إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في جلسة عامة لأداء اليمين.. رئيس الجمهورية يؤكد على فتح طريق جديدة أمام العاطلين عن العمل

 

  • إيجاد الحلول الوطنية ليس بالأمر المستحيل ويجب استنباط حلول جديدة تخلق الثروة
  • من التحديات الحفاظ على المؤسسات والمنشآت العمومية بعد تطهيرها تطهيرا يعيد إليها توازنها
  • كل من يعطل عمدا مهما كانت درجة مسؤوليته السير الطبيعي لدواليب الدولة لن يبق دون مساءلة أو جزاء
  • لا مكان للخونة وللعملاء ولا مكان في أرضنا لمن يرتمي في أحضان دوائر الاستعمار

تونس-الصباح

بعد أدائه اليمين الدستورية تحدث رئيس الجمهورية قيس سعيد عن أهم التحديات التي يجب العمل على مجابهتها  وبين خلال الجلسة العامة المشتركة بين مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم المنعقدة أمس بقصر باردو أن أكبر التحديات التي سيتم العمل، دون هوادة، على رفعها تتمثل في فتح طريق جديدة أمام العاطلين عن العمل وخاصة أمام الشباب، وبين أن العاطلين عن العمل ليسوا من الشباب فقط ووصفهم بضحايا الفساد، فهم ضحايا لخيارات الفساد. وقال "لقد عرفنا الفئات التي تم تفقيرها كثيرا"، ولاحظ أن إيجاد الحلول الوطنية ليس بالأمر المستحيل ويجب استنباط حلول جديدة تخلق الثروة التي يعود نفعها على المجموعة الوطنية وذكر أن الشركات الأهلية التي حاولت قوى الردة تعطيلها حل لكن هناك حلول أخرى يمكن استنباطها.

وأضاف أنه كان قد أكد في أكثر من مناسبة على ضرورة الانطلاق بسرعة في ثورة تشريعية تجسم على أرض الواقع آمال الشعب التونسي وطمأن التونسيين بأن الأفكار في هذا المجال لم تنضب. ومن التحديات الأخرى التي يتعين رفعها حسب قوله بناء اقتصاد وطني يرتكز على خلق الثروة وفي ظل خيارات وطنية خالصة نابعة من إرادة الشعب ويرى رئيس الجمهورية أن حسب هذا التحدي لن يكون هينا أو يسيرا ولكن حين يتم حث الخطى والدخول في سباق ضد الساعة يمكن تحقيق ما كان يعتبر مستحيلا واستشهد الرئيس ببيت الشاعر أحمد شوقي: وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا".. وأشار إلى أنه غير قليل اليوم ممن مازالوا  يبحثون دون جدوى عن منوال التنموية وعليهم أن يعلموا أن المنوال هو الذي سيصنعه الشعب فهو الذي يحدد مسار التاريخ وهو الذي يشقها ويشيد البناء الذي يريده ويقاوم اقتصاد الريع الذي تركز عليه المؤسسات التي تتولى التصنيف والترقيم فهو فضلا عن أنه لا ينتج الثورة الوطنية، يجعل الأموال دولة بين الأغنياء الذين لا يتجاوز عددهم بضع العشرات والذين سيزدادون ثراء وتتفاقم في المقابل أوضاع البؤساء، ولاحظ أنه من المفارقات أن نسب النمو بلغت في جداول من نصبوا أنفسهم أساتذة يمنحون علامات النجاح، كانت تقوم على معطيات مغلوطة أو مغشوشة وفسر أن نسبة النمو في سنوات التسعين كانت تتراوح بين ثلاثة وستة بالمائة وهي لو كانت صحيحة لما قامت الثورة ولما حصل الانفجار الثوري غير المسبوق في تونس، فقد كانوا يضعون نسب النمو بناء على مقاييسهم ويسندون الأعداد والعلامات كما يسند الأستاذ التلميذ العدد والعلامة، فهم حسب وصفه يريدون تأبيد نظام عالمي انقلب على نفسه وبلغ ذروته، وأشار إلى أنه في هذا المجال وفي مجالات أخرى يمكن ملاحظة أن النظام الإنساني الجديد بدأ يتشكل وهو الذي سيحل محل هذا النظام العالمي القائم على تقسيم غير عادل للثروة.

التطهير

وبين رئيس الجمهورية قيس سعيد أنه من التحديات الأخرى الحفاظ على المؤسسات والمنشآت العمومية بعد تطهيرها تطهيرا يعيد إليها توازنها وذكر أن الكل يعلم أن هناك من تسللوا إليها تحت عناوين مختلفة ونسفوها نسفا كما فعلوا وواصلوا منذ سنوات الثمانين من القرن الماضي. وبين أن الشعب استعاد الثورة وعلى الدولة أن تستعيد دورها الاجتماعي كاملا غير منقوص وهو يرى أن الحقوق الاجتماعية من تعليم عمومي ونقل وصحة عمومية ومسكن لاحق وعمل مستقر وتغطية اجتماعية، كلها تحديات على الدولة رفعها لأنها من حقوق الإنسان الطبيعية وشدد على أنه ليس في هذا الأمر أي استهداف للمبادرة الحرة، فالدستور يضمن التعايش بين القطاعين العام والخاص حسب قوله، وذكر أنه كما أن الحرية مضمونة في المجال الاقتصادي فهي محفوظة ومحمية في المجال السياسي، لكن الحرية ليست فوضى وافتراءات وشتم وسب وثلب كما أنها ليست تعديا على الحقوق وخرقا للقانون.

وأضاف رئيس الجمهورية بعبارات قاطعة: "إن الذي لا  نقبل النقاش فيه هو أنه لا مكان للخونة وللعملاء ولا مكان في أرضنا لمن يرتمي في أحضان دوائر الاستعمار فهو كمثل الذي يسرق من بيت أبيه فلا أبوه سيصفح عنه ولا الذي سيشتري منه بضاعة مسروقة سيكافئه فهو في قرارة نفسه يحتقره ويزدريه".

وذكر الرئيس قيس سعيد أن التحديات كثيرة ولا يمكنه أن يذكرها كلها لكنه يؤكد من جديد على ضرورة تخطيها بسرعة حتى "نصنع تاريخا جديدا لتونس وحتى نصنع وطنا يعيش فيه كل التونسيين والتونسيات بحرية وكرامة".

