لئن عبر سرحان الناصري، رئيس "حزب التحالف من أجل تونس"، عن مواصلة حزبه مساندة المسار الذي يقوده رئيس الجمهورية قيس سعيد في العهدة الرئاسية الجديدة خلال الخمس سنوات القادمة وذلك بعد الإعلان رسميا عن دعمه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، إلا أنه لم يخف موقف حزبه الناقد والموضوعي أيضا إزاء سياسة إدارة دواليب الدولة بدعم وتأييد واستحسان ما يستحق ونقد أو التعبير عن رفض ما يختلف ورؤية "التحالف من أجل تونس" لا يخدم المصلحة الوطنية.
وهو ما أكده سرحان الناصري في حديث لـ"الصباح"، الذي تطرق فيه أيضا إلى رؤيته وتطلعه للوضع العام وقدم قراءته لتونس خلال المرحلة القادمة ورأيه حول ميزانية الدولة 2025 واعتبر أن الإيغال في المراهنة على الجباية والضرائب يشكل خطرا على الأمن الاجتماعي والمقدرة الشرائية. وتحدث أيضا عن الأجسام الوسيطة التي يعتبر وجودها ضروريا وفسر سبب اندثار بعضها من أحزاب سياسية وهياكل مدنية، وكشف في نفس الحوار عن الخطوط العريضة لبرنامج حزبه "التحالف من أجل تونس" وغيرها من المسائل الأخرى في الحوار التالي:
حاورته: نزيهة الغضباني
*أعلن حزبكم عن قراره الداعم لقيس سعيد أثناء الحملة الانتخابية للانتخابات الرئاسية الأخيرة بعد أن كنتم من بين الأحزاب الداعمة لقرارات ومسار 25 جويلية 2021، فما هي رؤيتكم للمرحلة القادمة؟
-أعتقد أن دعمنا لرئيس الجمهورية كان معلنا وواضحا، ولكنه لم يكن موقفا للدعم فقط وإنما هو مدروس وناجم عن تقاطع موقفنا مع جملة من الخيارات والتوجهات في سياسته في إدارة دواليب الدولة وجملة من القرارات التي اتخذها خلال السنوات الثلاث الماضية، لأننا وضعنا جملة من النقاط تتواءم مع مرحلة سياسية تختلف عن سابقاتها، ضمن رؤية واضحة تخدم مشروع البناء والتشييد والإصلاح للدولة ومؤسساتها. ولكن هذا لا ينفي أن نعبر عن رفضنا لبعض الخيارات والنقاط.
*فيم تتمثل أبرز هذه النقاط التي تضمنها مشروع حزب "التحالف من أجل تونس"؟
-حرصنا في هذا المشروع الذي وضعه حزبنا على وضع نقاط تتعلق بمسائل حارقة وآنية وأخرى طويلة المدى، ليقيننا أن الدولة اليوم في حاجة إلى مقترحات وتصورات للخروج من الأزمات الخانقة، وذلك عبر تقديم مشاريع حلول سواء تعلق الأمر بأزمة المهاجرين من أبناء بلدان إفريقيا جنوب الصحراء وما تشكله هذه الهجرة غير النظامية من مخاطر تهدد الأمن العام والأمن الغذائي في بلادنا. أو في ما يتعلق ببرنامج لإيجاد حلول لهجرة الكفاءات التونسية للخارج لاعتقاد البعض منهم أن بلادنا لم تعد بلدا يطيب فيه العيش ويستجيب لتطلعاتهم المهنية والاجتماعية بالأساس، وذلك عبر وضع برنامج موجه لهذه الشريحة من لمجتمع. وأعتقد أن الرسالة التي لخصها معطى أن 6 % من الشباب فقط شاركوا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة يجب أن يستوعبها ليس رئيس الجمهورية فقط وإنما كل التونسيين والسياسيين والعمل على ما يمكن أن يقدمه الجميع للشباب بهدف إعادة الثقة له. ودعمنا لسعيد من منطلق الاستجابة لجملة هذه النقاط التي ذكرتها وغيرها بما يستجيب لتطلعات التونسيين لواقع وخدمات أفضل في تونس التي نرومها جميعا أفضل وأكثر تطورا وازدهارا بفضل ما تزخر به من ثروة بشرية وكفاءات وثروات طبيعية.
