إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

غزة اختبار الإنسانية الأصعب

بقلم: هداية شمعون (*)
مأساة غزة لا تتمثل في اليوم التالي للحرب بل بدأت منذ استمر حصارها برا وجوا وبحرا لمدة تزيد عن الـ 17 عاما. لقد عشت عمري شبابي ونضجي وحياتي في مخيم لاجئين بسبب نكبة الـ48 بعد أن أجبر والدي على الهجرة من قراهم الصغيرة لأسجل لاجئة وأعيش طفولتي في مخيم الشابورة برفح طفولتي بأكملها عشتها بين أسطح الزينكو والبيوت التي بنتها أمي يدا بيد مع أبي يخلطون قليلا من الطين والقش والماء حيث تتلطخ الأيدي بالطين، ليصنعا ساترا عن الشارع، ويوما بعد يوم بينما تكبر أحلامي كطفلة بدأت تدرك مفهوم الحرية التي تنشدها بينما ترى والديها يهرمان وهما لا يكفان عن الحديث عن قريتهم وطريق التهجير الطويل عبر تل الصافي، ومن ثم مشيا على الأقدام إلى غزة ثم دير البلح ثم رفح على اعتبار أنها الأبعد عن بطش الاحتلال الإسرائيلي، رحل والدي بينما شربت القهر وعرفت معنى الحصار والحبس بين جدران المدن، ذقت ويلات عدوانات متكررة وعايشت مجزرة رفح في الأول من أوت (أغسطس) من العام 2014 فهمت معنى أن تكون بلدي محتلة، ضقت ذرعا بالاستهتار بأولويات الناس الذين دوما يدفعون الثمن غاليا من دمائهم وبيوتهم وأموالهم ومستقبلهم، في كل مرة فكرت فيها التخلص من كل هذا العذاب اليومي والركض بما تبقى خارج أسوار غزة، عدت اشتياقا وحبا في شوارع مدينتي، لم أترك رفح رغم أني يتوجب أن أكون يوميا في غزة، ليس تمسكا بها بل هي من تمسكت بي فبدت كطفلة معلقة في رقبة أمها، بنيت بيتا وما كدت أسكن فيه وهو غير مكتمل البناء بعد جهود سنوات طويلة حتى حل الانقسام اللعين، ثم عدوانات متكررة من الاحتلال الإسرائيلي اخترقت الحواجز دوما وسافرت كثيرا فقد كنت أتذوق طعم الحرية وأعود أدراجي لأدرك أن الحرية إنما هي في بيتي وبين ربوع وطني، والآن شاءت الأقدار أن أكون لأول مرة مغتربة أعيش حربا من نوع آخر، لذلك لا يوجد يوم تالي في حياة الغزي فحياتنا عبارة عن قهر وقتل وتدمير ونضال مستمر لأجل الغد البعيد واليوم التالي نعيش كل تداعياته لحظة بلحظة.
فنحن كغزيين نعيش منذ اليوم الأول من الحرب تبعات اليوم التالي فهو حروب مختلفة متعددة مركبة معقدة، غزة لم تعد غزة ما قبل السابع من أكتوبر لقد أصبحت مدينة يتيمة دمرها الاحتلال ببشاعة منقطعة النظير، فقد غدت مدينة بلا بيوت ودون أي تهويل في الوصف فقد دمر حتى الآن وبعد 280 يوما من حرب الإبادة الجماعية المستمرة أكثر من مائة وخمسين ألف وحدة سكنية دمرها الاحتلال كليا ومادت بها الأرض لتصبح ركاما وترابا وغبارا، بينما هنالك ثمانون ألف وحدة سكنية أخرى غير صالحة للسكن دمرها الاحتلال بقصد الخراب وجعل غزة غير صالحة للعيش، وهنالك مائتي ألف وحدة سكنية دمرها الاحتلال الإسرائيلي تدميرا جزئيا ولن تكون ملائمة ليعيش فيها الناس بظروف لائقة، وهذه الإحصاءات قابلة للزيادة حين تضع الحرب أوزارها وتشكل اللجان الهندسية لفحص ما تبقى من مساكن وبيوت وعمارات تقف على أربع إلا أنها خاوية على موتها ولن تكون ملائمة للسكن ..!