مقاومة الإرهاب

وبين قيس سعيد رئيس الجمهورية المنتخب خلال جلسة أداء اليمين الدستورية أن التحدي لا يمكن أن يكون مشفوعا إلا بالتصدي، وأولى جبهات التصدي هي مقاومة الإرهاب. وقدم رئيس الجمهورية تحية للقوت المسلحة العسكرية الذين نجدهم في كل آن وحين في ميدان المواجهة والبطولة وتوجه بتحية للقوات المسلحة الأمنية لما تبذله من جهود في كل المجالات وكذلك لسلك الديوانة والحماية المدنية وأعوانها الذين تحملوا أفدح المخاطر.

وأضاف أن الجبهة الثانية التي لا تقل عن الجبهة الأولى في واجب التصدي هي مواجهة الفساد وشدد على أنه لا تراجع عن المحاسبة ولا تنازل عن أي مليم من أموال الشعب التونسي، وذكر أن الكثيرين كانوا ينتظرون يوم العبور لعلهم يفلتون من المحاسبة والجزاء..  وتحدث رئيس الجمهورية عن أبواب الصلح الجزائي وبين أنه يمكن أن تفتح من جديد فمن أعاد أموال الشعب كاملة غير منقوصة للشعب لا حاجة أن يبقى سجينا وفارا وتائها بين العواصم أما إذا ارتكب جرائم أخرى فالقضاء وحده هو الفيصل.

وأكد سعيد في خطابه أنه لا مكن في تونس لمن لا يعمل على تحقيق آمال الشعب ومطالبه المشروعة ولا مكان لمن يعرقل السير الطبيعي للمرافق العمومية، وذكر أن كل من يعطل عمدا مهما كانت درجة مسؤوليته السير الطبيعي لدواليب الدولة لن يبق دون مساءلة أو جزاء  وقال :" لقد خضنا حرب استنزاف طويلة، كانت شاقة ومريرة لكن كل شيء يهون من اجل الوطن".

ثورة ثقافية

وتطرق رئيس الجمهورية إلى مسألة أخرى لا تقل أهمية وقال إن تونس في حاجة إلى ثورة ثقافية والى ثقافة جديدة بها يتم التصدي لكل أنواع الانحرافات، وذكر أنه لا بد من ثورة تقوم على التعاون وإلغاء المسافات وثورة تقوم على تصور جديد للحياة داخل المجتمع وليس على توزيع أوراق أو توزيع مناشير فهو يريدها ثورة يستبطنها المواطن ويسعى إلى تحقيقها في كل وقت وكل مجال وفي أي مستوى، ثورة على المفاهيم البالية من أجل فكر جديد وقد بدأت بوادر هذه الثورة تظهر إثر انتخابات 2019 لكن تحركت مرة أخرى اللوبيات وأجهضتها وذكر في هذا الصدد بمبادرة الأطفال بإمكانياتهم المحدودة بعمليات تنظيف أحيائهم مدارسهم والمحيط الذي يعيشون فيه وللأسف فإن اللوبات وأذرعتهم حاولوا زرع القنوط لكن عليهم أن يعلموا أنهم لن يقدروا على زرع الإحباط لان الشعب التونسي سيمر من لحظة الإحباط إلى لحظة البناء والتشديد، وقال " إن النصر هو خيارنا ولم نقل له مثيلا".

لا للتدخل الخارجي

وذكر رئيس الجمهورية قيس سعيد انه يجب التصدي لأي تدخل في الشؤون الداخلية فالشعب التونسي وحده هو الذي يقرر وهو الذي يختار وأشار إلى أن تونس تتعاون مع البلدان الشقيقة والصديقة على أساس المصالح المشتركة والندية وأكد على وقوف بلادنا مع الشعوب المضطهدة وأولها الشعب الفلسطيني حتى يستعيد حقه كاملا ووقوفها مع الشعب اللبناني الشقيق ومع كل الشعوب المضطهدة، وجدد رئيس الجمهورية التعبير عن موقفه من مصطلح التطبيع مع الكيان الصهيوني المجرم المغتصب وبين أن من يتعامل معه يرتكب جريمة الخيانة العظمى في حق الفلسطينيين، وقال: "سنواصل على نفس النهج من عبور إلى عبور فمن رام العلا لا يرضى أبدا بما دونه ومن صعد قمم الجبال ستكون القمم هي المنزل والمستقر"..

محاولات إجهاض الثورة

وقبل أن يتطرق إلى التحديات التي تواجهها تونس في الفترة القادمة قال رئيس الجمهورية قيس سعيد  في كلمته التي توجه بها إلى الشعب التونسي: "يا أبناء شعبنا العظيم في وطننا العزيز تونس وفي كل أنحاء العالم يقتضي الواجب أن نقف خاشعين ترحما على وإجلالا لكل من قضى من أجل تحرير الوطن من الاحتلال والاستبداد من الخونة واللصوص والطغاة والذين كانوا في أضغاث أحلامهم يمنون أنفسهم بتفجير البلاد وتفكيكها، لقد قال الشعب صاحب السيادة وحده كلمته الفصل بكل حرية يوم 6 أكتوبر، فتحية لكن من اختار بكل حرية ولم يحتكم إلا لقناعاته وليس لغيرها ولم يحكم سوى ضميره، لا تتجه النية إطلاقا في هذا الموكب إلى التوقف طويلا عند الأحداث التي شهدتها تونس منذ 17 ديسمبر يوم انطلاق شرارة الانفجار الثوري تحت شعار الشعب يريد الشغل والحرية والكرامة الوطنية، ولكن حري بالتوقف ولو لدقائق معدودة عند المحاولات الظاهرة والخفية لإجهاض الثورة منذ 15 جانفي 2011 بتحويل المطلب الشعبي بإسقاط النظام إلى مطالب جهوية وقطاعية بهدف الإبقاء على المنظومة مع تغيير شكلي صوري في بعض ملامحها لتبقى البلاد محكومة من قبل من مازال يريد البقاء وراء الستار لمزيد التنكيل بالشعب الثائر والتحكم في إرادته، ثم بدأت مؤامرة أخرى وهي الأخطر وذلك بتقسيم البلاد".

