-كل كتاباتي ترشح بصدى الواقع الذي عشته كل هذه العقود، والحلم بما أصبو إلى أن يكون.
-الكاتب مطالب بادراك حقيقة علاقته بالكتابة، أهي جادّة وعميقة؟ قبل البحث عن اعتراف القارئ به
-الكاتب أذكى من الرّقيب، لأنه صاحب قضيّة. والرّقيب لا يرقى إلى مهارة الكاتب لأنّ قضيّته مقصًه
-رّواية "طرشقانة" ستصدر قريبا في طبعة جديدة منقحة ومراجعة.
حوار محسن بن احمد
مبدعة استثنائية بكل المقاييس... جمعت بين مختلف فنون الإبداع "رواية وقصة ونقد وخواطر ودراسات". عشقت الكتابة وهامت بها إلى حد الانصهار الكلي فيها، وهي توثق بعين المبدعة التحولات والمتغيرات في المجتمع ومحيطه العالمي. مسعودة بوبكر في كتاباتها للحياة بلغة سلسة مشوقة وممتعة. حياة تعج بالأسئلة وتضج بالأحداث والأسرار والمشاعر والانفعالات. إنه قدر مسعودة بوبكر في علاقتها المتينة بالإبداع الذي يوثق الحياة بكل معانيها وواقعه وحقيقته، التي يحتاج المرء أن يلقاها عند أماكن مختلفة وعبر طرق جديدة ومناخات مغايرة. التقيناها فكان هذا الحوار:
* بعد هذه المسيرة الطويلة في عالم الإبداع كيف تنظرين اليوم إلى بدايتك مع الكتابة؟
-يحدث أن أعثر في صحيفة قديمة أو مجلّة على مقال أو قصّة قصيرة أو خاطرة كتبتها من سنوات خلت، فأذكر ذلك الحماس الذي كان يزودني بشحنة غريبة،تحثّ ذلك الإقبال اللّحوح على الكتابة بشراهة واندفاع،وتلك الحاجة المتجدّدة لتحبير بياض الورق في كلّ آونة وحيثما اتّفق.أضحك أحيانا من اندفاعي وأشفق عليّ من بعض استسهال الفكرة حينها. لكن لا يحدث أن أفكّر بالمقارنة بين نصّي اليوم ونصوص عمرها خمسون سنة ( أجلْ، فقد بدأت نشر محاولاتي في الصّحف وعمري عشرون سنة) حيث أنّ التجربة من تحصيل حاصل بحكم التقدم في السّن، والممارسة المتواصلة للكتابة والتزود والاطّلاع على عديد التجارب التي سبقت ولها أثر، ومعاشرة الكتب لا الإبداعية فحسب، بل كلّ ما من شأنه أن يضيف في شتى المجالات، لا باللغة العربيّة فقط بل الفرنسية)...ما هو جدير بالذكر للوفاء والعرفان أنّني كنت سعيدة الحظّ مثل الكثير ممّن هم في جيلي من الكتّاب، لقد وجدنا السند والرعاية ومن يأخذ باليد، ويسدي النّصح و لا يبخل بالمعلومة ويحثّنا على الصّبر على الإبداع... أذكر بكل وفاء وإكبار أ. منجي الشملي وبرنامجه الإذاعي الذي لا ينسى وأ. محمد بن رجب ومهرحان الصدى أ. محمد العروسي المطوي واعلام الأدب (أ.جلول عزونة.أ.رضوان الكوني.أ.فوزي الزمرلي، عديد الأسماء من أعلام نادي القصة بالوردية) فضلا عمن حضرنا محاضراتهم كلّما سنحت الفرص من الجامعيين أذكر أ.توفيق بكّار والأستاذ محمد اليعلاوي وغيرهم في تلك السبعينيات. كّانت الإحاطة من قبل هؤلاء في البداية تفتح أمامنا سبلا جديدة نحو مغامرة الكتابة.
* كتبت الرواية والقصة القصيرة والمقال والفت للأطفال، هل تعتقدين انه على الكاتب المرور بكل هذه الأنواع لكسب رهان الاعتراف به مبدعا لدى القارئ؟
-قطعا لا. هناك من التزم طول مسيرته بكتابة لون من الإبداع الأدبي أذكر هنا الأديبة التونسية نافلة ذهب القصّاصة المعروفة عبر الأجيال. الكتابة حين تسكن صاحبها وتتلبّس به تصبح هاجسه وقضيّته ومكوّنا في حياته. ومع احترامي للقارئ الذي آمنت في الأخير انّه جزء في حلقة الإبداع، أقول إنّي ما فكرت يوما في اعترافه.على الكاتب أن يدرك حقيقة علاقته بالكتابة،أهي جادّة وعميقة؟ أهي تحّدّيه ومشروعه الشّخصي؟ أم أنّها حالة عابرة لا يقلقه إن لم يمارسها... الكاتب الذي لمس عشق الحرف، وضج به الخيال، واشتعلت الرغبة في التعبير بكيانه، وباتت منه تحت جلده تنبض مع نبضه وتجاور النّفس، وتمدّ جذورها في شعاب الدّماغ وتصبح تربة الوجدان وهو منها المريد المتبتّل لا يدخل محرابها ليلغو أو يثرثر لا تهمّه الوجاهة أو الشهرة، لا ينتظر أن يقال له "أنت مبدع". خاصّة في أيّامنا هذه حيث ابتذلت صفة "مبدع" أيّما ابتذال.
أمّا عن كتابتي في أجناس مختلفة، فهي دروب مختلفة تصبّ في ساحة كبرى واحدة. كتبت في بداياتي شعرا لأنّني أعجبت بالنصّ المنغّم الذي فيه قافية، وإيقاعا بداية من أهزوجة النسوة الكبار حولنا أيّام الصّبا. ثمّ باستماعي مرارا للهمزية تتلى أيام المولد النبوي الشريف ومؤديها رحمه الله يؤديها بصوته الشجي فيهزّني النّغم والكلام المرسل السّلس. ثم وانا بالمدرسة اكتشفت الأناشيد الجميلة الأولى (المحفوظات من قصيد " مدرستي "حتى قصيد " أوراق الخريف" واشتد ولعي بالكلام الموقع والصّور حين بدأنا دراسة الشّعر العربي في المرحلة الثّانوية. ولكن بعد أن تقدّم الوعي واشتعلت الأسئلة في الدماغ، وعشت في حيّنا أحداثا مختلفة اذكر بعضها نكسة 67 ثم ما يصلنا من اخبار عبر المذاييع والتوتر في مصر وفلسطين والجزائر والتحاقي بالمعهد و إلى العاصمة وإيقاعها ومكتباتها ودير الراهبات بمنفلوري ثمّ الانقطاع عن الدراسة والاشتغال. وصولا إلى أحداث الخبز. بعد هذه المحطات باتت الكتابة المطلقة غير المقيّدة بالقافية والإيقاع هي المجال الذي يحتوي أسئلتي المطروحة واهتديت إلى القصة القصيرة فطرحت هواجسي إبداعا عبر القصة فضلا عن الكتابة المطلقة في أعمدة الصّحف والمجلاّت العربية والمحلية التي امتدت ما يقارب العشرين سنة، قبل أن اختار التفرغ للكتابة الإبداعية. أمّا عن تجربتي الروائيّة فهي اكتشاف بدأته في مستهل التسعينات ونشرت الرّواية التي نجت من التمزيق والمحو "ليلة الغياب " سنة 1996. أنا قارئة جيّدة للرواية ولم أكن أفكر أن أبادر بكتابة رواية. حتّى شحذت عزيمتي وقد اكتشفت أنها أكثر استيعابا للهواجس، ومنبرا أوسع من محدودية القصة القصيرة وشروطها.
