لم يكن ينقص سهرة آدم على ركح الحمامات شيء من الحضور الجماهيري فمنذ الساعات الأولى بدا واضحا أن الفنان اللبناني جاء ليجد أمامه جمهورا يعرفه ويحفظ أغانيه ويرددها عن ظهر قلب..
امتلأت المدارج وارتفعت الأصوات وتحولت أعمال آدم إلى ذاكرة جماعية يستعيدها الحاضرون أغنية بعد أخرى.
غير أن النجاح الجماهيري الكبير للسهرة يفتح، في المقابل، سؤالا فنيا لا يمكن تجاهله: هل كان آدم في مستوى هذا الجمهور الذي جاء ليستمع إليه، أم أن الجمهور، في لحظات كثيرة أصبح هو صاحب العرض؟
فقد بدا في أجزاء مهمة من السهرة أن التفاعل الجماهيري تجاوز حدود المشاركة الطبيعية، ليتحول إلى أداء جماعي غطّى أحيانا على صوت الفنان نفسه.. الجمهور يردد الكلمات، ويستبق المقاطع، ويكمل الأغاني فيما يترك آدم المساحة واسعة لهذا الكورال الضخم، مكتفيا في مواضع عديدة بمجاراة الحاضرين أو استعادة بعض المقاطع.
لا شك أن مشهد جمهور يحفظ أغاني فنان عن ظهر قلب هو، في حد ذاته، شهادة نجاح ومحبة. لكن الفنان الكبير لا يُقاس فقط بقدرته على جعل الجمهور يغني معه وإنما أيضا بقدرته على إسكات الحضور حين يريد وإجباره على الإصغاء حين يبدأ بالغناء.
وهنا تحديدًا بدت المقارنة مع حفل آدم في قرطاج السنة الماضية مشروعة؛ إذ كان حضوره يومها أكثر تركيزا، وكانت شخصيته الفنية أكثر وضوحا وكان هو من يقود إيقاع السهرة ويمنح الجمهور مساحة للتفاعل دون أن يتنازل عن مركزية الفنان فوق المسرح.
المسألة، إذن، ليست في أن يغني الجمهور، فالغناء الجماعي أحد أجمل مظاهر الحفلات الناجحة. وإنما في أن يعرف الفنان متى يترك الجمهور يغني، ومتى يستعيد الأغنية لنفسه. فهناك لحظة يصبح فيها التصفيق أجمل من الكلام، ويصبح الصمت في القاعة أبلغ من آلاف الأصوات..
وآدم، بما يمتلكه من خامة صوتية وإحساس وقدرة على أداء اللون الطربي والرومنسي، كان يستطيع أن يمنح جمهور الحمامات أكثر من مجرد لحظات يردد فيها أشهر أغانيه.. كان يمكن أن يجعل من السهرة مساحة لاكتشاف صوته من جديد، وأن يقدم أغانيه كما يعرفها الجمهور، ولكن أيضا كما ينبغي أن يسمعها منه.
فالنجومية تمنح الفنان محبة الجمهور، لكنها في المقابل تحمّله مسؤولية هذه المحبة. وكلما اتسعت دائرة المعجبين ارتفع سقف الانتظار وأصبح مطلوبا من الفنان أن يكون أكثر حضورا، لا أن يكتفي بالاطمئنان إلى أن الجمهور يعرف كلمات جل أعماله..
ثم إن مسرح الحمامات ليس مجرد فضاء مفتوح للغناء؛ إنه أحد المسارح التي صنعت جزءا من الذاكرة الثقافية والفنية في تونس. والوقوف على ركحه، خصوصا في مهرجان عريق، يقتضي من الفنان أن يدرك أنه لا يقدم سهرة عادية بل يضيف حلقة جديدة إلى تاريخ مسرح سيبقى شاهدا على من مروا فوقه.
لذلك فإن الملاحظة لا تنتقص من آدم، بل ربما هي في جوهرها عتاب على فنان ننتظر منه الكثير.. فالجمهور التونسي أثبت أنه يحب آدم، وأنه يحفظ أغانيه وأنه مستعد لملء المدرجات من أجله. وما ينتظره منه في المقابل ليس أن يغني معه فقط، وإنما أن يغني له.
أن يترك للجمهور صوته عندما يريد الجمهور أن يغني.. وأن يستعيد صوته حين يحين وقت الإصغاء.
فالفنان الحقيقي لا يكتفي بأن يكون محبوبا فوق المسرح.. بل يعرف كيف يجعل آلاف الأصوات تصمت لحظات.. حتى يسمع الجميع صوته!
