إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الشاعر البشير المشرقي لـ"الصباح": نعم ...نعيش اليوم فوضى شعرية اختلط فيها الحابل بالنابل

 

** ظلت قصائدي منذ السبعينات  تحمل لواء الذات والواقع معا...

** لا يمكن ان نتحدث  اليوم عن شاعر لا خلفية ثقافية له

**ما يوجد في الشعر التونسي لا يعدو ان يكون اتجاهات وتيارات ونماذج غير قارة.

بقي من الشابي اليوم الشعر الحقيقي الخالص والكلمة الجميلة والحرف المناضل.

وسائل التواصل الاجتماعي جنت على الشعر وأفسدته.

تونس أنجبت الى جانب الشابي شعراء أفذاذا كمصطفى خريف والعربي الكبادي ومحمد العريبي واحمد اللغماني وجعفر ماجد ونور الدين صمود ومحمد الغزي وجميلة الماجري والمنصف المزغني وسوف عبيد وغيرهم.

حوار محسن بن احمد

هو " دينامو " الفعل الثقافي الثري والمتنوع طيلة اكثر من ثلاثين سنة بكامل ولاية بنزرت ( شغل خطة مندوب جهوي  للثقافة بها).  انتصر في كل انشطته للشعر التونسي بخصوصياته  من خلال تاسيسه لاكثر من مهرجان ادبي في ربوع ولاية بنزرت فاسحا المجال للشعراء واهل السرد للكتابة  والتعبير بكل حرية ومسؤولية بعيدا عن كل ماله علاقة بالايديولوجيات. شعاره كان لا صوت يعلو فوق صوت الابداع الذي يؤسس للحياة الكريمة ويروم معانقة الشمس.

الشاعر البشير المشرقي ... وبعد هذه المسيرة المشرقة تسييرا وابداعا لازال على العهد مع الكلمة الحرة والصورة الشعرية التي تكتب الحياة في اجل وابهى مظاهرها بعيدا عن الغموض الذي اصبح سمة بارزة في الشعر وفيا لنهجه الإبداعي وهو الانتصار للشعر . التقيناه فكان هذا الحديث:

*بعد هذه المسيرة في عالم الشعر والنقد والدراسات ...ماذا تحتفظ ذاكرتك عن بداية العلاقة مع عالم الكتابة والابداع؟

-علاقتي بعالم الكتابة والإبداع تعود إلى سنوات الدراسة الثانوية حيث بدأت أكتب الشعر وأنا تلميذ بالسنة الرابعة ثانوي أي منذ سنة 1968 تحديدا وقد كنت أكتب نصوصا شعرية باللغة الفرنسية ، كونت منها مجموعة سميتها ذكريات خالدة وكانت استاذتي في الفرنسية أنذاك  تطلع عليها وتشجعني على الكتابة في ذلك المنحى.

ثم بتوجيه من أستاذي في مادة العربية الراحل حمودة الشريف كريم وهو كاتب معروف صاحب قصة الأرض عطشى، التفت الى كتابة الشعر بالعربية وكنت كلما كتبت نصا اعرضه عليه فيمدني بنصائحه ويرسله الى الملحق الثقافي لجريدة العمل أنذاك فتنشره لي في ركن أدب الشباب وكان هذا من العوامل التي شجعتني على الكتابة.

أذكر ان أستاذي حمودة الشريف كان يشرف على الصفحة الثقافية بجريدة القنال الجهوية وكان ينشر لي بها نصوصي.

كانت نصوصي كنصوص جل المبتدئين. كانت رومنسية بالأساس وكنت ارسل من تلك النصوص الى برنامج هواة الأدب الذي كان يشرف عليه الشاعر الكبير الراحل أحمد اللغماني...

بعض تلك القصائد كنت ارسلها الى مجلة الفكر وقد انتقلت الى الدراسة بكلية الاداب والعلوم الانسانية بتونس وكانت المجلة تنشرها لي.

* كشاعر كيف تنظر اليوم الى اول قصيد لك؟

-قصائدي قصائد مرتبطة طبيعيا بنفسي الشعري حتى وقد كان يافعا وحاملا لسمة السن المبكرة الذي كتبت فيها.