*ولكن تشكيات البعض من عدم مواءمة "الخدمات" والواقع مع الانتظارات الواسعة إلى حد الآن، فما هو تفسيرك لذلك؟
-في تقديري أن مستوى الخدمات في الإدارة التونسية يظل قائما على الكفاءة، لأنها المحرك الأساسي للدولة. لذلك يجب تحييد كل ما يتعلق بالانتماء السياسي والحزبي في التعاطي مع التعيينات والانتدابات في هذا المجال. ووجب الاتعاظ من تجربة عاشتها بلادنا في عشرية ما قبل 25 جويلية 2021 حيث كان النظام البرلماني يقوم على المحاصصة الحزبية بعيدا عن كل ما له علاقة بشروط الكفاءة أو التخصص أو المقدرة المهنية وهذا أدى إلى تردي الخدمات ومؤسسات الدولة. لذلك لا يجب تكرار نفس التجربة في هذه المرحلة عبر المراهنة في التعيينات والانتدابات على من هم مع المسار والمشروع الذي يقوده قيس سعيد. في المقابل أعتقد أن اعتماد هذه المقاربة من قبل رئيس الجمهورية تكون مجدية في تركيبة الحكومة عبر اختيار من يتقاسم معه نفس الفكرة في المشروع بما يمكن من وضع برامج عمل ناجعة، خاصة أن رئيس الجمهورية ليس له هيكل تنظيمي أو حزب سياسي يتولى تيسير هذه المهمة. لأن الأهم بالنسبة لنا هو استمرارية الدولة ومؤسساتها وانتظارات التونسيين ومن انتخبوا قيس سعيد لعهدة رئاسية جديدة. فالمرحلة الجديدة تتطلب تشريك أكبر عدد مكن من الشركاء السياسيين وغيرهم لضمان النجاح في كسب التحديات المطروحة في المرحلة القادمة وتحقيق انتظارات التونسيين.
*ذكرت في سياق حديثك أن المرحلة تقتضي ضرورة مشاركة الأجسام الوسيطة في وضع برامج حلول للدولة، ماذا تعني؟
- هناك حقيقة لا يجب تغييبها أو تلافيها وهي أن العمل السياسي يقوم على الأحزاب والجمعيات التي حددها القانون ونحن في انتظار مراجعة هذا المرسوم. لأنه صحيح أن هناك أحزابا أدت إلى تدمير المشهد السياسي وترذيله، ولكن هناك في المقابل أحزابا وسياسيين وطنيين لطالما كانوا وراء تقديم المبادرات والحلول. لذلك أرى أنه مطلوب من رئيس الجمهورية التعامل مع الأحزاب كشركاء في البناء وتقديم البرامج والرؤى والتصورات التي تخدم المصلحة الوطنية. ونحن في سياق نظام رئاسي ووضع جديد يختلف عما كان عليه الأمر في المرحلة الاستثنائية تشريك الأحزاب في وضع الحلول والبرامج في تقديري تعد الخيار الأمثل. فبلادنا اليوم في حاجة إلى تهدئة وبعث رسائل واضحة للفاعلين السياسيين بالأساس. لأن تهميش الأحزاب وغيابها كان له تأثير سلبي على الدولة.
*هل بادر حزبكم بتقديم مقترح في الغرض؟
-أعترف أننا وضعنا برنامجا شمل عدة نقاط تتمحور حول مسائل وقضايا حارقة عاجلة وأخرى آجلة طويلة المدى، وذلك في إطار رؤية واضحة تتضمن حلولا للخروج من الأزمات المتراكمة التي تعاني منها الدولة، ولكننا سنعمل في المستقبل القريب على التواصل مع الجهات الرسمية في الغرض أساسا منها رئاسة الجمهورية، لأن التشاور لن يضر في شيء. ثم أننا لن نشترط مقابل ذلك مناصب أو تكليف في مفاصل الدولة على غرار ما كان معمولا به في العشرية الماضية. فنحن في "التحالف من أجل تونس" نترفع عن المناصب ولكننا مع تشريكنا كفاعل سياسي مع غيرنا من الأحزاب الأخرى ذات النزعة والأهداف الوطنية الواضحة باحترامنا والأخذ بآرائنا، لأنه لا تنقص حزبنا الكفاءة والخبرات في جميع المجالات.
