إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

"إقامة شهيرة".. إغواء يكشف هشاشة الرجال خلف أقنعة القوة !

في مسرح الجهات بمدينة الثقافة، لم تكن "إقامة شهيرة" مجرد عودة إلى نص كلاسيكي من ذاكرة المسرح العالمي بل محاولة لإعادة مساءلته من داخل الواقع التونسي. ففي اختتام الدورة السابعة من تظاهرة "الخروج إلى المسرح"، قدّم عبد العزيز المحرزي عرضه الجديد، مقتبسا عن "La Locandiera" للكاتب الإيطالي كارلو غولدوني في إنتاج مشترك بين مسرح أوبرا تونس والتلفزة التونسية.
 
ومنذ اللحظات الأولى، يبدو واضحا أن المحرزي لا يتعامل مع النص الأصلي باعتباره مادة جاهزة لإعادة العرض بل كمنطلق للعب على المسافة بين زمنين وبيئتين. فالبنية العامة والحس الكوميدي لغولدوني حاضران، لكن الشخصيات تتحدث بلسان تونسي وتتحرك داخل سياق اجتماعي يعرفه المتفرج.. بما يجعل الحكاية القديمة تبدو وكأنها تُكتب من جديد أمامه.
في قلب هذا العالم تقف "شهيرة" صاحبة الإقامة امرأة تعرف جيدا كيف تدير المكان وكيف تقرأ الرجال من حولها... لا تنتظر أن تكون موضوعا لرغباتهم بل تتحول إلى صاحبة القرار في لعبة تتشابك فيها العاطفة بالمصلحة والرغبة بالسلطة والمال بالحضور الاجتماعي..
 
حول "شهيرة" يتجمع رجال يمثل كل واحد منهم وهما اجتماعيا مختلفا.. هناك من يعتقد أن المال قادر على فتح كل الأبواب، ومن يرى في النسب والمكانة الاجتماعية مصدرا دائما للنفوذ.. وهناك رجل يختار أن يجعل من رفض النساء والحب موقفا مبدئيا، وكأن إنكار العاطفة هو الطريق الأسهل إلى القوة.
لكن "شهيرة" تقرر أن تختبر هذا اليقين الأخير، فتدخل معه في لعبة إغواء تبدو في ظاهرها محاولة لإسقاط رجل متعال على الحب، لكنها تتحول تدريجيا إلى مواجهة أكثر تعقيدا.. فحين تبدأ لعبة السيطرة، لا يعود واضحا من يقود الآخر، ومن يملك زمام الموقف ومن أصبح أسيرا لمشاعره.
 
وهنا تحديدا يكتسب العرض دلالته الأوسع. فالإغواء ليس غاية في حد ذاته، بقدر ما يصبح أداة لكشف هشاشة الشخصيات وتناقضاتها. الرجل الذي يعلن قوته في مواجهة الحب يجد نفسه أمام ضعفه، والثري الذي يعتقد أن المال يمنحه سلطة مطلقة يكتشف أن العلاقات الإنسانية لا تخضع دائما لمنطق الشراء أما المتشبث بالمكانة والأصل فيواجه واقعا اجتماعيا لم يعد يشبه الصورة التي يتمسك بها..
 
وتأتي السخرية لتمنح هذه المواجهات خفتها ومرارتها في آن واحد. فالمحرزي لا يقدم خطابا مباشرا حول تحولات المجتمع، بل يترك الشخصيات تكشف نفسها من خلال مواقفها ومن خلال المفارقات التي تنشأ بينها. الضحك هنا ليس منفصلا عن النقد، بل هو الطريق الذي يسلكه العرض للوصول إلى مناطق أكثر جدية في علاقة الإنسان بالمال والسلطة والحب والصورة الاجتماعية.
كما أن المرأة في "إقامة شهيرة" لا تظهر في موقع الضحية التقليدية. إنها تعرف قواعد اللعبة وتدرك نقاط ضعف خصومها، وتستثمر ذكاءها وحضورها في إدارة العلاقات من حولها. لكن العرض، في المقابل لا يمنحها انتصارا مطلقا، إذ يجعل لعبة السيطرة العاطفية اختبارا للجميع، بما في ذلك صاحبة الإقامة نفسها..
 