وبين أنه لا تغيب عن الذاكرة أحداث يوم 9 أفريل 2012 حين حاولت مجموعات منظمة ومسلحة قمع المتظاهرين حتى تضفي هذه المجموعات شرعية مزعومة، وتم إدراج مشروع حكم ربما يذكره الكثيرون في نص الدستور الذي تم نشره في أفريل 2013، حكم ينص على أن الدولة هي التي تحتكر إنشاء القوات  المسلحة وقوات الأمن الداخلي وأي قوات أخرى ويكون ذلك بمقتضى قانون ولخدمة الصالح العام، فهل تحتاج الشمس إلى دليل، حسب تعبيره. هذا إلى جانب العمليات الإرهابية ومنها ذبح الجنود البواسل في ساعات الوغى في وقت كانوا يستعدون فيه للإفطار في شهر رمضان، وتفجير حافلة الأمن الرئاسي وتحدث الرئيس عن الذين لم يسعهم أي مكان في تونس سوى مرتفعات جبال الشعانبي لممارسة ما وصف بالأنشطة الرياضية فهذا غيض من فيض وقليل من كثير فضلا عما كان يحصل في هذا المكان، أي مقر مجلس نواب الشعب، من وضع نصوص فصلت على مقاس من وضعوها وبين أنه كم من مرة كانت ترفع فيها الجلسة العامة بحجة التوافق ليخرج نص جديد وذكر أن الجميع يعلمون دون شك طرق تعديل النصوص ومقابل ذلك التغير من الأموال التي كانت تدفع جراء هذا الموقف أو ذاك، وأشار إلى أنه كانت الأصوات ترتفع في كل مكان ويدعو أصحابها لحل البرلمان قبل أن تنتشر جائحة كوفيد التي حصدت آلاف الأرواح ولولا جهود الأطباء والإطارات شبه الطبية  وتآزر التونسيين لكان عدد الضحايا أكبر بكثير.

تجميد البرلمان

وقال الرئيس قيس سعيد إنه حين توجه يوم 24 جويلية 2021 إلى ولاية قفصة وقام بزيارة عدد من المستشفيات بأم العرايس والمتلوي والرديف ولم يكن في إحداها على الأقل ماء ولا كهرباء ولا أكسيجين بل كانت جثث الموتى في أروقة هذه الفضاءات ملقاة بين الأحياء فلا تعرف من قضى ومن مازال على قيد الحياة، وحل يوم 25 جويلية 2021 وليحفظ التاريخ وليحفظ المؤرخون أن قرار تجميد البرلمان سيء الذكر لم يكن يعلم به أحد على الإطلاق كما ادعاه البعض بل كان قرارا أملته المسؤولية التاريخية وحيث أنه قال بينه وبين نفسه في ذلك المساء الحزين كيف يمكنه أن يقف أمام ربه يوم القيامة وكيف يقابل الشعب التونسي والأوضاع داخل الدولة والمجتمع تزيد تفاقما وتأزما يوما بعد يوم..

وأشار الرئيس إلى أن الشعب استرجع بعد ذلك ثورته وتم وضع دستور جديد وتنظيم استفتاء حسم فيه الشعب أمره بعد تنظيم استشارة وطنية استهدفها المناوئون لكنها نجحت رغم كل المحاولات اليائسة لإفشالها، وتم انتخاب أعضاء مجلس نواب الشعب ومجلس الجهات والأقاليم قبل تنظيم الانتخابات الرئاسية في موعدها، ولم يكن الأمر هينا حسب وصفه بل كانت المخاطر جسيمة كمن يمشي في حقل مليء بالألغام، وكانت بقايا المنظومة منتشرة في كل مكان تسمع فحيحها حتى وإن لم تكن تراها فضلا عن الخيانات ومحاولات تأجيج الأوضاع بكل الطرق.

مؤامرة

وأقر رئيس الجمهورية قيس سعيد في خطابه أمام الغرفتين النيابيتين بأن هناك بعض التأخير ولكنه ليس تأخرا بل كان تأنيا حفاظا على استمرارية الدولة والسلم داخل المجتمع حتى لا تسيل قطرة دم واحدة وبين أنه قد تأتي لحظة المكاشفة والمصارحة حتى يعلم الجميع ما كان يرتب ويدبر من الداخل والخارج على حد السواء وذكر أن آخر توافق إجرامي هو محاولة إدخال البلاد في صراع شرعيات واقتتال داخلي وتقسيمها إلى مجموعة من المقاطعات واستحسن سعيد مبادرة نواب الشعب بتنقيح القانون الانتخابي والتي أسقطوا من خلالها المخططات الصهيونية والمؤامرة  الماسونية.. أما الشعب التونسي فآلى على نفسه أن يعبر وقد عبّر وآلى على نفسه أن يواصل حرب التحرير الوطني لتخليص البلاد من هذه الفلول وهذه الزواحف السامة.

وأشار رئيس الجمهورية إلى أن الشعب التونسي قرر التحدي وسيرفع كل التحديات كما قرر مواصلة مسيرة التصدي والتحرر الوطني الكامل، وقال لن نخشى الخطوب ولن نهاب المخاطر ثم عدد في خطابه التحديات المطروحة سالفة الذكر..

وقبل أن يتوجه بخطاب للشعب أدى قيس سعيد رئيس الجمهورية المنتخب  أمس اليمين الدستورية بناء على أحكام الفصل 92 من دستور 2022 و المرسوم عدد 1 لسنة 2024 المؤرخ في 13 سبتمبر 2024 المتعلق بتنظيم العلاقة بين مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم وقال: "أقسم بالله العظيم أن أحافظ على استقلال الوطن وسلامته وأن أحترم دستور الدّولة وتشريعها وأن أرعى مصالح الوطن رعاية كاملة."

وفي كلمته الافتتاحية للجلسة العامة الممتازة قال رئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة إن :"هذه اللحظات الفارقة التي نعيشها اليوم، هي أكبر مترجم لسلامة الخيارات المتّبعة وصوابها. وهي كذلك خير تتويج لمحطّات ناصعة مرّت بها بلادنا منذ إعلانكم القطع مع تردّي الأوضاع السياسية وعزمكم السير بكل ثبات وحكمة وتبصّر على درب استعادة هيبة الدولة وسيادتها. فانتهجتم مسارا تصحيحيا طبعته مراحل وعناوين بارزة وفق خارطة طريق مثّل فيها الاستفتاء على الدستور، والانتخابات البرلمانية عنوانا مشعّا لإيمانكم العميق بأنّ الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة. وتوّج بالاستحقاق الانتخابي الرئاسي الذي مرّ، والحمد لله، بسلام وحققّ المأمول ليجمعنا اليوم في هذا الموكب البهيج. ولقد وجد هذا التمشّي صداه في ما تمّ التوصّل إليه عبر صناديق الاقتراع من خلال تجديد الثقة في شخصكم والتعبير الشعبي عن تأييد المناهج المتّبعة. وبرهن الشعب بذلك عن اصطفافه وراء خياراتكم وتوجّهاتكم، وعن وعيه بضرورة منحكم الثقة مجدّدا لمواصلة ما شرعتم فيه بثبات من أجل محاربة مظاهر الحيف والفساد والتصدّي لكل ما يعرقل تقدّم البلاد ولكل من يكيد لها ويعبث بقوت مواطنيها. فكان التصويت في الانتخابات لصالحكم رسالة طمأنة للجميع وعنوان انطلاقة نحو مزيد البذل، وتعزيزا  للمنجز لمواجهة التحدّيات وتحقيق طموحات التونسيين وترسيخ حقّهم في التوق نحو الأفضل والرقي والازدهار".

