منذ فترة تؤكد بعض الدراسات والمؤشرات أن حالات الاكتئاب والقلق وجملة من الأمراض النفسية الأخرى في تزايد مستمر لعدة أسباب مرتبطة بضغوط العيش وبيئة العمل لكن أيضا ناجمة عن تأثير التغيرات المناخية وحتى جملة الأحداث والتطورات الأخيرة ومنها العدوان على غزة وحالة الإحباط والشعور بالظلم والعجز التي تؤثر دون شك على عدد كبير من التونسيين.
وتؤكد بهذا الصدد إحصائيات صادرة عن منظمة الصحة العالمية أن نسب الإقبال على الحبوب المهدئة في تونس يبلغ حوالي 15 بالمائة. كما تعد الأمراض النفسية لدى الكهول أبرز أسباب الإجازات الطويلة في القطاع العام ويقول رئيس الجمعية التونسية لطب الشغل ورئيس قسم طب الشغل بمستشفى شارل نيكول، نزار العذاري،ان "العطل المرضية طويلة الأمد لأسباب نفسية تشهد ارتفاعا مستمرا، في تونس، ولا سيما في القطاع العام".
أسباب اكتئاب التونسي
صرحت بدورها مؤخرا الأستاذة في الطب النفسي ورئيسة قسم في مستشفى الأمراض العقلية الرازي ماجدة شعور، ان "الاكتئاب وأمراض القلق تعد من بين الأمراض النفسية الأكثر انتشارا في تونس".
وحول أبرز أسباب اكتئاب التونسي وشعوره المتواصل والمتزايد بالقلق وتأثيرات ذلك على صحته النفسية والعقلية تضيف الدكتورة ماجدة بان انتشار مثل هذه الأمراض يعود أساسا الى "التغيرات المناخية التي تعيشها البلاد والتي تؤثر سلبا على شريحة واسعة من التونسيين بالإضافة الى تواتر الأزمات الاجتماعية والاقتصادية خاصة بعد الثورة التونسية وما يعيشه المواطنون من ضغط يومي متواصل."
مضيفة ان "تواتر الحروب والنزاعات في عدد من البلدان العالم وآخرها الحرب التي يشنها العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة قد تسبب كذلك في مزيد انتشار الاضطرابات النفسية لدى التونسيين".
تأثير بيئة العمل
الأكيد أيضا أن بيئة العمل بكل جوانبها بداية من ظروف التنقل إلى العمل من وسائل نقل واكتظاظ مروري وصولا إلى المناخ داخل الإدارات والمؤسسات والعلاقات في محيط العمل لها تأثير مباشر على الصحة النفسية للتونسيين.
ومؤخرا وتزامنا مع إحياء اليوم العالمي للصحة النفسية الموافق لـ 10 أكتوبر من كل سنة الذي وضعته منظمة الصحة العالمية تحت شعار « الصحة النفسية في مكان العمل » نشرت عديد التقارير وتم تنظيم جملة من الأنشطة بحضور مختصين نفسيين أكدوا ان بيئة العمل تؤثر إما سلبا أو إيجابا على الصحة النفسية للعاملين فيها.
ووعيا بأهمية وخطورة المسألة دعا الأخصائي في علم النفس، طارق السعيدي الى "ضرورة إحداث أقسام طب شغل تتضمن وجوبا مختصين في علم النفس بكافة المؤسسات المهنية والوزارات، بما يمكن من توفير الإحاطة النفسية للعاملين والموظفين".
من جهة أخرى تمت الدعوة سابقا إلى ضرورة تغيير عقلية التعامل مع موضوع الصحة النفسية على اعتبار أن لها علاقة مباشرة بجملة من الأمراض الأخرى وعدم علاج الأمراض النفسية يمكن أن تؤدي حسب تقدير المختصين الى أمراض عضوية تتراوح درجة خطورتها من خطيرة الى خطيرة جدا وقد تكون التكلفة أرفع بكثير من تكلفة علاج المرض النفسي .
وقد شدد سابقا رئيس قسم الأمراض النفسية بمستشفى الرازي الدكتور وحيد المالكي في تصريح إعلامي له ، أنهم طالبوا كأخصائيين نفسيين بالتكفل بجلسات العلاج النفسي من قبل الصندوق الوطني للتأمين على المرض، مؤكدا على أهمية الصحة النفسية وما لها من انعكاس وتأثير على الصحة الجسدية.
