إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

ظافر يوسف يأسر جمهور الحمامات بحضور عالمي وصوت تجاوز المألوف

ليست كل عودة إلى الركح عودة عادية.. فهناك فنانون يعودون محملين بنجاحات العالم ويعتلون المسرح وكأنهم لم يغادروه يوما.. هكذا كان ظافر يوسف ليلة أمس الأحد في مهرجان الحمامات الدولي.. واثقا..هادئا.. وممسكا بخيوط تجربة موسيقية نضجت على أكبر المسارح العالمية، لتعود اليوم إلى جمهورها في تونس أكثر اكتمالا وعمقا..

لم يحتج ظافر يوسف إلى مقدمات طويلة أو إلى مؤثرات استعراضية ليخطف انتباه الحاضرين. فمنذ النغمات الأولى، فرض منطقه الفني الخاص، ذلك المنطق الذي جعل اسمه يتردد في أكبر مهرجانات الجاز والموسيقى المعاصرة في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا.. وجعل من العود التونسي ضيفا دائما على منصات كانت إلى وقت قريب حكرا على مدارس موسيقية أخرى.

في الحمامات، لم يقدم ظافر حفلا بل قدم درسا في معنى أن يكون الفنان وفيا لجذوره وهو يخاطب العالم.. ظل العود في قلب المشروع، لكنه لم يكن أسير الصورة التقليدية للآلة الشرقية، بل بدا وكأنه يتحاور بندية مع البيانو وآلات النفخ والإيقاعات.. في فضاء موسيقي لا يعترف بالحدود الجغرافية ولا بالتصنيفات الجاهزة.

أما صوته، فظل المعجزة التي تنتظرها الجماهير في كل عرض. لم يكن مجرد غناء، بل آلة موسيقية قائمة بذاتها. كان يحلق إلى طبقات عالية مذهلة، ثم يهبط بسلاسة إلى مساحات أكثر دفئا ليمنح كل مقطوعة بعدا روحيا يكاد يلامس التصوف. وفي أكثر من لحظة، بدا الحضور مأخوذا بذلك الامتزاج الفريد بين الصوت والعود، حتى يصعب تحديد من يقود الآخر؛ أهي الأنامل التي تعزف، أم الحنجرة التي تحلق خارج المألوف؟

لكن ما منح العرض قيمته الحقيقية لم يكن الأداء الفردي فقط، وإنما ذلك الانسجام اللافت بين ظافر يوسف والفرقة الموسيقية المرافقة. فقد ظهرت منذ البداية خبرة موسيقيين اعتادوا الوقوف على أهم المسارح العالمية، وكان كل عازف يدرك تماما أن نجاح العمل لا يقاس بعدد اللحظات التي يتصدر فيها المشهد بل بقدرته على خدمة الفكرة الموسيقية بأقصى درجات الدقة والإحساس.

ولأن موسيقى ظافر تقوم في جانب كبير منها على الارتجال، فقد كان التواصل بين أفراد الفرقة استثنائيا.. نظرة سريعة، إشارة بسيطة أو ابتسامة خاطفة كانت كافية لتغيير مسار المقطوعة، دون أن يفقد العمل توازنه أو تماسكه.. هذا النوع من الأداء لا يصنعه التدريب وحده، بل تصنعه سنوات طويلة من الخبرة والثقة المتبادلة، وهو ما جعل العرض يبدو وكأنه يولد أمام الجمهور في كل لحظة..

ولم يكن تفاعل الجمهور مع هذا العالم الموسيقي أقل جمالا. فبين مقطوعة وأخرى، كان الصمت سيد الموقف، صمت الإنصات لا صمت الفراغ، قبل أن ينفجر المسرح بالتصفيق بعد كل ارتجال موسيقي جديد.. فقد بدا واضحا أن الحاضرين لم يأتوا للاستماع إلى موسيقى فقط، بل لمعايشة تجربة فنية كاملة عنوانها الإحساس والدهشة..

وصول ظافر يوسف إلى مكانته العالمية لم يكن من محض الصدف.. فمنذ سنوات اختار طريقا مختلفا، مزج فيه بين الجاز والموسيقى العربية والمقامات الصوفية والإيقاعات القادمة من ثقافات متعددة ليبتكر لغة موسيقية خاصة به. ولذلك لم يكن غريبا أن يحقق نجاحات لافتة في أعرق المهرجانات الغربية، وأن يحظى بتقدير كبار الموسيقيين والنقاد، لأنه لم يقدم نسخة من الآخرين..

في سهرة الأحد بمهرجان الحمامات الدولي، أكد ظافر يوسف مرة أخرى أن العالمية لا تعني الابتعاد عن الجذور، بل تعني القدرة على تحويل تلك الجذور إلى لغة يفهمها الجميع. وبين أوتار العود، وصوت تجاوز في لحظات كثيرة حدود المألوف وفرقة بلغت أعلى درجات الحرفية، عاش جمهور الحمامات أمسية ستبقى واحدة من أبرز المحطات الفنية في الدورة الحالية للمهرجان.