وأكد رئيس المجلس أن تونس دخلت مرحلة جديدة من مسيرة البناء والتشييد وفق أسس ومبادئ دستور 25 جويلية 2022. وتطرق إلى الدور الذي لعبته الوظيفة التشريعية لدعم خطوات إعادة البناء واستكمال مسار تونس الجديدة، وذكر بما وصفه "بالمسؤولية التاريخية التي تحمّلها نواب الشعب عبر ما بادروا به لإنقاذ المسار الانتخابي الرئاسي ولتفادي مخاطر وانزلاقات كان يمكن أن تعرقله عبر استهداف مؤسّسات الدولة ومحاولات إرباكها". وأشار إلى اكتمال الوظيفة التشريعية بانطلاق عمل الغرفة الثانية المجلس الوطني للجهات والأقاليم وسيكون النظر في الميزانية لأول من قبل المجلسين..

 

ثورة تشريعية

وعلى هامش الجلسة العامة الممتازة أكد عدد من أعضاء مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم على ضرورة القيام بثورة تشريعية. وتحدث رياض الدريدي عضو مكتب المجلس الوطني للجهات والأقاليم والناطق الرسمي باسم المجلس عن الدور الاجتماعي للدولة من صحة وتعليم ونقل وبين أنه لا بد من ثورة تشريعية نظرا لأن هناك قوانين بالية ومنوال تنمية لا بد من تغييره وأشار إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه مجلسه في تغيير تلك القوانين البالية وشدد بالخصوص على أن الشعب التونسي كله هو الذي سيبني تونس وطالب كل التونسيين بالعمل. وتطرق النائب إلى ما ورد في خطاب رئيس الجمهورية من حديث حول الثورة الثقافية التي يجب أن يستبطنها التونسيون وخاصة الشباب وذكر أن الرئيس لم ينس الشباب وتحدث عن الشركات الأهلية وعن إمكانية قبول أفكار أخرى من شأنها أن تساعد على تشغيل هذه الفئة.

وأشار طارق الربعي عضو مجلس نواب الشعب عن الكتلة الوطنية المستقلة إلى أن الثورة التشريعية التي يتعين القيام بها تتمثل بالخصوص في مراجعة مجلة الاستثمار وقانون الصرف وإلغاء التراخيص الإدارية وتعويضها بكراسات شروط ميسرة والتركيز على الرقمنة والاقتصاد الأخضر ومراجعة الفصل 96 من المجلة الجزائية الذي كبل الإدارة وإطلاق العنان لمبادرات النواب ولاحظ أن نواب الشعب قدموا في السابق العديد من المبادرات التشريعية ولكنها لم تر النور ويجب في الفترة القادمة تحرير مبادرة النواب بالتنسيق مع الوظيفة التنفيذية لأن النائب قريب من الشعب ويعرف مطالبه ومشاغله ومشاكله وانتظاراته. وأشار الربعي إلى أن مشروع قانون المالية لسنة 2025 فيه بوادر ثورة اجتماعية لكن ليس فيه ما يدل على ثورة اقتصادية.

أما أسامة سحنون مساعد رئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم المكلف بالعلاقات مع الوظيفة القضائية والهيئات الدستورية فبين لدى حديثه عن الثورة التشريعية أن الاختبار الأول هو مشروع ميزانية الدولة لسنة 2025 الذي ركز على الدور الاجتماعي للدولة وتحسين المقدرة الشرائية للمواطن ومراجعة السلم الضريبي حتى يقوم على العدالة ويحقق التوازن بين الجهات وكذلك من خلال خلق موارد إضافية لخزينة الدولة وخلق فرض تشغيل. وأكد أن النواب سيقدمون مبادرات تشريعية في هذا الاتجاه وسيناقشون مشروع قانون المالية ومشروع ميزانية الدولة ويدخلون التعديلات التي يرونها مناسبة. وأشار سحنون إلى أن رئيس الجمهورية تحدث عن الثورة الثقافية وبين أنه يريدها أن تكون ثقافة منفتحة وقابلة لكل موروث إنساني ومتمسكة بالموروث العربي الإسلامي مع تنويره بالمبادئ العالمية واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها والحقوق الاقتصادية والاجتماعية..

وقال ياسر القوراري رئيس لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب إن الثورة التشريعية لا بد أن  تقوم على ثلاثة محاور أولها استكمال البناء المؤسساتي من مجلس أعلى دائم للقضاء ومحكمة دستورية ومجلس أعلى للتربية بعد إدخال تعديلات على المرسوم المنظم له في اتجاه تشريك أهل الاختصاص، أما المحور الثاني فهو اقتصادي من خلال مكافحة الفساد والإرهاب ومنظومة 24 جويلية وفلولها وإرساء الطابع الاجتماعي للدولة وقد جاء مشروع قانون المالية بسلسة من الإجراءات ذات الطابع الاجتماعي ولا بد من مراجعة الترسانة القانونية التي لم تكن في خدمة الفئات الضعيفة وتنقيح قانون الشغل، أما البعد الثالث فهو اقتصادي ويجب حسب قوله مراجعة قوانين الصرف والاستثمار والبنك المركزي والصفقات العمومية.

وفي نفس السياق بين علي زغدود رئيس كتلة لينتصر الشعب أنه لا بد من ثورة تشريعية تغير من الواقع الاقتصادي والاجتماعي ولاحظ أن الاستثمار مكبل ومجلة الصرف مكبلة وهو ما يقتضي ثورة تشريعية حقيقة قادرة على تجاوز الموروث البالي.

وإلى جانب رئيسي وأعضاء المجلسين النيابيين حضر الجلسة العامة الممتازة المخصصة لأداء اليمين الدستورية، رئيس الحكومة كمال المدّوري وأعضاء الحكومة ومفتي الجمهورية وكبير الأساقفة وكبير الأحبار.