*ما هي قراءتك الأولية لمشروع ميزانية الدولة 2025؟
-هناك نقطة مضيئة في مشروع هذا القانون وهي أنه وضع حدا لمداخل المال إلى السياسة ولرجال الأعمال الممولين للأحزاب. لكن ما أراه في مشروع هذا القانون هو التركيز على المداخيل الجبائية، وفي تقديري كلما كثرت القوانين الجبائية إلا وألحقت أضرارا بالاقتصاد والاستثمار.
لذلك وجب مراجعة هذه المسائل في البرلمان بتشريك الكفاءات والمختصين وتعديله. لأنه في حال تم تمريره كما هو سيكون له أثر سلبي على المجتمع والمقدرة الشرائية للمواطنين. فبالإمكان تقديم رؤية أخرى بعيدا عن خيار الجباية لتوفير المداخيل التي تحتاجها لدولة.
*ما ذا تعني؟
-أعتقد أنه لا يمكن أن نقدم قانون ميزانية بهذا الكم الكبير من الجباية في ظل وجود الاقتصاد الموازي والمالية الموازية، وهي ثروات طائلة خارج مؤسسات الدولة. فالأجدى وضع مقاربة جديدة تعتمد طرق وآليات جديدة حول كيفية التعامل مع هؤلاء الناشطين في "الموازي" واستقطابهم وإدخالهم في القطاع المنظم.
*بِمَ تفسر تراجع دور المجتمع المدني وحالة شبه الغياب التي أصبح عليها اليوم؟
-لا أحد ينكر أهمية دور المجتمع المدني في الدولة والمجتمع بشكل عام باعتباره قوة اقتراح وتوعية ومساندة قطاعية وفئوية، إلا أنه اعتمد في نشاطه وعمله خلال العشرية الماضية على التمويلات الأجنبية وهذا شكل خطرا على الدولة بسبب ولائها للدول المانحة وانخراطها في أجنداتها. وقد لاحظنا ذلك وأكدت عدة جهات رسمية انخراط بعض الجمعيات والمنظمات في العمل السياسي بشكل مباشر أو غير مباشر عبر دعم وتمويل أحزاب وسياسيين. فبقدر ما كان عمل المجتمع المدني هاما إلا أنه حاد في مجمله عن هذا الطريق وانخرط في الدوائر السياسية. لذلك أملنا أن تعود الجادة إلى كافة مكونات المجتمع المدني بعد تنقيح قانون الأحزاب والجمعيات. لأنه حينها يمكننا أن نتحدث عن دور المجتمع المدني في الدولة. لأنه مؤسف اليوم أن نجد أن عددا كبيرا من الأحزاب قد اندثرت وغابت معها بعض الجمعيات والمنظمات التي كانت تنشط وتتحرك في دوائرها.
*تطرقت في حديثك إلى ما هو اجتماعي وسياسي واقتصادي ولم يكن حاضرا في حديثك أو النقاط التي ذكرتها،كل ما له علاقة بالحريات أو الجدل القائم حول بعض المسائل ذات علاقة بالمساجين والإيقافات فما هو السبب؟
-في تقديري الحقوق والحريات مسائل مكفولة بالدستور وليست موضوعا للجدل أو المزايدة والتوظيف. وكل مواطن تونسي مطالب بدعم هذه الحقوق والتمسك بها بالموازاة مع الواجبات المناطة بعدته. لذلك نلاحظ اليوم حملات أمنية ضد تجار ومروجي المخدرات الذين يهدّدون أمن البلاد وحياة أبنائنا والأجيال القادمة، فرحبنا بها ودعونا الجهات الرسمية إلى ضرورة العمل على مصادر دخول هذه الآفة السامة على الشريط الحدودي لبلادنا وغيرها. لأنه ليس هناك حقوق وحريات مع من يدمر أبنائنا. أما فيما يتعلق بما هو متداول حول شبكات التواصل الاجتماعي فتبقى في تقديري مسألة وعي خاصة بعد الانفلات الأخلاقي الذي أصبح سائدا في مجتمعنا في "تيك توك" و"أنستغرام" بالأساس باعتبارها مواقع تقدم أمولا لمن يحصل على متابعة واسعة الأمر الذي حول البعض إلى أشبه ببضاعة معروضة لمن لم يحسن استغلال شبكات التواصل هذه. فتطبيق القانون على من يتعدى على الذوق العام مقابل ترشيد النشء والشباب على استغلال هذه الشبكات لأنهم رأسمال الدولة. والمضي إلى العقوبات البديلة يعد من الحلول ثم أن الأموال المتأتية من ذلك يجب أن تخضع للرقابة والجباية.