كما أسلفت هي قصائد رومنسية المنزع وجدانية وذاتية في معظمها.

لا اريد ان انظر الى نصوصي الأولى ، نصوص الشباب بعين الحاضر ومقاييسه ومعاييره بل انظر اليها على أنها جزء مني ورافدا ابداعيا من روافد الابداع عندي في فترة معينة وطبق تصورات أولى للعملية الابداعية...

*اي هم يشغلك لحظة البوح الشعري وهل تغير هذا الهم اليوم بعد هذه المسيرة الطويلة؟

-كنت ولا أزال أؤمن أن الشعر هو لغة النفوس وصورة من صور الذات المنطوية على خليط من المشاعر والأحاسيس التي يستحضرها الشاعر لحظة الانخراط في المكاشفة الشعرية. هي اللحظة الشعرية التي تصدر عنها تداعيات الشاعر وارهاصاته الوجدانية المتنوعة....هذا المنحى الذاتي قد يكون له امتداد في الواقع الذي يتحول الى عنصر يتقاسم مع الذات مساحة البوح والتعبير..طيلة مسيرتي الشعرية التي تمتد من بداية السبعينات الى اليوم ظلت قصائدي تحمل لواء الذات والواقع معا...

أسطورة الشاعر الملهم او النبي  الذي يوحى له شعرا لا وجود لها.

الشعر ملكة طبعا. وهو الهام ما في ذلك شك ولكنه يعمل بهدي من عقل مدبر يراقب لحظات المكاشفة ويوجهها... انها حالة تسلط على الشاعر ولكن الشاعر يمعن فيها النظر ويضفي عليها ما يعن له من عناصر تتماشى واختياراته وهذا ما عناه الشاعر الفرنسي الشهير بول فاليري paul valeryحين قال بأن الشعر الهام وعمل" inspiration et travail"....

الشعر اليوم يعيش تحديات عديدة في واقع معقد ومليء بالمستجدات والمتغيرات ولا يمكن للشاعر ان يعيش بمعزل عنها.

اسطورة البرج العاجي الشعري قوض اركانها الواقع المعيش بكل متناقضاته.

هذا الواقع استحوذ على جانب مهم من ذاتية الشعر ولكنه لم يقم بإلغائها تماما..

فعندما يكتب شاعر ما قصيدة عن فلسطين وعن المجازر التي تقترف في حقها لا يمكنه ان يكون محايدا بل ان لذاتيته دور كبير في بلورة العملية الابداعية واخراج القصيد على النحو الذي يرتضيه...

*اي إحساس تعيشه لحظة المصافحة الأولى مع نص تكتبه؟

-كل نص جديد هو عندي ميلاد فجر جديد واطلالة جديدة على عالم زاخر بالحركة والتموجات الابداعية غير المعتادة.

انها ريح جديدة حاملة لأشذاء قادمة من بعيد... النص الجديد عندي هو تجدد الذات واكتسابها ما به تتأقلم مع الواقع المتغير دفعا للعملية الابداعية والشعرية الى مناخات مغايرة ونوافذ جديدة تفتح على لون مغاير وطقس شعري جديد ، لذلك انتظر لحظة المكاشفة الجديدة بشيء من التوتر ولكن باستبشار كبير بنص جديد يقطع مع المعتاد والسائد....

*الى اي مدى يمكن القول ان القصيد عبد لك طريق الانصات الى ذاتك وطفولتك واحلامك؟

-القصيدة الجديدة تحمل علامة جديدة وتحقيق عهد جديد مع اغفاءة على عتبات الماضي يستحضر فيها الشاعر بعضا من طقوسه وينصت فيها لأصوات ماضيه ويتنفس فيها أشذاء طفولته واحلامه..

القصيدة هي تجديد للذات ولكنها ايضا استراحة كاستراحة المحارب يتلذذ من خلالها الشاعر عطور الماضي البعيد المنعشة...

*ما هي الشروط التي من الضروري توفرها حتى نقول ان هذا شعر؟

-للحديث عن الشروط الواجب توفرها في القصيدة نقول إن هذا شعر ينبغي ان نبدأ بشرط اساسي وهو ثقافة الشاعر. فلا يمكن ان نتحدث عن شاعر لا ثقافة له. هذه الثقافة لا تتوفر الا بمطالعة ما امكن من دواوين الشعر قديمه وحديثه حتى يكتسب المقبل على كتابة الشعر  ملكة الشعر.