سعيدة بوهلال

في جلسة عامة لأداء اليمين..   رئيس الجمهورية يؤكد على فتح طريق جديدة أمام العاطلين عن العمل

 

  • إيجاد الحلول الوطنية ليس بالأمر المستحيل ويجب استنباط حلول جديدة تخلق الثروة
  • من التحديات الحفاظ على المؤسسات والمنشآت العمومية بعد تطهيرها تطهيرا يعيد إليها توازنها
  • كل من يعطل عمدا مهما كانت درجة مسؤوليته السير الطبيعي لدواليب الدولة لن يبق دون مساءلة أو جزاء
  • لا مكان للخونة وللعملاء ولا مكان في أرضنا لمن يرتمي في أحضان دوائر الاستعمار

تونس-الصباح

بعد أدائه اليمين الدستورية تحدث رئيس الجمهورية قيس سعيد عن أهم التحديات التي يجب العمل على مجابهتها  وبين خلال الجلسة العامة المشتركة بين مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم المنعقدة أمس بقصر باردو أن أكبر التحديات التي سيتم العمل، دون هوادة، على رفعها تتمثل في فتح طريق جديدة أمام العاطلين عن العمل وخاصة أمام الشباب، وبين أن العاطلين عن العمل ليسوا من الشباب فقط ووصفهم بضحايا الفساد، فهم ضحايا لخيارات الفساد. وقال "لقد عرفنا الفئات التي تم تفقيرها كثيرا"، ولاحظ أن إيجاد الحلول الوطنية ليس بالأمر المستحيل ويجب استنباط حلول جديدة تخلق الثروة التي يعود نفعها على المجموعة الوطنية وذكر أن الشركات الأهلية التي حاولت قوى الردة تعطيلها حل لكن هناك حلول أخرى يمكن استنباطها.

وأضاف أنه كان قد أكد في أكثر من مناسبة على ضرورة الانطلاق بسرعة في ثورة تشريعية تجسم على أرض الواقع آمال الشعب التونسي وطمأن التونسيين بأن الأفكار في هذا المجال لم تنضب. ومن التحديات الأخرى التي يتعين رفعها حسب قوله بناء اقتصاد وطني يرتكز على خلق الثروة وفي ظل خيارات وطنية خالصة نابعة من إرادة الشعب ويرى رئيس الجمهورية أن حسب هذا التحدي لن يكون هينا أو يسيرا ولكن حين يتم حث الخطى والدخول في سباق ضد الساعة يمكن تحقيق ما كان يعتبر مستحيلا واستشهد الرئيس ببيت الشاعر أحمد شوقي: وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا".. وأشار إلى أنه غير قليل اليوم ممن مازالوا  يبحثون دون جدوى عن منوال التنموية وعليهم أن يعلموا أن المنوال هو الذي سيصنعه الشعب فهو الذي يحدد مسار التاريخ وهو الذي يشقها ويشيد البناء الذي يريده ويقاوم اقتصاد الريع الذي تركز عليه المؤسسات التي تتولى التصنيف والترقيم فهو فضلا عن أنه لا ينتج الثورة الوطنية، يجعل الأموال دولة بين الأغنياء الذين لا يتجاوز عددهم بضع العشرات والذين سيزدادون ثراء وتتفاقم في المقابل أوضاع البؤساء، ولاحظ أنه من المفارقات أن نسب النمو بلغت في جداول من نصبوا أنفسهم أساتذة يمنحون علامات النجاح، كانت تقوم على معطيات مغلوطة أو مغشوشة وفسر أن نسبة النمو في سنوات التسعين كانت تتراوح بين ثلاثة وستة بالمائة وهي لو كانت صحيحة لما قامت الثورة ولما حصل الانفجار الثوري غير المسبوق في تونس، فقد كانوا يضعون نسب النمو بناء على مقاييسهم ويسندون الأعداد والعلامات كما يسند الأستاذ التلميذ العدد والعلامة، فهم حسب وصفه يريدون تأبيد نظام عالمي انقلب على نفسه وبلغ ذروته، وأشار إلى أنه في هذا المجال وفي مجالات أخرى يمكن ملاحظة أن النظام الإنساني الجديد بدأ يتشكل وهو الذي سيحل محل هذا النظام العالمي القائم على تقسيم غير عادل للثروة.

التطهير

وبين رئيس الجمهورية قيس سعيد أنه من التحديات الأخرى الحفاظ على المؤسسات والمنشآت العمومية بعد تطهيرها تطهيرا يعيد إليها توازنها وذكر أن الكل يعلم أن هناك من تسللوا إليها تحت عناوين مختلفة ونسفوها نسفا كما فعلوا وواصلوا منذ سنوات الثمانين من القرن الماضي. وبين أن الشعب استعاد الثورة وعلى الدولة أن تستعيد دورها الاجتماعي كاملا غير منقوص وهو يرى أن الحقوق الاجتماعية من تعليم عمومي ونقل وصحة عمومية ومسكن لاحق وعمل مستقر وتغطية اجتماعية، كلها تحديات على الدولة رفعها لأنها من حقوق الإنسان الطبيعية وشدد على أنه ليس في هذا الأمر أي استهداف للمبادرة الحرة، فالدستور يضمن التعايش بين القطاعين العام والخاص حسب قوله، وذكر أنه كما أن الحرية مضمونة في المجال الاقتصادي فهي محفوظة ومحمية في المجال السياسي، لكن الحرية ليست فوضى وافتراءات وشتم وسب وثلب كما أنها ليست تعديا على الحقوق وخرقا للقانون.

وأضاف رئيس الجمهورية بعبارات قاطعة: "إن الذي لا  نقبل النقاش فيه هو أنه لا مكان للخونة وللعملاء ولا مكان في أرضنا لمن يرتمي في أحضان دوائر الاستعمار فهو كمثل الذي يسرق من بيت أبيه فلا أبوه سيصفح عنه ولا الذي سيشتري منه بضاعة مسروقة سيكافئه فهو في قرارة نفسه يحتقره ويزدريه".

وذكر الرئيس قيس سعيد أن التحديات كثيرة ولا يمكنه أن يذكرها كلها لكنه يؤكد من جديد على ضرورة تخطيها بسرعة حتى "نصنع تاريخا جديدا لتونس وحتى نصنع وطنا يعيش فيه كل التونسيين والتونسيات بحرية وكرامة".

