذه السيولة إلى استثمارات منتجة، بدل أن تبقى مجرّد أداة إنفاق استهلاكي ظرفي. وإذا ما بقيت الزيادة في حجم الأوراق النقدية غير مرفوقة ببرامج استثمارية وإصلاحات هيكلية، فإنّها قد تتحوّل إلى عامل تضخّم إضافي يضعف القدرة الشرائية للمواطن.

دور السياسة النقدية والمالية

في مواجهة هذا التطوّر، يظلّ البنك المركزي التونسي مطالبا بالتحكّم في معادلة دقيقة، تتمثّل في ضخّ ما يكفي من السيولة لإنعاش النشاط الاقتصادي، وفي الوقت ذاته كبح جماح التضخّم عبر أدوات السياسة النقدية، مثل معدّلات الفائدة وإدارة الكتلة النقدية. كما أن السياسات المالية للحكومة يجب أن تواكب هذا التوجّه من خلال ضبط التوازنات العامة، وتوجيه السيولة نحو الاستثمار في البنية التحتية، والقطاعات ذات القيمة المضافة العالية، بدل الاقتصار على تغطية النفقات الجارية.

الرقمنة المالية كحلّ استراتيجي

ومن بين الآفاق التي تطرح نفسها بقوة لمواجهة تضخّم الكتلة النقدية المتداولة، الدفع نحو التحوّل الرقمي في المعاملات المالية. فتعزيز الدفع الإلكتروني، وتوسيع خدمات المحافظ الرقمية، وتسهيل الولوج إلى الخدمات البنكية، كلها أدوات قادرة على امتصاص جزء مهمّ من السيولة المتداولة نقدًا وتحويلها إلى معاملات أكثر شفافية داخل الجهاز المالي الرسمي.

هذا التوجّه، الذي انطلقت الحكومة التونسية في تطبيقه مؤخرا، سيمكن من تقليص حجم الاقتصاد الموازي، وتحسين موارد الدولة الجبائية، وفي الآن ذاته دعم الشمول المالي للأسر والمؤسسات الصغيرة.

جدير بالذكرأنّ الزيادة المسجّلة في الكتلة النقدية المتداولة، إلى حدود 25.9 مليار دينار، يجب ألّا تُقرأ فقط كمؤشر سلبي مرتبط بالمخاطر التضخمية، بل هي أيضا علامة على ديناميكية اقتصادية تستعيد أنفاسها بعد سنوات من الركود. غير أنّ تحويل هذه الديناميكية إلى نموّ مستدام يستدعي رؤية شاملة، ترتكز على إصلاحات هيكلية، وتشجيع الاستثمار المنتج، وتوسيع قاعدة الاقتصاد الرسمي.

فالسيولة، إذا لم تتحوّل إلى طاقة إنتاجية، قد تنقلب إلى عبء على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. أمّا إذا أُحسن استغلالها وتوجيهها، فإنّها يمكن أن تكون مدخلا لإنعاش حقيقي يضع الاقتصاد الوطني على سكّة التعافي.

سفيان المهداوي

بلغت حوالي 26 مليار دينار..   طفرة قياسية في السيولة النقدية تعكس انتعاشة تدريجيّة للاقتصاد الوطني

شهدت الكتلة النقدية المتداولة في تونس، أمس، ارتفاعا ملحوظا، حيث بلغت قيمة الأوراق النقدية والقطع المعدنية المتداولة بتاريخ 25 أوت 2025 حوالي 25.9 مليار دينار، مقابل 22.6 مليار دينار في التاريخ نفسه من سنة 2024. وتمثل هذه الزيادة القياسية، التي تعادل 3.3 مليارات دينار إضافية، نسبة نمو بـ+13.6 %، وذلك وفق أحدث البيانات الصادرة عن البنك المركزي.