ولا بأس آن يتفتح على التجارب الشعرية الأجنبية حتى تتحقق له روافد ابداعية جديدة.

الشابي نفسه مكنه الاطلاع على الشعر الاجنبي من ان يكسب شعره اضافات جديدة لم تتوفر في الشعر التونسي قبله وذلك من خلال ما كان يطالعه من نماذج شعرية أجنبية كان يترجمها له صديقه محمد الحليوي.

بالإضافة الى هذا ينبغي الاطلاع علي قواعد اللغة فلا يمكن لمن رام كتابة قصيدة عمودية أن يمتنع عن دراسة البحور الشعرية ومختلف قواعدها...

*تحدثت اكثر من مرة في حواراتك ومحاضراتك وكتاباتك النقدية انه لاوجود لمدارس شعرية في تونس وانما هي اتجاهات وتيارات ... هل مازلت عند هذا الراي وكيف تفسره؟

-نعم كنت ولا ازال اقول ان الشعر التونسي الحديث ليست به مدارس.

ما يوجد في الشعر التونسي لا يعدو ان يكون اتجاهات وتيارات ونماذج غير قارة.المدرسة الشعرية هي تلك التي تكون ممتدة في الزمن ومتعددة التجارب والمحاولات والاضافات. نتحدث مثلا عن المدرسة الرومنطيقية le  romantisme التي حمل لواءها في الغرب شعراء كثيرون مثل لامرتين وكانت مؤثرة لا في فرنسا واوروبا فقط بل امتد اثرها الى الادب العربي ونهل منها شعراء المهجر مثلا والشابي والنماذج كثيرة. نتحدث ايضا عن المدرسة الرمزية le symbolismeوكذلك المدرسة السريالية surréaliste.

*لماذا من وجهة نظرك لا يمكن اعتبار شعر المناجم او شعر الطليعة أو حركة نص مثلا مدارس قائمة بذاتها ومؤثرة في غيرها ولها ثوابت ومرجعيات قارة ؟

-هي ظواهر واتجاهات وتجارب غير ممتدة في الزمن وفي الأرضية الابداعية العريضة....

*كيف تقرا ظاهرة انسحاب القارئ اليوم من ساحة الشعر الحديث؟

-القارئ التونسي اليوم أصبح في عداد المنسحبين من الساحة الشعرية التونسية ولم يعد مهتما بما يدور فيها.. العيب ليس في هذا القارئ بوصفه المتلقي بل في الشاعر الذي لم يتوفق الى جلبه الى حضيرة الشعر بالتعبير عن مشاغله واهتماماته.

الوجدان العربي الآن ليس له أثر تقريبا فيما يكتبه الشعراء اليوم. فالشاعر في واد والجمهور في واد آخر ولذلك حدثت الهوة وحصل التباعد...

*يرى العديد من النقاد والمتابعين للشأن الإبداعي في تونس أننا نعيش اليوم على وقع فوضى شعرية في ظل الانفتاح الكبير على وسائل التواصل الاجتماعي للنشر بكثافة؟

- نعم بالفعل نعيش اليوم فوضى شعرية اختلط فيها الحابل بالنابل...فهناك من يكتب القصيدة العمودية التي لم يعد يكتبها بإتقان الا القليل القليل وهناك القصيدة المتحررة او قصيدة التفعيلة وهناك من يكتب قصيدة النثر. وسائل التواصل الاجتماعي  جنت على الشعر وافسدته حتى أصبح الابتذال سيد الموقف.لقد أصبح كل من هب ودب يكتب كلاما وينسبه الى الشعر دون وجه حق.

يكتب البعض نصوصا ويصر على نشرها وهي تشبه تحارير التلامذة في مقتبل دراستهم الابتدائية. لقد كثر (الشعراء) وقل الشعر.

وللحقيقة نقول ان لدينا شعراء مجيدين فعلا ومتميزين على صعيد الكلمة والحرف...

