إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

أوفت بالتزاماتها وأكدت قدرتها على الصمود.. تونس تسدّد جزءا هاما من ديونها الخارجية وتقلّص من عبء التداين العمومي

تعيش تونس منذ سنوات على وقع ضغوط مالية خانقة، نتيجة تراكم الديون وتراجع نسب النمو، وتقلّص موارد الدولة. ومع كل استحقاق للدين الخارجي، يتجدد النقاش حول قدرة البلاد على الوفاء بالتزاماتها في آجالها، خصوصا في ظل تطبيق سياسة التعويل على الذات، وتقلص هوامش تمويل الميزانية.

غير أنّ المؤشرات المسجلة إلى غاية أوت 2025 تُظهر أنّ تونس نجحت، مرة أخرى، في الإيفاء بجزء كبير من التزاماتها الخارجية، وهو ما يُعدّ مكسبا استراتيجيا بالنظر إلى حجم الضغوط التي تعيشها البلاد. هذه النتائج، رغم أنها لا تعني نهاية الأزمة، تحمل إشارات إيجابية مهمة لثقة الأسواق والمستثمرين والشركاء الدوليين.

ووفق المعطيات الرسمية، بلغت خدمة الدين العمومي في الربع الأول من سنة 2025 حوالي 9 مليارات دينار، منها ما يقارب 5,2 مليارات دينار مخصصة للدين الخارجي.

إلى جانب ذلك، أوفت تونس في 30 جانفي 2025 باستحقاق كبير يتمثل في سداد قرض خارجي بقيمة مليار دولار، أي ما يعادل 3,3 مليارات دينار تقريبا (أصل القرض والفوائد)، وهو قرض تم الحصول عليه سنة 2015 على مدى عشر سنوات. وباحتساب هذه الاستحقاقات، يكون ما تم سداده إلى غاية أوت 2025 في حدود 8,5 مليارات دينار من أصل الدين الخارجي، وهو مبلغ ضخم بالنظر إلى محدودية الموارد وتراجع تدفقات التمويل الخارجي.

الاستحقاقات المتبقية لسنة 2025

رغم الجهد المبذول، لم تنته التزامات الدولة بعد. إذ تشير تقديرات ميزانية 2025 إلى أنّ قيمة خدمة الدين الخارجي ستبلغ حوالي 10,4 مليارات دينار خلال كامل السنة. وبما أنّ تونس سددت نحو 8,5 مليارات دينار إلى حدود أوت، فإنّ الأشهر المتبقية ستشهد تسديد حوالي 2,5 مليار دينار إضافية، تخص ديونا ثنائية ومتعددة الأطراف، وهي قيم أصغر مقارنة بالاستحقاقات السابقة لكنها تظل عبئًا ثقيلًا على المالية العمومية.

استحقاقات 2026 وما بعدها

وخلال 2026، يتعيّن على تونس سداد إصدار بالأورو بقيمة 700 مليون أورو (ما يعادل أكثر من 2383،36 مليون دينار حسب أسعار الصرف الحالية). وفي 2027، سيكون على الدولة سداد إصدار بالدولار بقيمة 150 مليون دولار، إضافة إلى إصدار بالين الياباني قيمته 30 مليار ين. وتتواصل الاستحقاقات إلى غاية 2033، حيث توجد ثلاث إصدارات إضافية بالين الياباني، هي على التوالي: 15 مليار ين في 2030، و20 مليار ين في 2031، و30 مليار ين في 2033، وذلك وفق ما أفاد به لـ»الصباح» في وقت سابق، المدير الأسبق للسياسات النقدية بالبنك المركزي، محمد صالح سويلم.

وباستكمال هذه السلسلة من السداد، تكون تونس قد أنهت كافة إصداراتها الخارجية منذ أول خروج لها إلى الأسواق المالية الدولية سنة 1994. وهو ما من شأنه أن يقلّص بشكل ملحوظ من عبء المديونية الخارجية. وتشير التوقعات إلى أنّ مواصلة السداد المنتظم ستمكّن تونس من تقليص نسبة الدين الخارجي إلى أقل من 50 % من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنتين أو الثلاث سنوات القادمة، في حين كانت هذه النسبة عند حدود 69 % سنة 2018.

هذا التطور، إذا تحقق، سيعزز قدرة البلاد على التفاوض مع المؤسسات المالية الدولية، وسيرسل إشارات إيجابية للمستثمرين حول جدية تونس في التحكم في التزاماتها.