مقاومة الإرهاب

وبين قيس سعيد رئيس الجمهورية المنتخب خلال جلسة أداء اليمين الدستورية أن التحدي لا يمكن أن يكون مشفوعا إلا بالتصدي، وأولى جبهات التصدي هي مقاومة الإرهاب. وقدم رئيس الجمهورية تحية للقوت المسلحة العسكرية الذين نجدهم في كل آن وحين في ميدان المواجهة والبطولة وتوجه بتحية للقوات المسلحة الأمنية لما تبذله من جهود في كل المجالات وكذلك لسلك الديوانة والحماية المدنية وأعوانها الذين تحملوا أفدح المخاطر.

وأضاف أن الجبهة الثانية التي لا تقل عن الجبهة الأولى في واجب التصدي هي مواجهة الفساد وشدد على أنه لا تراجع عن المحاسبة ولا تنازل عن أي مليم من أموال الشعب التونسي، وذكر أن الكثيرين كانوا ينتظرون يوم العبور لعلهم يفلتون من المحاسبة والجزاء..  وتحدث رئيس الجمهورية عن أبواب الصلح الجزائي وبين أنه يمكن أن تفتح من جديد فمن أعاد أموال الشعب كاملة غير منقوصة للشعب لا حاجة أن يبقى سجينا وفارا وتائها بين العواصم أما إذا ارتكب جرائم أخرى فالقضاء وحده هو الفيصل.

وأكد سعيد في خطابه أنه لا مكن في تونس لمن لا يعمل على تحقيق آمال الشعب ومطالبه المشروعة ولا مكان لمن يعرقل السير الطبيعي للمرافق العمومية، وذكر أن كل من يعطل عمدا مهما كانت درجة مسؤوليته السير الطبيعي لدواليب الدولة لن يبق دون مساءلة أو جزاء  وقال :" لقد خضنا حرب استنزاف طويلة، كانت شاقة ومريرة لكن كل شيء يهون من اجل الوطن".

ثورة ثقافية

وتطرق رئيس الجمهورية إلى مسألة أخرى لا تقل أهمية وقال إن تونس في حاجة إلى ثورة ثقافية والى ثقافة جديدة بها يتم التصدي لكل أنواع الانحرافات، وذكر أنه لا بد من ثورة تقوم على التعاون وإلغاء المسافات وثورة تقوم على تصور جديد للحياة داخل المجتمع وليس على توزيع أوراق أو توزيع مناشير فهو يريدها ثورة يستبطنها المواطن ويسعى إلى تحقيقها في كل وقت وكل مجال وفي أي مستوى، ثورة على المفاهيم البالية من أجل فكر جديد وقد بدأت بوادر هذه الثورة تظهر إثر انتخابات 2019 لكن تحركت مرة أخرى اللوبيات وأجهضتها وذكر في هذا الصدد بمبادرة الأطفال بإمكانياتهم المحدودة بعمليات تنظيف أحيائهم مدارسهم والمحيط الذي يعيشون فيه وللأسف فإن اللوبات وأذرعتهم حاولوا زرع القنوط لكن عليهم أن يعلموا أنهم لن يقدروا على زرع الإحباط لان الشعب التونسي سيمر من لحظة الإحباط إلى لحظة البناء والتشديد، وقال " إن النصر هو خيارنا ولم نقل له مثيلا".

لا للتدخل الخارجي

وذكر رئيس الجمهورية قيس سعيد انه يجب التصدي لأي تدخل في الشؤون الداخلية فالشعب التونسي وحده هو الذي يقرر وهو الذي يختار وأشار إلى أن تونس تتعاون مع البلدان الشقيقة والصديقة على أساس المصالح المشتركة والندية وأكد على وقوف بلادنا مع الشعوب المضطهدة وأولها الشعب الفلسطيني حتى يستعيد حقه كاملا ووقوفها مع الشعب اللبناني الشقيق ومع كل الشعوب المضطهدة، وجدد رئيس الجمهورية التعبير عن موقفه من مصطلح التطبيع مع الكيان الصهيوني المجرم المغتصب وبين أن من يتعامل معه يرتكب جريمة الخيانة العظمى في حق الفلسطينيين، وقال: "سنواصل على نفس النهج من عبور إلى عبور فمن رام العلا لا يرضى أبدا بما دونه ومن صعد قمم الجبال ستكون القمم هي المنزل والمستقر"..

محاولات إجهاض الثورة

وقبل أن يتطرق إلى التحديات التي تواجهها تونس في الفترة القادمة قال رئيس الجمهورية قيس سعيد  في كلمته التي توجه بها إلى الشعب التونسي: "يا أبناء شعبنا العظيم في وطننا العزيز تونس وفي كل أنحاء العالم يقتضي الواجب أن نقف خاشعين ترحما على وإجلالا لكل من قضى من أجل تحرير الوطن من الاحتلال والاستبداد من الخونة واللصوص والطغاة والذين كانوا في أضغاث أحلامهم يمنون أنفسهم بتفجير البلاد وتفكيكها، لقد قال الشعب صاحب السيادة وحده كلمته الفصل بكل حرية يوم 6 أكتوبر، فتحية لكن من اختار بكل حرية ولم يحتكم إلا لقناعاته وليس لغيرها ولم يحكم سوى ضميره، لا تتجه النية إطلاقا في هذا الموكب إلى التوقف طويلا عند الأحداث التي شهدتها تونس منذ 17 ديسمبر يوم انطلاق شرارة الانفجار الثوري تحت شعار الشعب يريد الشغل والحرية والكرامة الوطنية، ولكن حري بالتوقف ولو لدقائق معدودة عند المحاولات الظاهرة والخفية لإجهاض الثورة منذ 15 جانفي 2011 بتحويل المطلب الشعبي بإسقاط النظام إلى مطالب جهوية وقطاعية بهدف الإبقاء على المنظومة مع تغيير شكلي صوري في بعض ملامحها لتبقى البلاد محكومة من قبل من مازال يريد البقاء وراء الستار لمزيد التنكيل بالشعب الثائر والتحكم في إرادته، ثم بدأت مؤامرة أخرى وهي الأخطر وذلك بتقسيم البلاد".