فنيا، اختار عبد العزيز المحرزي قالب "الفودفيل"، بما يحمله من إيقاع سريع ومواقف هزلية وموسيقى ورقص، وهو اختيار ينسجم مع طبيعة النص وروحه الساخرة. كما جاءت السينوغرافيا مقتصدة، تعتمد عددا محدودا من العناصر التي يعاد توظيفها داخل الفضاء الركحي، فيتحول المكان الواحد بحسب الحاجة الدرامية من فضاء استقبال إلى غرف خاصة، دون إثقال المشهد بتفاصيل زائدة.
وتدعم الموسيقى الحية والكوريغرافيا والإضاءة والمابينغ هذا الإيقاع، فيما يساهم تعدد الشخصيات وتنوع أدائها في خلق عالم مسرحي تتحرك داخله الكوميديا جنبا إلى جنب مع الأسئلة الاجتماعية.
 
ويشارك في العرض إباء حملي، فرحات الجديد، جلال الدين السعدي، شكيب الغانمي، لطفي الناجح، أميمة المحرزي، يسرى طرابلسي، صبري البوهالي، إلى جانب عازف الكمان راضي الشوالي.
أما الفريق الفني والتقني فيضم يسرى القصباوي في الإخراج المساعد وإدارة الإنتاج، ومراد الحرباوي في اللوحات، وصبري عتروس في الإضاءة، وهيكل سعايدي في التوضيب، ويوسف بو عجاجة في المابينغ، وقيس بو الأعراس في الكوريغرافيا، وإيناس بوزيان في الملابس، وسامي ماجري في صناعة الديكور.
لتضع "إقامة شهيرة" المتفرج أمام سؤال يبدو بسيطا في البداية، لكنه سرعان ما يصبح أكثر تعقيدا: هل نحن من يتحكم في لعبة الحب والرغبة والسلطة، أم أن هذه الألعاب هي التي تتحكم فينا؟..
 
وليد عبد اللاوي
 
 
"إقامة شهيرة".. إغواء يكشف هشاشة الرجال خلف أقنعة القوة !
في مسرح الجهات بمدينة الثقافة، لم تكن "إقامة شهيرة" مجرد عودة إلى نص كلاسيكي من ذاكرة المسرح العالمي بل محاولة لإعادة مساءلته من داخل الواقع التونسي. ففي اختتام الدورة السابعة من تظاهرة "الخروج إلى المسرح"، قدّم عبد العزيز المحرزي عرضه الجديد، مقتبسا عن "La Locandiera" للكاتب الإيطالي كارلو غولدوني في إنتاج مشترك بين مسرح أوبرا تونس والتلفزة التونسية.
 
ومنذ اللحظات الأولى، يبدو واضحا أن المحرزي لا يتعامل مع النص الأصلي باعتباره مادة جاهزة لإعادة العرض بل كمنطلق للعب على المسافة بين زمنين وبيئتين. فالبنية العامة والحس الكوميدي لغولدوني حاضران، لكن الشخصيات تتحدث بلسان تونسي وتتحرك داخل سياق اجتماعي يعرفه المتفرج.. بما يجعل الحكاية القديمة تبدو وكأنها تُكتب من جديد أمامه.
في قلب هذا العالم تقف "شهيرة" صاحبة الإقامة امرأة تعرف جيدا كيف تدير المكان وكيف تقرأ الرجال من حولها... لا تنتظر أن تكون موضوعا لرغباتهم بل تتحول إلى صاحبة القرار في لعبة تتشابك فيها العاطفة بالمصلحة والرغبة بالسلطة والمال بالحضور الاجتماعي..
 
