إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

أمينة فاخت في قرطاج.. غياب مطول لم يطفئ بريق الصوت وحضور يحتاج إلى مزيد من التوازن!

بعد غياب دام ثمانية أعوام، كان واضحا منذ اللحظات الأولى في حفل أمينة فاخت بمهرجان قرطاج ليلة أمس أن العلاقة بين هذه الفنانة وهذا الركح ليست علاقة عابرة.. فهناك ذاكرة طويلة من الأغاني والنجاحات واللحظات التي صنعتها أمينة فاخت في قرطاج وهناك جمهور لا يزال يرى فيها واحدة من أبرز الأصوات التي أنجبتها الساحة الفنية التونسية.
 
ولعل أهم ما يمكن التأكيد عليه بعد سهرة أمس هو أن قيمة أمينة فاخت الفنية أكبر بكثير من أن تختزل في مجرد استعادة أغنيات ناجحة أو في قدرة على صناعة الفرجة.. أمينة صاحبة الصوت العذب والقوي الذي يمتلك مساحات واسعة من التعبير والقادر على الانتقال بين الطرب والأغنية العاطفية والإيقاعات الشعبية وغيرها من الألوان.. ما من شك أنها تمتلك موهبة صوتية كان يمكن -وما تزال- قادرة على أن تقدم الكثير متى توفرت لها الرؤية الفنية والإدارة التي تعرف كيف توظف هذه الإمكانيات.
 أمينة فاخت أثبتت -رغم سنوات الغياب- أنها لم تفقد قدرتها على الإمساك بالركح.. أداؤها لعدد من أغانيها الراسخة في الذاكرة، إلى جانب تقديم "مازال بدري" أكد أن الصوت ما يزال حاضرا وأن التجربة الطويلة لم تنتقص من قدرتها على التواصل مع الجمهور. بل إن بعض لحظات السهرة كانت كافية للتذكير بأننا أمام فنانة تملك مقومات صوتية نادرة، وأن أمينة قادرة، متى اختارت المادة المناسبة، على تقديم أداء يلامس الطرب الحقيقي ويستعيد مكانتها كإحدى أهم الأصوات التونسية.
لكن، ومن باب الحرص على هذه القيمة الفنية، ومن باب الغيرة على فنانة يحبها التونسيون ويعشقون صوتها، يمكن القول إن سهرة قرطاج كانت قادرة على أن تكون أفضل مما كانت عليه.
أمينة فاخت قالت لجمهورها في لحظة طريفة "الشي أقوى مني" في إشارة إلى حركاتها العفوية على الركح.. وإن كانت هذه العفوية جزء من شخصيتها الفنية والجماهير الواسعة استحسنتها وتفاعلت معها بل ربما انتظرت من أمينة تلك الروح المختلفة التي ميزتها دائما عن غيرها.. غير أن العفوية، مهما كانت محببة، تحتاج هي الأخرى إلى قدر من التوازن، خصوصا عندما يتعلق الأمر بركح مثل قرطاج وبفنانة تمتلك قيمة صوتية بهذا الحجم.
ذلك ان بعض الحركات حين تكون محسوبة تخدم الأغنية وتمنحها حياة إضافية، لكن المبالغة فيها قد تتحول من عنصر فرجة إلى عنصر يشتت الانتباه عن الأهم: الصوت والأغنية والموسيقى.. وأمينة ليست بحاجة إلى المبالغة في الحركة حتى تثبت حضورها، لأن صوتها وحده قادر على ملء الركح، وشخصيتها الفنية قادرة على فرض نفسها دون أن تحتاج إلى جهد إضافي..
ولعل أجمل ما كان يمكن أن تقدمه أمينة فاخت هو أن تترك لصوتها مساحة أكبر ليتحدث عنها.. فهذه الفنانة تمتلك من الإمكانيات ما يجعل لحظة صمتها بين أغنية وأخرى، أو وقوفها أمام الجمهور وهي تؤدي مقطعا طربيا، أكثر تأثيرا أحيانا من عشرات الحركات.. فهي من الفنانات اللواتي يمكن للصوت عندهن أن يكون فرجة في حد ذاته.
 
