إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي بتونس لـ"الصباح": هناك الكثير من الإمكانات لتعزيز الشراكة مع تونس

تونس-الصباح

تمر اليوم الثلاثاء 16 جويلية، سنة كاملة على توقيع تونس والاتحاد الأوروبي مذكرة تفاهم، لإرساء "شراكة إستراتيجية وشاملة" في التنمية والطاقات المتجدّدة ومكافحة الهجرة غير النظامية، وهو الاتفاق الذي وصفه الرئيس قيس سعيد وقتها بأنه يقرّب بين الشعبين التونسي والأوروبي، والذي يتعين أن يكون مشفوعا في أقرب الأوقات بجملة من الاتفاقيات الملزمة.. ويتزامن الاحتفال بالذكرى الأولى للاتفاق مع انتهاء مهمة رئيس البعثة الأوروبية في تونس ماركوس كورنارو، هذا الأسبوع. لذلك تحدثت "الصباح" مع الديبلوماسي الأوروبي الذي قضّى 4 سنوات كاملة في بلادنا وكان اللقاء حول مذكرة التفاهم المذكورة والعلاقات التونسية الأوروبية وملف الهجرة وكذلك ملف غزة وما يجري فيها من حرب إبادة وتقتيل وتهجير..

وفيما يلي نص الحوار:

حاوره: سفيان رجب

*تستعدون لمغادرة بلادنا بعد أربع سنوات من العمل على رأس البعثة الأوروبية بتونس، فكيف تقيمون ولايتكم وماذا عن تطور العلاقات بين تونس والاتحاد الأوروبي خلال هذه الفترة؟

لا يخفى على أحد بأن هناك ارتباطا تاريخيا وجغرافيا وثقافيا بين الاتحاد الأوروبي وتونس، يمتد على مدى عقود من الزمن. وهذا الارتباط والتعاون يشمل عدة مجالات تم التنصيص عليها ضمن اتفاقية الشراكة التي تم توقيعها بين الطرفين سنة 1995. منذ قدومي إلى تونس سنة 2020، كان لدي طموح لتعصير وتطوير هذه الاتفاقية وتعزيز إطار الشراكة بيننا، خاصة في ما يتعلق بالاستثمار والتجارة. ولكن في الواقع كانت هناك العديد من التحديات، أبرزها أزمة الكوفيد سنة 2020 وما تلاها، ثم تطورات الانتقال السياسي في تونس، وبعد ذلك التقلبات التي شهدها العالم بعد العدوان الروسي على أوكرانيا واندلاع حرب جديدة في غزة.. ولئن لم تكن لهذه التحديات تأثيرات مباشرة على مستوى العلاقات السياسية والاقتصادية بين تونس والاتحاد الأوروبي، إلا أن استتباعاتها كان لها تأثير، خصوصا في ما يتعلق بتحقيق الأهداف المنشودة خلال السنوات الأخيرة.

عموما أستطيع أن أجزم بأن مستوى العلاقات بيننا يظل مميزا وإيجابيا. نعم كان هناك سوء تفاهم في بعض الفترات بسبب التباين بين انتظاراتنا وتطلعاتنا، كأهم الشركاء التقليديين لتونس، في ما يتعلق بمزيد من الترابط البيني، ولكن إرادتنا المشتركة وعزمنا على مزيد تطوير علاقاتنا كان أقوى وحماسنا لتعزيز شراكتنا كان أشد اتقادا. نحن دائما منفتحون للحوار على جميع المستويات.

*ما هي أبرز الإنجازات التي حققتموها في تعزيز الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي؟

على المستوى الاقتصادي كانت هناك العديد من الانجازات التي تم تحقيقها من خلال حزمة من المشاريع والأنشطة في إطار عدد من برامج الدعم التي يتم تنفيذها بالتعاون مع الشركاء التونسيين والتي تشمل عدة مجالات خاصة دعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة ودعم المبادرة لدى الشباب (برنامج الاتحاد الأوروبي للشباب – EU4YOUTH) وكذلك دعم قطاعات السياحة والثقافة والصناعات التقليدية (برنامج تونس وجهتنا) ودعم مشاريع البنية التحتية، إلى جانب تعزيز التعاون في مجال التعليم والبحث العلمي وكنا قد احتفلنا خلال الأشهر القليلة الماضية بمرور عشرين سنة من التعاون الوثيق في مجال البحث العلمي...