* كيف تحددين علاقتك بالكتابة هل هي وفق مشروع معين أم حالة مزاج ؟
-الحالتان. للمزاج حالات تستدعي أن تطرح الانفعال على الورق. وقد عشتها في ما انتقيت من نصوص شعريّة في مجموعتي "مزاج قزحي"
إنّ لحالات المزاج كتابات عميقة وجريئة، وإن بدت متمردة على نظام التجنيس. كتابة المزاج فيها من صدق المعاناة الدّاخلية التي يصعب طرحها وإخضاعها في جنس مقنّن. وغالبا ما يحتويها الشّعر بصدر رحب. أمّا الكتابة المشروع فتمثلها عندي الرّواية، التي أعدّها على مراحل الفكرة أوّلا ثمّ التناغم مع المخيّلة، ثم اختيار الشّخصيات الأساسية والثّانويّة، والكومبارس إن استدعى الحال. يليه تصوّر الفصول، ثم يأتي بعد وضع الأسس التأثيث الدّاخلي. كذلك هي الحال بالنسبة إلي مع روايتي.
بالنسبة إلى القصّة القصيرة التي لا أزال على ولعي بها، هي أيضا تستدعي التدبّر والتخطيط، لاحترام شروطها. ولا يغرنّ الكثير ممّن يستسهلون كتابة القصة قصرُها، فهناك مربط الفرس، وسرّها الأعظم. بقدر ما تقصر تكمن الصّعوبة لما تفرضه من شروط كتابة.
* أي حضور للسيرة الذاتية في أعمالك الروائية بدرجة أولى؟
-الكتابة غوص في الذّات هكذا تبدأ. رحلة بحث في العالم الجوّاني لمشاعرنا وانفعالاتنا، ثمّ تطفو بنا الأسئلة إلى ما حولنا، وموقعنا بين الآخرين، فنمضي لنودعها بياض الورق نأخذ مما حولنا ونقطف من ثمار الخيال الدّانية في الفصول الأربعة ونضع أيضا شيئا من دواخلنا. الكتابة نسيج نزرده بشيء منّا، مثل سداء القماشة تصعب رؤيته. منّا من يحمّلها بعض مواقفه وملامح تجاربه، الكاتب مخلوق بحساسية مشحوذة تراه يلتقط كلّ شيء ليصوغ قصيدا، خاطرة، قصّة، رواية. لا يتردّد إن هو رأى في حياته ومضات أو مواقف تثري الكتابة أن يعتمدها.
* هل يحتاج الروائي إلى أن يغيّر المكان دائما بحثا عن عوالم روائية أو عوالم ملهمة؟
حاجة الكاتب لتغيير المكان ملحّة. ليس أخطر على القريحة من الملل الذي ينسجه الروتين فتضمر بذلك منابع الإلهام وتختنق المخيّلة مهما كانت نشيطة وسخيّة... الكاتب يكتب الحياة ويحتاج أن يلقاها عند أماكن مختلفة وعبر طرق جديدة ومناخات مغايرة. ففي تغيير الفضاء عموما وليس المكان فقط، ما يضخّ في عالمه هواء متجدّدا، فتنعم العين والقريحة، وتنشط آليات الالتقاط والملاحظة. يحتاج أن يطرق مكانا جديدا وأن يلتقي وجوها لم يألفها ويلتقط سمعه أصواتا بنبرات مغايرة ولسانا مختلفا. كلّ ذلك يجدّد نشاط المخيّلة ويفتح زوايا مختلفة للرؤية. خبرتُ ذلك وأنا أقضي أيّاما بباريس، فكان نتاج ذلك كتابي "حقيبة وذاكرة " كما نتج بوحي مدّة تناهز الشّهر قضيتها في المغرب، كتابي «بين الأطلسين" الذي أنجزته وسيصدر قريبا.
* ما مدى حضور الرقيب في كتابات مسعودة بوبكر القصصية والروائية ؟
-في وقت ما كنت ألمس ممارسة الرّقيب الخارجية على الكثير ممّا نكتب، ومحاصرة المقصّ لنصوص مختلفة سواء عبر الصّحف أو في الكتب. وعرفنا أمثلة كثيرة لكتب احتجزت ومنعت من الانتشار. كان هذا يؤلمني لدرجة أنّني أكره أن أكون رقيبا لنفسي على ما أكتب، فأحتاج لأن أجهض الفكرة في داخلي لذلك كنت أحرص وأنا أكتب البطاقة الأسبوعيّة على صياغة الفكرة بصور مختلفة حتّى إذا فطن الرّقيب إلى واحدة، نجت الأخرى، وإن طال المقصُّ اثنتين مرقت الثالثة، وهكذا. فأنا مؤمنة إلى حدّ بعيد بأن الكاتب أذكى من الرّقيب، لأنه صاحب قضيّة. والرّقيب لا يرقى إلى مهارة الكاتب لأنّ قضيّته مقّصه. كنّا نلجأ باستمرار إلى التّلميح دون التصريح. لذلك حرصت في غالب الأحيان أن أطرد الرّقيب من دواخلي حين أكتب. الكتابة عالمي السحرّي والجميل لا أريد أن يترعرع على شرفاته رقيب يتلصّص على أنفاسي وأنا مؤمنة أنّ الكاتب قادر على قول ما يريد شريطة أن يختار العبارة وسياقها.