حول "شهيرة" يتجمع رجال يمثل كل واحد منهم وهما اجتماعيا مختلفا.. هناك من يعتقد أن المال قادر على فتح كل الأبواب، ومن يرى في النسب والمكانة الاجتماعية مصدرا دائما للنفوذ.. وهناك رجل يختار أن يجعل من رفض النساء والحب موقفا مبدئيا، وكأن إنكار العاطفة هو الطريق الأسهل إلى القوة.
لكن "شهيرة" تقرر أن تختبر هذا اليقين الأخير، فتدخل معه في لعبة إغواء تبدو في ظاهرها محاولة لإسقاط رجل متعال على الحب، لكنها تتحول تدريجيا إلى مواجهة أكثر تعقيدا.. فحين تبدأ لعبة السيطرة، لا يعود واضحا من يقود الآخر، ومن يملك زمام الموقف ومن أصبح أسيرا لمشاعره.
 
وهنا تحديدا يكتسب العرض دلالته الأوسع. فالإغواء ليس غاية في حد ذاته، بقدر ما يصبح أداة لكشف هشاشة الشخصيات وتناقضاتها. الرجل الذي يعلن قوته في مواجهة الحب يجد نفسه أمام ضعفه، والثري الذي يعتقد أن المال يمنحه سلطة مطلقة يكتشف أن العلاقات الإنسانية لا تخضع دائما لمنطق الشراء أما المتشبث بالمكانة والأصل فيواجه واقعا اجتماعيا لم يعد يشبه الصورة التي يتمسك بها..
 
وتأتي السخرية لتمنح هذه المواجهات خفتها ومرارتها في آن واحد. فالمحرزي لا يقدم خطابا مباشرا حول تحولات المجتمع، بل يترك الشخصيات تكشف نفسها من خلال مواقفها ومن خلال المفارقات التي تنشأ بينها. الضحك هنا ليس منفصلا عن النقد، بل هو الطريق الذي يسلكه العرض للوصول إلى مناطق أكثر جدية في علاقة الإنسان بالمال والسلطة والحب والصورة الاجتماعية.
كما أن المرأة في "إقامة شهيرة" لا تظهر في موقع الضحية التقليدية. إنها تعرف قواعد اللعبة وتدرك نقاط ضعف خصومها، وتستثمر ذكاءها وحضورها في إدارة العلاقات من حولها. لكن العرض، في المقابل لا يمنحها انتصارا مطلقا، إذ يجعل لعبة السيطرة العاطفية اختبارا للجميع، بما في ذلك صاحبة الإقامة نفسها..
 
فنيا، اختار عبد العزيز المحرزي قالب "الفودفيل"، بما يحمله من إيقاع سريع ومواقف هزلية وموسيقى ورقص، وهو اختيار ينسجم مع طبيعة النص وروحه الساخرة. كما جاءت السينوغرافيا مقتصدة، تعتمد عددا محدودا من العناصر التي يعاد توظيفها داخل الفضاء الركحي، فيتحول المكان الواحد بحسب الحاجة الدرامية من فضاء استقبال إلى غرف خاصة، دون إثقال المشهد بتفاصيل زائدة.
وتدعم الموسيقى الحية والكوريغرافيا والإضاءة والمابينغ هذا الإيقاع، فيما يساهم تعدد الشخصيات وتنوع أدائها في خلق عالم مسرحي تتحرك داخله الكوميديا جنبا إلى جنب مع الأسئلة الاجتماعية.
 
ويشارك في العرض إباء حملي، فرحات الجديد، جلال الدين السعدي، شكيب الغانمي، لطفي الناجح، أميمة المحرزي، يسرى طرابلسي، صبري البوهالي، إلى جانب عازف الكمان راضي الشوالي.
أما الفريق الفني والتقني فيضم يسرى القصباوي في الإخراج المساعد وإدارة الإنتاج، ومراد الحرباوي في اللوحات، وصبري عتروس في الإضاءة، وهيكل سعايدي في التوضيب، ويوسف بو عجاجة في المابينغ، وقيس بو الأعراس في الكوريغرافيا، وإيناس بوزيان في الملابس، وسامي ماجري في صناعة الديكور.
لتضع "إقامة شهيرة" المتفرج أمام سؤال يبدو بسيطا في البداية، لكنه سرعان ما يصبح أكثر تعقيدا: هل نحن من يتحكم في لعبة الحب والرغبة والسلطة، أم أن هذه الألعاب هي التي تتحكم فينا؟..
 
وليد عبد اللاوي