أما الجانب الآخر الذي كان يستحق مزيدا من الاهتمام، فيتعلق بالبرمجة الفنية. فبعد هذا الغياب الطويل، كان من الممكن بناء عرض أكثر تنوعا، يأخذ الجمهور في رحلة شاملة داخل تجربة أمينة فاخت، لا تكتفي باستعادة أشهر أغانيها، وإنما تكشف أيضا عن إمكانياتها الطربية.
وكان يمكن، على سبيل المثال، إدراج أغنيتين أو ثلاث من عيون الطرب العربي، تختارها أمينة بعناية وتعيد تقديمها بأسلوبها الخاص. مثل هذه الإضافة كانت ستمنح العرض بعدا آخر وستؤكد أن أمينة لا تمتلك فقط رصيدا من الأغاني الناجحة، وإنما تمتلك أدوات الفنانة القادرة على التعامل مع المقامات والألحان والمساحات الصوتية المختلفة.
 
فالفنان الكبير لا يقاس فقط بما قدمه من أعمال، وإنما أيضا بقدرته على إعادة تقديم نفسه وعلى مفاجأة جمهوره.. وبعد ثمانية أعوام من الغياب عن قرطاج، كانت الفرصة متاحة أمام أمينة فاخت لتقول لجمهورها: هذه هي أمينة التي تعرفونها وهذه أيضا أمينة جديدة تكتشفونها من جديد.
وكان يمكن كذلك أن يكون ترتيب العرض أكثر تصاعدا يبدأ بالذاكرة، ثم ينتقل تدريجيا إلى التجديد قبل أن يبلغ ذروته في مساحة طربية أو غنائية تبرز إمكانيات الصوت.. مثل هذا البناء كان سيجعل السهرة أكثر تماسكا ويمنح كل فقرة وظيفتها داخل العرض بدل أن تبدو الأغاني والحركات أحيانا وكأنها تتحرك في المسار نفسه.
 
أما حضور أمينة على الركح، فربما كان يحتاج بدوره إلى نقلة نوعية..الامر لا يتعلق بالتخلي عن عفويتها أو شخصيتها فهما جزء من هويتها وإنما بأن توظفهما ضمن رؤية أكثر نضجا.. فالعفوية لا تعني بالضرورة الارتجال المستمر والفرجة لا تعني بالضرورة كثرة الحركة.. أحيانا تكون أبسط الإشارات وأكثرها هدوءا هي الأكثر تأثيرا.
والأمر نفسه يمكن قوله عن لباس الحفل. فبعيدا عن منطق الانتقاد من أجل الانتقاد، كان من الممكن أن يكون حضور أمينة البصري أكثر أناقة، وأكثر انسجاما مع تاريخها الفني ومع خصوصية عودتها إلى قرطاج بعد سنوات من الغياب. الفنانة التي تحمل كل هذه الذاكرة، والتي تقف أمام جمهور بهذا الحجم، تستحق صورة بصرية تليق بقيمتها ومسيرتها. وربما كان بالإمكان اختيار إطلالة أكثر جمالا وأناقة، دون أن تفقد أمينة شيئا من شخصيتها أو جرأتها المعروفة..
 
ملاحظات -طبعا- لا تقلل من قيمة السهرة ولا من مكانة أمينة فاخت، بل تنطلق تحديدا من قيمة فنية كبيرة تجعل سقف الانتظارات منها مرتفعا. فأمينة ليست فنانة عادية وجمهورها يعرف أنها قادرة على تقديم عرض أكثر اكتمالا، يضع صوتها وإمكاناتها الفنية في المكان الذي تستحقه !..
 