*لنعد للحديث عن حزبكم، ما هو برنامجكم خلال المرحلة القادمة؟
-حزب "التحالف من أجل تونس" دخل في مرحلة جديدة، بعد أن اتضح أن عددا كبيرا من الأحزاب السياسية قد اندثرت وأخرى قاربت على الزوال من المشهد الخاص والعام، لذلك اتجهنا إلى تكثيف نشاطنا لاستقطاب المنخرطين في أغلب المناطق والجهات عبر وضع برامج موسعة من الأنشطة والتظاهرات والندوات وحلقات النقاش والحوارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية الفكرية. لأننا نعمل بعد ذلك على تقديم مقترحات للدولة والتواصل البناء مع رئاستي الجمهورية والحكومة، لأننا نعمل على نكون عنصرا إيجابيا وداعما للمشروع والدولة بأن نقدم نقدنا عند الاخلالات بكل صراحة ونؤيد ما نراه صحيحا.
*وكيف كان التفاعل مع هذا التوجه؟
-صحيح أنه بعد الانتخابات الرئاسية كان الإقبال كبيرا داخل تونس وخارجها للانضمام إلى حزبنا. ورغم أن عددا كبيرا من التونسيين كرهوا الأحزاب السياسية إلا أن أعدادا كبيرة منهم على يقين أنه لا يمكن تغييب هذه الأجسام الوسيطة ليقينها أنها ضرورية في الدولة بما في ذلك من كانوا ينتمون لأحزاب أخرى. وقد وجد حزبنا التفاعل والاستحسان الواسع إلى حد الآن خاصة أن أهداف هذا الحزب وطنية مبنية على بناء الدولة وتحقيق تطورها على جميع المستويات، ولكننا نرفض من تولوا مواقع قيادية في أحزاب أو داخل الدولة خلال العشرية الماضية خاصة ما يتعلق بالأحزاب الإخوانية.
تونس – الصباح
لئن عبر سرحان الناصري، رئيس "حزب التحالف من أجل تونس"، عن مواصلة حزبه مساندة المسار الذي يقوده رئيس الجمهورية قيس سعيد في العهدة الرئاسية الجديدة خلال الخمس سنوات القادمة وذلك بعد الإعلان رسميا عن دعمه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، إلا أنه لم يخف موقف حزبه الناقد والموضوعي أيضا إزاء سياسة إدارة دواليب الدولة بدعم وتأييد واستحسان ما يستحق ونقد أو التعبير عن رفض ما يختلف ورؤية "التحالف من أجل تونس" لا يخدم المصلحة الوطنية.
وهو ما أكده سرحان الناصري في حديث لـ"الصباح"، الذي تطرق فيه أيضا إلى رؤيته وتطلعه للوضع العام وقدم قراءته لتونس خلال المرحلة القادمة ورأيه حول ميزانية الدولة 2025 واعتبر أن الإيغال في المراهنة على الجباية والضرائب يشكل خطرا على الأمن الاجتماعي والمقدرة الشرائية. وتحدث أيضا عن الأجسام الوسيطة التي يعتبر وجودها ضروريا وفسر سبب اندثار بعضها من أحزاب سياسية وهياكل مدنية، وكشف في نفس الحوار عن الخطوط العريضة لبرنامج حزبه "التحالف من أجل تونس" وغيرها من المسائل الأخرى في الحوار التالي:
حاورته: نزيهة الغضباني
*أعلن حزبكم عن قراره الداعم لقيس سعيد أثناء الحملة الانتخابية للانتخابات الرئاسية الأخيرة بعد أن كنتم من بين الأحزاب الداعمة لقرارات ومسار 25 جويلية 2021، فما هي رؤيتكم للمرحلة القادمة؟
-أعتقد أن دعمنا لرئيس الجمهورية كان معلنا وواضحا، ولكنه لم يكن موقفا للدعم فقط وإنما هو مدروس وناجم عن تقاطع موقفنا مع جملة من الخيارات والتوجهات في سياسته في إدارة دواليب الدولة وجملة من القرارات التي اتخذها خلال السنوات الثلاث الماضية، لأننا وضعنا جملة من النقاط تتواءم مع مرحلة سياسية تختلف عن سابقاتها، ضمن رؤية واضحة تخدم مشروع البناء والتشييد والإصلاح للدولة ومؤسساتها. ولكن هذا لا ينفي أن نعبر عن رفضنا لبعض الخيارات والنقاط.