* مثلت روايتك " طرشقانة " حدثا استثنائيا على اعتبار انها بشهادة النقاد قد تجاوزت فيها كل الخطوط الحمراء، ما هو تعليقك؟
-هي تجربة مرّ عليها الآن ما يقارب العشرون سنة انبثقت من سؤال: "ماذا لو كنت يوما أُمًّا لولد يفاجئني يوما وقد شبّ عن الطّوق برغبته في تغيير جنسه؟" ماذا تراني أفعل؟ خطر ببالي ذلك وأنا أتأمّل مأساة شاب يعيش رفضه لجنسه ويريد اللجوء إلى الجراحة ليصير أنثى. كنت أعاين بحكم مجاورة أهله عذابه، وما رافق وضعه من تبعات ومواقف متضاربة وما لحقه من تحرّش ونبذ إلخ. تلك كانت الانطلاقة. ولقيت الرواية حين صدورها ردود فعل مختلفة. وكان الدكتور محمود طرشونة أوّل من تناولها بالنّقد، فالدكتور جلول عزونة ثمّ الباحث جون فونتان. ثمّ شكّلت في ما بعد - وما زالت إلى حدّ اليوم - مواضيع رسائل بحث جامعيّة. هذه الرّواية ستصدر قريبا في طبعة جديدة منقحة ومراجعة. كما ستصدر مترجمة إلى الفرنسية من قبل الدكتورة منوبية مسكي تحت إشراف معهد تونس للترجمة. أتمنى أن تكون النسخة المنقحة والنسخة المترجمة موجودتين في معرض الكتاب القادم إن شاء الله.
* الى اي حد يمكن القول ان الرواية التونسية كسبت رهان التهام ظاهرة التهميش الاجتماعي، والسياسي، والثقافي داخل بنائها؟
-من نتائج ما حدث بعد 2011 انطلاق الألسنة وما عاد قيد ولا رقيب على الكلام والرّأي. وقد استفادت الكتابة من هذا الوضع بشكل كبير، بل إن الوضعُ مكّن الأقلامَ من التطّرق إلى ما لم يكن متاحا، وكشف ما كان محظورا من قمع ومن حالات اجتماعيّة مزرية، وأوضاع متدنّية وخاصّة الوضع السياسي، والسلطة، وانحسار الحجاب عن الوجوه الحقيقيّة. في الإبداع وتحديدا برز أدب السّجون عبر السيرة الذاتية، وخاضت الرّواية في مواضيع شتى من وحي ما حصل، وقشّرت الجلد للغوص في اللحمة الحيّة - إن صحّ التعبير- خاصة مع ما عاشه المجتمع التونسي والعربي من بروز حركات "الإسلام السياسي" وما أعقب ذلك من جرائم إرهابية. لقد كان الوضع المتفجّر معينا ساخنا للأقلام. منها ما نجح في الصياغة الفنيّة للنصّ الإبداعي، ومنها ما ظلّ يتأرجح بين الإيديولوجيا والشكل الفنّي. هناك أيضا من عاد إلى التاريخ وإلى التّراث لخلق نصّ يعبّر عن الحاضر الشّائك، وهناك في هذا المضمار نصوص روائية نجحت وأمتعت بحفاظها على أدبيتها وطرافتها أستحضر على سبيل الذّكر لا الحصر ثلاث روايات : "قيامة الحشّاشين للهادي التيمومي. "نازلة دار الأكابر" لأميرة غنيم و"زول الله "لنزار شقرون. لقد أبانت الرّواية التونسية التي دخلت العشرية الثانية من القرن، عن ثراء في المواضيع وجرأة في الطرح، واستمرار في البحث عن الطرح الفنيّ قصد التّجديد.
* برز جيل جديد في الرواية هل لهذه الكتابات خصوصية تميزها؟
-عرفت الرواية منذ ظهورها أجيالا تحرص كلّها في تجديد مادّتها ورؤيتها للكتابة الروائية ومعالجتها الفنية. وقد عرفت الرواية تلك الحركة الثورية في الكتابة التي حدثت في فرنسا (1950/1990) وامتد تأثيرها عبر العالم ورسّخت مفهوما جديدا لمقوّمات الرّواية. ثمّ ما فتئت بعد ذلك، محاولات التجديد والتحديث في الطرح الشكلي تغري كتّاب الرواية عموما، خاصة بما استجدّ من متغيرات سياسيّة وثقافية واجتماعية. يقول بيلنسكي إنّها" ملحمة الزّمن الجديد كنتاج للتّطوّر الاجتماعي المعقّد... تطوّرا يشمل كلّ شيء."
غير انّنا نلاحظ ما يمكن أن نطلق عليه بالتدافع، قصد "التجديد" نلمس ذلك في ما نقرا من بعض "الروايات"حين تُستسهلُ كتابةُ نصّ روائي والأمر ليس بالهيّن، إذ قلّما ينال الباحث عن التفرّد –للأسف- المراد. إذْ الكتابة تستدعي الصبر والثبات، وثقل الزّاد وسعة الاطّلاع حتّى يكون الإقدام على التجديد والاقناع وإثبات الطّرافة. لقد لمست من خلال ما قرأت من روايات تونسية حديثة (ولست أدّعي حين أقول إنّي قرأت الكثير منها) أمرين: أولا، يليق بنا أن نفخر بالرواية التونسية وبأقلام تؤمن إيمانا عميقا بقيمة الكتابة والمسؤوليّة الإبداعيّة . (وبالرواية التي بإمضاء كاتبة حيث هناك من يشكّك في هذه المدوّنة دون اطّلاع). وثانيا وللأسف هناك من يكتب رواية من أجل سباق في جائزة، وهناك من يقدم على الكتابة استجابة لرغبة عرضيّة. طبعا لا جدال في حريّة أيّ كان أن يكتب وينشر ويوزّع،ويعيد الطّبعة تلو الأخرى ويستدعي (أقول يستدعي وليس يدعو) المعارف لحفلات التوقيع طالما استطاع، لكن في الأخير سيلعب المنخل دوره، وستحمل الرياح الأعواد الهشّة. أمّا الجذع الثابت فجذوره في العمق. وسيثبت النصّ الذي ضرب في عمق الفكر وحلّق عاليا مع المخيّلة وجنى من قطوف اللغة الأصيلة أعذب فواكهها وأجودها، وقدّر المعنى حقّ قدره، ونزّل اللفظ مكانة رفيعة. كما ينصّ الجاحظ في البيان والتبيين بقولته الشّهيرة: "مَنْ أرادَ معنًى كريمًا فليلتمسْ له لفظًا كريمًا، فإن حقَّ المعنى الشريف اللفظُ الشريف" وإذا ما كانت المخيّلة سخيّة ارتقى الإبداع وحقّق المراد.
