بتصريح الهيئة العليا المستقلة للانتخابات مساء الجمعة الماضي بالنتائج النهائية للانتخابات الرئاسية 2024 تكون قد أنهت مسارا انتخابيا شاقا إذ أنه جاء بعد فترة قصيرة من تنظيمها انتخابات المجالس المحلية في دورتين، فتركيز المجالس الجهوية ومجالس الأقاليم فالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، وقبل ذلك كانت الهيئة نظمت انتخابات تشريعية على دورتين، وسبقها تنظيم استفتاء شعبي حول مشروع الدستور.
ولم يبق أمام الهيئة اليوم سوى تنظيم انتخابات جزئية لسد الشغور في بعض المجالس المحلية حتى تكون تركيبتها ممثلة للناخبين بجميع الدوائر الانتخابية، وتنظيم انتخابات جزئية لسد الشغور في عدد من المقاعد بمجلس نواب الشعب، وخاصة تنظيم الانتخابات البلدية وفق أحكام المرسوم عدد 8 لسنة 2022 المتعلق بتنقيح القانون الانتخابي وإتمامه. ونص هذا المرسوم على أن يجري التصويت في الانتخابات البلدية في دورة واحدة ويختار الناخب عددا من المترشحين لا يتجاوز عدد المقاعد المحددة للمجلس البلدي وإذ تقدم إليها عدد من المترشحين لا يتجاوز عدد المقاعد المخصصة للدائرة الانتخابية يصرح بفوزهم جميعا مهما كانت الأصوات التي تحصلوا عليها.. وتسند مهام رئاسة المجلس البلدي والمساعد الأول لصاحب المرتبة الأولى في عدد الأصوات ولمن يليه في الترتيب.
وقبل حل المجالس البلدية في 8 مارس 2023، كان الناطق الرسمي باسم الهيئة العليا المستقلة للانتخابات محمد التليلي منصري قد أكد جاهزية الهيئة ماديا وبشريا ولوجستيا لتنظيم الانتخابات البلدية، لكن المساندين لمسار 25 جويلية طالبوا آنذاك بإرجاء تنظيم هذه الانتخابات مقابل منح الأولوية لتنظيم انتخابات المجالس المحلية حتى يتمكن مجلس نواب الشعب من النظر في مشاريع قوانين المالية وميزانية الدولة ومخططات التنمية بمعية المجلس الوطني للجهات والأقاليم. وهناك منهم من طالبوا بملاحقة رؤساء البلديات المحسوبين على منظومة ما قبل 25 جويلية الذين تعلقت بهم شبهات فساد ومنعهم من الترشح، لكن بصدور المرسوم عدد 8 اتضحت الرؤية بخصوص موانع الترشح للانتخابات البلدية، حيث لم يقع منع رؤساء البلديات المنحلة من الترشح، ونص هذا المرسوم على أنه لا يمكن أن يترشح للانتخابات البلدية الأشخاص المباشرون الآتي ذكرهم:أعضاء الحكومة ورؤساء الدواوين، القضاة، الولاة، المعتمدون الأول والكتاب العامون للولايات والمعتمدون والعمد، محتسبو المالية البلدية والجهوية، إطارات البلديات والجهات وأعوانها، إطارات الولايات والمعتمديات وأعوانها، الأئمة والوعاظ، رؤساء الهياكل والجمعيات الرياضية، ولا يمكن لهؤلاء الترشح في الدوائر الانتخابية التي مارسوا فيها وظائفهم المذكورة خلال السنة السابقة لتقديم ترشحهم. كما لا يمكن الترشح لكل من صدر في شأنه حكم بات صادر عن محكمة المحاسبات يتعلق بمخالفات مالية أو انتخابية أو تخلدت بذمته مستحقات بعنوان أحكام التمويل العمومي للحملات الانتخابية.