أزمة سكن مرعبة في الأفق

أين سيعيش أهالينا الذين دمرت وحداتهم السكنية وبيوتهم ومصانعهم وباب رزقهم، أين يمكن أن يسكنوا عمليا؟ ما الذي سيعوضهم ومن الذين سيعوضهم؟ وكيف وأين فعليا سيمكنهم أن يسكنوا ولا بيوت في المدينة فقد احتل الركام كل المساحات، وباتت الشوارع والأحياء مختلطة حتى على من كان جذرا متصلبا فيها...!
"إنها مهمة لم يسبق للمجتمع الدولي أن تعامل معها منذ الحرب العالمية الثانية"،هذا ما قاله الأمين المساعد للأمم المتحدة ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عبدالله الدردري في مؤتمر صحافي في عَمّان، إن إعادة الإعمار في قطاع غزة "قضية مكلفة للغاية وستستغرق وقتا طويلا"، وقد تبلغ الكلفة حوالي 18 مليار دولار بحسب ما التقطته الأقمار الصناعية من دمار، لكن هذه ليست القيمة النهائية على الأرض" إن تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الأولية لإعادة بناء كلّ ما دمّر في غزة تتجاوز الـ 40 مليار دولار، بينما جبر الضرر المفروض من الاحتلال يغيب في كل مرة يدمر فيها غزة فلا مساءلة حقيقة للاحتلال وفي كل مرة يفلت من العقاب ومن جبر الضرر كمتسبب رئيسي في كل هذا الدمار.

إعادة بناء الإنسان من الداخل

الإسناد للفلسطيني في غزة يتوجب أن يكون إسنادا نفسيا معنويا ثم ماديا ليتمكن من التهيئة لإعادة فكرة الحياة الطبيعية والشغف بالحياة، ضحكت إحدى الصديقات بمرارة حين تحدثت عن "الشغف، كيف نعيد شغف الحياة للفلسطيني"، مستنكرة لم يبق حياة ليبق هنالك أمل في شغف قريب لنا...!
حقيقة هذا صحيح تماما إلا أننا يجب أن نعاند المعتاد أي نعتاد الموت ما دمنا بقينا أحياء، إن الاعمار الحقيقي المطلوب الآن هو إعادة بناء إنسانيتنا وصدمتنا بتخلي العالم عنا، الصدمات ليست فقط فقدان وحرمان من الطعام والأمان والاستقرار والحياة الطبيعية أيضا صدمة أن نكون وحدنا أجساد تواجه الصواريخ خيام تواجه القنابل الفتاكة...!! صدمة أن نستمر في موت وحشي بشع وقذر طيلة 9 أشهر بينما لم نأخذ إلا الشعارات...! الخوف أن يكون دمنا رخيص إلى هذا الحد أمر مرعب، أن يرى الجميع المجازر التي ارتكبت والأشلاء والرؤوس التي طارت للأطفال وتلك التي احترقت والعالم يمضي غير عابئ بدمنا أو بأطفالنا أو أهلنا هذه صدمة إنسانية تفوق الوصف...! الحكومات الكاذبة وتلك التي شاهدت ولازالت تشاهد موتنا ودفننا وتعذيب أسرانا هذا كله منافي للفطرة الإنسانية...!!
يجب أن نعيد الثقة لأنفسنا بأن هنالك ما يستحق الحياة وهنالك فعليا ما يستحق للنضال، الأطفال الذين لازالوا على قيد الحياة، الأمهات اللواتي لازلن يحملن الزهور في قلوبهن والحب في فؤادهن، الرجال الذي صمدوا رغم التجويع والقهر والحرمان يجب أن نكافئهم بأن نقف إلى جانبهم أفراد ومؤسسات وائتلافات وقوى ثورية ونسوية وشعبية، يجب أن تكون هنالك رؤية لليوم التالي لمن هم خارج غزة إن كانت لديهم قيم إنسانية لازالت نابضة بأن يبدؤوا خططهم ورؤيتهم الآن وقبل اليوم التالي للإجابة على سؤال كيف ندعم أهل غزة فعلا لا قولا؟ كيف نقف إلى جانب الغزيين؟ وهذه الإجابة يجب أن تكون من الفلسطيني خارج غزة والعربي وكل من يملك قلب إنسان فهنالك الكثير لفعله والقيام به ما له علاقة بالوضع الإنساني والدعم النفسي والاحتضان نعم قد تبني إنسانا آخر بكلمات مشجعة تشعره أنه ليس وحيدا، يجب أن نملك جميعا إجابة لما يجب أن نقدمه جميعا لكل أهل غزة الذين واجهوا كل أنواع القتل والتجويع في حرب قذرة، يجب أن نفعل ذلك ليس من باب مساعدة الآخر بل كي ننجو بإنسانيتنا...!
إن غزة هي البوصلة الأخلاقية اليوم للعالم، فإما أن نواجه معا وندعم أهلها معا أو أن نتواطأ بالصمت والمزيد من الخذلان، وهذا يتنافى في مبادئنا، فجميعنا من مكانه وموضعه يجب أن يبدأ التفكير كيف ننقذ ما تبقى من غزة في اليوم التالي للحرب.! باحثين ومفكرين وإعلام وأطباء وأدباء ومثقفين ومهندسين وطلاب يجب أن نرفع شعار لتحقيقه لننقذ من نجوا ولا نتركهم وحيدين لويلات ما بعد الحرب...!!
فالجميع صامد لأنه صامد في وطنه وحين تخرس القنابل قد ينهار الكثيرين لكثرة ما تحملوا ويجب أن نكون إلى جانبهم فالمسافات لا تمنعنا من أن نحتضن آلامهم...! أن نوصل أصواتهم الحرة، أن نعيد الابتسامة لأطفالهم أو نرسم لأجلهم وأن نقدم كل ما يمكننا تقديمه من مبادرات أو ائتلافات لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي والتنموي.
الصمود والتمكين وتعزيز قوة الناس وتقديم الخدمات الصحية والنفسية والاغاثية بكرامة وعدالة وصولا لاكتفائهم الذاتي مع توفير فرص لتعزيز صلابتهم النفسية وصولا لتحقيق العدالة الإنسانية هذا ما يجب أن يكون عليه اليوم التالي لحرب استمرت تسعة أشهر كي ينجو من نجا، وكي نكرم الشهداء والعائلات التي فقدت من السجل المدني علينا أن نفعل ونفكر خارج صندوق الحصار والموت المجاني وأن نعيد لإنسانيتنا بوصلتها الحقيقية...!
(*) كاتبة وإعلامية فلسطينية من قطاع غزة