أما على المستوى السياسي، فأعتقد أن إبرام مذكرة التفاهم الاستراتيجي بين تونس والاتحاد الأوروبي في 16 جويلية 2023 يعد أحد أبرز المحطات التي تكرس عمق العلاقات بين الطرفين. وللتذكير فإن هذه المذكرة تندرج ضمن اتفاقية الشراكة، وتضم خمسة محاور أساسية تهدف في مجملها إلى مزيد تعزيز الشراكة بيننا في جميع المجالات خصوصا في ما يتعلق بدعم الاستقرار الاقتصادي، وتطوير التبادل التجاري، ودعم الانتقال الطاقي في تونس، وتعزيز التقارب بين شعوبنا، وأخيرا محور الهجرة.

وبعد سنة من توقيع هذه المذكرة، يمكننا أن نتحدث عن عديد النتائج الايجابية التي تم تحقيقها سواء على مستوى الحد من ظاهرة الهجرة غير النظامية أو خصوصا على مستوى الاستثمار ودعم الانتقال الطاقي في تونس. فقد أكد منتدى تونس للاستثمار الذي ساهم الاتحاد الأوروبي في تنظيمه مؤخرا خلال شهر جوان الفارط، بالتعاون مع الوكالة التونسية للنهوض بالاستثمار الخارجي، مدى حرص الطرفين على تعزيز التعاون الاقتصادي بيننا. وقد شهد هذا المنتدى حضورا بارزا من قبل العديد من المستثمرين الأوروبيين والأجانب، وشهد إمضاء عدد من الاتفاقيات الإطارية من ضمنها مشروع الربط الكهربائي بين وتونس وإيطاليا (ELMED) والذي يعد أحد أبرز المشاريع التنموية خلال الفترة القادمة...

لا يفوتني كذلك أن أشير إلى مبادرة "فريق أوروبا" التي تعد من أبرز المكاسب التي تحققت في الفترة الأخيرة والتي ساهمت في تعزيز التنسيق والتشاور بين ممثلي الدول أعضاء الاتحاد الأوروبي في تونس وهو ما مكن من ضمان تنفيذ العديد من المبادرات والأنشطة لفائدة التونسيين. وأذكر في هذا الإطار مبادرة فريق أوروبا للاستثمار التي تم الإعلان عنها خلال منتدى تونسي للاستثمار، وكذلك مبادرة فريق أوروبا للمياه التي سيتم الإعلان عنها قريبا.

*سنوات من الشراكة والتعاون نعتقد أنها لم تصل الى الدرجات المأمولة، فكيف ترون دور الاتحاد الأوروبي في دعم تونس اقتصاديًا وسياسيًا في السنوات المقبلة؟

يظل الاتحاد الأوروبي الشريك الأول لتونس سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، وهو ما تؤكده الأرقام والإحصائيات التي تظهر تبيانا كبيرا بين مستوى الاستثمار وكذلك التبادل الاقتصادي والتجاري مع الاتحاد الأوروبي مقارنة ببقية الشركاء الاقتصاديين لتونس. ونحن نطمح لتعزيز هذا المستوى من العلاقات الاقتصادية والسياسية ومزيد تطويرها والرقي بها إلى مستوى تطلعات شعوبنا.

كما أشرت سابقا، هناك العديد من المشاريع والبرامج التي يتم تنفيذها بدعم من الاتحاد الأوروبي في تونس والتي تساهم في تحقيق نتائج هامة في ما يتعلق بتطوير القطاعات المعنية. أما على مستوى الاستثمار، فيكفي أن نعرف أن الاستثمار الأوروبي في تونس قد تطور بما يقارب 10 بالمائة خلال الفترة الماضية رغم الصعوبات والسياق الاقتصادي العالمي. وأستطيع أن أؤكد لكم أن هذه الجهود ستتواصل خلال السنوات المقبلة. ولعل ما أفرزه منتدى الاستثمار في تونس من اتفاقيات ومشاريع وتقارب سياسي أيضا، خير دليل على ذلك.