استعادة الثقة الدولية

يُعدّ نجاح تونس في احترام آجال السداد مؤشرا قويا للشركاء الدوليين ووكالات التصنيف، الذين كانوا يخشون منذ سنوات أن تجد البلاد نفسها مضطرة للالتحاق بـ»نادي باريس» لجدولة الديون. لكن الوفاء بالالتزامات بدد هذه المخاوف، وأعاد شيئا من المصداقية إلى الاقتصاد الوطني.

وقد يدفع هذا الالتزام وكالات التصنيف إلى مراجعة تقييمها لتونس نحو الأعلى، خاصة في ظل تراجع المخاطر المرتبطة بالقدرة على السداد، علما بأنّ تحسن التصنيف من شأنه أن يقلّص كلفة الاقتراض لاحقا، إذا ما قررت تونس العودة إلى الأسواق الدولية.

ووفق ما كشف عنه خبراء الاقتصاد لـ»الصباح» في وقت سابق، فإن سداد الاستحقاقات الكبيرة ساهم في الحفاظ على استقرار الدينار أمام العملات العالمية، وخفف من الضغط على الميزان التجاري. كما أن توفر احتياطي مريح، مكن البلاد من مواجهة تقلبات أسعار الطاقة والمواد الأولية أو تراجع العائدات السياحية.

وساهم الوفاء بالتعهدات المالية في إرسال إشارة إيجابية إلى المستثمرين المحليين والأجانب بأن المخاطر المالية، رغم استمرارها، ما تزال تحت السيطرة. هذه الثقة شجعت على ضخ استثمارات جديدة، خصوصا في القطاعات التصديرية والتكنولوجية.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن الوضع المالي للبلاد لا يزال في حاجة إلى مزيد من السياسات النقدية الناجعة، في ظل تطبيق سياسة التعويل على الذات، فالخزينة العمومية ما زالت تعتمد على التمويل الداخلي بشكل مكثف منذ 2019، وهو ما يحد من قدرة البنوك على تمويل القطاع الخاص، ويزيد من الضغوط التضخمية. كما أنّ نسب النمو لا تزال ضعيفة (في حدود 2 %)، رغم ارتفاعها خلال الثلاثي الثاني من سنة 2025 إلى 2.4 %. وهذه العوامل تدفع إلى القيام بإصلاحات هيكلية تضمن استدامة مالية واقتصادية على المدى الطويل.

تراجع الدين العمومي

ومن أبرز التحديات أيضا المحافظة على مستوى احتياطي العملة الصعبة، باعتباره أداة أساسية لتسديد الديون وتمويل الواردات. أي تراجع في هذا المخزون قد يضع الاقتصاد في مواجهة مباشرة مع صدمات خارجية غير متوقعة، كما حصل خلال جائحة كورونا أو ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا. لذلك، يُعتبر تعزيز موارد العملة عبر السياحة، الصادرات، وتحويلات التونسيين بالخارج، رهانًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن سداد الدين نفسه. ووفق ما كشف عنه محافظ البنك المركزي، فتحي زهير النوري، مؤخرا، في التقرير السنوي للبنك المركزي، سجلت تونس خلال سنة 2024 تراجعًا ملحوظًا في نسبة التداين العمومي بـ3,4 نقاط مئوية، لتنخفض إلى 81,2 % من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 84,6 % سنة 2023.

ويُعد هذا التراجع مؤشرا إيجابيا يعكس قدرة البلاد على التحكم تدريجيًا في مديونيتها، بما يعزز ثقة المانحين والمستثمرين ويفتح آفاقا أوسع أمام تمويل الاقتصاد ودعم النمو.

وإجمالا، ما حققته تونس إلى غاية أوت 2025 ليس مجرد عملية مالية تقنية، بل هو رسالة سياسية واقتصادية مزدوجة إلى الخارج بأن تونس شريك موثوق قادر على احترام التزاماته، ورسالة إلى الداخل بأن الأزمة، رغم صعوبتها، يمكن إدارتها دون الانزلاق نحو التخلف عن السداد، أو الاستعانة بصندوق النقد الدولي.

ومع ذلك، فإنّ هذا النجاح ما يزال في حاجة إلى تعزيز كافة الجهود، والمضي نحو إصلاحات هيكلية تُخرج الاقتصاد من دائرة المديونية المفرطة، نحو مسار نمو شامل ومستدام. فالتحدي الأكبر اليوم ليس فقط في سداد الديون، بل في تحويل هذه الجهود إلى انطلاقة اقتصادية حقيقية توفر الشغل، وتحسّن المعيشة، وتُعيد الثقة للتونسيين.