ومن الوثائق التي يتضمنها ملف الترشح للانتخابات البلدية بطاقة عدد 3 خالية من السوابق العدلية في الجرائم القصدية أو وصل الاستلام وتتولى الهيئة في هذه الحالة التثبت من خلو البطاقة من السوابق العدلية ووصلا في خلاص الضريبة على دخل الأشخاص الطبيعيين بعنوان السنة المنقضية وشهادة في إبراء الذمة من الأداءات البلدية أو شهادة تفيد عدم الخضوع لها مع 50 تزكية نصفها من الإناث والنصف الآخر مع الذكور على أن لا يقل عدد المزكين من الشباب 15 مزكيا.
ولكن لئن كانت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات قد استعدت منذ أمد بعيد لتنظيم الانتخابات البلدية فإن تحديد موعد هذه الانتخابات يعد من الاختصاصات الحصرية لرئيس الجمهورية. وفي المقابل يبقى بإمكان الهيئة السعي لسد الشغور في المجالس المنتخبة من خلال بحث السبل الكفيلة لتجاوز العوائق التي حالت إلى حد هذا اليوم دون إمكانية تنظيم انتخابات جزئية لسد الشغور في مجلس نواب الشعب الذي يستعد حاليا لعقد الدورة النيابية الثالثة ولكن مازلت بعض مقاعده المخصصة لسبع دوائر انتخابية بالخارج شاغرة.. كما يمكن للهيئة اقتراح حل تشريعي يسمح لها بتنظيم انتخابات محلية جزئية في الدوائر التي تعذر فيها تنظيم تلك الانتخابات لغياب مترشحين.
تقييم المسار الانتخابي
وقبل المضي في الاستعدادات للمحطات الانتخابية القادمة، وعلى غرار المحطات الانتخابية السابقة، ينتظر أن تقوم الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بتقييم المسار الانتخابي للانتخابات الرئاسية بمختلف مراحله لتنتهي إلى إعداد تقرير شامل حول هذه الانتخابات تضمنه توصياتها ويقع نشر هذا التقرير بالرائد الرسمي، ويهدف التقييم الذي يتم بالاستئناس بملاحظات المجتمع المدني إلى الوقوف على نقاط القوة ونقاط الضعف قصد العمل على تحسين الأداء وتدارك النقائص والاخلالات والتجاوزات خلال المواعيد الانتخابية القادمة..
ومن أهم المسائل التي أثارها المجتمع المدني خلال ملاحظة الانتخابات الرئاسية ضعف تكوين أعوان مكاتب الاقتراع من ناحية وما تعلق بنسبة المشاركة في هذه المحطة الانتخابية، وخاصة ضعف هذه النسبة لدى الفئة الشبابية وكذلك لدى التونسيين بالخارج رغم الجهود التي بذلتها الهيئة بمعية وزارة الخارجية لتقريب مراكز الاقتراع من الناخبين التونسيين الموجودين طيلة أيام الاقتراع الثلاثة خارج حدود الوطن واعتمادها آلية الاقتراع الحر.
وإضافة إلى نسبة المشاركة، فقد وضع المجتمع المدني تحت المجهر مختلف القرارات الترتيبية التي اتخذها مجلس الهيئة طيلة المسار الانتخابي خاصة القرار المتعلق بشروط الترشح وإجراءاته، وجوبه هذا القرار بانتقادات لاذعة، وقبل صدوره كانت أغلب الجمعيات دعت رئيس الجمهورية أو مجلس نواب الشعب إلى تنقيح القانون الانتخابي بهدف ملاءمته مع أحكام الدستور وحتى لا يقع تحميل الهيئة مسؤولية تنزيل أحكام الدستور وحتى لا يقع ترك المجال لسلطتها التقديرية..
