لا يكاد يمر أسبوع دون تسجيل حادثة تهزّ الشارع التونسي، وآخرها ما تعرّض له تلميذ بمعهد ثانوي بالمهدية من اعتداء بالعنف الشديد، من قبل مجموعة من التلاميذ القصر، مما تسبب في إحالته على العناية المركزة، وبعد التحري مع المعتدين ثبت أن سبب الحادثة خلاف جد بينهم على أحد مواقع التواصل الاجتماعي. ويبدو أن شبكات التواصل الاجتماعي تحولت إلى مسرح افتراضي للابتزاز الجنسي والتشريع للعنف واستهداف الأطفال بدرجة أولى.
وكشفت دراسة أعدتها وزارة الصحة التونسية، سنة 2021، أن ثلاثة أرباع التلاميذ الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 سنة سقطوا في فخ الإدمان الرقمي ويقضون أكثر من أربع ساعات من اليوم الدراسي، على وسائل التواصل الاجتماعي أو متنقلين بين وسائط الفضاء الرقمي، كما بينت الدراسة أن أكثر من نصف هذه الفئة يمضون معدل ست ساعات، خلال أيام العطل، في تصفح هذه الوسائط والانغماس فيها.
وجاء في الاستبيان الذي أعدته المنظمة الدولية لحماية أطفال المتوسط في 2023 حول التواصل الأسري، أن 80 المائة من الأطفال من الفئة العمرية 11-18 سنة، لا يعرف أولياء أمورهم حياتهم الاجتماعية خارج المنزل.
وكانت الأستاذة الجامعية المختصة في مقاومة الجريمة الاقتصادية ورئيسة المنظمة الدولية لحماية أطفال المتوسط أكدت أن الاستبيان أظهر أن 40 بالمائة من الأطفال من الفئة العمرية من 7 الى 9 سنوات يغيبون الجانب الاجتماعي في تواصلهم الأسري، وأن التواصل يطغى عليه الحديث عن الدراسة ومسارات النجاح في التعليم.
ولفتت الأستاذة الجامعية في تصريح سابق لـ(وات) الى أن الاستبيان شمل عينة من 6 آلاف طفل من 7 الى 18 سنة و4 آلاف من الأولياء من مختلف جهات البلاد والمناطق الريفية والنائية والمؤسسات التربوية والفضاءات العامة مبرزة أن العينة تكونت من 55 بالمائة من الإناث و45 بالمائة من الذكور.
كما جاء في الاستبيان أن 10 بالمائة فقط من الأولياء يحاورون أبناءهم بشكل يومي و30 بالمائة من الأولياء لا يسعهم فهم مراد أبنائهم في عدة أمور تخص الأبناء.
أكثر من نصف مليون طفل مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي..
وتجدر الإشارة الى أن استخدام الأطفال بين سن 13 و17 سنة، لوسائل التواصل الاجتماعي شهد زيادة بـ88 بالمائة خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2019 و2022 ليبلغ حاليا أكثر من 500 ألف مستخدم وهو ما
أكدته الجمعية التونسية لوقاية الطفولة والشباب من مخاطر المعلوماتية.
وكانت الوكالة الوطنية للسلامة السيبرنية، نشرت من قبل دليلا توعويا بعنوان "حماية الأطفال على الخط ..التوصيات والممارسات المثلى" يتضمن جملة من النصائح والمعلومات الضرورية لحماية الأطفال من مخاطر الإبحار على شبكة الانترنات وآليات المراقبة، ويمكن رصد أنشطة الطفل الرقمية عبر استخدام برامج تطبيقات التتبع وإنشاء الحسابات المشتركة وتحديد أوقات استعمال الأجهزة الالكترونية والتحقق من حجب أي محتوى أو موقع غير مناسب لأعمارهم.
ويتضمن الدليل، معطيات للتعريف بمواقع البحث الموجهة للأطفال والمضامين المناسبة لهم الكفيلة بحماية بياناتهم الشخصية وتوعيتهم بمخاطر التواصل مع الغرباء فضلا عن تقديم الطريقة المثلى للتعامل مع الرسائل المجهولة وحجب الأشخاص المشبوهين.