*تحيي تونس بعد أيام الذكرى 90 لرحيل الشابي الذي تربطك به علاقة إبداعية وجدانية ماذا تقول عن ملامحها؟

-احياء الذكرى 90 لرحيل الشابي والاحتفاء بها هو بمثابة الاعتراف لشاعر كبير أحدث منعرجا جديدا وحاسما في الشعر التونسي بديوان شعري واحد هو أغاني الحياة تماما مثلما فعل بودلير الذي احدث منعرجا  جديدا في الشعر الفرنسي بديوان زهور الشر" les fleurs du mal "

وللحقيقة ان العلاقة الوجدانية التي تربطني بالشابي هي نفسها العلاقة التي تربطني بالعديد من رموز الشعر العربي  وشعراء المهجر وأقطابه. فانا أحب المتنبي كثيرا وابن زيدون وابن خفاجة وابا فراس واحمد شوقي والجواهري وشعراء المهجر وغير ذلك من الأسماء الكبيرة في عالم الشعر العربي...

*ماذا بقي من الشابي اليوم بعد 90 سنة على رحيله؟

- بقي من الشابي بعد مرور 90 سنة على رحيله شيء كثير. بقي الشعر الحقيقي الخالص بقيت الكلمة الجميلة وبقي الحرف المناضل. يظل الشابي قامة كبرى وشجرة وارفة الظلال بيد ان تلك الشجرة على ضخامتها وشموخها لا يمكن ان تحجب الغابة. فتونس انجبت ولا تزال شعراء أفذاذا كمصطفى خريف والعربي الكبادي ومحمد العريبي واحمد اللغماني وجعفر ماجد ونور الدين صمود ومحمد الغزي وجميلة الماجري والمنصف المزغني وسوف عبيد وغيرهم كثير.

*ماذا عن مشاريعك المستقبلية؟

- نشرت 12 ديوانا شعريا أذكر منها:-في البحث عن مقرنوافير- وتشدو همسات الى الزمن الهارب --على نقر المطر والذكريات -السندباد والقمر الوحيد -أقمار في ليالي الحنين -فسيفساء الظل والألوان وغيرها.

وأستعد قريبا بحول الله وعونه لنشر ديوان المختارات وبعده الأعمال الكاملة.

الشاعر البشير المشرقي لـ"الصباح":   نعم ...نعيش اليوم فوضى شعرية اختلط فيها الحابل بالنابل

 

** ظلت قصائدي منذ السبعينات  تحمل لواء الذات والواقع معا...

** لا يمكن ان نتحدث  اليوم عن شاعر لا خلفية ثقافية له

**ما يوجد في الشعر التونسي لا يعدو ان يكون اتجاهات وتيارات ونماذج غير قارة.

بقي من الشابي اليوم الشعر الحقيقي الخالص والكلمة الجميلة والحرف المناضل.

وسائل التواصل الاجتماعي جنت على الشعر وأفسدته.

تونس أنجبت الى جانب الشابي شعراء أفذاذا كمصطفى خريف والعربي الكبادي ومحمد العريبي واحمد اللغماني وجعفر ماجد ونور الدين صمود ومحمد الغزي وجميلة الماجري والمنصف المزغني وسوف عبيد وغيرهم.

حوار محسن بن احمد

هو " دينامو " الفعل الثقافي الثري والمتنوع طيلة اكثر من ثلاثين سنة بكامل ولاية بنزرت ( شغل خطة مندوب جهوي  للثقافة بها).  انتصر في كل انشطته للشعر التونسي بخصوصياته  من خلال تاسيسه لاكثر من مهرجان ادبي في ربوع ولاية بنزرت فاسحا المجال للشعراء واهل السرد للكتابة  والتعبير بكل حرية ومسؤولية بعيدا عن كل ماله علاقة بالايديولوجيات. شعاره كان لا صوت يعلو فوق صوت الابداع الذي يؤسس للحياة الكريمة ويروم معانقة الشمس.