سفيان المهداوي

أوفت بالتزاماتها وأكدت قدرتها على الصمود..     تونس تسدّد جزءا هاما من ديونها الخارجية وتقلّص من عبء التداين العمومي

تعيش تونس منذ سنوات على وقع ضغوط مالية خانقة، نتيجة تراكم الديون وتراجع نسب النمو، وتقلّص موارد الدولة. ومع كل استحقاق للدين الخارجي، يتجدد النقاش حول قدرة البلاد على الوفاء بالتزاماتها في آجالها، خصوصا في ظل تطبيق سياسة التعويل على الذات، وتقلص هوامش تمويل الميزانية.

غير أنّ المؤشرات المسجلة إلى غاية أوت 2025 تُظهر أنّ تونس نجحت، مرة أخرى، في الإيفاء بجزء كبير من التزاماتها الخارجية، وهو ما يُعدّ مكسبا استراتيجيا بالنظر إلى حجم الضغوط التي تعيشها البلاد. هذه النتائج، رغم أنها لا تعني نهاية الأزمة، تحمل إشارات إيجابية مهمة لثقة الأسواق والمستثمرين والشركاء الدوليين.

ووفق المعطيات الرسمية، بلغت خدمة الدين العمومي في الربع الأول من سنة 2025 حوالي 9 مليارات دينار، منها ما يقارب 5,2 مليارات دينار مخصصة للدين الخارجي.

إلى جانب ذلك، أوفت تونس في 30 جانفي 2025 باستحقاق كبير يتمثل في سداد قرض خارجي بقيمة مليار دولار، أي ما يعادل 3,3 مليارات دينار تقريبا (أصل القرض والفوائد)، وهو قرض تم الحصول عليه سنة 2015 على مدى عشر سنوات. وباحتساب هذه الاستحقاقات، يكون ما تم سداده إلى غاية أوت 2025 في حدود 8,5 مليارات دينار من أصل الدين الخارجي، وهو مبلغ ضخم بالنظر إلى محدودية الموارد وتراجع تدفقات التمويل الخارجي.

الاستحقاقات المتبقية لسنة 2025

رغم الجهد المبذول، لم تنته التزامات الدولة بعد. إذ تشير تقديرات ميزانية 2025 إلى أنّ قيمة خدمة الدين الخارجي ستبلغ حوالي 10,4 مليارات دينار خلال كامل السنة. وبما أنّ تونس سددت نحو 8,5 مليارات دينار إلى حدود أوت، فإنّ الأشهر المتبقية ستشهد تسديد حوالي 2,5 مليار دينار إضافية، تخص ديونا ثنائية ومتعددة الأطراف، وهي قيم أصغر مقارنة بالاستحقاقات السابقة لكنها تظل عبئًا ثقيلًا على المالية العمومية.

استحقاقات 2026 وما بعدها

وخلال 2026، يتعيّن على تونس سداد إصدار بالأورو بقيمة 700 مليون أورو (ما يعادل أكثر من 2383،36 مليون دينار حسب أسعار الصرف الحالية). وفي 2027، سيكون على الدولة سداد إصدار بالدولار بقيمة 150 مليون دولار، إضافة إلى إصدار بالين الياباني قيمته 30 مليار ين. وتتواصل الاستحقاقات إلى غاية 2033، حيث توجد ثلاث إصدارات إضافية بالين الياباني، هي على التوالي: 15 مليار ين في 2030، و20 مليار ين في 2031، و30 مليار ين في 2033، وذلك وفق ما أفاد به لـ»الصباح» في وقت سابق، المدير الأسبق للسياسات النقدية بالبنك المركزي، محمد صالح سويلم.

وباستكمال هذه السلسلة من السداد، تكون تونس قد أنهت كافة إصداراتها الخارجية منذ أول خروج لها إلى الأسواق المالية الدولية سنة 1994. وهو ما من شأنه أن يقلّص بشكل ملحوظ من عبء المديونية الخارجية. وتشير التوقعات إلى أنّ مواصلة السداد المنتظم ستمكّن تونس من تقليص نسبة الدين الخارجي إلى أقل من 50 % من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنتين أو الثلاث سنوات القادمة، في حين كانت هذه النسبة عند حدود 69 % سنة 2018.

هذا التطور، إذا تحقق، سيعزز قدرة البلاد على التفاوض مع المؤسسات المالية الدولية، وسيرسل إشارات إيجابية للمستثمرين حول جدية تونس في التحكم في التزاماتها.