تأثيرات مدمرة
وفي هذا السياق قال سليم قاسم رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم لـ"الصباح" إن الوقائع التي تتواتر بشكل شبه يومي، في علاقة بالتأثيرات المدمرة لشبكات التواصل الاجتماعي على ناشئتنا، تؤكد أمرا بالغ الخطورة، فنحن على مسافة قصيرة جدا من خسارة واحدة من أكثر المعارك إستراتيجية في عصرنا الحاضر وهي "معركة الفضاء السيبرني"، بل إن ما نعيشه من مظاهر سلبية في علاقة بهذا الملف لا يعدو أن يكون قمة الجبل الجليدي التي بدأت في البروز للعيان.
نفق مظلم..
وشدد قاسم قائلا "نحن للأسف الشّديد بصدد التّقدّم داخل نفق مظلم لا يعرف أحد نهايته ولا يمكن لأحد أن يتوقّع ما ينتظرنا فيه من أهوال.. والمسؤوليّة في ذلك تعود أوّلا وأخيرا لصنّاع قرار لم يصنعوا غير الخيبات المتتالية، ولم يكونوا في مستوى الأمانة التي وضعت في رقابهم، إمّا لعجز وقلّة كفاءة وإمّا لأنانيّة وتقديم المصالح الشّخصيّة والفئويّة على المصالح الوطنيّة وهنا لا بدّ أن نسأل، أين هو مشروع تونس الرّقميّة الذي أنفقت فيه آلاف من المليارات كانت كفيلة بتغيير وجه البلاد؟ وما هي النّتائج التي حقّقها هذا المشروع ولفائدة من تحديدا كانت هذه النّتائج؟ وما هو حظّ حماية شبابنا من أهوال الفضاء السّيبرني من الأموال المنفقة؟ وهل تمّ تخصيص جزء ولو يسير من الميزانيّات الضّخمة المرصودة لتطوير محتويات رقميّة وطنيّة وخدمات موجّهة للشّباب من شأنها أن تشكّل بديلا مقنعا عن السّموم الوافدة من كلّ حدب وصوب، والتي أغرقت شبابنا في محيطات من المحتويات الإباحيّة وخطابات الكراهيّة ومخطّطات التّلاعب بالعقول والضّمائر؟ وعلى صعيد آخر، فإنّنا لا نملك إلاّ أن نتساءل عن الاعتمادات الطّائلة التي تمّ إنفاقها تحت مسمّيات رنّانة من قبيل تطوير المهارات الحياتيّة والفكر النّقديّ والتّربية على وسائل الإعلام وإنشاء نوادي المواطنة داخل المؤسّسات التّربويّة؟ أيّ أثر حقيقيّ وفعليّ لكلّ هذه البرامج، بل هل تمّ، ولو صوريّا، تقييمها لمعرفة هذا الأثر؟"
واعتبر قاسم أنّ غياب مشروع وطنيّ لدخول الفضاء السّيبرني على نحو واع وفعّال قد ألقى الحبل على الغارب، فأنفقنا ميزانيّات مهولة حتّى نمكّن كلّ تونسيّة وتونسيّ من النّفاذ إلى الأنترنات دون أن يكون لنا حضور يذكر على هذه الشّبكة، وجعلنا المواقع الإباحيّة في متناول شبابنا وحتّى أطفالنا يسهرون معها حتى ساعات الفجر الأولى بلا حسيب ولا رقيب، مع ما يعنيه ذلك من نشأة جيل مضطرب مختلّ بلا هدف ولا غاية ولا إرادة ولا طموح، وسمحنا بولوج الجميع إلى أشدّ المحتويات سمّيّة على العقول والأرواح دون توفير الحدّ الأدنى من عناصر الحماية والوقاية.
وفي نفس السياق قال محدثنا "إننا للأسف الشّديد قد استثمرنا طيلة العشريّة السّوداء في تخريب المستقبل وسط هستيريا الوعد ببنائه، وقد آن الأوان لوقفة حقيقيّة لتغيير الاتّجاه وإرجاع القاطرة إلى السّكة قبل فوات الأوان.
وشدد محدثنا على أن الأمر يتجاوز وزارة التّربية بأشواط، إذ لا بدّ من مشروع وطنيّ حقيقيّ يجمع مختلف الهياكل المعنيّة تحت إشراف جهة وطنيّة سياديّة، لوقاية الأجيال القادمة من خطر الانزلاق نهائيّا في هوّة الإنبتات والانحراف وفقدان البوصلة. فتونس التي كانت رائدة في التّأسيس لمجتمع المعرفة منذ ما يزيد عن العقدين لا بدّ أن تستعيد مكانتها في هذا المجال وأن تستأنف مسيرتها الحضاريّة الرّائدة التي سارت على دربها الأجيال."