وعند انطلاق المسار الانتخابي، جددت جمعية "عتيد" على سبيل الذكر، دعوتها إلى تنقيح القانون الانتخابي في اتجاه ملاءمته مع أحكام الدستور، كما طالبت بمراجعة بعض الإجراءات والشروط المتعلقة بتقسيم الدوائر الانتخابية ومراجعة الإجراءات والشروط المتعلقة بالترشح، وطالبت "عتيد" بالخصوص بتشريك المجتمع المدني خاصة المنظمات والجمعيات المهتمة بالشأن الانتخابي من أجل تطوير المنظومة القانونية والإجرائية بما يتماشى مع المبادئ الفضلى للانتخابات، وليس هذا فقط بل اقترحت أن يقع الإعلان مستقبلا عن موعد الانتخابات في حيز زمني يسمح لكافة الأطراف المتدخلة في العملية الانتخابية بالتحضير الجيد للانتخابات، ولاحظت أن أمر دعوة الناخبين صدر فعلا في الآجال المنصوص عليها بالقانون الانتخابي وتحديدا طبق الفصل 101 منه إلا أن تأخر الإعلان عن موعد الانتخابات تسبب في ضبابية المشهد الانتخابي.
كما توقعت "عتيد" منذ جويلية الماضي تبعات عدم تنقيح القانون الانتخابي ونبهت من الإشكاليات القانونية التي يمكن أن تنجر عن عدم تنقيح هذا القانون وتنزيل شروط الترشح للانتخابات الرئاسية وإجراءاته من طرف الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عبر تنقيح القرار الترتيبي عدد 18المؤرخ في4 أوت 2014 المتعلق بقواعد وإجراءات الترشح للانتخابات الرئاسية، واعتبرت عدم مراجعة بعض الإجراءات والشروط المتعلقة بتقسيم الدوائر الانتخابية والترشح وإضافة إجراءات جديدة من قبل الهيئة مثل البطاقة عدد 3 وطلب استخراج نموذج التزكية من شأنه أن يجعل عملية الترشح أمرا معقدا، وتوقعت أيضا تبعات نشر قائمة المزكين ونبهت من أن ذلك يمس من المعطيات الشخصية للمزكين ويمكن أن يجعلهم عرضة للضغوطات وهو ما تأكد لاحقا حيث تعرض بعض النواب المزكين إلى التهديد والثلب..
وإضافة إلى تحفظ عدد من الجمعيات المختصة في ملاحظة الانتخابات على القرار الترتيبي المتعلق بشروط الترشح وإجراءاته فقد أعربت بعضها لاحقا عن قلقها من طريقة تعاطي مجلس الهيئة مع الأحكام الصادرة عن المحكمة الإدارية ومنها مرصد شاهد الذي لاحظ فترة تقديم الترشحات ثم النزاعات المتعلقة بها، ونبه المرصد إلى أن التتبعات الجزائية لبعض المترشحين بشبهة تدليس التزكيات مازالت في مراحلها الأولى ولم تصدر بشأنها أحكام نهائية وباتة معتبرة أنه لا يمكن الاستناد إليها في حرمان مترشحين أنصفهم القضاء الإداري في طوره النهائي من حق الترشح لأنه لا يمكن تدارك وضعية أي مترشح في صورة تبرئته لاحقا والقضاء لفائدته بعدم سماع الدعوى. ولاحظ المرصد أن أحكام المحكمة الإدارية تعد نافذة بمجرد الانتهاء من الطور الإستئنافي ولا تقبل الطعن بالتعقيب ودعا الهيئة إلى احترامها والإذعان لها.
الحملة ودور الإعلام
ومن المسائل الأخرى التي استأثرت باهتمام المجتمع المدني، الأجواء التي دارت فيها الحملة الانتخابية للمترشحين المقبولين نهائيا من طرف الهيئة العليا المستقلة للانتخابات فحسب وصف جمعية "شباب بلا حدود" و"المركز التونسي المتوسطي" و"ائتلاف أوفياء للديمقراطية ونزاهة الانتخابات"، كانت الحملات الانتخابية للانتخابات الرئاسية باھته، وخلافا للانتخابات الرئاسية السابقة لم تسجل هذه الجمعيات أنشطة مكثفة خلال الحملة وكانت أغلب الأنشطة في شكل اتصال مباشر مع المواطنين ومرد هذا الفتور حسب تقديرها، غياب التمويل العمومي وتحديد سقف الإنفاق بمائة وخمسين ألف دينار فقط، وحتى التغطية الإعلامية للحملة فقد تقلصت حسب رأيها بشكل لافت مقارنة بما كان عليه الحال في الانتخابات الرئاسية لسنتي 2014 و2019..