وتعد جلسات العلاج النفسي في العيادات الخاصة باهظة التكاليف في حين أن هذه الخدمة الصحية محدودة في المستشفيات العمومية واستنادا على الخارطة الصحية لتونس لسنة 2019 فانه "يتوفر في المستشفيات العمومية 983 سريرا فقط بأقسام الطب النفسي بالمستشفيات العمومية وهو ما يعادل 0.8 سرير لكل 10 آلاف ساكن، ولا يتوفر سوى 0.27 طبيب نفسي لكل 10 آلاف ساكن في المستشفيات العمومية مع غياب توفر طبيب نفسي بعدة ولايات داخل الجمهورية).
وقد تحدث سابقا الأخصائي النفسي طارق السعيدي عن الإشكاليات التي تواجه تطوير دور الصحة النفسية في تونس مبينا أن "حوالي 60 أخصائيا نفسيا فقط لديهم رخصة ممارسة المهنة على كامل تراب الجمهورية وهو رقم دون المأمول ويعود الى عدّة أسباب منها قلّة الخريجين الجدد وصعوبة منح الرخص والشروط المجحفة لفتح العيادات".
صرح طارق السعيدي أيضا ان عزوف الأشخاص عن الذهاب لعيادات الأخصائيين النفسيين "بسبب عدم تكفل الصندوق الوطني للتأمين على المرض بمعلوم الاستشارات النفسية لدى الأخصائيين". مؤكدا على " ضعف إنفاق الدولة على الصحة العقلية في تونس حيث تخصص فقط 2 بالمائة من ميزانيتها لهذا القطاع، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية والتقارير الأممية وهي نسبة جدّ ضعيفة مقارنة بالاحتياجات المتزايدة في هذا المجال".
تجدر الإشارة الى أن تقرير "الحالة العقلية للعالم" (The Mental State of the World Report) لعام 2023 الذي شمل 71 دولة أشار إلى أن تدهور الصحة العقلية الكبير الذي شهده العالم بين عامي 2019 و2021 لا يزال مستمرا ولا توجد أية إشارة على انحساره.
كما أشار التقرير إلى أن الشباب الذين تقل أعمارهم عن 35 عاما وأكثر عرضة بكثير للإصابة بمشاكل الصحة العقلية مقارنة بالأجيال الأكبر سنا. وقد حلت بعض الدول العربية في المراتب الأخيرة على صعيد الصحة العقلية، ومن بينها العراق واليمن وتونس ومصر.
م.ي
تونس - الصباح
منذ فترة تؤكد بعض الدراسات والمؤشرات أن حالات الاكتئاب والقلق وجملة من الأمراض النفسية الأخرى في تزايد مستمر لعدة أسباب مرتبطة بضغوط العيش وبيئة العمل لكن أيضا ناجمة عن تأثير التغيرات المناخية وحتى جملة الأحداث والتطورات الأخيرة ومنها العدوان على غزة وحالة الإحباط والشعور بالظلم والعجز التي تؤثر دون شك على عدد كبير من التونسيين.
وتؤكد بهذا الصدد إحصائيات صادرة عن منظمة الصحة العالمية أن نسب الإقبال على الحبوب المهدئة في تونس يبلغ حوالي 15 بالمائة. كما تعد الأمراض النفسية لدى الكهول أبرز أسباب الإجازات الطويلة في القطاع العام ويقول رئيس الجمعية التونسية لطب الشغل ورئيس قسم طب الشغل بمستشفى شارل نيكول، نزار العذاري،ان "العطل المرضية طويلة الأمد لأسباب نفسية تشهد ارتفاعا مستمرا، في تونس، ولا سيما في القطاع العام".
أسباب اكتئاب التونسي
صرحت بدورها مؤخرا الأستاذة في الطب النفسي ورئيسة قسم في مستشفى الأمراض العقلية الرازي ماجدة شعور، ان "الاكتئاب وأمراض القلق تعد من بين الأمراض النفسية الأكثر انتشارا في تونس".
وحول أبرز أسباب اكتئاب التونسي وشعوره المتواصل والمتزايد بالقلق وتأثيرات ذلك على صحته النفسية والعقلية تضيف الدكتورة ماجدة بان انتشار مثل هذه الأمراض يعود أساسا الى "التغيرات المناخية التي تعيشها البلاد والتي تؤثر سلبا على شريحة واسعة من التونسيين بالإضافة الى تواتر الأزمات الاجتماعية والاقتصادية خاصة بعد الثورة التونسية وما يعيشه المواطنون من ضغط يومي متواصل."
مضيفة ان "تواتر الحروب والنزاعات في عدد من البلدان العالم وآخرها الحرب التي يشنها العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة قد تسبب كذلك في مزيد انتشار الاضطرابات النفسية لدى التونسيين".
