إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

من أول نغمة إلى آخر رقصة.. ساليف كايتا يكتب واحدة من أجمل سهرات الحمامات

لم يحتج الفنان المالي ساليف كايتا إلى استعراضات بصرية أو مؤثرات تقنية ليؤكد مكانته كأحد أعظم الأصوات التي أنجبتها القارة الإفريقية.. فمنذ اللحظات الأولى لاعتلائه ركح مهرجان الحمامات الدولي، مساء أمس، فرض حضوره بهدوء الواثق.. تاركا لصوته وللفرقة الموسيقية مهمة إنجاز ما عجزت عنه أحيانا أحدث تقنيات العروض المعاصرة..
ورغم أن السنوات تركت بصمتها على جسده، حتى إنه اختار الغناء جالسا امتثالا لنصيحة الأطباء، فإنها لم تنجح في انتزاع تلك القوة التي تميز خامته الصوتية. ظل صوته يحتفظ بقدرته على الانتقال بين الهمس والانفجار، بين الشجن والفرح، في أداء بدا وكأنه يتحدى الزمن ويؤكد أن الفنان الحقيقي لا تقاس قيمته بالعمر، بل بما يستطيع أن يزرعه في وجدان جمهوره.
لكن نجاح السهرة لم يكن رهين صوت ساليف كايتا وحده، بل كان ثمرة فرقة موسيقية أثبتت أنها واحدة من أبرز الفرق الإفريقية القادرة على تحويل كل أغنية إلى رحلة مستقلة. فقد بدا الانسجام بين العازفين لافتا، وكأنهم يتنفسون الإيقاع ذاته دون الحاجة إلى إشارات أو تعليمات.
ولم يكن أي عازف مجرد مرافق للنجم المالي، بل كان بطلا في لحظته. فكل آلة كانت تجد المساحة الكافية لتروي حكايتها، قبل أن تعود بانسيابية إلى النسيج الموسيقي العام. وتعاقبت لحظات التألق الفردي، سواء مع الغيتار أو الإيقاعات الإفريقية أو آلات النفخ، لتتحول إلى فواصل انتزع بعضها تصفيقا حارا قبل حتى أن تنتهي المقطوعة.
وأثبتت الفرقة أن الموسيقى الإفريقية ليست مجرد إيقاعات راقصة كما يختزلها البعض، بل هي بناء موسيقي شديد الثراء، تتجاور فيه البساطة مع التعقيد، وتلتقي فيه الجذور التقليدية باللمسات العصرية دون أن تفقد هويتها.
وكان واضحا أن كايتا يمنح موسيقييه ثقة مطلقة، فلا يحتكر الأضواء، بل يفسح لهم المجال للتألق، في صورة تعكس فنانا يؤمن بأن نجاح العرض مسؤولية جماعية، لا بطولة فردية.
ومع توالي الأغاني، ارتفعت حرارة التفاعل داخل المسرح تدريجيا. جمهور الحمامات لم يكتف بالتصفيق أو ترديد بعض المقاطع، بل عاش كل أغنية بإيقاعها الخاص، إلى أن جاءت اللحظة التي انفجرت فيها الطاقة الجماعية مع "Madan"، حين تحولت المقاعد إلى مجرد تفاصيل، واندفع العشرات نحو الركح بدعوة من أعضاء الفرقة.. ذلك أنه لم يعد ممكنا التمييز بين الفنانين والجمهور. امتزجت الرقصات بالتصفيق والابتسامات، وأصبح المسرح فضاء واحدا يحتفي بالموسيقى بوصفها لغة لا تحتاج إلى ترجمة. كانت نهاية تؤكد أن الحفل لم يكن مجرد عرض فني، بل تجربة إنسانية صنعتها فرقة تعرف كيف تمنح الجمهور الإحساس بأنه جزء من الموسيقى، لا مجرد متفرج عليها.
 ساليف كايتا لم يكتف بإحياء حفل ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي، بل قدم برفقة فرقته الموسيقية عرضا يذكر الجميع بأن الموسيقى الحية، حين يؤديها فنانون يمتلكون الخبرة والشغف، تبقى قادرة على خطف الأنفاس، مهما تغيرت الأذواق وتعاقبت الأجيال..
 