أما على المستوى السياسي، فنحن على استعداد دائم للحوار مع الحكومة التونسية في سياق الهياكل المشتركة المؤسساتية في إطار اتفاق الشراكة.

*بالنظر الى العلاقات الوطيدة التي تحدثتم عنها، هل تعتقدون أن برامج المساعدات والتنمية التي قدمها الاتحاد الأوروبي لتونس في إطار البنى التحتية والخدمات تعد كافية وتستحق التنويه؟

لقد ساهمت البرامج والمشاريع التي يتم تنفيذها بدعم من الاتحاد الأوروبي في تطوير وتعزيز قدرات المؤسسات التونسية في العديد من القطاعات سواء في مجال الصناعة أو الخدمات. كما ساهمت هذه البرامج في تعزيز قدرات الكفاءات خاصة من الشباب التونسي، من ذلك مشاريع التجديد والإبداع التي يتم تنفيذها لفائدة عدد كبير من الشباب التونسي وكذلك مشاريع دعم الشركات النامية في قطاعات التجديد والتكنولوجيا...

هذا فضلا عن مشاريع دعم تطوير البنية التحتية بما يساهم في مزيد من الاندماج الاقتصادي خاصة في المناطق الداخلية، وأذكر على سبيل المثال مشروع الطريق السيارة التي تربط ولايتي صفاقس والقصرين والتي ستساهم في تعزيز التكامل الاقتصادي بين هاتين الجهتين وستمكن المؤسسات الموجودة بالقصرين من حلول إضافية على مستوى النقل..

*لكن يبقى ملف الهجرة من أهم الملفات الحارقة والتي شاهدنا فيها مقاربات مختلفة بين الطرفين؟

ملف الهجرة هو بالفعل ملف حارق بالنسبة للجميع وكما تعلمون تم التوقيع على مذكرة تفاهم مع تونس تنص خصوصا على مساعدة أوروبية بقيمة 105 ملايين يورو تهدف إلى منع مغادرة قوارب المهاجرين ومحاربة المهربين. وتنص أيضا على عودة مزيد من التونسيين الذين هم في وضع غير نظامي في الاتحاد الأوروبي فضلا عن عودة المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء من تونس إلى بلدانهم الأصلية. فالتعاون موجود بين تونس ودول الضفة الشمالية للمتوسط من أجل الحد من موجات الهجرة غير الشرعية والنتائج واضحة.

*تغادرون هذا الأسبوع تونس بعد نهاية ولايتكم ويحل محلكم الإيطالي جوزيبي بيروني فأي رسالة وأي نصيحة تقدمونها للسفير الجديد لتعزيز التعاون بين تونس والاتحاد الأوروبي..؟

أعتقد أن السفير الجديد، جوزيبي بيروني، لديه من الخبرة ومن التجربة ما يؤهله لمواصلة دفع علاقات الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي، وأتمنى له التوفيق في مهامه الجديدة التي تنطلق في سبتمبر المقبل. لا يزال هناك الكثير من الفرص ومن الإمكانات الهائلة لتعزيز الشراكة بيننا في شتى المجالات وأتمنى أن يوفق السفير الجديد في بلوغ هذه الأهداف الجديدة بالاعتماد على الطاقات والكفاءات الموجودة سواء على مستوى بعثة الاتحاد الأوروبي أو لدى بقية الشركاء.

أنصحه كذلك بالاستماع أكثر ما يمكن إلى الكفاءات التونسية، وخاصة من الشباب، التي لديها من الأفكار والطموح ما يكفي لدفع العلاقات المميزة بين شعوبنا.

كما أنصحه كذلك باستغلال ما أمكنه من الوقت لزيارة مختلف الجهات التونسية والتمتع بمعرفة ميزات وخصائص هذا البلد الجميل والتعرف على شعبه المضياف.. فالعمل المشترك والتشاور هو سمة علاقتنا.