وليد عبد اللاوي
أمينة فاخت في قرطاج.. غياب مطول لم يطفئ بريق الصوت وحضور يحتاج إلى مزيد من التوازن!
بعد غياب دام ثمانية أعوام، كان واضحا منذ اللحظات الأولى في حفل أمينة فاخت بمهرجان قرطاج ليلة أمس أن العلاقة بين هذه الفنانة وهذا الركح ليست علاقة عابرة.. فهناك ذاكرة طويلة من الأغاني والنجاحات واللحظات التي صنعتها أمينة فاخت في قرطاج وهناك جمهور لا يزال يرى فيها واحدة من أبرز الأصوات التي أنجبتها الساحة الفنية التونسية.
 
ولعل أهم ما يمكن التأكيد عليه بعد سهرة أمس هو أن قيمة أمينة فاخت الفنية أكبر بكثير من أن تختزل في مجرد استعادة أغنيات ناجحة أو في قدرة على صناعة الفرجة.. أمينة صاحبة الصوت العذب والقوي الذي يمتلك مساحات واسعة من التعبير والقادر على الانتقال بين الطرب والأغنية العاطفية والإيقاعات الشعبية وغيرها من الألوان.. ما من شك أنها تمتلك موهبة صوتية كان يمكن -وما تزال- قادرة على أن تقدم الكثير متى توفرت لها الرؤية الفنية والإدارة التي تعرف كيف توظف هذه الإمكانيات.
 أمينة فاخت أثبتت -رغم سنوات الغياب- أنها لم تفقد قدرتها على الإمساك بالركح.. أداؤها لعدد من أغانيها الراسخة في الذاكرة، إلى جانب تقديم "مازال بدري" أكد أن الصوت ما يزال حاضرا وأن التجربة الطويلة لم تنتقص من قدرتها على التواصل مع الجمهور. بل إن بعض لحظات السهرة كانت كافية للتذكير بأننا أمام فنانة تملك مقومات صوتية نادرة، وأن أمينة قادرة، متى اختارت المادة المناسبة، على تقديم أداء يلامس الطرب الحقيقي ويستعيد مكانتها كإحدى أهم الأصوات التونسية.
لكن، ومن باب الحرص على هذه القيمة الفنية، ومن باب الغيرة على فنانة يحبها التونسيون ويعشقون صوتها، يمكن القول إن سهرة قرطاج كانت قادرة على أن تكون أفضل مما كانت عليه.
أمينة فاخت قالت لجمهورها في لحظة طريفة "الشي أقوى مني" في إشارة إلى حركاتها العفوية على الركح.. وإن كانت هذه العفوية جزء من شخصيتها الفنية والجماهير الواسعة استحسنتها وتفاعلت معها بل ربما انتظرت من أمينة تلك الروح المختلفة التي ميزتها دائما عن غيرها.. غير أن العفوية، مهما كانت محببة، تحتاج هي الأخرى إلى قدر من التوازن، خصوصا عندما يتعلق الأمر بركح مثل قرطاج وبفنانة تمتلك قيمة صوتية بهذا الحجم.
ذلك ان بعض الحركات حين تكون محسوبة تخدم الأغنية وتمنحها حياة إضافية، لكن المبالغة فيها قد تتحول من عنصر فرجة إلى عنصر يشتت الانتباه عن الأهم: الصوت والأغنية والموسيقى.. وأمينة ليست بحاجة إلى المبالغة في الحركة حتى تثبت حضورها، لأن صوتها وحده قادر على ملء الركح، وشخصيتها الفنية قادرة على فرض نفسها دون أن تحتاج إلى جهد إضافي..
ولعل أجمل ما كان يمكن أن تقدمه أمينة فاخت هو أن تترك لصوتها مساحة أكبر ليتحدث عنها.. فهذه الفنانة تمتلك من الإمكانيات ما يجعل لحظة صمتها بين أغنية وأخرى، أو وقوفها أمام الجمهور وهي تؤدي مقطعا طربيا، أكثر تأثيرا أحيانا من عشرات الحركات.. فهي من الفنانات اللواتي يمكن للصوت عندهن أن يكون فرجة في حد ذاته.
 
