في بيان، رتب بعد ساعات من استهداف أحد مقرات "حزب الله" في حارة حريك بالضاحية الجنوبية، وبـ"عقل بارد"، نعى "حزب الله" اللبناني أمينه العام حسن نصر الله، كـ"شهيد" اغتيل في عملية استهداف تطلبت من سلاح الجو الإسرائيلي 85 قنبلة خارقة للتحصينات دكت 6 مبان للتأكد من مقتل "رأس" "حزب الله"، السياسي والاستراتيجي والعسكري، والذي رسم منذ أن أصبح زعيما للحزب بعيد الحرب الأهلية اللبنانية، وبعد مقتل الأمين العام الثاني للحزب عباس موسوي في عملية اغتيال إسرائيلية في سنة 1992.
كان "فصل" حسن نصر الله في تاريخ "حزب الله"، أكثر الفصول التي سمحت بمروره من "فصيل مسلح" بوصلته واضحة وهي "مقاومة" الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان، إلى تنظيم مسلح تجاوز نفوذه الحدود اللبنانية الضيقة إلى مناطق أخرى في العالم، حيث وجدت "آثاره" في غرب إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
لقد مد نصر الله نفوذ الحزب بعيدا عن المركز اللبناني في حارة حريك والضاحية الجنوبية عموما، حيث بيئته الحاضنة التي انطلق منها سنة 1983، إلى مناطق أخرى في العالم، في إستراتيجية أخطبوطية عملت على تجاوز انعكاسات حزم العقوبات التي فرضت عليه، مما سمح له بأن يكون "الحلقة الأساسية" للإستراتيجية الإيرانية في الشرق الأوسط.
فقد لعب على تناقضات المشهد السياسي اللبناني، وتوازناته التي تتغير بسرعة البرق، ليعطي للحزب بعدا سياسيا، ونقله من المعارضة الأقلية، إلى الأغلبية المتحكمة في القرار اللبناني، والمحدد الأساسي للممسكين بالسلطات في المشهد السياسي الطائفي، الذي تأسس عليه لبنان ما بعد الانتداب الفرنسي، ودعمه اتفاق الطائف الذي أنهى أكثر من 15 سنة من الحرب الأهلية اللبنانية، التي شهد منتصفها تأسيس الحزب كتعبيرة سياسية وعسكرية شيعية لبنانية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني كارتباط عسكري، وبمدينة قم الإيرانية كمرجعية دينية وأيديولوجية مرتبطة "شديدة الارتباط" بالقرار الإيراني.
نصر الله، الذي كانت بوصلته منذ أن كان في المقام الثاني في هيكلة حزب الله كمدير تنفيذي للحزب، تتجه دائما إلى القدس كهدف عسكري للتحرر من الاحتلال الصهيوني، انتهج البراغماتية في إعادة توزيع أوراق حزب الله، حيث وضع ورقة الحزب ضمن المعادلة الإقليمية منذ أن شارك في الحرب الأهلية السورية ضمن القوات الداعمة للجيش السوري ضد قوى المعارضة له التي أضحت في ما بعد طاولة رهانات للقوى الدولية، ونجح في تلك المقامرة التي مهدت له طريق الإمدادات العسكرية من طهران إلى قرى الجنوب اللبناني، كما سمحت له بأن يمدد وجوده على الجبهة ضد الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان إلى القنيطرة وهضبة الجولان في سوريا، ودعم دوره حتى في المشهد الحربي العراقي من خلال دعم القوى العسكرية العراقية الشيعية التي وقفت أمام "تضخم" خطر تنظيم "داعش" الإرهابي في سوريا والعراق، وضد الوجود العسكري الأمريكي في بلاد الرافدين ضمن "الحشد الشعبي" العراقي، الذي وجد طريقه سريعا لاحتلال المربع الأبرز في الخارطة السياسية العراقية في مرحلة "ما بعد داعش"، وذلك في "اقتباس" رائع لتجربة الحزب في المشهد السياسي اللبناني.
ولم يكتف نصر الله بمد وجوده في العراق، بل كانت أولى أوراقه التي لعبها ببراغماتية، هي زيادة مد يده إلى قوى المقاومة الفلسطينية، التي انطلق معها الحزب الله منذ تأسيسه من رحم "حركة أمل" الشيعية بزعامة نبيه بري (رئيس مجلس النواب اللبناني)، ضمن الحركة الوطنية اللبنانية المتحالفة مع منظمة التحرير الفلسطينية في الحرب الأهلية اللبنانية، وتوسع هذا التحالف بعد تأسيس حركتي "حماس" (سنة 1987) و"الجهاد الإسلامي" بفلسطين اللتين تأسستا قبل سنتين من حزب الله (سنة 1981)، واللتين بالرغم من ارتباطهما السني، إلا أن براغماتية "حزب الله" ومن ورائه الحرس الثوري الإيراني والمرجعية الشيعية، لم يمنعاه من الامتداد بما يخدم الإستراتيجية الإيرانية في المنطقة، وما يخدم أهداف المقاومة الفلسطينية في لبنان وسوريا وقطاع غزة والضفة الغربية.