ارتفاع بقيمة 3.3 مليارات دينار وبنسبة 13.6 % في النقد المتداول

هذا التطوّر يسلّط الضوء على ديناميكية جديدة في الدورة الاقتصادية التونسية، ويطرح في الآن ذاته تساؤلات حول أسبابه المباشرة وانعكاساته على الاقتصاد الوطني، خاصة في ظرفية تتسم بتعقيدات مالية، وضغوط تضخمية، وارتفاع في كلفة المعيشة.

ارتفاع الطلب على السيولة والثقة في المعاملات

ووفق ما كشفه عدد من خبراء الاقتصاد لـ»الصباح»، تتعدّد العوامل التي تفسّر هذا الصعود اللافت في الكتلة النقدية المتداولة. فمن جهة أولى، يعكس هذا التوجّه ارتفاع الطلب على السيولة لدى الأفراد والمؤسسات، نتيجة عوامل موسمية مرتبطة بفترة الصيف وما تحمله من إنفاق إضافي، سواء على مستوى الاستهلاك العائلي أو النشاط السياحي.

ومن جهة ثانية، يمكن قراءة هذا الارتفاع باعتباره مؤشّرا على تحسّن نسبي في الثقة داخل السوق، حيث تميل المؤسسات والأسر إلى التعامل نقدا لتفادي التعقيدات الإجرائية المرتبطة بالمعاملات البنكية أو كلفة الخدمات المالية. كما أن توسّع أنشطة الاقتصاد غير المهيكل يظل عنصرا حاسما في تفسير تضخّم المعاملات النقدية خارج المنظومة البنكية.

انعكاسات مباشرة على الدورة الاقتصادية

الزيادة المسجّلة في حجم السيولة المتداولة تحمل انعكاسات مزدوجة. فمن جانب إيجابي، يعزّز توفّر السيولة قدرات الإنفاق لدى الأسر، ويحفّز الطلب الداخلي، ممّا ينعكس مباشرة على نشاط المؤسسات التجارية والخدماتية، وهو ما يجعل ارتفاع الكتلة النقدية المتداولة عنصرا مساعدا على تنشيط الدورة الاقتصادية وتخفيف حدّة الركود.

كما أن السيولة الإضافية تتيح فرصا أفضل لتيسير المبادلات، وتدعم النشاط الاقتصادي، خاصة في القطاعات المرتبطة بالاستهلاك اليومي والسياحة والصناعات الغذائية.

لكن من جانب آخر، قد يؤدّي ارتفاع السيولة النقدية في السوق إلى تغذية الضغوط التضخمية إذا لم يقابله نموّ موازٍ في الإنتاجية والاستثمار. فالكتلة النقدية، حين تتجاوز قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات، تتحوّل إلى عامل ضغط على الأسعار، وهو ما يستدعي يقظة من السلطات النقدية.

بين انتعاشة نسبية ومخاطر كامنة

من أبرز الدلالات التي يحملها هذا التطوّر، تعاف نسبيّ للاستهلاك الداخلي، حيث تؤشّر الأرقام إلى تحسّن في الطلب المحلي، ما يمكن اعتباره بداية لعودة الثقة لدى المستهلكين بعد سنوات من التذبذب الاقتصادي. كما تكشف هذه البيانات عن استمرار قوة الاقتصاد غير المهيكل، وتضخّم المعاملات النقدية خارج الجهاز البنكي، ما يعكس محدودية اندماج شرائح واسعة من الفاعلين في المنظومة المالية الرسمية.

وحسب خبراء الاقتصاد، لا يمكن فهم تضخّم السيولة النقدية المتداولة دون التوقّف عند حجم الاقتصاد الموازي في تونس، الذي يُقدّر بنحو 40 % من الناتج المحلي الإجمالي، وفق بعض الدراسات الرسمية. هذا القطاع يعتمد بشكل أساسي على المعاملات النقدية المباشرة، بعيدًا عن النظام البنكي، ما يجعل أي زيادة في الكتلة النقدية انعكاسا مباشرا لنموّ الأنشطة غير الرسمية. هذا الواقع يعزّز الحاجة إلى إصلاحات بنيوية تهدف إلى إدماج تدريجي للاقتصاد الموازي داخل المنظومة الرسمية، سواء عبر الحوافز الضريبية، أو تبسيط الإجراءات، أو تشجيع الرقمنة المالية.