الشاعر البشير المشرقي ... وبعد هذه المسيرة المشرقة تسييرا وابداعا لازال على العهد مع الكلمة الحرة والصورة الشعرية التي تكتب الحياة في اجل وابهى مظاهرها بعيدا عن الغموض الذي اصبح سمة بارزة في الشعر وفيا لنهجه الإبداعي وهو الانتصار للشعر . التقيناه فكان هذا الحديث:

*بعد هذه المسيرة في عالم الشعر والنقد والدراسات ...ماذا تحتفظ ذاكرتك عن بداية العلاقة مع عالم الكتابة والابداع؟

-علاقتي بعالم الكتابة والإبداع تعود إلى سنوات الدراسة الثانوية حيث بدأت أكتب الشعر وأنا تلميذ بالسنة الرابعة ثانوي أي منذ سنة 1968 تحديدا وقد كنت أكتب نصوصا شعرية باللغة الفرنسية ، كونت منها مجموعة سميتها ذكريات خالدة وكانت استاذتي في الفرنسية أنذاك  تطلع عليها وتشجعني على الكتابة في ذلك المنحى.

ثم بتوجيه من أستاذي في مادة العربية الراحل حمودة الشريف كريم وهو كاتب معروف صاحب قصة الأرض عطشى، التفت الى كتابة الشعر بالعربية وكنت كلما كتبت نصا اعرضه عليه فيمدني بنصائحه ويرسله الى الملحق الثقافي لجريدة العمل أنذاك فتنشره لي في ركن أدب الشباب وكان هذا من العوامل التي شجعتني على الكتابة.

أذكر ان أستاذي حمودة الشريف كان يشرف على الصفحة الثقافية بجريدة القنال الجهوية وكان ينشر لي بها نصوصي.

كانت نصوصي كنصوص جل المبتدئين. كانت رومنسية بالأساس وكنت ارسل من تلك النصوص الى برنامج هواة الأدب الذي كان يشرف عليه الشاعر الكبير الراحل أحمد اللغماني...

بعض تلك القصائد كنت ارسلها الى مجلة الفكر وقد انتقلت الى الدراسة بكلية الاداب والعلوم الانسانية بتونس وكانت المجلة تنشرها لي.

* كشاعر كيف تنظر اليوم الى اول قصيد لك؟

-قصائدي قصائد مرتبطة طبيعيا بنفسي الشعري حتى وقد كان يافعا وحاملا لسمة السن المبكرة الذي كتبت فيها.

كما أسلفت هي قصائد رومنسية المنزع وجدانية وذاتية في معظمها.

لا اريد ان انظر الى نصوصي الأولى ، نصوص الشباب بعين الحاضر ومقاييسه ومعاييره بل انظر اليها على أنها جزء مني ورافدا ابداعيا من روافد الابداع عندي في فترة معينة وطبق تصورات أولى للعملية الابداعية...

*اي هم يشغلك لحظة البوح الشعري وهل تغير هذا الهم اليوم بعد هذه المسيرة الطويلة؟

-كنت ولا أزال أؤمن أن الشعر هو لغة النفوس وصورة من صور الذات المنطوية على خليط من المشاعر والأحاسيس التي يستحضرها الشاعر لحظة الانخراط في المكاشفة الشعرية. هي اللحظة الشعرية التي تصدر عنها تداعيات الشاعر وارهاصاته الوجدانية المتنوعة....هذا المنحى الذاتي قد يكون له امتداد في الواقع الذي يتحول الى عنصر يتقاسم مع الذات مساحة البوح والتعبير..طيلة مسيرتي الشعرية التي تمتد من بداية السبعينات الى اليوم ظلت قصائدي تحمل لواء الذات والواقع معا...

أسطورة الشاعر الملهم او النبي  الذي يوحى له شعرا لا وجود لها.

الشعر ملكة طبعا. وهو الهام ما في ذلك شك ولكنه يعمل بهدي من عقل مدبر يراقب لحظات المكاشفة ويوجهها... انها حالة تسلط على الشاعر ولكن الشاعر يمعن فيها النظر ويضفي عليها ما يعن له من عناصر تتماشى واختياراته وهذا ما عناه الشاعر الفرنسي الشهير بول فاليري paul valeryحين قال بأن الشعر الهام وعمل" inspiration et travail"....

الشعر اليوم يعيش تحديات عديدة في واقع معقد ومليء بالمستجدات والمتغيرات ولا يمكن للشاعر ان يعيش بمعزل عنها.

اسطورة البرج العاجي الشعري قوض اركانها الواقع المعيش بكل متناقضاته.