*كيف ترون مستقبل العلاقات التونسية الأوروبية في ظل التغيرات السياسية والاقتصادية الإقليمية والعالمية؟

كما ذكرت، نحن نرتبط بعلاقات متينة تاريخيا وجغرافيا وثقافيا. وأعتقد أن هذه العلاقات يمكنها أن تتطور وتزدهر أكثر فأكثر في المستقبل بالنظر إلى الإمكانات الهائلة الموجودة لدى الطرفين. إن شعوبنا تتطلع إلى مزيد من التقارب والشراكة، ويمكنني التأكيد بأن التغيرات السياسية والاقتصادية العالمية أو حتى الإقليمية مهما بلغ تأثيرها لن تزيدنا إلا إصرارا وعزيمة على تكريس هذا التقارب التاريخي وتعزيزه.

*لكن الأكيد أن فوز اليمين في البرلمان الأوروبي وفوز اليسار في فرنسا ستكون له انعكاسات وتأثيرات على سياسات ودور الاتحاد الأوروبي الخارجية بما في ذلك تونس؟

في الحقيقة لا يمكن الحديث عن فوز كبير لليمين في البرلمان الأوروبي. صحيح، هناك صعود لافت لقوى اليمين في الانتخابات الأوروبية الأخيرة ولكن النتائج تظهر فوز أربعة أحزاب وسطية من ضمنها الحزب الذي تمثله السيدة أورسولا فون ديرلاين التي تستعد إلى تولي عهدتها الثانية قريبا على رأس المفوضية الأوروبية. نحن مرتاحون لوجود أغلبية مريحة داخل البرلمان الأوروبي معارضة لقوى اليمين المتطرف وتدفع إلى استمرار مشروع الاندماج الأوروبي بكل قوة.

*حديثنا عن تونس والعلاقات مع الضفة الشمالية للمتوسط، لن ينسينا غزة وما يجري هناك منذ أكتوبر الماضي، فكيف تنظرون الى الوضع في الأراضي الفلسطينية.. وهل تشاطروننا أن الدعم الغربي لإسرائيل ساهم في حرب الإبادة الدائرة اليوم ضد الفلسطينيين؟

أعتقد أن الأولوية الآن هي لوقف القتال وتجنب وقوع المزيد من الضحايا من المدنيين الفلسطينيين في غزة، كما دعا إلى ذلك مرارا الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل. الحل معروف للجميع وهو حل الدولتين، وهناك إجماع واضح بين الدول الأعضاء بخصوص هذا الأمر.

إن الاتحاد الأوروبي لن يدخر جهدًا لإعادة إرساء سيادة القانون وبناء السلام الدائم الذي تتطلع إليه جميع الشعوب، والشباب على وجه الخصوص.

في ختام لقائنا هذا، ما هي الرسالة التي تودون توجيهها للشعب التونسي بمناسبة انتهاء فترة ولايتكم في بلادنا؟

أود بداية أن أتوجه بالشكر إلى كل التونسيين الذين تعرفت عليهم خلال تواجدي في تونس والذين لمست من خلالهم مدى طيبة هذا الشعب وحفاوته ورفعة أخلاقه. أستطيع التأكيد بهذه المناسبة بأن السنوات الأربع التي قضيتها هنا هي من أجمل الفترات والتجارب التي خضتها طيلة مسيرتي المهنية. لقد استمعت كثيرا بكل الزيارات التي قمت بها للتعرف على الإرث التاريخي والحضاري الكبير لهذا البلد، وكذلك بكل اللقاءات التي أجريتها سواء على المستوى المهني أو الشخصي، وبكل الصداقات التي اكتسبتها هنا.

أدعو بهذه المناسبة كل التونسيين إلى التمسك ببلادهم والحفاظ على قيمنا المشتركة. وأود أن أخص فئة الشباب بالتعبير عن مدى فخرنا واعتزازنا بدعمهم ومرافقتهم في مشاريعهم، سواء كانت تتعلق بالدراسة، أو بعث المؤسسات أو فقط بإبداعهم. هناك الكثير من الفرص والإمكانات التي يمكن الاستفادة منها لضمان مزيد من النمو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في تونس. وثقوا تماما بأن الاتحاد الأوروبي يبقى ملتزما، كما كان دائما، بالوقوف إلى جانب الشعب التونسي لبلوغ هذه الأهداف.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي بتونس لـ"الصباح":  هناك الكثير من الإمكانات لتعزيز الشراكة مع تونس