جهاد الكلبوسي
تونس - الصباح
لا يكاد يمر أسبوع دون تسجيل حادثة تهزّ الشارع التونسي، وآخرها ما تعرّض له تلميذ بمعهد ثانوي بالمهدية من اعتداء بالعنف الشديد، من قبل مجموعة من التلاميذ القصر، مما تسبب في إحالته على العناية المركزة، وبعد التحري مع المعتدين ثبت أن سبب الحادثة خلاف جد بينهم على أحد مواقع التواصل الاجتماعي. ويبدو أن شبكات التواصل الاجتماعي تحولت إلى مسرح افتراضي للابتزاز الجنسي والتشريع للعنف واستهداف الأطفال بدرجة أولى.
وكشفت دراسة أعدتها وزارة الصحة التونسية، سنة 2021، أن ثلاثة أرباع التلاميذ الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 سنة سقطوا في فخ الإدمان الرقمي ويقضون أكثر من أربع ساعات من اليوم الدراسي، على وسائل التواصل الاجتماعي أو متنقلين بين وسائط الفضاء الرقمي، كما بينت الدراسة أن أكثر من نصف هذه الفئة يمضون معدل ست ساعات، خلال أيام العطل، في تصفح هذه الوسائط والانغماس فيها.
وجاء في الاستبيان الذي أعدته المنظمة الدولية لحماية أطفال المتوسط في 2023 حول التواصل الأسري، أن 80 المائة من الأطفال من الفئة العمرية 11-18 سنة، لا يعرف أولياء أمورهم حياتهم الاجتماعية خارج المنزل.
وكانت الأستاذة الجامعية المختصة في مقاومة الجريمة الاقتصادية ورئيسة المنظمة الدولية لحماية أطفال المتوسط أكدت أن الاستبيان أظهر أن 40 بالمائة من الأطفال من الفئة العمرية من 7 الى 9 سنوات يغيبون الجانب الاجتماعي في تواصلهم الأسري، وأن التواصل يطغى عليه الحديث عن الدراسة ومسارات النجاح في التعليم.
ولفتت الأستاذة الجامعية في تصريح سابق لـ(وات) الى أن الاستبيان شمل عينة من 6 آلاف طفل من 7 الى 18 سنة و4 آلاف من الأولياء من مختلف جهات البلاد والمناطق الريفية والنائية والمؤسسات التربوية والفضاءات العامة مبرزة أن العينة تكونت من 55 بالمائة من الإناث و45 بالمائة من الذكور.
كما جاء في الاستبيان أن 10 بالمائة فقط من الأولياء يحاورون أبناءهم بشكل يومي و30 بالمائة من الأولياء لا يسعهم فهم مراد أبنائهم في عدة أمور تخص الأبناء.
أكثر من نصف مليون طفل مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي..
وتجدر الإشارة الى أن استخدام الأطفال بين سن 13 و17 سنة، لوسائل التواصل الاجتماعي شهد زيادة بـ88 بالمائة خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2019 و2022 ليبلغ حاليا أكثر من 500 ألف مستخدم وهو ما
أكدته الجمعية التونسية لوقاية الطفولة والشباب من مخاطر المعلوماتية.
وكانت الوكالة الوطنية للسلامة السيبرنية، نشرت من قبل دليلا توعويا بعنوان "حماية الأطفال على الخط ..التوصيات والممارسات المثلى" يتضمن جملة من النصائح والمعلومات الضرورية لحماية الأطفال من مخاطر الإبحار على شبكة الانترنات وآليات المراقبة، ويمكن رصد أنشطة الطفل الرقمية عبر استخدام برامج تطبيقات التتبع وإنشاء الحسابات المشتركة وتحديد أوقات استعمال الأجهزة الالكترونية والتحقق من حجب أي محتوى أو موقع غير مناسب لأعمارهم.
ويتضمن الدليل، معطيات للتعريف بمواقع البحث الموجهة للأطفال والمضامين المناسبة لهم الكفيلة بحماية بياناتهم الشخصية وتوعيتهم بمخاطر التواصل مع الغرباء فضلا عن تقديم الطريقة المثلى للتعامل مع الرسائل المجهولة وحجب الأشخاص المشبوهين.