هذا الواقع استحوذ على جانب مهم من ذاتية الشعر ولكنه لم يقم بإلغائها تماما..

فعندما يكتب شاعر ما قصيدة عن فلسطين وعن المجازر التي تقترف في حقها لا يمكنه ان يكون محايدا بل ان لذاتيته دور كبير في بلورة العملية الابداعية واخراج القصيد على النحو الذي يرتضيه...

*اي إحساس تعيشه لحظة المصافحة الأولى مع نص تكتبه؟

-كل نص جديد هو عندي ميلاد فجر جديد واطلالة جديدة على عالم زاخر بالحركة والتموجات الابداعية غير المعتادة.

انها ريح جديدة حاملة لأشذاء قادمة من بعيد... النص الجديد عندي هو تجدد الذات واكتسابها ما به تتأقلم مع الواقع المتغير دفعا للعملية الابداعية والشعرية الى مناخات مغايرة ونوافذ جديدة تفتح على لون مغاير وطقس شعري جديد ، لذلك انتظر لحظة المكاشفة الجديدة بشيء من التوتر ولكن باستبشار كبير بنص جديد يقطع مع المعتاد والسائد....

*الى اي مدى يمكن القول ان القصيد عبد لك طريق الانصات الى ذاتك وطفولتك واحلامك؟

-القصيدة الجديدة تحمل علامة جديدة وتحقيق عهد جديد مع اغفاءة على عتبات الماضي يستحضر فيها الشاعر بعضا من طقوسه وينصت فيها لأصوات ماضيه ويتنفس فيها أشذاء طفولته واحلامه..

القصيدة هي تجديد للذات ولكنها ايضا استراحة كاستراحة المحارب يتلذذ من خلالها الشاعر عطور الماضي البعيد المنعشة...

*ما هي الشروط التي من الضروري توفرها حتى نقول ان هذا شعر؟

-للحديث عن الشروط الواجب توفرها في القصيدة نقول إن هذا شعر ينبغي ان نبدأ بشرط اساسي وهو ثقافة الشاعر. فلا يمكن ان نتحدث عن شاعر لا ثقافة له. هذه الثقافة لا تتوفر الا بمطالعة ما امكن من دواوين الشعر قديمه وحديثه حتى يكتسب المقبل على كتابة الشعر  ملكة الشعر.

ولا بأس آن يتفتح على التجارب الشعرية الأجنبية حتى تتحقق له روافد ابداعية جديدة.

الشابي نفسه مكنه الاطلاع على الشعر الاجنبي من ان يكسب شعره اضافات جديدة لم تتوفر في الشعر التونسي قبله وذلك من خلال ما كان يطالعه من نماذج شعرية أجنبية كان يترجمها له صديقه محمد الحليوي.

بالإضافة الى هذا ينبغي الاطلاع علي قواعد اللغة فلا يمكن لمن رام كتابة قصيدة عمودية أن يمتنع عن دراسة البحور الشعرية ومختلف قواعدها...

*تحدثت اكثر من مرة في حواراتك ومحاضراتك وكتاباتك النقدية انه لاوجود لمدارس شعرية في تونس وانما هي اتجاهات وتيارات ... هل مازلت عند هذا الراي وكيف تفسره؟

-نعم كنت ولا ازال اقول ان الشعر التونسي الحديث ليست به مدارس.

ما يوجد في الشعر التونسي لا يعدو ان يكون اتجاهات وتيارات ونماذج غير قارة.المدرسة الشعرية هي تلك التي تكون ممتدة في الزمن ومتعددة التجارب والمحاولات والاضافات. نتحدث مثلا عن المدرسة الرومنطيقية le  romantisme التي حمل لواءها في الغرب شعراء كثيرون مثل لامرتين وكانت مؤثرة لا في فرنسا واوروبا فقط بل امتد اثرها الى الادب العربي ونهل منها شعراء المهجر مثلا والشابي والنماذج كثيرة. نتحدث ايضا عن المدرسة الرمزية le symbolismeوكذلك المدرسة السريالية surréaliste.

*لماذا من وجهة نظرك لا يمكن اعتبار شعر المناجم او شعر الطليعة أو حركة نص مثلا مدارس قائمة بذاتها ومؤثرة في غيرها ولها ثوابت ومرجعيات قارة ؟

-هي ظواهر واتجاهات وتجارب غير ممتدة في الزمن وفي الأرضية الابداعية العريضة....