أما الجانب الآخر الذي كان يستحق مزيدا من الاهتمام، فيتعلق بالبرمجة الفنية. فبعد هذا الغياب الطويل، كان من الممكن بناء عرض أكثر تنوعا، يأخذ الجمهور في رحلة شاملة داخل تجربة أمينة فاخت، لا تكتفي باستعادة أشهر أغانيها، وإنما تكشف أيضا عن إمكانياتها الطربية.
وكان يمكن، على سبيل المثال، إدراج أغنيتين أو ثلاث من عيون الطرب العربي، تختارها أمينة بعناية وتعيد تقديمها بأسلوبها الخاص. مثل هذه الإضافة كانت ستمنح العرض بعدا آخر وستؤكد أن أمينة لا تمتلك فقط رصيدا من الأغاني الناجحة، وإنما تمتلك أدوات الفنانة القادرة على التعامل مع المقامات والألحان والمساحات الصوتية المختلفة.
 
فالفنان الكبير لا يقاس فقط بما قدمه من أعمال، وإنما أيضا بقدرته على إعادة تقديم نفسه وعلى مفاجأة جمهوره.. وبعد ثمانية أعوام من الغياب عن قرطاج، كانت الفرصة متاحة أمام أمينة فاخت لتقول لجمهورها: هذه هي أمينة التي تعرفونها وهذه أيضا أمينة جديدة تكتشفونها من جديد.
وكان يمكن كذلك أن يكون ترتيب العرض أكثر تصاعدا يبدأ بالذاكرة، ثم ينتقل تدريجيا إلى التجديد قبل أن يبلغ ذروته في مساحة طربية أو غنائية تبرز إمكانيات الصوت.. مثل هذا البناء كان سيجعل السهرة أكثر تماسكا ويمنح كل فقرة وظيفتها داخل العرض بدل أن تبدو الأغاني والحركات أحيانا وكأنها تتحرك في المسار نفسه.
 
أما حضور أمينة على الركح، فربما كان يحتاج بدوره إلى نقلة نوعية..الامر لا يتعلق بالتخلي عن عفويتها أو شخصيتها فهما جزء من هويتها وإنما بأن توظفهما ضمن رؤية أكثر نضجا.. فالعفوية لا تعني بالضرورة الارتجال المستمر والفرجة لا تعني بالضرورة كثرة الحركة.. أحيانا تكون أبسط الإشارات وأكثرها هدوءا هي الأكثر تأثيرا.
والأمر نفسه يمكن قوله عن لباس الحفل. فبعيدا عن منطق الانتقاد من أجل الانتقاد، كان من الممكن أن يكون حضور أمينة البصري أكثر أناقة، وأكثر انسجاما مع تاريخها الفني ومع خصوصية عودتها إلى قرطاج بعد سنوات من الغياب. الفنانة التي تحمل كل هذه الذاكرة، والتي تقف أمام جمهور بهذا الحجم، تستحق صورة بصرية تليق بقيمتها ومسيرتها. وربما كان بالإمكان اختيار إطلالة أكثر جمالا وأناقة، دون أن تفقد أمينة شيئا من شخصيتها أو جرأتها المعروفة..
 
ملاحظات -طبعا- لا تقلل من قيمة السهرة ولا من مكانة أمينة فاخت، بل تنطلق تحديدا من قيمة فنية كبيرة تجعل سقف الانتظارات منها مرتفعا. فأمينة ليست فنانة عادية وجمهورها يعرف أنها قادرة على تقديم عرض أكثر اكتمالا، يضع صوتها وإمكاناتها الفنية في المكان الذي تستحقه !..
 
وليد عبد اللاوي