وكان القرار الترتيبي للهيئة العليا المستقلة للانتخابات عدد 545 لسنة 2024 المؤرخ في 17 جويلية 2024 المتعلق بتنقيح وإتمام القرار عدد 8 لسنة 2018 المؤرخ في 20 فيفري 2018 المتعلق بضبط القواعد والشروط التي يتعين على وسائل الإعلام التقيد بها خلال الحملة قد أثار مخاوف ممثلي وسائل الإعلام خاصة الفصل 18 رابعا جديد الذي نص على أن تتولى الهيئة إشعار النيابة العمومية بكل شبهة ارتكاب جرائم لها علاقة بالانتخابات من قبل وسائل الإعلام بمختلف أصنافها طيلة الفترة الانتخابية كما يمكنها عند الاقتضاء الالتجاء إلى القضاء الاستعجالي لطلب الإذن بإيقاف بث أي مضمون أو محتوى إعلامي مهما كان نوعه يتضمن خرقا لأحكام القانون وقرارات الهيئة وذلك بعد التنبيه على الوسيلة الإعلامية المعنية بأي وسيلة تترك أثرا كتابيا.
وفي هذا السياق كانت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين قد نبهت هيئة الانتخابات من تبعات التضييق على الإعلام، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك ووجهت لها من خلال البيان الصادر بتاريخ2 سبتمبر الماضي يوم إعلان الهيئة العليا المستقلة للانتخابات على القائمة النهائية للمترشحين للانتخابات الرئاسية انتقادات لاذعة وأشارت إلى أن هناك محاولات لوضع اليد على الإعلام العمومي وتوجيه التغطية الإعلامية للانتخابات الرئاسية، لأنه تم استعمال التلفزة الوطنية كمحمل للإعلان عن هذه القائمة في نقطة إعلامية، وتم استثناء جميع وسائل الإعلام الأخرى من تغطية هذا الحدث المهم، واعتبرت النقابة أن هذا البعد الإقصائي الذي انتهجته الهيئة هو محاولة منها للهروب من المساءلة الإعلامية لقراراتها ومن الإجابة على استفسارات الرأي العام، ووصفت تلك الخطوة بأنها مواصلة لمنهج الهيئة العليا لمحاولة الإنفراد بتنظيم عمل وسائل الإعلام والحد من جهودها في إنارة الرأي العام والتضييق على الأصوات الناقدة للمسار الانتخابي وللهيئة ولمدى نجاعتها واحترامها للقانون، وأدانت نقابة الصحفيين استبعاد بقية وسائل الإعلام من تغطية النقطة الإعلامية للإعلان عن القائمة النهائية للمترشحين للانتخابات الرئاسية، واستغلال المرفق العام لخدمة ما وصفته بالأجندة الاقصائية ونبهت من أن هذه الممارسات من شأنها أن تزيد من تعفين المشهد الانتخابي، وعبرت عن تمسكها بأهمية دور وسائل الإعلام في التغطية الإعلامية للمسار الانتخابي ولعب دورها الأساسي والمجتمعي في إخبار الرأي العام بمجريات العملية الانتخابية.
وسرعان ما تأكدت مخاوف النقابة، إذ خلافا للمحطات الانتخابية السابقة التي كانت تلعب فيها الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري دورا كبيرا في مراقبة وسائل الإعلام خلال الفترة الانتخابية، لم تنخرط عدة مؤسسات إعلامية في تغطية الانتخابات حتى أن هناك بعض القنوات التلفزية خصصت أوقات الذروة لبث برامج التسوق عبر الشاشة كما لو أن البلاد لا تعيش على وقع انتخابات رئاسية تهم أكثر من تسعة ملايين ناخب.