كما امتدت الإستراتيجية البراغماتية لنصر الله إلى اليمن، حيث دعم حركة "أنصار الله" الحوثية، بعد سنوات من "الحصار" في جبال صعدة في شمال اليمن، وإعادة إحياء حلم "الإمامة الزيدية" التي حكمت اليمن الشمالي، قبل إسقاطها سنة 1962، وتوحيد اليمن الشمالي والجنوبي ضمن جمهورية اتحادية عاصمتها صنعاء.
لقد كانت "كاريزما نصر الله" نقطة بارزة من ضمن نقاط "الزعامة" التي قادت حزب الله منذ سنة 1992، في الداخل اللبناني وخارجه، فخطاباته كانت تلتقط سياسيا من قبل الاحتلال الإسرائيلي منذ أن قاد الحزب في حرب عصابات طويلة أفضت الى خروج إسرائيل من الجنوب اللبناني سنة 2000، ومن ثم في نزاله أمام العدوان الصهيوني على الجنوب والذي شكل الانتصار فيه "ذروة السنام" في سيرة نصر الله السياسية والعسكرية، وشكلت الركن الركين في اعتلاء الحزب صهوة الأغلبية الحاكمة في لبنان، وزيادة رصيده كرقم إقليمي صعب في الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، وزيادة عدته وعتاده بعد أن نجح في تمهيد طريق "طهران- بيروت" بعد تمكنه من ضمان استقرار الرئيس بشار الأسد في السلطة في دمشق، وقطع الطريق أمام القوى الإقليمية والدولية التي أرادت الإطاحة به في حرب أهلية مدمرة مازالت متواصلة إلى حد الآن في شمال سوريا.
وواصل نصر الله على نفس الطريق بعد عملية "طوفان الأقصى" وفعل دور "جبهات المساندة" التي كان من مؤسسيها، والتي شكل "حزب الله" محورها الأساسي كأبرز "جبهة إسناد" انخرطت في العمليات العسكرية بعد يوم من بداية العدوان الإسرائيلي على غزة، قبل أن تغتاله يد الغدر الصهيونية في عملية استخبارية وعسكرية في قلب حارة حريك التي انطلق منها حسن نصر الله وتوفي فيها "على طريق القدس" كما توفي فيها نجله الهادي قبل ذلك في جنوب لبنان سنة 1992.
بقلم: نزار مقني
في بيان، رتب بعد ساعات من استهداف أحد مقرات "حزب الله" في حارة حريك بالضاحية الجنوبية، وبـ"عقل بارد"، نعى "حزب الله" اللبناني أمينه العام حسن نصر الله، كـ"شهيد" اغتيل في عملية استهداف تطلبت من سلاح الجو الإسرائيلي 85 قنبلة خارقة للتحصينات دكت 6 مبان للتأكد من مقتل "رأس" "حزب الله"، السياسي والاستراتيجي والعسكري، والذي رسم منذ أن أصبح زعيما للحزب بعيد الحرب الأهلية اللبنانية، وبعد مقتل الأمين العام الثاني للحزب عباس موسوي في عملية اغتيال إسرائيلية في سنة 1992.
كان "فصل" حسن نصر الله في تاريخ "حزب الله"، أكثر الفصول التي سمحت بمروره من "فصيل مسلح" بوصلته واضحة وهي "مقاومة" الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان، إلى تنظيم مسلح تجاوز نفوذه الحدود اللبنانية الضيقة إلى مناطق أخرى في العالم، حيث وجدت "آثاره" في غرب إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
لقد مد نصر الله نفوذ الحزب بعيدا عن المركز اللبناني في حارة حريك والضاحية الجنوبية عموما، حيث بيئته الحاضنة التي انطلق منها سنة 1983، إلى مناطق أخرى في العالم، في إستراتيجية أخطبوطية عملت على تجاوز انعكاسات حزم العقوبات التي فرضت عليه، مما سمح له بأن يكون "الحلقة الأساسية" للإستراتيجية الإيرانية في الشرق الأوسط.
فقد لعب على تناقضات المشهد السياسي اللبناني، وتوازناته التي تتغير بسرعة البرق، ليعطي للحزب بعدا سياسيا، ونقله من المعارضة الأقلية، إلى الأغلبية المتحكمة في القرار اللبناني، والمحدد الأساسي للممسكين بالسلطات في المشهد السياسي الطائفي، الذي تأسس عليه لبنان ما بعد الانتداب الفرنسي، ودعمه اتفاق الطائف الذي أنهى أكثر من 15 سنة من الحرب الأهلية اللبنانية، التي شهد منتصفها تأسيس الحزب كتعبيرة سياسية وعسكرية شيعية لبنانية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني كارتباط عسكري، وبمدينة قم الإيرانية كمرجعية دينية وأيديولوجية مرتبطة "شديدة الارتباط" بالقرار الإيراني.