تونس-الصباح

تمر اليوم الثلاثاء 16 جويلية، سنة كاملة على توقيع تونس والاتحاد الأوروبي مذكرة تفاهم، لإرساء "شراكة إستراتيجية وشاملة" في التنمية والطاقات المتجدّدة ومكافحة الهجرة غير النظامية، وهو الاتفاق الذي وصفه الرئيس قيس سعيد وقتها بأنه يقرّب بين الشعبين التونسي والأوروبي، والذي يتعين أن يكون مشفوعا في أقرب الأوقات بجملة من الاتفاقيات الملزمة.. ويتزامن الاحتفال بالذكرى الأولى للاتفاق مع انتهاء مهمة رئيس البعثة الأوروبية في تونس ماركوس كورنارو، هذا الأسبوع. لذلك تحدثت "الصباح" مع الديبلوماسي الأوروبي الذي قضّى 4 سنوات كاملة في بلادنا وكان اللقاء حول مذكرة التفاهم المذكورة والعلاقات التونسية الأوروبية وملف الهجرة وكذلك ملف غزة وما يجري فيها من حرب إبادة وتقتيل وتهجير..

وفيما يلي نص الحوار:

حاوره: سفيان رجب

*تستعدون لمغادرة بلادنا بعد أربع سنوات من العمل على رأس البعثة الأوروبية بتونس، فكيف تقيمون ولايتكم وماذا عن تطور العلاقات بين تونس والاتحاد الأوروبي خلال هذه الفترة؟

لا يخفى على أحد بأن هناك ارتباطا تاريخيا وجغرافيا وثقافيا بين الاتحاد الأوروبي وتونس، يمتد على مدى عقود من الزمن. وهذا الارتباط والتعاون يشمل عدة مجالات تم التنصيص عليها ضمن اتفاقية الشراكة التي تم توقيعها بين الطرفين سنة 1995. منذ قدومي إلى تونس سنة 2020، كان لدي طموح لتعصير وتطوير هذه الاتفاقية وتعزيز إطار الشراكة بيننا، خاصة في ما يتعلق بالاستثمار والتجارة. ولكن في الواقع كانت هناك العديد من التحديات، أبرزها أزمة الكوفيد سنة 2020 وما تلاها، ثم تطورات الانتقال السياسي في تونس، وبعد ذلك التقلبات التي شهدها العالم بعد العدوان الروسي على أوكرانيا واندلاع حرب جديدة في غزة.. ولئن لم تكن لهذه التحديات تأثيرات مباشرة على مستوى العلاقات السياسية والاقتصادية بين تونس والاتحاد الأوروبي، إلا أن استتباعاتها كان لها تأثير، خصوصا في ما يتعلق بتحقيق الأهداف المنشودة خلال السنوات الأخيرة.

عموما أستطيع أن أجزم بأن مستوى العلاقات بيننا يظل مميزا وإيجابيا. نعم كان هناك سوء تفاهم في بعض الفترات بسبب التباين بين انتظاراتنا وتطلعاتنا، كأهم الشركاء التقليديين لتونس، في ما يتعلق بمزيد من الترابط البيني، ولكن إرادتنا المشتركة وعزمنا على مزيد تطوير علاقاتنا كان أقوى وحماسنا لتعزيز شراكتنا كان أشد اتقادا. نحن دائما منفتحون للحوار على جميع المستويات.

*ما هي أبرز الإنجازات التي حققتموها في تعزيز الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي؟

على المستوى الاقتصادي كانت هناك العديد من الانجازات التي تم تحقيقها من خلال حزمة من المشاريع والأنشطة في إطار عدد من برامج الدعم التي يتم تنفيذها بالتعاون مع الشركاء التونسيين والتي تشمل عدة مجالات خاصة دعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة ودعم المبادرة لدى الشباب (برنامج الاتحاد الأوروبي للشباب – EU4YOUTH) وكذلك دعم قطاعات السياحة والثقافة والصناعات التقليدية (برنامج تونس وجهتنا) ودعم مشاريع البنية التحتية، إلى جانب تعزيز التعاون في مجال التعليم والبحث العلمي وكنا قد احتفلنا خلال الأشهر القليلة الماضية بمرور عشرين سنة من التعاون الوثيق في مجال البحث العلمي...