*الكاتب نتاج عصره اي تأثير لذلك في تحديد مسيرتك الإبداعية؟
-" كل كتاباتي ترشح بصدى الواقع الذي عشته كل هذه العقود، والحلم بما أصبو إلى أن يكون.انحت ذلك الصّراع بكياني على خلفية ثقافية ومخزون الوعي الباطني، وتطلّع العقل، وتفاعلات الروح المبدع الكامنة وراء الكاتبة فيّ، وفق هويّة خاصّة ، وفق معطيات منها الثّابت ومنها المتحوّل، وما القناعات التي اكتسبتها إلا نتاج ذلك التفاعل، والذي أعتمده خلفيّة وأنا أكتب وفق قانون المخيّلة، ومنطق الإبداع. أسئلة الحاضر هي المنطلق حتّى وأنا أعود عبر الاسترجاع في بعض الكتابات إلى الماضي، وكذلك منطق الطّرح الذي يسائل الحداثة والتجريب. تهمّني الأسئلة الحارقة، وتشغلني،لاعتباري الخاص أنّ الكتابة قضيّة... ويشغلني الطّرح الفنيّ حيث يكمن الرّهان وهو المعادلة الموفقة والصعبة بين الطرح الفني والإيديولوجي، في كتابة الرواية خاصة.
من سمات العصر، واقعه وهنا لسائل ان يسأل أيّ علاقة للكاتب مع هذا الواقع؟الواقع هو منطلق كلّ الفنون. والمختلف هو نظرة كلّ فنّان على حدة لهذا الواقع، وطُرُق التّناول. حيث يصبح الواقع كما يرى رولان بارت " دليل إيحاء بعدما حذف منه بما هو دليل تقرير."
والأديب في علاقته مع الواقع عند فرويد يشبه "المضطرب عقليا " لأنّه فيما يرى يشبه المجنون في انفصاله عن الواقع وتحليقه في أفق خيالي، ويرى أنّ الفارق الأساسيّ بينهما هو أنّ المجنون ينفصل عن الواقع، أما الأديب فيعود إلى هذا الواقع. وهو تحليل فيه من الحقيقة ما نلمسه عند الفنّانين من تهويمات خارج الواقع المرفوض من قبلهم. والفرار إلى منطقة من الذّات عند المبدع. وهي حالة ليست بالجنون، بل هي الخلق الإبداعيّ. حالة نفسيّة معقّدة يقف فيها الكاتب وقوف النحاّت أمام قطعة رخام، يعمل فيها أدواته وفق خياله فتصبح بصورة مغايرة، لكنّها تظل قطعة رخام معروفة المصدر.
*الرواية الشعرية ” ما هي قراءتك لهذا التصنيف الجديد للرواية ؟
-الرواية باتت متحرّكة ومزاجيّة تبهرنا وتفاجئنا مثل حسناء تغيّر فساتينها، ولكن حذار فالأمر ليس بما يعتقد من السّهولة بمكان، حيث يظلّ السّداء المتين هو الأساس والسرّ الذي لا ينكشف في التصميم. الرواية الشعرية تحتاج صائغا كيّسا يحسن تنسيق خيط الذهب وخيط الفضّة في قطعة مصوغه، وترصيعها بالحجارة الكريمة بحسبان وذوق وبراعة. الرواية الشعرية مزج النثر بالشّعر والمحكي بالبوح. تراقصُ الفكرة الإيقاع الداخلي للعبارة، وتنسج منطق حكايتها الخاص بين جنوح الخيال وشدّ الفكرة أو الحدث المروي شعرا. هي فضاء للقول وللحلم وللاحتجاج، وللرفض وللبناء والتقويض، على إيقاع مختلف عن القاعدة الكلاسيكيّة للرواية، حيث الأحداث هي زوبعة العواطف والأحاسيس، والمساءلة الفلسفية عبر محمل العبارة الشعرية، التي تكسر إيقاع السّرد المعتاد. هنا أستحضر تجربة عادل معيزي "أمس منذ ألف عام" رواية شعرية (2004 بيروت)
فقد تركت في نفسي أثرا مختلفا حين قرأتها من سنوات خلت. وأجد متعة قي إعادة تصفّحها كلّما طلعت بين رفوف الكتب لأنّها وبكل بساطة مختلفة. وربّما ذكرتني بما قرانا لجبران خليل جبران بصفة خاصة وعوالمه الشعرية وحيث يرافق تأجّج العاطفة التأمّلات المطلقة خارج النمط المعهود.
البيّن للقارئ في الرواية الشعريّة هو اختلاف في بنيات المحكي والقص بشكل واضح. ويظلّ هذا النوع متفردا في مملكة الرواية بما تطرحه على غير نسق.
* مع التطور التكنولوجي وتوفر مؤشرات البحث عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ما مدى صمود الكتاب الورقي أمام القراءة الالكترونية؟
-وضع الكتاب الورقي- قبل الحديث عن مؤثرات الوضع الإلكتروني- مصاب بعلل كثيرة منها ضمور عدد النسخ التي باتت تطرحها المطابع وفق طلبيات النّاشر حيث تراجعت نسب الألف نسخة في الطبعة الواحدة إلى خمسمائة، بل هناك من يكتفي بطبع مائتي نسخة ويجسّ نبض المبيعات ليعيد ربما طبع كمية أخرى علاوة عن " أزمة الورق" التي لا أعرف هل حلّت، أم هناك بوادر انفراج، أم هي ما تزال قائمة. ثمّ يأتي ثمنه الذي بات لا يغري باقتنائه، ومن العلل كثير ويطول عرضها. كلّ هذا جعل قراءة الكتاب عبر الأنترنيت أقلّ تكاليف من اقتنائه فضلا عن مجانيّته غالبا. بات الباحث عن المعلومة وعن الخبر، والترجمة، يلجأ إلى النّات ومواقع الخدمة المجانيّة لسهولة تحميل الكتب وعرضها للقراءة. علاوة عن وجود الكتاب المسموع. حيث ما عاد المرء يحتاج لكتاب بين يديه.كلّ هذا الاستسهال يضرّ بالكتاب الورقي. لكن من ينظر إلى واجهات معرض الكتاب الدوريّ، ووفرة الكتب التي تخرج من المطابع يتساءل: هل هناك فعلا أزمة ورق وأزمة اهتمام بالكتاب الورقي، أم أنّ موسم الطباعة قد تقلّص ولا تنشط المطابع إلا لموسم معرض الكتاب، ممّا يجعلنا نتوهّم الطفرة؟ أسئلة كثيرة في الحقيقة بشأن الكتاب الورقي تحتاج تأمّلا وتقييما وفعلا ملموسا وبرامج توعويّة جادّة.