*فيم تتمثل أبرز هذه النقاط التي تضمنها مشروع حزب "التحالف من أجل تونس"؟
-حرصنا في هذا المشروع الذي وضعه حزبنا على وضع نقاط تتعلق بمسائل حارقة وآنية وأخرى طويلة المدى، ليقيننا أن الدولة اليوم في حاجة إلى مقترحات وتصورات للخروج من الأزمات الخانقة، وذلك عبر تقديم مشاريع حلول سواء تعلق الأمر بأزمة المهاجرين من أبناء بلدان إفريقيا جنوب الصحراء وما تشكله هذه الهجرة غير النظامية من مخاطر تهدد الأمن العام والأمن الغذائي في بلادنا. أو في ما يتعلق ببرنامج لإيجاد حلول لهجرة الكفاءات التونسية للخارج لاعتقاد البعض منهم أن بلادنا لم تعد بلدا يطيب فيه العيش ويستجيب لتطلعاتهم المهنية والاجتماعية بالأساس، وذلك عبر وضع برنامج موجه لهذه الشريحة من لمجتمع. وأعتقد أن الرسالة التي لخصها معطى أن 6 % من الشباب فقط شاركوا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة يجب أن يستوعبها ليس رئيس الجمهورية فقط وإنما كل التونسيين والسياسيين والعمل على ما يمكن أن يقدمه الجميع للشباب بهدف إعادة الثقة له. ودعمنا لسعيد من منطلق الاستجابة لجملة هذه النقاط التي ذكرتها وغيرها بما يستجيب لتطلعات التونسيين لواقع وخدمات أفضل في تونس التي نرومها جميعا أفضل وأكثر تطورا وازدهارا بفضل ما تزخر به من ثروة بشرية وكفاءات وثروات طبيعية.
*ولكن تشكيات البعض من عدم مواءمة "الخدمات" والواقع مع الانتظارات الواسعة إلى حد الآن، فما هو تفسيرك لذلك؟
-في تقديري أن مستوى الخدمات في الإدارة التونسية يظل قائما على الكفاءة، لأنها المحرك الأساسي للدولة. لذلك يجب تحييد كل ما يتعلق بالانتماء السياسي والحزبي في التعاطي مع التعيينات والانتدابات في هذا المجال. ووجب الاتعاظ من تجربة عاشتها بلادنا في عشرية ما قبل 25 جويلية 2021 حيث كان النظام البرلماني يقوم على المحاصصة الحزبية بعيدا عن كل ما له علاقة بشروط الكفاءة أو التخصص أو المقدرة المهنية وهذا أدى إلى تردي الخدمات ومؤسسات الدولة. لذلك لا يجب تكرار نفس التجربة في هذه المرحلة عبر المراهنة في التعيينات والانتدابات على من هم مع المسار والمشروع الذي يقوده قيس سعيد. في المقابل أعتقد أن اعتماد هذه المقاربة من قبل رئيس الجمهورية تكون مجدية في تركيبة الحكومة عبر اختيار من يتقاسم معه نفس الفكرة في المشروع بما يمكن من وضع برامج عمل ناجعة، خاصة أن رئيس الجمهورية ليس له هيكل تنظيمي أو حزب سياسي يتولى تيسير هذه المهمة. لأن الأهم بالنسبة لنا هو استمرارية الدولة ومؤسساتها وانتظارات التونسيين ومن انتخبوا قيس سعيد لعهدة رئاسية جديدة. فالمرحلة الجديدة تتطلب تشريك أكبر عدد مكن من الشركاء السياسيين وغيرهم لضمان النجاح في كسب التحديات المطروحة في المرحلة القادمة وتحقيق انتظارات التونسيين.