أما على المستوى السياسي، فأعتقد أن إبرام مذكرة التفاهم الاستراتيجي بين تونس والاتحاد الأوروبي في 16 جويلية 2023 يعد أحد أبرز المحطات التي تكرس عمق العلاقات بين الطرفين. وللتذكير فإن هذه المذكرة تندرج ضمن اتفاقية الشراكة، وتضم خمسة محاور أساسية تهدف في مجملها إلى مزيد تعزيز الشراكة بيننا في جميع المجالات خصوصا في ما يتعلق بدعم الاستقرار الاقتصادي، وتطوير التبادل التجاري، ودعم الانتقال الطاقي في تونس، وتعزيز التقارب بين شعوبنا، وأخيرا محور الهجرة.

وبعد سنة من توقيع هذه المذكرة، يمكننا أن نتحدث عن عديد النتائج الايجابية التي تم تحقيقها سواء على مستوى الحد من ظاهرة الهجرة غير النظامية أو خصوصا على مستوى الاستثمار ودعم الانتقال الطاقي في تونس. فقد أكد منتدى تونس للاستثمار الذي ساهم الاتحاد الأوروبي في تنظيمه مؤخرا خلال شهر جوان الفارط، بالتعاون مع الوكالة التونسية للنهوض بالاستثمار الخارجي، مدى حرص الطرفين على تعزيز التعاون الاقتصادي بيننا. وقد شهد هذا المنتدى حضورا بارزا من قبل العديد من المستثمرين الأوروبيين والأجانب، وشهد إمضاء عدد من الاتفاقيات الإطارية من ضمنها مشروع الربط الكهربائي بين وتونس وإيطاليا (ELMED) والذي يعد أحد أبرز المشاريع التنموية خلال الفترة القادمة...

لا يفوتني كذلك أن أشير إلى مبادرة "فريق أوروبا" التي تعد من أبرز المكاسب التي تحققت في الفترة الأخيرة والتي ساهمت في تعزيز التنسيق والتشاور بين ممثلي الدول أعضاء الاتحاد الأوروبي في تونس وهو ما مكن من ضمان تنفيذ العديد من المبادرات والأنشطة لفائدة التونسيين. وأذكر في هذا الإطار مبادرة فريق أوروبا للاستثمار التي تم الإعلان عنها خلال منتدى تونسي للاستثمار، وكذلك مبادرة فريق أوروبا للمياه التي سيتم الإعلان عنها قريبا.

*سنوات من الشراكة والتعاون نعتقد أنها لم تصل الى الدرجات المأمولة، فكيف ترون دور الاتحاد الأوروبي في دعم تونس اقتصاديًا وسياسيًا في السنوات المقبلة؟

يظل الاتحاد الأوروبي الشريك الأول لتونس سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، وهو ما تؤكده الأرقام والإحصائيات التي تظهر تبيانا كبيرا بين مستوى الاستثمار وكذلك التبادل الاقتصادي والتجاري مع الاتحاد الأوروبي مقارنة ببقية الشركاء الاقتصاديين لتونس. ونحن نطمح لتعزيز هذا المستوى من العلاقات الاقتصادية والسياسية ومزيد تطويرها والرقي بها إلى مستوى تطلعات شعوبنا.

كما أشرت سابقا، هناك العديد من المشاريع والبرامج التي يتم تنفيذها بدعم من الاتحاد الأوروبي في تونس والتي تساهم في تحقيق نتائج هامة في ما يتعلق بتطوير القطاعات المعنية. أما على مستوى الاستثمار، فيكفي أن نعرف أن الاستثمار الأوروبي في تونس قد تطور بما يقارب 10 بالمائة خلال الفترة الماضية رغم الصعوبات والسياق الاقتصادي العالمي. وأستطيع أن أؤكد لكم أن هذه الجهود ستتواصل خلال السنوات المقبلة. ولعل ما أفرزه منتدى الاستثمار في تونس من اتفاقيات ومشاريع وتقارب سياسي أيضا، خير دليل على ذلك.