استعادة الثقة الدولية

يُعدّ نجاح تونس في احترام آجال السداد مؤشرا قويا للشركاء الدوليين ووكالات التصنيف، الذين كانوا يخشون منذ سنوات أن تجد البلاد نفسها مضطرة للالتحاق بـ»نادي باريس» لجدولة الديون. لكن الوفاء بالالتزامات بدد هذه المخاوف، وأعاد شيئا من المصداقية إلى الاقتصاد الوطني.

وقد يدفع هذا الالتزام وكالات التصنيف إلى مراجعة تقييمها لتونس نحو الأعلى، خاصة في ظل تراجع المخاطر المرتبطة بالقدرة على السداد، علما بأنّ تحسن التصنيف من شأنه أن يقلّص كلفة الاقتراض لاحقا، إذا ما قررت تونس العودة إلى الأسواق الدولية.

ووفق ما كشف عنه خبراء الاقتصاد لـ»الصباح» في وقت سابق، فإن سداد الاستحقاقات الكبيرة ساهم في الحفاظ على استقرار الدينار أمام العملات العالمية، وخفف من الضغط على الميزان التجاري. كما أن توفر احتياطي مريح، مكن البلاد من مواجهة تقلبات أسعار الطاقة والمواد الأولية أو تراجع العائدات السياحية.

وساهم الوفاء بالتعهدات المالية في إرسال إشارة إيجابية إلى المستثمرين المحليين والأجانب بأن المخاطر المالية، رغم استمرارها، ما تزال تحت السيطرة. هذه الثقة شجعت على ضخ استثمارات جديدة، خصوصا في القطاعات التصديرية والتكنولوجية.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن الوضع المالي للبلاد لا يزال في حاجة إلى مزيد من السياسات النقدية الناجعة، في ظل تطبيق سياسة التعويل على الذات، فالخزينة العمومية ما زالت تعتمد على التمويل الداخلي بشكل مكثف منذ 2019، وهو ما يحد من قدرة البنوك على تمويل القطاع الخاص، ويزيد من الضغوط التضخمية. كما أنّ نسب النمو لا تزال ضعيفة (في حدود 2 %)، رغم ارتفاعها خلال الثلاثي الثاني من سنة 2025 إلى 2.4 %. وهذه العوامل تدفع إلى القيام بإصلاحات هيكلية تضمن استدامة مالية واقتصادية على المدى الطويل.

تراجع الدين العمومي

ومن أبرز التحديات أيضا المحافظة على مستوى احتياطي العملة الصعبة، باعتباره أداة أساسية لتسديد الديون وتمويل الواردات. أي تراجع في هذا المخزون قد يضع الاقتصاد في مواجهة مباشرة مع صدمات خارجية غير متوقعة، كما حصل خلال جائحة كورونا أو ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا. لذلك، يُعتبر تعزيز موارد العملة عبر السياحة، الصادرات، وتحويلات التونسيين بالخارج، رهانًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن سداد الدين نفسه. ووفق ما كشف عنه محافظ البنك المركزي، فتحي زهير النوري، مؤخرا، في التقرير السنوي للبنك المركزي، سجلت تونس خلال سنة 2024 تراجعًا ملحوظًا في نسبة التداين العمومي بـ3,4 نقاط مئوية، لتنخفض إلى 81,2 % من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 84,6 % سنة 2023.

ويُعد هذا التراجع مؤشرا إيجابيا يعكس قدرة البلاد على التحكم تدريجيًا في مديونيتها، بما يعزز ثقة المانحين والمستثمرين ويفتح آفاقا أوسع أمام تمويل الاقتصاد ودعم النمو.

وإجمالا، ما حققته تونس إلى غاية أوت 2025 ليس مجرد عملية مالية تقنية، بل هو رسالة سياسية واقتصادية مزدوجة إلى الخارج بأن تونس شريك موثوق قادر على احترام التزاماته، ورسالة إلى الداخل بأن الأزمة، رغم صعوبتها، يمكن إدارتها دون الانزلاق نحو التخلف عن السداد، أو الاستعانة بصندوق النقد الدولي.

ومع ذلك، فإنّ هذا النجاح ما يزال في حاجة إلى تعزيز كافة الجهود، والمضي نحو إصلاحات هيكلية تُخرج الاقتصاد من دائرة المديونية المفرطة، نحو مسار نمو شامل ومستدام. فالتحدي الأكبر اليوم ليس فقط في سداد الديون، بل في تحويل هذه الجهود إلى انطلاقة اقتصادية حقيقية توفر الشغل، وتحسّن المعيشة، وتُعيد الثقة للتونسيين.

سفيان المهداوي