آفاق الزيادة.. بين الفرص والمخاطر

ويعتقد أغلب الخبراء، أنه إذا ما تمّت إدارة هذا الارتفاع في الكتلة النقدية المتداولة بطريقة رشيدة، فإنّه يمكن أن يمثّل رافعة حقيقية للنموّ الاقتصادي. فالسيولة المتاحة قد تتحوّل إلى استهلاك أكبر، ومن ثمّة إلى دفع عجلة الإنتاج، وتشغيل اليد العاملة. كما أن زيادة السيولة قد تسهم في تعزيز الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين، وتحسين الدورة المالية داخل السوق.

لكن، في المقابل، يظلّ التحدي الأكبر متمثّلا في تحويل هذه السيولة إلى استثمارات منتجة، بدل أن تبقى مجرّد أداة إنفاق استهلاكي ظرفي. وإذا ما بقيت الزيادة في حجم الأوراق النقدية غير مرفوقة ببرامج استثمارية وإصلاحات هيكلية، فإنّها قد تتحوّل إلى عامل تضخّم إضافي يضعف القدرة الشرائية للمواطن.

دور السياسة النقدية والمالية

في مواجهة هذا التطوّر، يظلّ البنك المركزي التونسي مطالبا بالتحكّم في معادلة دقيقة، تتمثّل في ضخّ ما يكفي من السيولة لإنعاش النشاط الاقتصادي، وفي الوقت ذاته كبح جماح التضخّم عبر أدوات السياسة النقدية، مثل معدّلات الفائدة وإدارة الكتلة النقدية. كما أن السياسات المالية للحكومة يجب أن تواكب هذا التوجّه من خلال ضبط التوازنات العامة، وتوجيه السيولة نحو الاستثمار في البنية التحتية، والقطاعات ذات القيمة المضافة العالية، بدل الاقتصار على تغطية النفقات الجارية.

الرقمنة المالية كحلّ استراتيجي

ومن بين الآفاق التي تطرح نفسها بقوة لمواجهة تضخّم الكتلة النقدية المتداولة، الدفع نحو التحوّل الرقمي في المعاملات المالية. فتعزيز الدفع الإلكتروني، وتوسيع خدمات المحافظ الرقمية، وتسهيل الولوج إلى الخدمات البنكية، كلها أدوات قادرة على امتصاص جزء مهمّ من السيولة المتداولة نقدًا وتحويلها إلى معاملات أكثر شفافية داخل الجهاز المالي الرسمي.

هذا التوجّه، الذي انطلقت الحكومة التونسية في تطبيقه مؤخرا، سيمكن من تقليص حجم الاقتصاد الموازي، وتحسين موارد الدولة الجبائية، وفي الآن ذاته دعم الشمول المالي للأسر والمؤسسات الصغيرة.

جدير بالذكرأنّ الزيادة المسجّلة في الكتلة النقدية المتداولة، إلى حدود 25.9 مليار دينار، يجب ألّا تُقرأ فقط كمؤشر سلبي مرتبط بالمخاطر التضخمية، بل هي أيضا علامة على ديناميكية اقتصادية تستعيد أنفاسها بعد سنوات من الركود. غير أنّ تحويل هذه الديناميكية إلى نموّ مستدام يستدعي رؤية شاملة، ترتكز على إصلاحات هيكلية، وتشجيع الاستثمار المنتج، وتوسيع قاعدة الاقتصاد الرسمي.

فالسيولة، إذا لم تتحوّل إلى طاقة إنتاجية، قد تنقلب إلى عبء على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. أمّا إذا أُحسن استغلالها وتوجيهها، فإنّها يمكن أن تكون مدخلا لإنعاش حقيقي يضع الاقتصاد الوطني على سكّة التعافي.

سفيان المهداوي