غزة اختبار الإنسانية الأصعب

بقلم: هداية شمعون (*)
مأساة غزة لا تتمثل في اليوم التالي للحرب بل بدأت منذ استمر حصارها برا وجوا وبحرا لمدة تزيد عن الـ 17 عاما. لقد عشت عمري شبابي ونضجي وحياتي في مخيم لاجئين بسبب نكبة الـ48 بعد أن أجبر والدي على الهجرة من قراهم الصغيرة لأسجل لاجئة وأعيش طفولتي في مخيم الشابورة برفح طفولتي بأكملها عشتها بين أسطح الزينكو والبيوت التي بنتها أمي يدا بيد مع أبي يخلطون قليلا من الطين والقش والماء حيث تتلطخ الأيدي بالطين، ليصنعا ساترا عن الشارع، ويوما بعد يوم بينما تكبر أحلامي كطفلة بدأت تدرك مفهوم الحرية التي تنشدها بينما ترى والديها يهرمان وهما لا يكفان عن الحديث عن قريتهم وطريق التهجير الطويل عبر تل الصافي، ومن ثم مشيا على الأقدام إلى غزة ثم دير البلح ثم رفح على اعتبار أنها الأبعد عن بطش الاحتلال الإسرائيلي، رحل والدي بينما شربت القهر وعرفت معنى الحصار والحبس بين جدران المدن، ذقت ويلات عدوانات متكررة وعايشت مجزرة رفح في الأول من أوت (أغسطس) من العام 2014 فهمت معنى أن تكون بلدي محتلة، ضقت ذرعا بالاستهتار بأولويات الناس الذين دوما يدفعون الثمن غاليا من دمائهم وبيوتهم وأموالهم ومستقبلهم، في كل مرة فكرت فيها التخلص من كل هذا العذاب اليومي والركض بما تبقى خارج أسوار غزة، عدت اشتياقا وحبا في شوارع مدينتي، لم أترك رفح رغم أني يتوجب أن أكون يوميا في غزة، ليس تمسكا بها بل هي من تمسكت بي فبدت كطفلة معلقة في رقبة أمها، بنيت بيتا وما كدت أسكن فيه وهو غير مكتمل البناء بعد جهود سنوات طويلة حتى حل الانقسام اللعين، ثم عدوانات متكررة من الاحتلال الإسرائيلي اخترقت الحواجز دوما وسافرت كثيرا فقد كنت أتذوق طعم الحرية وأعود أدراجي لأدرك أن الحرية إنما هي في بيتي وبين ربوع وطني، والآن شاءت الأقدار أن أكون لأول مرة مغتربة أعيش حربا من نوع آخر، لذلك لا يوجد يوم تالي في حياة الغزي فحياتنا عبارة عن قهر وقتل وتدمير ونضال مستمر لأجل الغد البعيد واليوم التالي نعيش كل تداعياته لحظة بلحظة.
فنحن كغزيين نعيش منذ اليوم الأول من الحرب تبعات اليوم التالي فهو حروب مختلفة متعددة مركبة معقدة، غزة لم تعد غزة ما قبل السابع من أكتوبر لقد أصبحت مدينة يتيمة دمرها الاحتلال ببشاعة منقطعة النظير، فقد غدت مدينة بلا بيوت ودون أي تهويل في الوصف فقد دمر حتى الآن وبعد 280 يوما من حرب الإبادة الجماعية المستمرة أكثر من مائة وخمسين ألف وحدة سكنية دمرها الاحتلال كليا ومادت بها الأرض لتصبح ركاما وترابا وغبارا، بينما هنالك ثمانون ألف وحدة سكنية أخرى غير صالحة للسكن دمرها الاحتلال بقصد الخراب وجعل غزة غير صالحة للعيش، وهنالك مائتي ألف وحدة سكنية دمرها الاحتلال الإسرائيلي تدميرا جزئيا ولن تكون ملائمة ليعيش فيها الناس بظروف لائقة، وهذه الإحصاءات قابلة للزيادة حين تضع الحرب أوزارها وتشكل اللجان الهندسية لفحص ما تبقى من مساكن وبيوت وعمارات تقف على أربع إلا أنها خاوية على موتها ولن تكون ملائمة للسكن ..!