تأثيرات مدمرة
وفي هذا السياق قال سليم قاسم رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم لـ"الصباح" إن الوقائع التي تتواتر بشكل شبه يومي، في علاقة بالتأثيرات المدمرة لشبكات التواصل الاجتماعي على ناشئتنا، تؤكد أمرا بالغ الخطورة، فنحن على مسافة قصيرة جدا من خسارة واحدة من أكثر المعارك إستراتيجية في عصرنا الحاضر وهي "معركة الفضاء السيبرني"، بل إن ما نعيشه من مظاهر سلبية في علاقة بهذا الملف لا يعدو أن يكون قمة الجبل الجليدي التي بدأت في البروز للعيان.
نفق مظلم..
وشدد قاسم قائلا "نحن للأسف الشّديد بصدد التّقدّم داخل نفق مظلم لا يعرف أحد نهايته ولا يمكن لأحد أن يتوقّع ما ينتظرنا فيه من أهوال.. والمسؤوليّة في ذلك تعود أوّلا وأخيرا لصنّاع قرار لم يصنعوا غير الخيبات المتتالية، ولم يكونوا في مستوى الأمانة التي وضعت في رقابهم، إمّا لعجز وقلّة كفاءة وإمّا لأنانيّة وتقديم المصالح الشّخصيّة والفئويّة على المصالح الوطنيّة وهنا لا بدّ أن نسأل، أين هو مشروع تونس الرّقميّة الذي أنفقت فيه آلاف من المليارات كانت كفيلة بتغيير وجه البلاد؟ وما هي النّتائج التي حقّقها هذا المشروع ولفائدة من تحديدا كانت هذه النّتائج؟ وما هو حظّ حماية شبابنا من أهوال الفضاء السّيبرني من الأموال المنفقة؟ وهل تمّ تخصيص جزء ولو يسير من الميزانيّات الضّخمة المرصودة لتطوير محتويات رقميّة وطنيّة وخدمات موجّهة للشّباب من شأنها أن تشكّل بديلا مقنعا عن السّموم الوافدة من كلّ حدب وصوب، والتي أغرقت شبابنا في محيطات من المحتويات الإباحيّة وخطابات الكراهيّة ومخطّطات التّلاعب بالعقول والضّمائر؟ وعلى صعيد آخر، فإنّنا لا نملك إلاّ أن نتساءل عن الاعتمادات الطّائلة التي تمّ إنفاقها تحت مسمّيات رنّانة من قبيل تطوير المهارات الحياتيّة والفكر النّقديّ والتّربية على وسائل الإعلام وإنشاء نوادي المواطنة داخل المؤسّسات التّربويّة؟ أيّ أثر حقيقيّ وفعليّ لكلّ هذه البرامج، بل هل تمّ، ولو صوريّا، تقييمها لمعرفة هذا الأثر؟"
واعتبر قاسم أنّ غياب مشروع وطنيّ لدخول الفضاء السّيبرني على نحو واع وفعّال قد ألقى الحبل على الغارب، فأنفقنا ميزانيّات مهولة حتّى نمكّن كلّ تونسيّة وتونسيّ من النّفاذ إلى الأنترنات دون أن يكون لنا حضور يذكر على هذه الشّبكة، وجعلنا المواقع الإباحيّة في متناول شبابنا وحتّى أطفالنا يسهرون معها حتى ساعات الفجر الأولى بلا حسيب ولا رقيب، مع ما يعنيه ذلك من نشأة جيل مضطرب مختلّ بلا هدف ولا غاية ولا إرادة ولا طموح، وسمحنا بولوج الجميع إلى أشدّ المحتويات سمّيّة على العقول والأرواح دون توفير الحدّ الأدنى من عناصر الحماية والوقاية.
وفي نفس السياق قال محدثنا "إننا للأسف الشّديد قد استثمرنا طيلة العشريّة السّوداء في تخريب المستقبل وسط هستيريا الوعد ببنائه، وقد آن الأوان لوقفة حقيقيّة لتغيير الاتّجاه وإرجاع القاطرة إلى السّكة قبل فوات الأوان.
وشدد محدثنا على أن الأمر يتجاوز وزارة التّربية بأشواط، إذ لا بدّ من مشروع وطنيّ حقيقيّ يجمع مختلف الهياكل المعنيّة تحت إشراف جهة وطنيّة سياديّة، لوقاية الأجيال القادمة من خطر الانزلاق نهائيّا في هوّة الإنبتات والانحراف وفقدان البوصلة. فتونس التي كانت رائدة في التّأسيس لمجتمع المعرفة منذ ما يزيد عن العقدين لا بدّ أن تستعيد مكانتها في هذا المجال وأن تستأنف مسيرتها الحضاريّة الرّائدة التي سارت على دربها الأجيال."