*ذكرت في سياق حديثك أن المرحلة تقتضي ضرورة مشاركة الأجسام الوسيطة في وضع برامج حلول للدولة، ماذا تعني؟
- هناك حقيقة لا يجب تغييبها أو تلافيها وهي أن العمل السياسي يقوم على الأحزاب والجمعيات التي حددها القانون ونحن في انتظار مراجعة هذا المرسوم. لأنه صحيح أن هناك أحزابا أدت إلى تدمير المشهد السياسي وترذيله، ولكن هناك في المقابل أحزابا وسياسيين وطنيين لطالما كانوا وراء تقديم المبادرات والحلول. لذلك أرى أنه مطلوب من رئيس الجمهورية التعامل مع الأحزاب كشركاء في البناء وتقديم البرامج والرؤى والتصورات التي تخدم المصلحة الوطنية. ونحن في سياق نظام رئاسي ووضع جديد يختلف عما كان عليه الأمر في المرحلة الاستثنائية تشريك الأحزاب في وضع الحلول والبرامج في تقديري تعد الخيار الأمثل. فبلادنا اليوم في حاجة إلى تهدئة وبعث رسائل واضحة للفاعلين السياسيين بالأساس. لأن تهميش الأحزاب وغيابها كان له تأثير سلبي على الدولة.
*هل بادر حزبكم بتقديم مقترح في الغرض؟
-أعترف أننا وضعنا برنامجا شمل عدة نقاط تتمحور حول مسائل وقضايا حارقة عاجلة وأخرى آجلة طويلة المدى، وذلك في إطار رؤية واضحة تتضمن حلولا للخروج من الأزمات المتراكمة التي تعاني منها الدولة، ولكننا سنعمل في المستقبل القريب على التواصل مع الجهات الرسمية في الغرض أساسا منها رئاسة الجمهورية، لأن التشاور لن يضر في شيء. ثم أننا لن نشترط مقابل ذلك مناصب أو تكليف في مفاصل الدولة على غرار ما كان معمولا به في العشرية الماضية. فنحن في "التحالف من أجل تونس" نترفع عن المناصب ولكننا مع تشريكنا كفاعل سياسي مع غيرنا من الأحزاب الأخرى ذات النزعة والأهداف الوطنية الواضحة باحترامنا والأخذ بآرائنا، لأنه لا تنقص حزبنا الكفاءة والخبرات في جميع المجالات.
*ما هي قراءتك الأولية لمشروع ميزانية الدولة 2025؟
-هناك نقطة مضيئة في مشروع هذا القانون وهي أنه وضع حدا لمداخل المال إلى السياسة ولرجال الأعمال الممولين للأحزاب. لكن ما أراه في مشروع هذا القانون هو التركيز على المداخيل الجبائية، وفي تقديري كلما كثرت القوانين الجبائية إلا وألحقت أضرارا بالاقتصاد والاستثمار.
لذلك وجب مراجعة هذه المسائل في البرلمان بتشريك الكفاءات والمختصين وتعديله. لأنه في حال تم تمريره كما هو سيكون له أثر سلبي على المجتمع والمقدرة الشرائية للمواطنين. فبالإمكان تقديم رؤية أخرى بعيدا عن خيار الجباية لتوفير المداخيل التي تحتاجها لدولة.
*ما ذا تعني؟
-أعتقد أنه لا يمكن أن نقدم قانون ميزانية بهذا الكم الكبير من الجباية في ظل وجود الاقتصاد الموازي والمالية الموازية، وهي ثروات طائلة خارج مؤسسات الدولة. فالأجدى وضع مقاربة جديدة تعتمد طرق وآليات جديدة حول كيفية التعامل مع هؤلاء الناشطين في "الموازي" واستقطابهم وإدخالهم في القطاع المنظم.
*بِمَ تفسر تراجع دور المجتمع المدني وحالة شبه الغياب التي أصبح عليها اليوم؟
-لا أحد ينكر أهمية دور المجتمع المدني في الدولة والمجتمع بشكل عام باعتباره قوة اقتراح وتوعية ومساندة قطاعية وفئوية، إلا أنه اعتمد في نشاطه وعمله خلال العشرية الماضية على التمويلات الأجنبية وهذا شكل خطرا على الدولة بسبب ولائها للدول المانحة وانخراطها في أجنداتها. وقد لاحظنا ذلك وأكدت عدة جهات رسمية انخراط بعض الجمعيات والمنظمات في العمل السياسي بشكل مباشر أو غير مباشر عبر دعم وتمويل أحزاب وسياسيين. فبقدر ما كان عمل المجتمع المدني هاما إلا أنه حاد في مجمله عن هذا الطريق وانخرط في الدوائر السياسية. لذلك أملنا أن تعود الجادة إلى كافة مكونات المجتمع المدني بعد تنقيح قانون الأحزاب والجمعيات. لأنه حينها يمكننا أن نتحدث عن دور المجتمع المدني في الدولة. لأنه مؤسف اليوم أن نجد أن عددا كبيرا من الأحزاب قد اندثرت وغابت معها بعض الجمعيات والمنظمات التي كانت تنشط وتتحرك في دوائرها.