أما على المستوى السياسي، فنحن على استعداد دائم للحوار مع الحكومة التونسية في سياق الهياكل المشتركة المؤسساتية في إطار اتفاق الشراكة.

*بالنظر الى العلاقات الوطيدة التي تحدثتم عنها، هل تعتقدون أن برامج المساعدات والتنمية التي قدمها الاتحاد الأوروبي لتونس في إطار البنى التحتية والخدمات تعد كافية وتستحق التنويه؟

لقد ساهمت البرامج والمشاريع التي يتم تنفيذها بدعم من الاتحاد الأوروبي في تطوير وتعزيز قدرات المؤسسات التونسية في العديد من القطاعات سواء في مجال الصناعة أو الخدمات. كما ساهمت هذه البرامج في تعزيز قدرات الكفاءات خاصة من الشباب التونسي، من ذلك مشاريع التجديد والإبداع التي يتم تنفيذها لفائدة عدد كبير من الشباب التونسي وكذلك مشاريع دعم الشركات النامية في قطاعات التجديد والتكنولوجيا...

هذا فضلا عن مشاريع دعم تطوير البنية التحتية بما يساهم في مزيد من الاندماج الاقتصادي خاصة في المناطق الداخلية، وأذكر على سبيل المثال مشروع الطريق السيارة التي تربط ولايتي صفاقس والقصرين والتي ستساهم في تعزيز التكامل الاقتصادي بين هاتين الجهتين وستمكن المؤسسات الموجودة بالقصرين من حلول إضافية على مستوى النقل..

*لكن يبقى ملف الهجرة من أهم الملفات الحارقة والتي شاهدنا فيها مقاربات مختلفة بين الطرفين؟

ملف الهجرة هو بالفعل ملف حارق بالنسبة للجميع وكما تعلمون تم التوقيع على مذكرة تفاهم مع تونس تنص خصوصا على مساعدة أوروبية بقيمة 105 ملايين يورو تهدف إلى منع مغادرة قوارب المهاجرين ومحاربة المهربين. وتنص أيضا على عودة مزيد من التونسيين الذين هم في وضع غير نظامي في الاتحاد الأوروبي فضلا عن عودة المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء من تونس إلى بلدانهم الأصلية. فالتعاون موجود بين تونس ودول الضفة الشمالية للمتوسط من أجل الحد من موجات الهجرة غير الشرعية والنتائج واضحة.

*تغادرون هذا الأسبوع تونس بعد نهاية ولايتكم ويحل محلكم الإيطالي جوزيبي بيروني فأي رسالة وأي نصيحة تقدمونها للسفير الجديد لتعزيز التعاون بين تونس والاتحاد الأوروبي..؟

أعتقد أن السفير الجديد، جوزيبي بيروني، لديه من الخبرة ومن التجربة ما يؤهله لمواصلة دفع علاقات الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي، وأتمنى له التوفيق في مهامه الجديدة التي تنطلق في سبتمبر المقبل. لا يزال هناك الكثير من الفرص ومن الإمكانات الهائلة لتعزيز الشراكة بيننا في شتى المجالات وأتمنى أن يوفق السفير الجديد في بلوغ هذه الأهداف الجديدة بالاعتماد على الطاقات والكفاءات الموجودة سواء على مستوى بعثة الاتحاد الأوروبي أو لدى بقية الشركاء.

أنصحه كذلك بالاستماع أكثر ما يمكن إلى الكفاءات التونسية، وخاصة من الشباب، التي لديها من الأفكار والطموح ما يكفي لدفع العلاقات المميزة بين شعوبنا.

كما أنصحه كذلك باستغلال ما أمكنه من الوقت لزيارة مختلف الجهات التونسية والتمتع بمعرفة ميزات وخصائص هذا البلد الجميل والتعرف على شعبه المضياف.. فالعمل المشترك والتشاور هو سمة علاقتنا.