أزمة سكن مرعبة في الأفق

أين سيعيش أهالينا الذين دمرت وحداتهم السكنية وبيوتهم ومصانعهم وباب رزقهم، أين يمكن أن يسكنوا عمليا؟ ما الذي سيعوضهم ومن الذين سيعوضهم؟ وكيف وأين فعليا سيمكنهم أن يسكنوا ولا بيوت في المدينة فقد احتل الركام كل المساحات، وباتت الشوارع والأحياء مختلطة حتى على من كان جذرا متصلبا فيها...!
"إنها مهمة لم يسبق للمجتمع الدولي أن تعامل معها منذ الحرب العالمية الثانية"،هذا ما قاله الأمين المساعد للأمم المتحدة ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عبدالله الدردري في مؤتمر صحافي في عَمّان، إن إعادة الإعمار في قطاع غزة "قضية مكلفة للغاية وستستغرق وقتا طويلا"، وقد تبلغ الكلفة حوالي 18 مليار دولار بحسب ما التقطته الأقمار الصناعية من دمار، لكن هذه ليست القيمة النهائية على الأرض" إن تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الأولية لإعادة بناء كلّ ما دمّر في غزة تتجاوز الـ 40 مليار دولار، بينما جبر الضرر المفروض من الاحتلال يغيب في كل مرة يدمر فيها غزة فلا مساءلة حقيقة للاحتلال وفي كل مرة يفلت من العقاب ومن جبر الضرر كمتسبب رئيسي في كل هذا الدمار.