*كيف تقرا ظاهرة انسحاب القارئ اليوم من ساحة الشعر الحديث؟

-القارئ التونسي اليوم أصبح في عداد المنسحبين من الساحة الشعرية التونسية ولم يعد مهتما بما يدور فيها.. العيب ليس في هذا القارئ بوصفه المتلقي بل في الشاعر الذي لم يتوفق الى جلبه الى حضيرة الشعر بالتعبير عن مشاغله واهتماماته.

الوجدان العربي الآن ليس له أثر تقريبا فيما يكتبه الشعراء اليوم. فالشاعر في واد والجمهور في واد آخر ولذلك حدثت الهوة وحصل التباعد...

*يرى العديد من النقاد والمتابعين للشأن الإبداعي في تونس أننا نعيش اليوم على وقع فوضى شعرية في ظل الانفتاح الكبير على وسائل التواصل الاجتماعي للنشر بكثافة؟

- نعم بالفعل نعيش اليوم فوضى شعرية اختلط فيها الحابل بالنابل...فهناك من يكتب القصيدة العمودية التي لم يعد يكتبها بإتقان الا القليل القليل وهناك القصيدة المتحررة او قصيدة التفعيلة وهناك من يكتب قصيدة النثر. وسائل التواصل الاجتماعي  جنت على الشعر وافسدته حتى أصبح الابتذال سيد الموقف.لقد أصبح كل من هب ودب يكتب كلاما وينسبه الى الشعر دون وجه حق.

يكتب البعض نصوصا ويصر على نشرها وهي تشبه تحارير التلامذة في مقتبل دراستهم الابتدائية. لقد كثر (الشعراء) وقل الشعر.

وللحقيقة نقول ان لدينا شعراء مجيدين فعلا ومتميزين على صعيد الكلمة والحرف...

*تحيي تونس بعد أيام الذكرى 90 لرحيل الشابي الذي تربطك به علاقة إبداعية وجدانية ماذا تقول عن ملامحها؟

-احياء الذكرى 90 لرحيل الشابي والاحتفاء بها هو بمثابة الاعتراف لشاعر كبير أحدث منعرجا جديدا وحاسما في الشعر التونسي بديوان شعري واحد هو أغاني الحياة تماما مثلما فعل بودلير الذي احدث منعرجا  جديدا في الشعر الفرنسي بديوان زهور الشر" les fleurs du mal "

وللحقيقة ان العلاقة الوجدانية التي تربطني بالشابي هي نفسها العلاقة التي تربطني بالعديد من رموز الشعر العربي  وشعراء المهجر وأقطابه. فانا أحب المتنبي كثيرا وابن زيدون وابن خفاجة وابا فراس واحمد شوقي والجواهري وشعراء المهجر وغير ذلك من الأسماء الكبيرة في عالم الشعر العربي...

*ماذا بقي من الشابي اليوم بعد 90 سنة على رحيله؟

- بقي من الشابي بعد مرور 90 سنة على رحيله شيء كثير. بقي الشعر الحقيقي الخالص بقيت الكلمة الجميلة وبقي الحرف المناضل. يظل الشابي قامة كبرى وشجرة وارفة الظلال بيد ان تلك الشجرة على ضخامتها وشموخها لا يمكن ان تحجب الغابة. فتونس انجبت ولا تزال شعراء أفذاذا كمصطفى خريف والعربي الكبادي ومحمد العريبي واحمد اللغماني وجعفر ماجد ونور الدين صمود ومحمد الغزي وجميلة الماجري والمنصف المزغني وسوف عبيد وغيرهم كثير.

*ماذا عن مشاريعك المستقبلية؟

- نشرت 12 ديوانا شعريا أذكر منها:-في البحث عن مقرنوافير- وتشدو همسات الى الزمن الهارب --على نقر المطر والذكريات -السندباد والقمر الوحيد -أقمار في ليالي الحنين -فسيفساء الظل والألوان وغيرها.

وأستعد قريبا بحول الله وعونه لنشر ديوان المختارات وبعده الأعمال الكاملة.