-كل كتاباتي ترشح بصدى الواقع الذي عشته كل هذه العقود، والحلم بما أصبو إلى أن يكون.
-الكاتب مطالب بادراك حقيقة علاقته بالكتابة، أهي جادّة وعميقة؟ قبل البحث عن اعتراف القارئ به
-الكاتب أذكى من الرّقيب، لأنه صاحب قضيّة. والرّقيب لا يرقى إلى مهارة الكاتب لأنّ قضيّته مقصًه
-رّواية "طرشقانة" ستصدر قريبا في طبعة جديدة منقحة ومراجعة.
حوار محسن بن احمد
مبدعة استثنائية بكل المقاييس... جمعت بين مختلف فنون الإبداع "رواية وقصة ونقد وخواطر ودراسات". عشقت الكتابة وهامت بها إلى حد الانصهار الكلي فيها، وهي توثق بعين المبدعة التحولات والمتغيرات في المجتمع ومحيطه العالمي. مسعودة بوبكر في كتاباتها للحياة بلغة سلسة مشوقة وممتعة. حياة تعج بالأسئلة وتضج بالأحداث والأسرار والمشاعر والانفعالات. إنه قدر مسعودة بوبكر في علاقتها المتينة بالإبداع الذي يوثق الحياة بكل معانيها وواقعه وحقيقته، التي يحتاج المرء أن يلقاها عند أماكن مختلفة وعبر طرق جديدة ومناخات مغايرة. التقيناها فكان هذا الحوار:
* بعد هذه المسيرة الطويلة في عالم الإبداع كيف تنظرين اليوم إلى بدايتك مع الكتابة؟
-يحدث أن أعثر في صحيفة قديمة أو مجلّة على مقال أو قصّة قصيرة أو خاطرة كتبتها من سنوات خلت، فأذكر ذلك الحماس الذي كان يزودني بشحنة غريبة،تحثّ ذلك الإقبال اللّحوح على الكتابة بشراهة واندفاع،وتلك الحاجة المتجدّدة لتحبير بياض الورق في كلّ آونة وحيثما اتّفق.أضحك أحيانا من اندفاعي وأشفق عليّ من بعض استسهال الفكرة حينها. لكن لا يحدث أن أفكّر بالمقارنة بين نصّي اليوم ونصوص عمرها خمسون سنة ( أجلْ، فقد بدأت نشر محاولاتي في الصّحف وعمري عشرون سنة) حيث أنّ التجربة من تحصيل حاصل بحكم التقدم في السّن، والممارسة المتواصلة للكتابة والتزود والاطّلاع على عديد التجارب التي سبقت ولها أثر، ومعاشرة الكتب لا الإبداعية فحسب، بل كلّ ما من شأنه أن يضيف في شتى المجالات، لا باللغة العربيّة فقط بل الفرنسية)...ما هو جدير بالذكر للوفاء والعرفان أنّني كنت سعيدة الحظّ مثل الكثير ممّن هم في جيلي من الكتّاب، لقد وجدنا السند والرعاية ومن يأخذ باليد، ويسدي النّصح و لا يبخل بالمعلومة ويحثّنا على الصّبر على الإبداع... أذكر بكل وفاء وإكبار أ. منجي الشملي وبرنامجه الإذاعي الذي لا ينسى وأ. محمد بن رجب ومهرحان الصدى أ. محمد العروسي المطوي واعلام الأدب (أ.جلول عزونة.أ.رضوان الكوني.أ.فوزي الزمرلي، عديد الأسماء من أعلام نادي القصة بالوردية) فضلا عمن حضرنا محاضراتهم كلّما سنحت الفرص من الجامعيين أذكر أ.توفيق بكّار والأستاذ محمد اليعلاوي وغيرهم في تلك السبعينيات. كّانت الإحاطة من قبل هؤلاء في البداية تفتح أمامنا سبلا جديدة نحو مغامرة الكتابة.
* كتبت الرواية والقصة القصيرة والمقال والفت للأطفال، هل تعتقدين انه على الكاتب المرور بكل هذه الأنواع لكسب رهان الاعتراف به مبدعا لدى القارئ؟
-قطعا لا. هناك من التزم طول مسيرته بكتابة لون من الإبداع الأدبي أذكر هنا الأديبة التونسية نافلة ذهب القصّاصة المعروفة عبر الأجيال. الكتابة حين تسكن صاحبها وتتلبّس به تصبح هاجسه وقضيّته ومكوّنا في حياته. ومع احترامي للقارئ الذي آمنت في الأخير انّه جزء في حلقة الإبداع، أقول إنّي ما فكرت يوما في اعترافه.على الكاتب أن يدرك حقيقة علاقته بالكتابة،أهي جادّة وعميقة؟ أهي تحّدّيه ومشروعه الشّخصي؟ أم أنّها حالة عابرة لا يقلقه إن لم يمارسها... الكاتب الذي لمس عشق الحرف، وضج به الخيال، واشتعلت الرغبة في التعبير بكيانه، وباتت منه تحت جلده تنبض مع نبضه وتجاور النّفس، وتمدّ جذورها في شعاب الدّماغ وتصبح تربة الوجدان وهو منها المريد المتبتّل لا يدخل محرابها ليلغو أو يثرثر لا تهمّه الوجاهة أو الشهرة، لا ينتظر أن يقال له "أنت مبدع". خاصّة في أيّامنا هذه حيث ابتذلت صفة "مبدع" أيّما ابتذال.
أمّا عن كتابتي في أجناس مختلفة، فهي دروب مختلفة تصبّ في ساحة كبرى واحدة. كتبت في بداياتي شعرا لأنّني أعجبت بالنصّ المنغّم الذي فيه قافية، وإيقاعا بداية من أهزوجة النسوة الكبار حولنا أيّام الصّبا. ثمّ باستماعي مرارا للهمزية تتلى أيام المولد النبوي الشريف ومؤديها رحمه الله يؤديها بصوته الشجي فيهزّني النّغم والكلام المرسل السّلس. ثم وانا بالمدرسة اكتشفت الأناشيد الجميلة الأولى (المحفوظات من قصيد " مدرستي "حتى قصيد " أوراق الخريف" واشتد ولعي بالكلام الموقع والصّور حين بدأنا دراسة الشّعر العربي في المرحلة الثّانوية. ولكن بعد أن تقدّم الوعي واشتعلت الأسئلة في الدماغ، وعشت في حيّنا أحداثا مختلفة اذكر بعضها نكسة 67 ثم ما يصلنا من اخبار عبر المذاييع والتوتر في مصر وفلسطين والجزائر والتحاقي بالمعهد و إلى العاصمة وإيقاعها ومكتباتها ودير الراهبات بمنفلوري ثمّ الانقطاع عن الدراسة والاشتغال. وصولا إلى أحداث الخبز. بعد هذه المحطات باتت الكتابة المطلقة غير المقيّدة بالقافية والإيقاع هي المجال الذي يحتوي أسئلتي المطروحة واهتديت إلى القصة القصيرة فطرحت هواجسي إبداعا عبر القصة فضلا عن الكتابة المطلقة في أعمدة الصّحف والمجلاّت العربية والمحلية التي امتدت ما يقارب العشرين سنة، قبل أن اختار التفرغ للكتابة الإبداعية. أمّا عن تجربتي الروائيّة فهي اكتشاف بدأته في مستهل التسعينات ونشرت الرّواية التي نجت من التمزيق والمحو "ليلة الغياب " سنة 1996. أنا قارئة جيّدة للرواية ولم أكن أفكر أن أبادر بكتابة رواية. حتّى شحذت عزيمتي وقد اكتشفت أنها أكثر استيعابا للهواجس، ومنبرا أوسع من محدودية القصة القصيرة وشروطها.