نصر الله، الذي كانت بوصلته منذ أن كان في المقام الثاني في هيكلة حزب الله كمدير تنفيذي للحزب، تتجه دائما إلى القدس كهدف عسكري للتحرر من الاحتلال الصهيوني، انتهج البراغماتية في إعادة توزيع أوراق حزب الله، حيث وضع ورقة الحزب ضمن المعادلة الإقليمية منذ أن شارك في الحرب الأهلية السورية ضمن القوات الداعمة للجيش السوري ضد قوى المعارضة له التي أضحت في ما بعد طاولة رهانات للقوى الدولية، ونجح في تلك المقامرة التي مهدت له طريق الإمدادات العسكرية من طهران إلى قرى الجنوب اللبناني، كما سمحت له بأن يمدد وجوده على الجبهة ضد الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان إلى القنيطرة وهضبة الجولان في سوريا، ودعم دوره حتى في المشهد الحربي العراقي من خلال دعم القوى العسكرية العراقية الشيعية التي وقفت أمام "تضخم" خطر تنظيم "داعش" الإرهابي في سوريا والعراق، وضد الوجود العسكري الأمريكي في بلاد الرافدين ضمن "الحشد الشعبي" العراقي، الذي وجد طريقه سريعا لاحتلال المربع الأبرز في الخارطة السياسية العراقية في مرحلة "ما بعد داعش"، وذلك في "اقتباس" رائع لتجربة الحزب في المشهد السياسي اللبناني.
ولم يكتف نصر الله بمد وجوده في العراق، بل كانت أولى أوراقه التي لعبها ببراغماتية، هي زيادة مد يده إلى قوى المقاومة الفلسطينية، التي انطلق معها الحزب الله منذ تأسيسه من رحم "حركة أمل" الشيعية بزعامة نبيه بري (رئيس مجلس النواب اللبناني)، ضمن الحركة الوطنية اللبنانية المتحالفة مع منظمة التحرير الفلسطينية في الحرب الأهلية اللبنانية، وتوسع هذا التحالف بعد تأسيس حركتي "حماس" (سنة 1987) و"الجهاد الإسلامي" بفلسطين اللتين تأسستا قبل سنتين من حزب الله (سنة 1981)، واللتين بالرغم من ارتباطهما السني، إلا أن براغماتية "حزب الله" ومن ورائه الحرس الثوري الإيراني والمرجعية الشيعية، لم يمنعاه من الامتداد بما يخدم الإستراتيجية الإيرانية في المنطقة، وما يخدم أهداف المقاومة الفلسطينية في لبنان وسوريا وقطاع غزة والضفة الغربية.
كما امتدت الإستراتيجية البراغماتية لنصر الله إلى اليمن، حيث دعم حركة "أنصار الله" الحوثية، بعد سنوات من "الحصار" في جبال صعدة في شمال اليمن، وإعادة إحياء حلم "الإمامة الزيدية" التي حكمت اليمن الشمالي، قبل إسقاطها سنة 1962، وتوحيد اليمن الشمالي والجنوبي ضمن جمهورية اتحادية عاصمتها صنعاء.
لقد كانت "كاريزما نصر الله" نقطة بارزة من ضمن نقاط "الزعامة" التي قادت حزب الله منذ سنة 1992، في الداخل اللبناني وخارجه، فخطاباته كانت تلتقط سياسيا من قبل الاحتلال الإسرائيلي منذ أن قاد الحزب في حرب عصابات طويلة أفضت الى خروج إسرائيل من الجنوب اللبناني سنة 2000، ومن ثم في نزاله أمام العدوان الصهيوني على الجنوب والذي شكل الانتصار فيه "ذروة السنام" في سيرة نصر الله السياسية والعسكرية، وشكلت الركن الركين في اعتلاء الحزب صهوة الأغلبية الحاكمة في لبنان، وزيادة رصيده كرقم إقليمي صعب في الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، وزيادة عدته وعتاده بعد أن نجح في تمهيد طريق "طهران- بيروت" بعد تمكنه من ضمان استقرار الرئيس بشار الأسد في السلطة في دمشق، وقطع الطريق أمام القوى الإقليمية والدولية التي أرادت الإطاحة به في حرب أهلية مدمرة مازالت متواصلة إلى حد الآن في شمال سوريا.
وواصل نصر الله على نفس الطريق بعد عملية "طوفان الأقصى" وفعل دور "جبهات المساندة" التي كان من مؤسسيها، والتي شكل "حزب الله" محورها الأساسي كأبرز "جبهة إسناد" انخرطت في العمليات العسكرية بعد يوم من بداية العدوان الإسرائيلي على غزة، قبل أن تغتاله يد الغدر الصهيونية في عملية استخبارية وعسكرية في قلب حارة حريك التي انطلق منها حسن نصر الله وتوفي فيها "على طريق القدس" كما توفي فيها نجله الهادي قبل ذلك في جنوب لبنان سنة 1992.