*كيف ترون مستقبل العلاقات التونسية الأوروبية في ظل التغيرات السياسية والاقتصادية الإقليمية والعالمية؟

كما ذكرت، نحن نرتبط بعلاقات متينة تاريخيا وجغرافيا وثقافيا. وأعتقد أن هذه العلاقات يمكنها أن تتطور وتزدهر أكثر فأكثر في المستقبل بالنظر إلى الإمكانات الهائلة الموجودة لدى الطرفين. إن شعوبنا تتطلع إلى مزيد من التقارب والشراكة، ويمكنني التأكيد بأن التغيرات السياسية والاقتصادية العالمية أو حتى الإقليمية مهما بلغ تأثيرها لن تزيدنا إلا إصرارا وعزيمة على تكريس هذا التقارب التاريخي وتعزيزه.

*لكن الأكيد أن فوز اليمين في البرلمان الأوروبي وفوز اليسار في فرنسا ستكون له انعكاسات وتأثيرات على سياسات ودور الاتحاد الأوروبي الخارجية بما في ذلك تونس؟

في الحقيقة لا يمكن الحديث عن فوز كبير لليمين في البرلمان الأوروبي. صحيح، هناك صعود لافت لقوى اليمين في الانتخابات الأوروبية الأخيرة ولكن النتائج تظهر فوز أربعة أحزاب وسطية من ضمنها الحزب الذي تمثله السيدة أورسولا فون ديرلاين التي تستعد إلى تولي عهدتها الثانية قريبا على رأس المفوضية الأوروبية. نحن مرتاحون لوجود أغلبية مريحة داخل البرلمان الأوروبي معارضة لقوى اليمين المتطرف وتدفع إلى استمرار مشروع الاندماج الأوروبي بكل قوة.

*حديثنا عن تونس والعلاقات مع الضفة الشمالية للمتوسط، لن ينسينا غزة وما يجري هناك منذ أكتوبر الماضي، فكيف تنظرون الى الوضع في الأراضي الفلسطينية.. وهل تشاطروننا أن الدعم الغربي لإسرائيل ساهم في حرب الإبادة الدائرة اليوم ضد الفلسطينيين؟

أعتقد أن الأولوية الآن هي لوقف القتال وتجنب وقوع المزيد من الضحايا من المدنيين الفلسطينيين في غزة، كما دعا إلى ذلك مرارا الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل. الحل معروف للجميع وهو حل الدولتين، وهناك إجماع واضح بين الدول الأعضاء بخصوص هذا الأمر.

إن الاتحاد الأوروبي لن يدخر جهدًا لإعادة إرساء سيادة القانون وبناء السلام الدائم الذي تتطلع إليه جميع الشعوب، والشباب على وجه الخصوص.

في ختام لقائنا هذا، ما هي الرسالة التي تودون توجيهها للشعب التونسي بمناسبة انتهاء فترة ولايتكم في بلادنا؟

أود بداية أن أتوجه بالشكر إلى كل التونسيين الذين تعرفت عليهم خلال تواجدي في تونس والذين لمست من خلالهم مدى طيبة هذا الشعب وحفاوته ورفعة أخلاقه. أستطيع التأكيد بهذه المناسبة بأن السنوات الأربع التي قضيتها هنا هي من أجمل الفترات والتجارب التي خضتها طيلة مسيرتي المهنية. لقد استمعت كثيرا بكل الزيارات التي قمت بها للتعرف على الإرث التاريخي والحضاري الكبير لهذا البلد، وكذلك بكل اللقاءات التي أجريتها سواء على المستوى المهني أو الشخصي، وبكل الصداقات التي اكتسبتها هنا.

أدعو بهذه المناسبة كل التونسيين إلى التمسك ببلادهم والحفاظ على قيمنا المشتركة. وأود أن أخص فئة الشباب بالتعبير عن مدى فخرنا واعتزازنا بدعمهم ومرافقتهم في مشاريعهم، سواء كانت تتعلق بالدراسة، أو بعث المؤسسات أو فقط بإبداعهم. هناك الكثير من الفرص والإمكانات التي يمكن الاستفادة منها لضمان مزيد من النمو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في تونس. وثقوا تماما بأن الاتحاد الأوروبي يبقى ملتزما، كما كان دائما، بالوقوف إلى جانب الشعب التونسي لبلوغ هذه الأهداف.