* كيف تحددين علاقتك بالكتابة هل هي وفق مشروع معين أم حالة مزاج ؟
-الحالتان. للمزاج حالات تستدعي أن تطرح الانفعال على الورق. وقد عشتها في ما انتقيت من نصوص شعريّة في مجموعتي "مزاج قزحي"
إنّ لحالات المزاج كتابات عميقة وجريئة، وإن بدت متمردة على نظام التجنيس. كتابة المزاج فيها من صدق المعاناة الدّاخلية التي يصعب طرحها وإخضاعها في جنس مقنّن. وغالبا ما يحتويها الشّعر بصدر رحب. أمّا الكتابة المشروع فتمثلها عندي الرّواية، التي أعدّها على مراحل الفكرة أوّلا ثمّ التناغم مع المخيّلة، ثم اختيار الشّخصيات الأساسية والثّانويّة، والكومبارس إن استدعى الحال. يليه تصوّر الفصول، ثم يأتي بعد وضع الأسس التأثيث الدّاخلي. كذلك هي الحال بالنسبة إلي مع روايتي.
بالنسبة إلى القصّة القصيرة التي لا أزال على ولعي بها، هي أيضا تستدعي التدبّر والتخطيط، لاحترام شروطها. ولا يغرنّ الكثير ممّن يستسهلون كتابة القصة قصرُها، فهناك مربط الفرس، وسرّها الأعظم. بقدر ما تقصر تكمن الصّعوبة لما تفرضه من شروط كتابة.
* أي حضور للسيرة الذاتية في أعمالك الروائية بدرجة أولى؟
-الكتابة غوص في الذّات هكذا تبدأ. رحلة بحث في العالم الجوّاني لمشاعرنا وانفعالاتنا، ثمّ تطفو بنا الأسئلة إلى ما حولنا، وموقعنا بين الآخرين، فنمضي لنودعها بياض الورق نأخذ مما حولنا ونقطف من ثمار الخيال الدّانية في الفصول الأربعة ونضع أيضا شيئا من دواخلنا. الكتابة نسيج نزرده بشيء منّا، مثل سداء القماشة تصعب رؤيته. منّا من يحمّلها بعض مواقفه وملامح تجاربه، الكاتب مخلوق بحساسية مشحوذة تراه يلتقط كلّ شيء ليصوغ قصيدا، خاطرة، قصّة، رواية. لا يتردّد إن هو رأى في حياته ومضات أو مواقف تثري الكتابة أن يعتمدها.
* هل يحتاج الروائي إلى أن يغيّر المكان دائما بحثا عن عوالم روائية أو عوالم ملهمة؟
حاجة الكاتب لتغيير المكان ملحّة. ليس أخطر على القريحة من الملل الذي ينسجه الروتين فتضمر بذلك منابع الإلهام وتختنق المخيّلة مهما كانت نشيطة وسخيّة... الكاتب يكتب الحياة ويحتاج أن يلقاها عند أماكن مختلفة وعبر طرق جديدة ومناخات مغايرة. ففي تغيير الفضاء عموما وليس المكان فقط، ما يضخّ في عالمه هواء متجدّدا، فتنعم العين والقريحة، وتنشط آليات الالتقاط والملاحظة. يحتاج أن يطرق مكانا جديدا وأن يلتقي وجوها لم يألفها ويلتقط سمعه أصواتا بنبرات مغايرة ولسانا مختلفا. كلّ ذلك يجدّد نشاط المخيّلة ويفتح زوايا مختلفة للرؤية. خبرتُ ذلك وأنا أقضي أيّاما بباريس، فكان نتاج ذلك كتابي "حقيبة وذاكرة " كما نتج بوحي مدّة تناهز الشّهر قضيتها في المغرب، كتابي «بين الأطلسين" الذي أنجزته وسيصدر قريبا.
* ما مدى حضور الرقيب في كتابات مسعودة بوبكر القصصية والروائية ؟
-في وقت ما كنت ألمس ممارسة الرّقيب الخارجية على الكثير ممّا نكتب، ومحاصرة المقصّ لنصوص مختلفة سواء عبر الصّحف أو في الكتب. وعرفنا أمثلة كثيرة لكتب احتجزت ومنعت من الانتشار. كان هذا يؤلمني لدرجة أنّني أكره أن أكون رقيبا لنفسي على ما أكتب، فأحتاج لأن أجهض الفكرة في داخلي لذلك كنت أحرص وأنا أكتب البطاقة الأسبوعيّة على صياغة الفكرة بصور مختلفة حتّى إذا فطن الرّقيب إلى واحدة، نجت الأخرى، وإن طال المقصُّ اثنتين مرقت الثالثة، وهكذا. فأنا مؤمنة إلى حدّ بعيد بأن الكاتب أذكى من الرّقيب، لأنه صاحب قضيّة. والرّقيب لا يرقى إلى مهارة الكاتب لأنّ قضيّته مقّصه. كنّا نلجأ باستمرار إلى التّلميح دون التصريح. لذلك حرصت في غالب الأحيان أن أطرد الرّقيب من دواخلي حين أكتب. الكتابة عالمي السحرّي والجميل لا أريد أن يترعرع على شرفاته رقيب يتلصّص على أنفاسي وأنا مؤمنة أنّ الكاتب قادر على قول ما يريد شريطة أن يختار العبارة وسياقها.