وليد عبد اللاوي
لم يكن ينقص سهرة آدم على ركح الحمامات شيء من الحضور الجماهيري فمنذ الساعات الأولى بدا واضحا أن الفنان اللبناني جاء ليجد أمامه جمهورا يعرفه ويحفظ أغانيه ويرددها عن ظهر قلب..
امتلأت المدارج وارتفعت الأصوات وتحولت أعمال آدم إلى ذاكرة جماعية يستعيدها الحاضرون أغنية بعد أخرى.
غير أن النجاح الجماهيري الكبير للسهرة يفتح، في المقابل، سؤالا فنيا لا يمكن تجاهله: هل كان آدم في مستوى هذا الجمهور الذي جاء ليستمع إليه، أم أن الجمهور، في لحظات كثيرة أصبح هو صاحب العرض؟
فقد بدا في أجزاء مهمة من السهرة أن التفاعل الجماهيري تجاوز حدود المشاركة الطبيعية، ليتحول إلى أداء جماعي غطّى أحيانا على صوت الفنان نفسه.. الجمهور يردد الكلمات، ويستبق المقاطع، ويكمل الأغاني فيما يترك آدم المساحة واسعة لهذا الكورال الضخم، مكتفيا في مواضع عديدة بمجاراة الحاضرين أو استعادة بعض المقاطع.
لا شك أن مشهد جمهور يحفظ أغاني فنان عن ظهر قلب هو، في حد ذاته، شهادة نجاح ومحبة. لكن الفنان الكبير لا يُقاس فقط بقدرته على جعل الجمهور يغني معه وإنما أيضا بقدرته على إسكات الحضور حين يريد وإجباره على الإصغاء حين يبدأ بالغناء.
وهنا تحديدًا بدت المقارنة مع حفل آدم في قرطاج السنة الماضية مشروعة؛ إذ كان حضوره يومها أكثر تركيزا، وكانت شخصيته الفنية أكثر وضوحا وكان هو من يقود إيقاع السهرة ويمنح الجمهور مساحة للتفاعل دون أن يتنازل عن مركزية الفنان فوق المسرح.
المسألة، إذن، ليست في أن يغني الجمهور، فالغناء الجماعي أحد أجمل مظاهر الحفلات الناجحة. وإنما في أن يعرف الفنان متى يترك الجمهور يغني، ومتى يستعيد الأغنية لنفسه. فهناك لحظة يصبح فيها التصفيق أجمل من الكلام، ويصبح الصمت في القاعة أبلغ من آلاف الأصوات..
وآدم، بما يمتلكه من خامة صوتية وإحساس وقدرة على أداء اللون الطربي والرومنسي، كان يستطيع أن يمنح جمهور الحمامات أكثر من مجرد لحظات يردد فيها أشهر أغانيه.. كان يمكن أن يجعل من السهرة مساحة لاكتشاف صوته من جديد، وأن يقدم أغانيه كما يعرفها الجمهور، ولكن أيضا كما ينبغي أن يسمعها منه.
فالنجومية تمنح الفنان محبة الجمهور، لكنها في المقابل تحمّله مسؤولية هذه المحبة. وكلما اتسعت دائرة المعجبين ارتفع سقف الانتظار وأصبح مطلوبا من الفنان أن يكون أكثر حضورا، لا أن يكتفي بالاطمئنان إلى أن الجمهور يعرف كلمات جل أعماله..
ثم إن مسرح الحمامات ليس مجرد فضاء مفتوح للغناء؛ إنه أحد المسارح التي صنعت جزءا من الذاكرة الثقافية والفنية في تونس. والوقوف على ركحه، خصوصا في مهرجان عريق، يقتضي من الفنان أن يدرك أنه لا يقدم سهرة عادية بل يضيف حلقة جديدة إلى تاريخ مسرح سيبقى شاهدا على من مروا فوقه.
لذلك فإن الملاحظة لا تنتقص من آدم، بل ربما هي في جوهرها عتاب على فنان ننتظر منه الكثير.. فالجمهور التونسي أثبت أنه يحب آدم، وأنه يحفظ أغانيه وأنه مستعد لملء المدرجات من أجله. وما ينتظره منه في المقابل ليس أن يغني معه فقط، وإنما أن يغني له.
أن يترك للجمهور صوته عندما يريد الجمهور أن يغني.. وأن يستعيد صوته حين يحين وقت الإصغاء.
فالفنان الحقيقي لا يكتفي بأن يكون محبوبا فوق المسرح.. بل يعرف كيف يجعل آلاف الأصوات تصمت لحظات.. حتى يسمع الجميع صوته!