وبين أنه لا تغيب عن الذاكرة أحداث يوم 9 أفريل 2012 حين حاولت مجموعات منظمة ومسلحة قمع المتظاهرين حتى تضفي هذه المجموعات شرعية مزعومة، وتم إدراج مشروع حكم ربما يذكره الكثيرون في نص الدستور الذي تم نشره في أفريل 2013، حكم ينص على أن الدولة هي التي تحتكر إنشاء القوات  المسلحة وقوات الأمن الداخلي وأي قوات أخرى ويكون ذلك بمقتضى قانون ولخدمة الصالح العام، فهل تحتاج الشمس إلى دليل، حسب تعبيره. هذا إلى جانب العمليات الإرهابية ومنها ذبح الجنود البواسل في ساعات الوغى في وقت كانوا يستعدون فيه للإفطار في شهر رمضان، وتفجير حافلة الأمن الرئاسي وتحدث الرئيس عن الذين لم يسعهم أي مكان في تونس سوى مرتفعات جبال الشعانبي لممارسة ما وصف بالأنشطة الرياضية فهذا غيض من فيض وقليل من كثير فضلا عما كان يحصل في هذا المكان، أي مقر مجلس نواب الشعب، من وضع نصوص فصلت على مقاس من وضعوها وبين أنه كم من مرة كانت ترفع فيها الجلسة العامة بحجة التوافق ليخرج نص جديد وذكر أن الجميع يعلمون دون شك طرق تعديل النصوص ومقابل ذلك التغير من الأموال التي كانت تدفع جراء هذا الموقف أو ذاك، وأشار إلى أنه كانت الأصوات ترتفع في كل مكان ويدعو أصحابها لحل البرلمان قبل أن تنتشر جائحة كوفيد التي حصدت آلاف الأرواح ولولا جهود الأطباء والإطارات شبه الطبية  وتآزر التونسيين لكان عدد الضحايا أكبر بكثير.

تجميد البرلمان

وقال الرئيس قيس سعيد إنه حين توجه يوم 24 جويلية 2021 إلى ولاية قفصة وقام بزيارة عدد من المستشفيات بأم العرايس والمتلوي والرديف ولم يكن في إحداها على الأقل ماء ولا كهرباء ولا أكسيجين بل كانت جثث الموتى في أروقة هذه الفضاءات ملقاة بين الأحياء فلا تعرف من قضى ومن مازال على قيد الحياة، وحل يوم 25 جويلية 2021 وليحفظ التاريخ وليحفظ المؤرخون أن قرار تجميد البرلمان سيء الذكر لم يكن يعلم به أحد على الإطلاق كما ادعاه البعض بل كان قرارا أملته المسؤولية التاريخية وحيث أنه قال بينه وبين نفسه في ذلك المساء الحزين كيف يمكنه أن يقف أمام ربه يوم القيامة وكيف يقابل الشعب التونسي والأوضاع داخل الدولة والمجتمع تزيد تفاقما وتأزما يوما بعد يوم..

وأشار الرئيس إلى أن الشعب استرجع بعد ذلك ثورته وتم وضع دستور جديد وتنظيم استفتاء حسم فيه الشعب أمره بعد تنظيم استشارة وطنية استهدفها المناوئون لكنها نجحت رغم كل المحاولات اليائسة لإفشالها، وتم انتخاب أعضاء مجلس نواب الشعب ومجلس الجهات والأقاليم قبل تنظيم الانتخابات الرئاسية في موعدها، ولم يكن الأمر هينا حسب وصفه بل كانت المخاطر جسيمة كمن يمشي في حقل مليء بالألغام، وكانت بقايا المنظومة منتشرة في كل مكان تسمع فحيحها حتى وإن لم تكن تراها فضلا عن الخيانات ومحاولات تأجيج الأوضاع بكل الطرق.

مؤامرة

وأقر رئيس الجمهورية قيس سعيد في خطابه أمام الغرفتين النيابيتين بأن هناك بعض التأخير ولكنه ليس تأخرا بل كان تأنيا حفاظا على استمرارية الدولة والسلم داخل المجتمع حتى لا تسيل قطرة دم واحدة وبين أنه قد تأتي لحظة المكاشفة والمصارحة حتى يعلم الجميع ما كان يرتب ويدبر من الداخل والخارج على حد السواء وذكر أن آخر توافق إجرامي هو محاولة إدخال البلاد في صراع شرعيات واقتتال داخلي وتقسيمها إلى مجموعة من المقاطعات واستحسن سعيد مبادرة نواب الشعب بتنقيح القانون الانتخابي والتي أسقطوا من خلالها المخططات الصهيونية والمؤامرة  الماسونية.. أما الشعب التونسي فآلى على نفسه أن يعبر وقد عبّر وآلى على نفسه أن يواصل حرب التحرير الوطني لتخليص البلاد من هذه الفلول وهذه الزواحف السامة.

وأشار رئيس الجمهورية إلى أن الشعب التونسي قرر التحدي وسيرفع كل التحديات كما قرر مواصلة مسيرة التصدي والتحرر الوطني الكامل، وقال لن نخشى الخطوب ولن نهاب المخاطر ثم عدد في خطابه التحديات المطروحة سالفة الذكر..

وقبل أن يتوجه بخطاب للشعب أدى قيس سعيد رئيس الجمهورية المنتخب  أمس اليمين الدستورية بناء على أحكام الفصل 92 من دستور 2022 و المرسوم عدد 1 لسنة 2024 المؤرخ في 13 سبتمبر 2024 المتعلق بتنظيم العلاقة بين مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم وقال: "أقسم بالله العظيم أن أحافظ على استقلال الوطن وسلامته وأن أحترم دستور الدّولة وتشريعها وأن أرعى مصالح الوطن رعاية كاملة."

وفي كلمته الافتتاحية للجلسة العامة الممتازة قال رئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة إن :"هذه اللحظات الفارقة التي نعيشها اليوم، هي أكبر مترجم لسلامة الخيارات المتّبعة وصوابها. وهي كذلك خير تتويج لمحطّات ناصعة مرّت بها بلادنا منذ إعلانكم القطع مع تردّي الأوضاع السياسية وعزمكم السير بكل ثبات وحكمة وتبصّر على درب استعادة هيبة الدولة وسيادتها. فانتهجتم مسارا تصحيحيا طبعته مراحل وعناوين بارزة وفق خارطة طريق مثّل فيها الاستفتاء على الدستور، والانتخابات البرلمانية عنوانا مشعّا لإيمانكم العميق بأنّ الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة. وتوّج بالاستحقاق الانتخابي الرئاسي الذي مرّ، والحمد لله، بسلام وحققّ المأمول ليجمعنا اليوم في هذا الموكب البهيج. ولقد وجد هذا التمشّي صداه في ما تمّ التوصّل إليه عبر صناديق الاقتراع من خلال تجديد الثقة في شخصكم والتعبير الشعبي عن تأييد المناهج المتّبعة. وبرهن الشعب بذلك عن اصطفافه وراء خياراتكم وتوجّهاتكم، وعن وعيه بضرورة منحكم الثقة مجدّدا لمواصلة ما شرعتم فيه بثبات من أجل محاربة مظاهر الحيف والفساد والتصدّي لكل ما يعرقل تقدّم البلاد ولكل من يكيد لها ويعبث بقوت مواطنيها. فكان التصويت في الانتخابات لصالحكم رسالة طمأنة للجميع وعنوان انطلاقة نحو مزيد البذل، وتعزيزا  للمنجز لمواجهة التحدّيات وتحقيق طموحات التونسيين وترسيخ حقّهم في التوق نحو الأفضل والرقي والازدهار".