سعيدة بوهلال
تونس- الصباح
بتصريح الهيئة العليا المستقلة للانتخابات مساء الجمعة الماضي بالنتائج النهائية للانتخابات الرئاسية 2024 تكون قد أنهت مسارا انتخابيا شاقا إذ أنه جاء بعد فترة قصيرة من تنظيمها انتخابات المجالس المحلية في دورتين، فتركيز المجالس الجهوية ومجالس الأقاليم فالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، وقبل ذلك كانت الهيئة نظمت انتخابات تشريعية على دورتين، وسبقها تنظيم استفتاء شعبي حول مشروع الدستور.
ولم يبق أمام الهيئة اليوم سوى تنظيم انتخابات جزئية لسد الشغور في بعض المجالس المحلية حتى تكون تركيبتها ممثلة للناخبين بجميع الدوائر الانتخابية، وتنظيم انتخابات جزئية لسد الشغور في عدد من المقاعد بمجلس نواب الشعب، وخاصة تنظيم الانتخابات البلدية وفق أحكام المرسوم عدد 8 لسنة 2022 المتعلق بتنقيح القانون الانتخابي وإتمامه. ونص هذا المرسوم على أن يجري التصويت في الانتخابات البلدية في دورة واحدة ويختار الناخب عددا من المترشحين لا يتجاوز عدد المقاعد المحددة للمجلس البلدي وإذ تقدم إليها عدد من المترشحين لا يتجاوز عدد المقاعد المخصصة للدائرة الانتخابية يصرح بفوزهم جميعا مهما كانت الأصوات التي تحصلوا عليها.. وتسند مهام رئاسة المجلس البلدي والمساعد الأول لصاحب المرتبة الأولى في عدد الأصوات ولمن يليه في الترتيب.
وقبل حل المجالس البلدية في 8 مارس 2023، كان الناطق الرسمي باسم الهيئة العليا المستقلة للانتخابات محمد التليلي منصري قد أكد جاهزية الهيئة ماديا وبشريا ولوجستيا لتنظيم الانتخابات البلدية، لكن المساندين لمسار 25 جويلية طالبوا آنذاك بإرجاء تنظيم هذه الانتخابات مقابل منح الأولوية لتنظيم انتخابات المجالس المحلية حتى يتمكن مجلس نواب الشعب من النظر في مشاريع قوانين المالية وميزانية الدولة ومخططات التنمية بمعية المجلس الوطني للجهات والأقاليم. وهناك منهم من طالبوا بملاحقة رؤساء البلديات المحسوبين على منظومة ما قبل 25 جويلية الذين تعلقت بهم شبهات فساد ومنعهم من الترشح، لكن بصدور المرسوم عدد 8 اتضحت الرؤية بخصوص موانع الترشح للانتخابات البلدية، حيث لم يقع منع رؤساء البلديات المنحلة من الترشح، ونص هذا المرسوم على أنه لا يمكن أن يترشح للانتخابات البلدية الأشخاص المباشرون الآتي ذكرهم:أعضاء الحكومة ورؤساء الدواوين، القضاة، الولاة، المعتمدون الأول والكتاب العامون للولايات والمعتمدون والعمد، محتسبو المالية البلدية والجهوية، إطارات البلديات والجهات وأعوانها، إطارات الولايات والمعتمديات وأعوانها، الأئمة والوعاظ، رؤساء الهياكل والجمعيات الرياضية، ولا يمكن لهؤلاء الترشح في الدوائر الانتخابية التي مارسوا فيها وظائفهم المذكورة خلال السنة السابقة لتقديم ترشحهم. كما لا يمكن الترشح لكل من صدر في شأنه حكم بات صادر عن محكمة المحاسبات يتعلق بمخالفات مالية أو انتخابية أو تخلدت بذمته مستحقات بعنوان أحكام التمويل العمومي للحملات الانتخابية.