*تطرقت في حديثك إلى ما هو اجتماعي وسياسي واقتصادي ولم يكن حاضرا في حديثك أو النقاط التي ذكرتها،كل ما له علاقة بالحريات أو الجدل القائم حول بعض المسائل ذات علاقة بالمساجين والإيقافات فما هو السبب؟
-في تقديري الحقوق والحريات مسائل مكفولة بالدستور وليست موضوعا للجدل أو المزايدة والتوظيف. وكل مواطن تونسي مطالب بدعم هذه الحقوق والتمسك بها بالموازاة مع الواجبات المناطة بعدته. لذلك نلاحظ اليوم حملات أمنية ضد تجار ومروجي المخدرات الذين يهدّدون أمن البلاد وحياة أبنائنا والأجيال القادمة، فرحبنا بها ودعونا الجهات الرسمية إلى ضرورة العمل على مصادر دخول هذه الآفة السامة على الشريط الحدودي لبلادنا وغيرها. لأنه ليس هناك حقوق وحريات مع من يدمر أبنائنا. أما فيما يتعلق بما هو متداول حول شبكات التواصل الاجتماعي فتبقى في تقديري مسألة وعي خاصة بعد الانفلات الأخلاقي الذي أصبح سائدا في مجتمعنا في "تيك توك" و"أنستغرام" بالأساس باعتبارها مواقع تقدم أمولا لمن يحصل على متابعة واسعة الأمر الذي حول البعض إلى أشبه ببضاعة معروضة لمن لم يحسن استغلال شبكات التواصل هذه. فتطبيق القانون على من يتعدى على الذوق العام مقابل ترشيد النشء والشباب على استغلال هذه الشبكات لأنهم رأسمال الدولة. والمضي إلى العقوبات البديلة يعد من الحلول ثم أن الأموال المتأتية من ذلك يجب أن تخضع للرقابة والجباية.
*لنعد للحديث عن حزبكم، ما هو برنامجكم خلال المرحلة القادمة؟
-حزب "التحالف من أجل تونس" دخل في مرحلة جديدة، بعد أن اتضح أن عددا كبيرا من الأحزاب السياسية قد اندثرت وأخرى قاربت على الزوال من المشهد الخاص والعام، لذلك اتجهنا إلى تكثيف نشاطنا لاستقطاب المنخرطين في أغلب المناطق والجهات عبر وضع برامج موسعة من الأنشطة والتظاهرات والندوات وحلقات النقاش والحوارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية الفكرية. لأننا نعمل بعد ذلك على تقديم مقترحات للدولة والتواصل البناء مع رئاستي الجمهورية والحكومة، لأننا نعمل على نكون عنصرا إيجابيا وداعما للمشروع والدولة بأن نقدم نقدنا عند الاخلالات بكل صراحة ونؤيد ما نراه صحيحا.
*وكيف كان التفاعل مع هذا التوجه؟
-صحيح أنه بعد الانتخابات الرئاسية كان الإقبال كبيرا داخل تونس وخارجها للانضمام إلى حزبنا. ورغم أن عددا كبيرا من التونسيين كرهوا الأحزاب السياسية إلا أن أعدادا كبيرة منهم على يقين أنه لا يمكن تغييب هذه الأجسام الوسيطة ليقينها أنها ضرورية في الدولة بما في ذلك من كانوا ينتمون لأحزاب أخرى. وقد وجد حزبنا التفاعل والاستحسان الواسع إلى حد الآن خاصة أن أهداف هذا الحزب وطنية مبنية على بناء الدولة وتحقيق تطورها على جميع المستويات، ولكننا نرفض من تولوا مواقع قيادية في أحزاب أو داخل الدولة خلال العشرية الماضية خاصة ما يتعلق بالأحزاب الإخوانية.