إعادة بناء الإنسان من الداخل

الإسناد للفلسطيني في غزة يتوجب أن يكون إسنادا نفسيا معنويا ثم ماديا ليتمكن من التهيئة لإعادة فكرة الحياة الطبيعية والشغف بالحياة، ضحكت إحدى الصديقات بمرارة حين تحدثت عن "الشغف، كيف نعيد شغف الحياة للفلسطيني"، مستنكرة لم يبق حياة ليبق هنالك أمل في شغف قريب لنا...!
حقيقة هذا صحيح تماما إلا أننا يجب أن نعاند المعتاد أي نعتاد الموت ما دمنا بقينا أحياء، إن الاعمار الحقيقي المطلوب الآن هو إعادة بناء إنسانيتنا وصدمتنا بتخلي العالم عنا، الصدمات ليست فقط فقدان وحرمان من الطعام والأمان والاستقرار والحياة الطبيعية أيضا صدمة أن نكون وحدنا أجساد تواجه الصواريخ خيام تواجه القنابل الفتاكة...!! صدمة أن نستمر في موت وحشي بشع وقذر طيلة 9 أشهر بينما لم نأخذ إلا الشعارات...! الخوف أن يكون دمنا رخيص إلى هذا الحد أمر مرعب، أن يرى الجميع المجازر التي ارتكبت والأشلاء والرؤوس التي طارت للأطفال وتلك التي احترقت والعالم يمضي غير عابئ بدمنا أو بأطفالنا أو أهلنا هذه صدمة إنسانية تفوق الوصف...! الحكومات الكاذبة وتلك التي شاهدت ولازالت تشاهد موتنا ودفننا وتعذيب أسرانا هذا كله منافي للفطرة الإنسانية...!!
يجب أن نعيد الثقة لأنفسنا بأن هنالك ما يستحق الحياة وهنالك فعليا ما يستحق للنضال، الأطفال الذين لازالوا على قيد الحياة، الأمهات اللواتي لازلن يحملن الزهور في قلوبهن والحب في فؤادهن، الرجال الذي صمدوا رغم التجويع والقهر والحرمان يجب أن نكافئهم بأن نقف إلى جانبهم أفراد ومؤسسات وائتلافات وقوى ثورية ونسوية وشعبية، يجب أن تكون هنالك رؤية لليوم التالي لمن هم خارج غزة إن كانت لديهم قيم إنسانية لازالت نابضة بأن يبدؤوا خططهم ورؤيتهم الآن وقبل اليوم التالي للإجابة على سؤال كيف ندعم أهل غزة فعلا لا قولا؟ كيف نقف إلى جانب الغزيين؟ وهذه الإجابة يجب أن تكون من الفلسطيني خارج غزة والعربي وكل من يملك قلب إنسان فهنالك الكثير لفعله والقيام به ما له علاقة بالوضع الإنساني والدعم النفسي والاحتضان نعم قد تبني إنسانا آخر بكلمات مشجعة تشعره أنه ليس وحيدا، يجب أن نملك جميعا إجابة لما يجب أن نقدمه جميعا لكل أهل غزة الذين واجهوا كل أنواع القتل والتجويع في حرب قذرة، يجب أن نفعل ذلك ليس من باب مساعدة الآخر بل كي ننجو بإنسانيتنا...!
إن غزة هي البوصلة الأخلاقية اليوم للعالم، فإما أن نواجه معا وندعم أهلها معا أو أن نتواطأ بالصمت والمزيد من الخذلان، وهذا يتنافى في مبادئنا، فجميعنا من مكانه وموضعه يجب أن يبدأ التفكير كيف ننقذ ما تبقى من غزة في اليوم التالي للحرب.! باحثين ومفكرين وإعلام وأطباء وأدباء ومثقفين ومهندسين وطلاب يجب أن نرفع شعار لتحقيقه لننقذ من نجوا ولا نتركهم وحيدين لويلات ما بعد الحرب...!!
فالجميع صامد لأنه صامد في وطنه وحين تخرس القنابل قد ينهار الكثيرين لكثرة ما تحملوا ويجب أن نكون إلى جانبهم فالمسافات لا تمنعنا من أن نحتضن آلامهم...! أن نوصل أصواتهم الحرة، أن نعيد الابتسامة لأطفالهم أو نرسم لأجلهم وأن نقدم كل ما يمكننا تقديمه من مبادرات أو ائتلافات لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي والتنموي.
الصمود والتمكين وتعزيز قوة الناس وتقديم الخدمات الصحية والنفسية والاغاثية بكرامة وعدالة وصولا لاكتفائهم الذاتي مع توفير فرص لتعزيز صلابتهم النفسية وصولا لتحقيق العدالة الإنسانية هذا ما يجب أن يكون عليه اليوم التالي لحرب استمرت تسعة أشهر كي ينجو من نجا، وكي نكرم الشهداء والعائلات التي فقدت من السجل المدني علينا أن نفعل ونفكر خارج صندوق الحصار والموت المجاني وأن نعيد لإنسانيتنا بوصلتها الحقيقية...!
(*) كاتبة وإعلامية فلسطينية من قطاع غزة