 

وليد عبد اللاوي

 

 

 

 

 

 

 

ظافر يوسف يأسر جمهور الحمامات بحضور عالمي وصوت تجاوز المألوف

ليست كل عودة إلى الركح عودة عادية.. فهناك فنانون يعودون محملين بنجاحات العالم ويعتلون المسرح وكأنهم لم يغادروه يوما.. هكذا كان ظافر يوسف ليلة أمس الأحد في مهرجان الحمامات الدولي.. واثقا..هادئا.. وممسكا بخيوط تجربة موسيقية نضجت على أكبر المسارح العالمية، لتعود اليوم إلى جمهورها في تونس أكثر اكتمالا وعمقا..

لم يحتج ظافر يوسف إلى مقدمات طويلة أو إلى مؤثرات استعراضية ليخطف انتباه الحاضرين. فمنذ النغمات الأولى، فرض منطقه الفني الخاص، ذلك المنطق الذي جعل اسمه يتردد في أكبر مهرجانات الجاز والموسيقى المعاصرة في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا.. وجعل من العود التونسي ضيفا دائما على منصات كانت إلى وقت قريب حكرا على مدارس موسيقية أخرى.

في الحمامات، لم يقدم ظافر حفلا بل قدم درسا في معنى أن يكون الفنان وفيا لجذوره وهو يخاطب العالم.. ظل العود في قلب المشروع، لكنه لم يكن أسير الصورة التقليدية للآلة الشرقية، بل بدا وكأنه يتحاور بندية مع البيانو وآلات النفخ والإيقاعات.. في فضاء موسيقي لا يعترف بالحدود الجغرافية ولا بالتصنيفات الجاهزة.

أما صوته، فظل المعجزة التي تنتظرها الجماهير في كل عرض. لم يكن مجرد غناء، بل آلة موسيقية قائمة بذاتها. كان يحلق إلى طبقات عالية مذهلة، ثم يهبط بسلاسة إلى مساحات أكثر دفئا ليمنح كل مقطوعة بعدا روحيا يكاد يلامس التصوف. وفي أكثر من لحظة، بدا الحضور مأخوذا بذلك الامتزاج الفريد بين الصوت والعود، حتى يصعب تحديد من يقود الآخر؛ أهي الأنامل التي تعزف، أم الحنجرة التي تحلق خارج المألوف؟

لكن ما منح العرض قيمته الحقيقية لم يكن الأداء الفردي فقط، وإنما ذلك الانسجام اللافت بين ظافر يوسف والفرقة الموسيقية المرافقة. فقد ظهرت منذ البداية خبرة موسيقيين اعتادوا الوقوف على أهم المسارح العالمية، وكان كل عازف يدرك تماما أن نجاح العمل لا يقاس بعدد اللحظات التي يتصدر فيها المشهد بل بقدرته على خدمة الفكرة الموسيقية بأقصى درجات الدقة والإحساس.

ولأن موسيقى ظافر تقوم في جانب كبير منها على الارتجال، فقد كان التواصل بين أفراد الفرقة استثنائيا.. نظرة سريعة، إشارة بسيطة أو ابتسامة خاطفة كانت كافية لتغيير مسار المقطوعة، دون أن يفقد العمل توازنه أو تماسكه.. هذا النوع من الأداء لا يصنعه التدريب وحده، بل تصنعه سنوات طويلة من الخبرة والثقة المتبادلة، وهو ما جعل العرض يبدو وكأنه يولد أمام الجمهور في كل لحظة..

ولم يكن تفاعل الجمهور مع هذا العالم الموسيقي أقل جمالا. فبين مقطوعة وأخرى، كان الصمت سيد الموقف، صمت الإنصات لا صمت الفراغ، قبل أن ينفجر المسرح بالتصفيق بعد كل ارتجال موسيقي جديد.. فقد بدا واضحا أن الحاضرين لم يأتوا للاستماع إلى موسيقى فقط، بل لمعايشة تجربة فنية كاملة عنوانها الإحساس والدهشة..

وصول ظافر يوسف إلى مكانته العالمية لم يكن من محض الصدف.. فمنذ سنوات اختار طريقا مختلفا، مزج فيه بين الجاز والموسيقى العربية والمقامات الصوفية والإيقاعات القادمة من ثقافات متعددة ليبتكر لغة موسيقية خاصة به. ولذلك لم يكن غريبا أن يحقق نجاحات لافتة في أعرق المهرجانات الغربية، وأن يحظى بتقدير كبار الموسيقيين والنقاد، لأنه لم يقدم نسخة من الآخرين..

في سهرة الأحد بمهرجان الحمامات الدولي، أكد ظافر يوسف مرة أخرى أن العالمية لا تعني الابتعاد عن الجذور، بل تعني القدرة على تحويل تلك الجذور إلى لغة يفهمها الجميع. وبين أوتار العود، وصوت تجاوز في لحظات كثيرة حدود المألوف وفرقة بلغت أعلى درجات الحرفية، عاش جمهور الحمامات أمسية ستبقى واحدة من أبرز المحطات الفنية في الدورة الحالية للمهرجان.

 

وليد عبد اللاوي