ومن الوثائق التي يتضمنها ملف الترشح للانتخابات البلدية بطاقة عدد 3 خالية من السوابق العدلية في الجرائم القصدية أو وصل الاستلام وتتولى الهيئة في هذه الحالة التثبت من خلو البطاقة من السوابق العدلية ووصلا في خلاص الضريبة على دخل الأشخاص الطبيعيين بعنوان السنة المنقضية وشهادة في إبراء الذمة من الأداءات البلدية أو شهادة تفيد عدم الخضوع لها مع 50 تزكية نصفها من الإناث والنصف الآخر مع الذكور على أن لا يقل عدد المزكين من الشباب 15 مزكيا.
ولكن لئن كانت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات قد استعدت منذ أمد بعيد لتنظيم الانتخابات البلدية فإن تحديد موعد هذه الانتخابات يعد من الاختصاصات الحصرية لرئيس الجمهورية. وفي المقابل يبقى بإمكان الهيئة السعي لسد الشغور في المجالس المنتخبة من خلال بحث السبل الكفيلة لتجاوز العوائق التي حالت إلى حد هذا اليوم دون إمكانية تنظيم انتخابات جزئية لسد الشغور في مجلس نواب الشعب الذي يستعد حاليا لعقد الدورة النيابية الثالثة ولكن مازلت بعض مقاعده المخصصة لسبع دوائر انتخابية بالخارج شاغرة.. كما يمكن للهيئة اقتراح حل تشريعي يسمح لها بتنظيم انتخابات محلية جزئية في الدوائر التي تعذر فيها تنظيم تلك الانتخابات لغياب مترشحين.
تقييم المسار الانتخابي
وقبل المضي في الاستعدادات للمحطات الانتخابية القادمة، وعلى غرار المحطات الانتخابية السابقة، ينتظر أن تقوم الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بتقييم المسار الانتخابي للانتخابات الرئاسية بمختلف مراحله لتنتهي إلى إعداد تقرير شامل حول هذه الانتخابات تضمنه توصياتها ويقع نشر هذا التقرير بالرائد الرسمي، ويهدف التقييم الذي يتم بالاستئناس بملاحظات المجتمع المدني إلى الوقوف على نقاط القوة ونقاط الضعف قصد العمل على تحسين الأداء وتدارك النقائص والاخلالات والتجاوزات خلال المواعيد الانتخابية القادمة..
ومن أهم المسائل التي أثارها المجتمع المدني خلال ملاحظة الانتخابات الرئاسية ضعف تكوين أعوان مكاتب الاقتراع من ناحية وما تعلق بنسبة المشاركة في هذه المحطة الانتخابية، وخاصة ضعف هذه النسبة لدى الفئة الشبابية وكذلك لدى التونسيين بالخارج رغم الجهود التي بذلتها الهيئة بمعية وزارة الخارجية لتقريب مراكز الاقتراع من الناخبين التونسيين الموجودين طيلة أيام الاقتراع الثلاثة خارج حدود الوطن واعتمادها آلية الاقتراع الحر.
وإضافة إلى نسبة المشاركة، فقد وضع المجتمع المدني تحت المجهر مختلف القرارات الترتيبية التي اتخذها مجلس الهيئة طيلة المسار الانتخابي خاصة القرار المتعلق بشروط الترشح وإجراءاته، وجوبه هذا القرار بانتقادات لاذعة، وقبل صدوره كانت أغلب الجمعيات دعت رئيس الجمهورية أو مجلس نواب الشعب إلى تنقيح القانون الانتخابي بهدف ملاءمته مع أحكام الدستور وحتى لا يقع تحميل الهيئة مسؤولية تنزيل أحكام الدستور وحتى لا يقع ترك المجال لسلطتها التقديرية..