* مثلت روايتك " طرشقانة " حدثا استثنائيا على اعتبار انها بشهادة النقاد قد تجاوزت فيها كل الخطوط الحمراء، ما هو تعليقك؟
-هي تجربة مرّ عليها الآن ما يقارب العشرون سنة انبثقت من سؤال: "ماذا لو كنت يوما أُمًّا لولد يفاجئني يوما وقد شبّ عن الطّوق برغبته في تغيير جنسه؟" ماذا تراني أفعل؟ خطر ببالي ذلك وأنا أتأمّل مأساة شاب يعيش رفضه لجنسه ويريد اللجوء إلى الجراحة ليصير أنثى. كنت أعاين بحكم مجاورة أهله عذابه، وما رافق وضعه من تبعات ومواقف متضاربة وما لحقه من تحرّش ونبذ إلخ. تلك كانت الانطلاقة. ولقيت الرواية حين صدورها ردود فعل مختلفة. وكان الدكتور محمود طرشونة أوّل من تناولها بالنّقد، فالدكتور جلول عزونة ثمّ الباحث جون فونتان. ثمّ شكّلت في ما بعد - وما زالت إلى حدّ اليوم - مواضيع رسائل بحث جامعيّة. هذه الرّواية ستصدر قريبا في طبعة جديدة منقحة ومراجعة. كما ستصدر مترجمة إلى الفرنسية من قبل الدكتورة منوبية مسكي تحت إشراف معهد تونس للترجمة. أتمنى أن تكون النسخة المنقحة والنسخة المترجمة موجودتين في معرض الكتاب القادم إن شاء الله.
* الى اي حد يمكن القول ان الرواية التونسية كسبت رهان التهام ظاهرة التهميش الاجتماعي، والسياسي، والثقافي داخل بنائها؟
-من نتائج ما حدث بعد 2011 انطلاق الألسنة وما عاد قيد ولا رقيب على الكلام والرّأي. وقد استفادت الكتابة من هذا الوضع بشكل كبير، بل إن الوضعُ مكّن الأقلامَ من التطّرق إلى ما لم يكن متاحا، وكشف ما كان محظورا من قمع ومن حالات اجتماعيّة مزرية، وأوضاع متدنّية وخاصّة الوضع السياسي، والسلطة، وانحسار الحجاب عن الوجوه الحقيقيّة. في الإبداع وتحديدا برز أدب السّجون عبر السيرة الذاتية، وخاضت الرّواية في مواضيع شتى من وحي ما حصل، وقشّرت الجلد للغوص في اللحمة الحيّة - إن صحّ التعبير- خاصة مع ما عاشه المجتمع التونسي والعربي من بروز حركات "الإسلام السياسي" وما أعقب ذلك من جرائم إرهابية. لقد كان الوضع المتفجّر معينا ساخنا للأقلام. منها ما نجح في الصياغة الفنيّة للنصّ الإبداعي، ومنها ما ظلّ يتأرجح بين الإيديولوجيا والشكل الفنّي. هناك أيضا من عاد إلى التاريخ وإلى التّراث لخلق نصّ يعبّر عن الحاضر الشّائك، وهناك في هذا المضمار نصوص روائية نجحت وأمتعت بحفاظها على أدبيتها وطرافتها أستحضر على سبيل الذّكر لا الحصر ثلاث روايات : "قيامة الحشّاشين للهادي التيمومي. "نازلة دار الأكابر" لأميرة غنيم و"زول الله "لنزار شقرون. لقد أبانت الرّواية التونسية التي دخلت العشرية الثانية من القرن، عن ثراء في المواضيع وجرأة في الطرح، واستمرار في البحث عن الطرح الفنيّ قصد التّجديد.
* برز جيل جديد في الرواية هل لهذه الكتابات خصوصية تميزها؟
-عرفت الرواية منذ ظهورها أجيالا تحرص كلّها في تجديد مادّتها ورؤيتها للكتابة الروائية ومعالجتها الفنية. وقد عرفت الرواية تلك الحركة الثورية في الكتابة التي حدثت في فرنسا (1950/1990) وامتد تأثيرها عبر العالم ورسّخت مفهوما جديدا لمقوّمات الرّواية. ثمّ ما فتئت بعد ذلك، محاولات التجديد والتحديث في الطرح الشكلي تغري كتّاب الرواية عموما، خاصة بما استجدّ من متغيرات سياسيّة وثقافية واجتماعية. يقول بيلنسكي إنّها" ملحمة الزّمن الجديد كنتاج للتّطوّر الاجتماعي المعقّد... تطوّرا يشمل كلّ شيء."
غير انّنا نلاحظ ما يمكن أن نطلق عليه بالتدافع، قصد "التجديد" نلمس ذلك في ما نقرا من بعض "الروايات"حين تُستسهلُ كتابةُ نصّ روائي والأمر ليس بالهيّن، إذ قلّما ينال الباحث عن التفرّد –للأسف- المراد. إذْ الكتابة تستدعي الصبر والثبات، وثقل الزّاد وسعة الاطّلاع حتّى يكون الإقدام على التجديد والاقناع وإثبات الطّرافة. لقد لمست من خلال ما قرأت من روايات تونسية حديثة (ولست أدّعي حين أقول إنّي قرأت الكثير منها) أمرين: أولا، يليق بنا أن نفخر بالرواية التونسية وبأقلام تؤمن إيمانا عميقا بقيمة الكتابة والمسؤوليّة الإبداعيّة . (وبالرواية التي بإمضاء كاتبة حيث هناك من يشكّك في هذه المدوّنة دون اطّلاع). وثانيا وللأسف هناك من يكتب رواية من أجل سباق في جائزة، وهناك من يقدم على الكتابة استجابة لرغبة عرضيّة. طبعا لا جدال في حريّة أيّ كان أن يكتب وينشر ويوزّع،ويعيد الطّبعة تلو الأخرى ويستدعي (أقول يستدعي وليس يدعو) المعارف لحفلات التوقيع طالما استطاع، لكن في الأخير سيلعب المنخل دوره، وستحمل الرياح الأعواد الهشّة. أمّا الجذع الثابت فجذوره في العمق. وسيثبت النصّ الذي ضرب في عمق الفكر وحلّق عاليا مع المخيّلة وجنى من قطوف اللغة الأصيلة أعذب فواكهها وأجودها، وقدّر المعنى حقّ قدره، ونزّل اللفظ مكانة رفيعة. كما ينصّ الجاحظ في البيان والتبيين بقولته الشّهيرة: "مَنْ أرادَ معنًى كريمًا فليلتمسْ له لفظًا كريمًا، فإن حقَّ المعنى الشريف اللفظُ الشريف" وإذا ما كانت المخيّلة سخيّة ارتقى الإبداع وحقّق المراد.