وأكد رئيس المجلس أن تونس دخلت مرحلة جديدة من مسيرة البناء والتشييد وفق أسس ومبادئ دستور 25 جويلية 2022. وتطرق إلى الدور الذي لعبته الوظيفة التشريعية لدعم خطوات إعادة البناء واستكمال مسار تونس الجديدة، وذكر بما وصفه "بالمسؤولية التاريخية التي تحمّلها نواب الشعب عبر ما بادروا به لإنقاذ المسار الانتخابي الرئاسي ولتفادي مخاطر وانزلاقات كان يمكن أن تعرقله عبر استهداف مؤسّسات الدولة ومحاولات إرباكها". وأشار إلى اكتمال الوظيفة التشريعية بانطلاق عمل الغرفة الثانية المجلس الوطني للجهات والأقاليم وسيكون النظر في الميزانية لأول من قبل المجلسين..

 

ثورة تشريعية

وعلى هامش الجلسة العامة الممتازة أكد عدد من أعضاء مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم على ضرورة القيام بثورة تشريعية. وتحدث رياض الدريدي عضو مكتب المجلس الوطني للجهات والأقاليم والناطق الرسمي باسم المجلس عن الدور الاجتماعي للدولة من صحة وتعليم ونقل وبين أنه لا بد من ثورة تشريعية نظرا لأن هناك قوانين بالية ومنوال تنمية لا بد من تغييره وأشار إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه مجلسه في تغيير تلك القوانين البالية وشدد بالخصوص على أن الشعب التونسي كله هو الذي سيبني تونس وطالب كل التونسيين بالعمل. وتطرق النائب إلى ما ورد في خطاب رئيس الجمهورية من حديث حول الثورة الثقافية التي يجب أن يستبطنها التونسيون وخاصة الشباب وذكر أن الرئيس لم ينس الشباب وتحدث عن الشركات الأهلية وعن إمكانية قبول أفكار أخرى من شأنها أن تساعد على تشغيل هذه الفئة.

وأشار طارق الربعي عضو مجلس نواب الشعب عن الكتلة الوطنية المستقلة إلى أن الثورة التشريعية التي يتعين القيام بها تتمثل بالخصوص في مراجعة مجلة الاستثمار وقانون الصرف وإلغاء التراخيص الإدارية وتعويضها بكراسات شروط ميسرة والتركيز على الرقمنة والاقتصاد الأخضر ومراجعة الفصل 96 من المجلة الجزائية الذي كبل الإدارة وإطلاق العنان لمبادرات النواب ولاحظ أن نواب الشعب قدموا في السابق العديد من المبادرات التشريعية ولكنها لم تر النور ويجب في الفترة القادمة تحرير مبادرة النواب بالتنسيق مع الوظيفة التنفيذية لأن النائب قريب من الشعب ويعرف مطالبه ومشاغله ومشاكله وانتظاراته. وأشار الربعي إلى أن مشروع قانون المالية لسنة 2025 فيه بوادر ثورة اجتماعية لكن ليس فيه ما يدل على ثورة اقتصادية.

أما أسامة سحنون مساعد رئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم المكلف بالعلاقات مع الوظيفة القضائية والهيئات الدستورية فبين لدى حديثه عن الثورة التشريعية أن الاختبار الأول هو مشروع ميزانية الدولة لسنة 2025 الذي ركز على الدور الاجتماعي للدولة وتحسين المقدرة الشرائية للمواطن ومراجعة السلم الضريبي حتى يقوم على العدالة ويحقق التوازن بين الجهات وكذلك من خلال خلق موارد إضافية لخزينة الدولة وخلق فرض تشغيل. وأكد أن النواب سيقدمون مبادرات تشريعية في هذا الاتجاه وسيناقشون مشروع قانون المالية ومشروع ميزانية الدولة ويدخلون التعديلات التي يرونها مناسبة. وأشار سحنون إلى أن رئيس الجمهورية تحدث عن الثورة الثقافية وبين أنه يريدها أن تكون ثقافة منفتحة وقابلة لكل موروث إنساني ومتمسكة بالموروث العربي الإسلامي مع تنويره بالمبادئ العالمية واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها والحقوق الاقتصادية والاجتماعية..

وقال ياسر القوراري رئيس لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب إن الثورة التشريعية لا بد أن  تقوم على ثلاثة محاور أولها استكمال البناء المؤسساتي من مجلس أعلى دائم للقضاء ومحكمة دستورية ومجلس أعلى للتربية بعد إدخال تعديلات على المرسوم المنظم له في اتجاه تشريك أهل الاختصاص، أما المحور الثاني فهو اقتصادي من خلال مكافحة الفساد والإرهاب ومنظومة 24 جويلية وفلولها وإرساء الطابع الاجتماعي للدولة وقد جاء مشروع قانون المالية بسلسة من الإجراءات ذات الطابع الاجتماعي ولا بد من مراجعة الترسانة القانونية التي لم تكن في خدمة الفئات الضعيفة وتنقيح قانون الشغل، أما البعد الثالث فهو اقتصادي ويجب حسب قوله مراجعة قوانين الصرف والاستثمار والبنك المركزي والصفقات العمومية.

وفي نفس السياق بين علي زغدود رئيس كتلة لينتصر الشعب أنه لا بد من ثورة تشريعية تغير من الواقع الاقتصادي والاجتماعي ولاحظ أن الاستثمار مكبل ومجلة الصرف مكبلة وهو ما يقتضي ثورة تشريعية حقيقة قادرة على تجاوز الموروث البالي.

وإلى جانب رئيسي وأعضاء المجلسين النيابيين حضر الجلسة العامة الممتازة المخصصة لأداء اليمين الدستورية، رئيس الحكومة كمال المدّوري وأعضاء الحكومة ومفتي الجمهورية وكبير الأساقفة وكبير الأحبار.

سعيدة بوهلال