وعند انطلاق المسار الانتخابي، جددت جمعية "عتيد" على سبيل الذكر، دعوتها إلى تنقيح القانون الانتخابي في اتجاه ملاءمته مع أحكام الدستور، كما طالبت بمراجعة بعض الإجراءات والشروط المتعلقة بتقسيم الدوائر الانتخابية ومراجعة الإجراءات والشروط المتعلقة بالترشح، وطالبت "عتيد" بالخصوص بتشريك المجتمع المدني خاصة المنظمات والجمعيات المهتمة بالشأن الانتخابي من أجل تطوير المنظومة القانونية والإجرائية بما يتماشى مع المبادئ الفضلى للانتخابات، وليس هذا فقط بل اقترحت أن يقع الإعلان مستقبلا عن موعد الانتخابات في حيز زمني يسمح لكافة الأطراف المتدخلة في العملية الانتخابية بالتحضير الجيد للانتخابات، ولاحظت أن أمر دعوة الناخبين صدر فعلا في الآجال المنصوص عليها بالقانون الانتخابي وتحديدا طبق الفصل 101 منه إلا أن تأخر الإعلان عن موعد الانتخابات تسبب في ضبابية المشهد الانتخابي.
كما توقعت "عتيد" منذ جويلية الماضي تبعات عدم تنقيح القانون الانتخابي ونبهت من الإشكاليات القانونية التي يمكن أن تنجر عن عدم تنقيح هذا القانون وتنزيل شروط الترشح للانتخابات الرئاسية وإجراءاته من طرف الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عبر تنقيح القرار الترتيبي عدد 18المؤرخ في4 أوت 2014 المتعلق بقواعد وإجراءات الترشح للانتخابات الرئاسية، واعتبرت عدم مراجعة بعض الإجراءات والشروط المتعلقة بتقسيم الدوائر الانتخابية والترشح وإضافة إجراءات جديدة من قبل الهيئة مثل البطاقة عدد 3 وطلب استخراج نموذج التزكية من شأنه أن يجعل عملية الترشح أمرا معقدا، وتوقعت أيضا تبعات نشر قائمة المزكين ونبهت من أن ذلك يمس من المعطيات الشخصية للمزكين ويمكن أن يجعلهم عرضة للضغوطات وهو ما تأكد لاحقا حيث تعرض بعض النواب المزكين إلى التهديد والثلب..
وإضافة إلى تحفظ عدد من الجمعيات المختصة في ملاحظة الانتخابات على القرار الترتيبي المتعلق بشروط الترشح وإجراءاته فقد أعربت بعضها لاحقا عن قلقها من طريقة تعاطي مجلس الهيئة مع الأحكام الصادرة عن المحكمة الإدارية ومنها مرصد شاهد الذي لاحظ فترة تقديم الترشحات ثم النزاعات المتعلقة بها، ونبه المرصد إلى أن التتبعات الجزائية لبعض المترشحين بشبهة تدليس التزكيات مازالت في مراحلها الأولى ولم تصدر بشأنها أحكام نهائية وباتة معتبرة أنه لا يمكن الاستناد إليها في حرمان مترشحين أنصفهم القضاء الإداري في طوره النهائي من حق الترشح لأنه لا يمكن تدارك وضعية أي مترشح في صورة تبرئته لاحقا والقضاء لفائدته بعدم سماع الدعوى. ولاحظ المرصد أن أحكام المحكمة الإدارية تعد نافذة بمجرد الانتهاء من الطور الإستئنافي ولا تقبل الطعن بالتعقيب ودعا الهيئة إلى احترامها والإذعان لها.
الحملة ودور الإعلام
ومن المسائل الأخرى التي استأثرت باهتمام المجتمع المدني، الأجواء التي دارت فيها الحملة الانتخابية للمترشحين المقبولين نهائيا من طرف الهيئة العليا المستقلة للانتخابات فحسب وصف جمعية "شباب بلا حدود" و"المركز التونسي المتوسطي" و"ائتلاف أوفياء للديمقراطية ونزاهة الانتخابات"، كانت الحملات الانتخابية للانتخابات الرئاسية باھته، وخلافا للانتخابات الرئاسية السابقة لم تسجل هذه الجمعيات أنشطة مكثفة خلال الحملة وكانت أغلب الأنشطة في شكل اتصال مباشر مع المواطنين ومرد هذا الفتور حسب تقديرها، غياب التمويل العمومي وتحديد سقف الإنفاق بمائة وخمسين ألف دينار فقط، وحتى التغطية الإعلامية للحملة فقد تقلصت حسب رأيها بشكل لافت مقارنة بما كان عليه الحال في الانتخابات الرئاسية لسنتي 2014 و2019..