تأثير بيئة العمل
الأكيد أيضا أن بيئة العمل بكل جوانبها بداية من ظروف التنقل إلى العمل من وسائل نقل واكتظاظ مروري وصولا إلى المناخ داخل الإدارات والمؤسسات والعلاقات في محيط العمل لها تأثير مباشر على الصحة النفسية للتونسيين.
ومؤخرا وتزامنا مع إحياء اليوم العالمي للصحة النفسية الموافق لـ 10 أكتوبر من كل سنة الذي وضعته منظمة الصحة العالمية تحت شعار « الصحة النفسية في مكان العمل » نشرت عديد التقارير وتم تنظيم جملة من الأنشطة بحضور مختصين نفسيين أكدوا ان بيئة العمل تؤثر إما سلبا أو إيجابا على الصحة النفسية للعاملين فيها.
ووعيا بأهمية وخطورة المسألة دعا الأخصائي في علم النفس، طارق السعيدي الى "ضرورة إحداث أقسام طب شغل تتضمن وجوبا مختصين في علم النفس بكافة المؤسسات المهنية والوزارات، بما يمكن من توفير الإحاطة النفسية للعاملين والموظفين".
من جهة أخرى تمت الدعوة سابقا إلى ضرورة تغيير عقلية التعامل مع موضوع الصحة النفسية على اعتبار أن لها علاقة مباشرة بجملة من الأمراض الأخرى وعدم علاج الأمراض النفسية يمكن أن تؤدي حسب تقدير المختصين الى أمراض عضوية تتراوح درجة خطورتها من خطيرة الى خطيرة جدا وقد تكون التكلفة أرفع بكثير من تكلفة علاج المرض النفسي .
وقد شدد سابقا رئيس قسم الأمراض النفسية بمستشفى الرازي الدكتور وحيد المالكي في تصريح إعلامي له ، أنهم طالبوا كأخصائيين نفسيين بالتكفل بجلسات العلاج النفسي من قبل الصندوق الوطني للتأمين على المرض، مؤكدا على أهمية الصحة النفسية وما لها من انعكاس وتأثير على الصحة الجسدية.
وتعد جلسات العلاج النفسي في العيادات الخاصة باهظة التكاليف في حين أن هذه الخدمة الصحية محدودة في المستشفيات العمومية واستنادا على الخارطة الصحية لتونس لسنة 2019 فانه "يتوفر في المستشفيات العمومية 983 سريرا فقط بأقسام الطب النفسي بالمستشفيات العمومية وهو ما يعادل 0.8 سرير لكل 10 آلاف ساكن، ولا يتوفر سوى 0.27 طبيب نفسي لكل 10 آلاف ساكن في المستشفيات العمومية مع غياب توفر طبيب نفسي بعدة ولايات داخل الجمهورية).
وقد تحدث سابقا الأخصائي النفسي طارق السعيدي عن الإشكاليات التي تواجه تطوير دور الصحة النفسية في تونس مبينا أن "حوالي 60 أخصائيا نفسيا فقط لديهم رخصة ممارسة المهنة على كامل تراب الجمهورية وهو رقم دون المأمول ويعود الى عدّة أسباب منها قلّة الخريجين الجدد وصعوبة منح الرخص والشروط المجحفة لفتح العيادات".
صرح طارق السعيدي أيضا ان عزوف الأشخاص عن الذهاب لعيادات الأخصائيين النفسيين "بسبب عدم تكفل الصندوق الوطني للتأمين على المرض بمعلوم الاستشارات النفسية لدى الأخصائيين". مؤكدا على " ضعف إنفاق الدولة على الصحة العقلية في تونس حيث تخصص فقط 2 بالمائة من ميزانيتها لهذا القطاع، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية والتقارير الأممية وهي نسبة جدّ ضعيفة مقارنة بالاحتياجات المتزايدة في هذا المجال".
تجدر الإشارة الى أن تقرير "الحالة العقلية للعالم" (The Mental State of the World Report) لعام 2023 الذي شمل 71 دولة أشار إلى أن تدهور الصحة العقلية الكبير الذي شهده العالم بين عامي 2019 و2021 لا يزال مستمرا ولا توجد أية إشارة على انحساره.
كما أشار التقرير إلى أن الشباب الذين تقل أعمارهم عن 35 عاما وأكثر عرضة بكثير للإصابة بمشاكل الصحة العقلية مقارنة بالأجيال الأكبر سنا. وقد حلت بعض الدول العربية في المراتب الأخيرة على صعيد الصحة العقلية، ومن بينها العراق واليمن وتونس ومصر.