وليد عبد اللاوي
 
 
من أول نغمة إلى آخر رقصة.. ساليف كايتا يكتب واحدة من أجمل سهرات الحمامات
لم يحتج الفنان المالي ساليف كايتا إلى استعراضات بصرية أو مؤثرات تقنية ليؤكد مكانته كأحد أعظم الأصوات التي أنجبتها القارة الإفريقية.. فمنذ اللحظات الأولى لاعتلائه ركح مهرجان الحمامات الدولي، مساء أمس، فرض حضوره بهدوء الواثق.. تاركا لصوته وللفرقة الموسيقية مهمة إنجاز ما عجزت عنه أحيانا أحدث تقنيات العروض المعاصرة..
ورغم أن السنوات تركت بصمتها على جسده، حتى إنه اختار الغناء جالسا امتثالا لنصيحة الأطباء، فإنها لم تنجح في انتزاع تلك القوة التي تميز خامته الصوتية. ظل صوته يحتفظ بقدرته على الانتقال بين الهمس والانفجار، بين الشجن والفرح، في أداء بدا وكأنه يتحدى الزمن ويؤكد أن الفنان الحقيقي لا تقاس قيمته بالعمر، بل بما يستطيع أن يزرعه في وجدان جمهوره.
لكن نجاح السهرة لم يكن رهين صوت ساليف كايتا وحده، بل كان ثمرة فرقة موسيقية أثبتت أنها واحدة من أبرز الفرق الإفريقية القادرة على تحويل كل أغنية إلى رحلة مستقلة. فقد بدا الانسجام بين العازفين لافتا، وكأنهم يتنفسون الإيقاع ذاته دون الحاجة إلى إشارات أو تعليمات.
ولم يكن أي عازف مجرد مرافق للنجم المالي، بل كان بطلا في لحظته. فكل آلة كانت تجد المساحة الكافية لتروي حكايتها، قبل أن تعود بانسيابية إلى النسيج الموسيقي العام. وتعاقبت لحظات التألق الفردي، سواء مع الغيتار أو الإيقاعات الإفريقية أو آلات النفخ، لتتحول إلى فواصل انتزع بعضها تصفيقا حارا قبل حتى أن تنتهي المقطوعة.
وأثبتت الفرقة أن الموسيقى الإفريقية ليست مجرد إيقاعات راقصة كما يختزلها البعض، بل هي بناء موسيقي شديد الثراء، تتجاور فيه البساطة مع التعقيد، وتلتقي فيه الجذور التقليدية باللمسات العصرية دون أن تفقد هويتها.
وكان واضحا أن كايتا يمنح موسيقييه ثقة مطلقة، فلا يحتكر الأضواء، بل يفسح لهم المجال للتألق، في صورة تعكس فنانا يؤمن بأن نجاح العرض مسؤولية جماعية، لا بطولة فردية.
ومع توالي الأغاني، ارتفعت حرارة التفاعل داخل المسرح تدريجيا. جمهور الحمامات لم يكتف بالتصفيق أو ترديد بعض المقاطع، بل عاش كل أغنية بإيقاعها الخاص، إلى أن جاءت اللحظة التي انفجرت فيها الطاقة الجماعية مع "Madan"، حين تحولت المقاعد إلى مجرد تفاصيل، واندفع العشرات نحو الركح بدعوة من أعضاء الفرقة.. ذلك أنه لم يعد ممكنا التمييز بين الفنانين والجمهور. امتزجت الرقصات بالتصفيق والابتسامات، وأصبح المسرح فضاء واحدا يحتفي بالموسيقى بوصفها لغة لا تحتاج إلى ترجمة. كانت نهاية تؤكد أن الحفل لم يكن مجرد عرض فني، بل تجربة إنسانية صنعتها فرقة تعرف كيف تمنح الجمهور الإحساس بأنه جزء من الموسيقى، لا مجرد متفرج عليها.
 ساليف كايتا لم يكتف بإحياء حفل ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي، بل قدم برفقة فرقته الموسيقية عرضا يذكر الجميع بأن الموسيقى الحية، حين يؤديها فنانون يمتلكون الخبرة والشغف، تبقى قادرة على خطف الأنفاس، مهما تغيرت الأذواق وتعاقبت الأجيال..
 
وليد عبد اللاوي