*الكاتب نتاج عصره اي تأثير لذلك في تحديد مسيرتك الإبداعية؟
-" كل كتاباتي ترشح بصدى الواقع الذي عشته كل هذه العقود، والحلم بما أصبو إلى أن يكون.انحت ذلك الصّراع بكياني على خلفية ثقافية ومخزون الوعي الباطني، وتطلّع العقل، وتفاعلات الروح المبدع الكامنة وراء الكاتبة فيّ، وفق هويّة خاصّة ، وفق معطيات منها الثّابت ومنها المتحوّل، وما القناعات التي اكتسبتها إلا نتاج ذلك التفاعل، والذي أعتمده خلفيّة وأنا أكتب وفق قانون المخيّلة، ومنطق الإبداع. أسئلة الحاضر هي المنطلق حتّى وأنا أعود عبر الاسترجاع في بعض الكتابات إلى الماضي، وكذلك منطق الطّرح الذي يسائل الحداثة والتجريب. تهمّني الأسئلة الحارقة، وتشغلني،لاعتباري الخاص أنّ الكتابة قضيّة... ويشغلني الطّرح الفنيّ حيث يكمن الرّهان وهو المعادلة الموفقة والصعبة بين الطرح الفني والإيديولوجي، في كتابة الرواية خاصة.
من سمات العصر، واقعه وهنا لسائل ان يسأل أيّ علاقة للكاتب مع هذا الواقع؟الواقع هو منطلق كلّ الفنون. والمختلف هو نظرة كلّ فنّان على حدة لهذا الواقع، وطُرُق التّناول. حيث يصبح الواقع كما يرى رولان بارت " دليل إيحاء بعدما حذف منه بما هو دليل تقرير."
والأديب في علاقته مع الواقع عند فرويد يشبه "المضطرب عقليا " لأنّه فيما يرى يشبه المجنون في انفصاله عن الواقع وتحليقه في أفق خيالي، ويرى أنّ الفارق الأساسيّ بينهما هو أنّ المجنون ينفصل عن الواقع، أما الأديب فيعود إلى هذا الواقع. وهو تحليل فيه من الحقيقة ما نلمسه عند الفنّانين من تهويمات خارج الواقع المرفوض من قبلهم. والفرار إلى منطقة من الذّات عند المبدع. وهي حالة ليست بالجنون، بل هي الخلق الإبداعيّ. حالة نفسيّة معقّدة يقف فيها الكاتب وقوف النحاّت أمام قطعة رخام، يعمل فيها أدواته وفق خياله فتصبح بصورة مغايرة، لكنّها تظل قطعة رخام معروفة المصدر.
*الرواية الشعرية ” ما هي قراءتك لهذا التصنيف الجديد للرواية ؟
-الرواية باتت متحرّكة ومزاجيّة تبهرنا وتفاجئنا مثل حسناء تغيّر فساتينها، ولكن حذار فالأمر ليس بما يعتقد من السّهولة بمكان، حيث يظلّ السّداء المتين هو الأساس والسرّ الذي لا ينكشف في التصميم. الرواية الشعرية تحتاج صائغا كيّسا يحسن تنسيق خيط الذهب وخيط الفضّة في قطعة مصوغه، وترصيعها بالحجارة الكريمة بحسبان وذوق وبراعة. الرواية الشعرية مزج النثر بالشّعر والمحكي بالبوح. تراقصُ الفكرة الإيقاع الداخلي للعبارة، وتنسج منطق حكايتها الخاص بين جنوح الخيال وشدّ الفكرة أو الحدث المروي شعرا. هي فضاء للقول وللحلم وللاحتجاج، وللرفض وللبناء والتقويض، على إيقاع مختلف عن القاعدة الكلاسيكيّة للرواية، حيث الأحداث هي زوبعة العواطف والأحاسيس، والمساءلة الفلسفية عبر محمل العبارة الشعرية، التي تكسر إيقاع السّرد المعتاد. هنا أستحضر تجربة عادل معيزي "أمس منذ ألف عام" رواية شعرية (2004 بيروت)
فقد تركت في نفسي أثرا مختلفا حين قرأتها من سنوات خلت. وأجد متعة قي إعادة تصفّحها كلّما طلعت بين رفوف الكتب لأنّها وبكل بساطة مختلفة. وربّما ذكرتني بما قرانا لجبران خليل جبران بصفة خاصة وعوالمه الشعرية وحيث يرافق تأجّج العاطفة التأمّلات المطلقة خارج النمط المعهود.
البيّن للقارئ في الرواية الشعريّة هو اختلاف في بنيات المحكي والقص بشكل واضح. ويظلّ هذا النوع متفردا في مملكة الرواية بما تطرحه على غير نسق.
* مع التطور التكنولوجي وتوفر مؤشرات البحث عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ما مدى صمود الكتاب الورقي أمام القراءة الالكترونية؟
-وضع الكتاب الورقي- قبل الحديث عن مؤثرات الوضع الإلكتروني- مصاب بعلل كثيرة منها ضمور عدد النسخ التي باتت تطرحها المطابع وفق طلبيات النّاشر حيث تراجعت نسب الألف نسخة في الطبعة الواحدة إلى خمسمائة، بل هناك من يكتفي بطبع مائتي نسخة ويجسّ نبض المبيعات ليعيد ربما طبع كمية أخرى علاوة عن " أزمة الورق" التي لا أعرف هل حلّت، أم هناك بوادر انفراج، أم هي ما تزال قائمة. ثمّ يأتي ثمنه الذي بات لا يغري باقتنائه، ومن العلل كثير ويطول عرضها. كلّ هذا جعل قراءة الكتاب عبر الأنترنيت أقلّ تكاليف من اقتنائه فضلا عن مجانيّته غالبا. بات الباحث عن المعلومة وعن الخبر، والترجمة، يلجأ إلى النّات ومواقع الخدمة المجانيّة لسهولة تحميل الكتب وعرضها للقراءة. علاوة عن وجود الكتاب المسموع. حيث ما عاد المرء يحتاج لكتاب بين يديه.كلّ هذا الاستسهال يضرّ بالكتاب الورقي. لكن من ينظر إلى واجهات معرض الكتاب الدوريّ، ووفرة الكتب التي تخرج من المطابع يتساءل: هل هناك فعلا أزمة ورق وأزمة اهتمام بالكتاب الورقي، أم أنّ موسم الطباعة قد تقلّص ولا تنشط المطابع إلا لموسم معرض الكتاب، ممّا يجعلنا نتوهّم الطفرة؟ أسئلة كثيرة في الحقيقة بشأن الكتاب الورقي تحتاج تأمّلا وتقييما وفعلا ملموسا وبرامج توعويّة جادّة.