لم يكن عرض "عيطة مون أمور" الذي احتضنه ركح مهرجان الحمامات الدولي في دورته الستين مساء الخميس، مجرد لقاء موسيقي بين الفنانة المغربية وداد مجمع والموسيقي والمنتج التونسي خليل إيبي، بل بدا أشبه برحلة في ذاكرة المغرب، حيث امتزج السرد بالغناء، والتاريخ بالإيقاع، والتراث بالموسيقى الالكترونية في تجربة فنية مختلفة.
فمنذ اللحظات الأولى، اختار الثنائي أن يكسر القالب التقليدي للحفلات الموسيقية. لم تكن الأغاني تتوالى دون مقدمات، بل كانت كل واحدة منها تسبقها قصة تفسر ظروف ولادتها، أو تكشف جانبا من تاريخ فن العيطة، أو تستحضر نساء حملن هذا الموروث على أكتافهن لعقود، لتتحول السهرة إلى حوار مستمر بين الكلمة واللحن.
وتنقل الجمهور بين محطات موسيقية متعددة، انطلقت بـ"لواد لواد" مرورا بـ"سبتي" و"عمالة" و"سيدي حمد" و"دمي" و"الحداويات" و"حاجتي" و"طالع لدارو"، قبل أن يختتم العرض بأغنية "ردوني"..
وكانت هذه الأعمال تقدم بروحها الأصلية، لكنها ترتدي توزيعات إلكترونية حديثة منحتها بعدا جديدا دون أن تفقد هويتها.
ولم تُخف وداد مجمع رغبتها في تعريف الجمهور التونسي بهذا الفن المغربي العريق، موضحة أن العيطة ليست مجرد غناء شعبي، بل سجل شفوي وثّق حياة الناس في البادية المغربية، وحفظ قصصهم وأفراحهم وأحزانهم. كما أشارت إلى أن هذا الفن لعب دورا وطنيا خلال فترة الاستعمار الفرنسي، إذ استخدمه المقاومون لنقل رسائل مشفرة لم يكن المستعمر قادرا على فهمها.
ولإضفاء مزيد من الأصالة على العرض، استعان المشروع بموسيقيين من منطقة عبدة المغربية، أحد أبرز معاقل العيطة، من بينهم عازف الكمان أمين الورديني وعازف الوتر رشيد العابدين، اللذان رافقا رحلة البحث التي بدأها وداد مجمع وخليل إيبي سنة 2022، حين انتقلا إلى مدينة آسفي للغوص في تفاصيل هذا التراث والالتقاء بحفظته ورواته.
ولا يقوم مشروع "عيطة مون أمور" على إعادة تقديم التراث كما هو، بل يسعى إلى إعادة قراءته بلغة موسيقية معاصرة، حيث تتداخل الأصوات التقليدية مع الإيقاعات الإلكترونية تدريجيا، في تجربة تحافظ على روح العيطة وتفتحها في الوقت نفسه أمام جمهور جديد داخل المغرب وخارجه.
ومن أبرز محطات السهرة، أداء أغنية "العائد" للفنانة أميمة الخليل، بألحان وتوزيع مارسيل خليفة، في تحية مؤثرة للشعب الفلسطيني وصموده، لتؤكد أن الموسيقى، مهما اختلفت هوياتها، تبقى لغة قادرة على حمل رسائل الحرية والإنسانية.
كما توقفت وداد مجمع عند الدور المحوري الذي لعبته المرأة في حفظ هذا الموروث، معتبرة أن المشروع هو أيضا تكريم للنساء المغربيات ولـ"الشيخات" اللواتي حافظن على العيطة ونقلنها عبر الأجيال رغم ما تعرضن له من أحكام اجتماعية في فترات مختلفة.
وفي الندوة الصحفية التي أعقبت العرض، أكد خليل إيبي أن العودة إلى تونس بهذا المشروع تحمل قيمة رمزية كبيرة بالنسبة إليه، خاصة أن "عيطة مون أمور" جاب أكثر من 120 مسرحا ومهرجانا حول العالم، لكنه يرى أن لقاء الجمهور التونسي يبقى مختلفا بحكم القرب الثقافي بين البلدين.
أما وداد مجمع، فاعتبرت أن تقديم العرض في تونس يمنحها الإحساس بأنها تغني في وطنها، مشيرة إلى أن العيطة ما تزال حية بفضل اهتمام جيل جديد من الموسيقيين، وإن كانت تلاحظ تراجعا في عدد النساء الممارسات لهذا الفن مقارنة بما كان عليه الوضع في العقود الماضية.
وكشفت أيضا أن اهتمامها الأكاديمي بالعيطة انطلق خلال جائحة كوفيد-19، بعدما لاحظت قلة الدراسات التي تناولت هذا الفن، وهو ما دفعها إلى خوض رحلة بحث ميداني رفقة خليل إيبي، تحولت لاحقا إلى مشروع فني يجوب المسارح العالمية، واضعا العيطة المغربية في حوار مفتوح مع الموسيقى المعاصرة.
وتتواصل فعاليات الدورة الستين من مهرجان الحمامات الدولي، حيث يستقبل الركح، مساء اليوم الجمعة، الفنان المالي ساليف كيتا، أحد أبرز الأصوات التي أسهمت في إيصال الموسيقى الإفريقية إلى العالمية، بالتزامن مع افتتاح معرض يوثق ستة عقود من تاريخ المهرجان تحت شعار "ذاكرة تعيش"..