وكان القرار الترتيبي للهيئة العليا المستقلة للانتخابات عدد 545 لسنة 2024 المؤرخ في 17 جويلية 2024 المتعلق بتنقيح وإتمام القرار عدد 8 لسنة 2018 المؤرخ في 20 فيفري 2018 المتعلق بضبط القواعد والشروط التي يتعين على وسائل الإعلام التقيد بها خلال الحملة قد أثار مخاوف ممثلي وسائل الإعلام خاصة الفصل 18 رابعا جديد الذي نص على أن تتولى الهيئة إشعار النيابة العمومية بكل شبهة ارتكاب جرائم لها علاقة بالانتخابات من قبل وسائل الإعلام بمختلف أصنافها طيلة الفترة الانتخابية كما يمكنها عند الاقتضاء الالتجاء إلى القضاء الاستعجالي لطلب الإذن بإيقاف بث أي مضمون أو محتوى إعلامي مهما كان نوعه يتضمن خرقا لأحكام القانون وقرارات الهيئة وذلك بعد التنبيه على الوسيلة الإعلامية المعنية بأي وسيلة تترك أثرا كتابيا.
وفي هذا السياق كانت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين قد نبهت هيئة الانتخابات من تبعات التضييق على الإعلام، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك ووجهت لها من خلال البيان الصادر بتاريخ2 سبتمبر الماضي يوم إعلان الهيئة العليا المستقلة للانتخابات على القائمة النهائية للمترشحين للانتخابات الرئاسية انتقادات لاذعة وأشارت إلى أن هناك محاولات لوضع اليد على الإعلام العمومي وتوجيه التغطية الإعلامية للانتخابات الرئاسية، لأنه تم استعمال التلفزة الوطنية كمحمل للإعلان عن هذه القائمة في نقطة إعلامية، وتم استثناء جميع وسائل الإعلام الأخرى من تغطية هذا الحدث المهم، واعتبرت النقابة أن هذا البعد الإقصائي الذي انتهجته الهيئة هو محاولة منها للهروب من المساءلة الإعلامية لقراراتها ومن الإجابة على استفسارات الرأي العام، ووصفت تلك الخطوة بأنها مواصلة لمنهج الهيئة العليا لمحاولة الإنفراد بتنظيم عمل وسائل الإعلام والحد من جهودها في إنارة الرأي العام والتضييق على الأصوات الناقدة للمسار الانتخابي وللهيئة ولمدى نجاعتها واحترامها للقانون، وأدانت نقابة الصحفيين استبعاد بقية وسائل الإعلام من تغطية النقطة الإعلامية للإعلان عن القائمة النهائية للمترشحين للانتخابات الرئاسية، واستغلال المرفق العام لخدمة ما وصفته بالأجندة الاقصائية ونبهت من أن هذه الممارسات من شأنها أن تزيد من تعفين المشهد الانتخابي، وعبرت عن تمسكها بأهمية دور وسائل الإعلام في التغطية الإعلامية للمسار الانتخابي ولعب دورها الأساسي والمجتمعي في إخبار الرأي العام بمجريات العملية الانتخابية.
وسرعان ما تأكدت مخاوف النقابة، إذ خلافا للمحطات الانتخابية السابقة التي كانت تلعب فيها الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري دورا كبيرا في مراقبة وسائل الإعلام خلال الفترة الانتخابية، لم تنخرط عدة مؤسسات إعلامية في تغطية الانتخابات حتى أن هناك بعض القنوات التلفزية خصصت أوقات الذروة لبث برامج التسوق عبر الشاشة كما لو أن البلاد لا تعيش على وقع انتخابات رئاسية تهم أكثر من تسعة ملايين ناخب.