وليد عبد اللاوي
لم يكن عرض "عيطة مون أمور" الذي احتضنه ركح مهرجان الحمامات الدولي في دورته الستين مساء الخميس، مجرد لقاء موسيقي بين الفنانة المغربية وداد مجمع والموسيقي والمنتج التونسي خليل إيبي، بل بدا أشبه برحلة في ذاكرة المغرب، حيث امتزج السرد بالغناء، والتاريخ بالإيقاع، والتراث بالموسيقى الالكترونية في تجربة فنية مختلفة.
فمنذ اللحظات الأولى، اختار الثنائي أن يكسر القالب التقليدي للحفلات الموسيقية. لم تكن الأغاني تتوالى دون مقدمات، بل كانت كل واحدة منها تسبقها قصة تفسر ظروف ولادتها، أو تكشف جانبا من تاريخ فن العيطة، أو تستحضر نساء حملن هذا الموروث على أكتافهن لعقود، لتتحول السهرة إلى حوار مستمر بين الكلمة واللحن.
وتنقل الجمهور بين محطات موسيقية متعددة، انطلقت بـ"لواد لواد" مرورا بـ"سبتي" و"عمالة" و"سيدي حمد" و"دمي" و"الحداويات" و"حاجتي" و"طالع لدارو"، قبل أن يختتم العرض بأغنية "ردوني"..
وكانت هذه الأعمال تقدم بروحها الأصلية، لكنها ترتدي توزيعات إلكترونية حديثة منحتها بعدا جديدا دون أن تفقد هويتها.
ولم تُخف وداد مجمع رغبتها في تعريف الجمهور التونسي بهذا الفن المغربي العريق، موضحة أن العيطة ليست مجرد غناء شعبي، بل سجل شفوي وثّق حياة الناس في البادية المغربية، وحفظ قصصهم وأفراحهم وأحزانهم. كما أشارت إلى أن هذا الفن لعب دورا وطنيا خلال فترة الاستعمار الفرنسي، إذ استخدمه المقاومون لنقل رسائل مشفرة لم يكن المستعمر قادرا على فهمها.
ولإضفاء مزيد من الأصالة على العرض، استعان المشروع بموسيقيين من منطقة عبدة المغربية، أحد أبرز معاقل العيطة، من بينهم عازف الكمان أمين الورديني وعازف الوتر رشيد العابدين، اللذان رافقا رحلة البحث التي بدأها وداد مجمع وخليل إيبي سنة 2022، حين انتقلا إلى مدينة آسفي للغوص في تفاصيل هذا التراث والالتقاء بحفظته ورواته.
ولا يقوم مشروع "عيطة مون أمور" على إعادة تقديم التراث كما هو، بل يسعى إلى إعادة قراءته بلغة موسيقية معاصرة، حيث تتداخل الأصوات التقليدية مع الإيقاعات الإلكترونية تدريجيا، في تجربة تحافظ على روح العيطة وتفتحها في الوقت نفسه أمام جمهور جديد داخل المغرب وخارجه.
ومن أبرز محطات السهرة، أداء أغنية "العائد" للفنانة أميمة الخليل، بألحان وتوزيع مارسيل خليفة، في تحية مؤثرة للشعب الفلسطيني وصموده، لتؤكد أن الموسيقى، مهما اختلفت هوياتها، تبقى لغة قادرة على حمل رسائل الحرية والإنسانية.
كما توقفت وداد مجمع عند الدور المحوري الذي لعبته المرأة في حفظ هذا الموروث، معتبرة أن المشروع هو أيضا تكريم للنساء المغربيات ولـ"الشيخات" اللواتي حافظن على العيطة ونقلنها عبر الأجيال رغم ما تعرضن له من أحكام اجتماعية في فترات مختلفة.
وفي الندوة الصحفية التي أعقبت العرض، أكد خليل إيبي أن العودة إلى تونس بهذا المشروع تحمل قيمة رمزية كبيرة بالنسبة إليه، خاصة أن "عيطة مون أمور" جاب أكثر من 120 مسرحا ومهرجانا حول العالم، لكنه يرى أن لقاء الجمهور التونسي يبقى مختلفا بحكم القرب الثقافي بين البلدين.
أما وداد مجمع، فاعتبرت أن تقديم العرض في تونس يمنحها الإحساس بأنها تغني في وطنها، مشيرة إلى أن العيطة ما تزال حية بفضل اهتمام جيل جديد من الموسيقيين، وإن كانت تلاحظ تراجعا في عدد النساء الممارسات لهذا الفن مقارنة بما كان عليه الوضع في العقود الماضية.
وكشفت أيضا أن اهتمامها الأكاديمي بالعيطة انطلق خلال جائحة كوفيد-19، بعدما لاحظت قلة الدراسات التي تناولت هذا الفن، وهو ما دفعها إلى خوض رحلة بحث ميداني رفقة خليل إيبي، تحولت لاحقا إلى مشروع فني يجوب المسارح العالمية، واضعا العيطة المغربية في حوار مفتوح مع الموسيقى المعاصرة.
وتتواصل فعاليات الدورة الستين من مهرجان الحمامات الدولي، حيث يستقبل الركح، مساء اليوم الجمعة، الفنان المالي ساليف كيتا، أحد أبرز الأصوات التي أسهمت في إيصال الموسيقى الإفريقية إلى العالمية، بالتزامن مع افتتاح معرض يوثق ستة عقود من تاريخ المهرجان تحت شعار "ذاكرة تعيش"..