إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في أول حلقة مع أيمن زيدان .. جمال سليمان في بودكاست "أثر" .. رحلة داخل كواليس التجربة والوجع

في زمن تهيمن فيه الحوارات السريعة وتُختزل فيه التجارب الفنية في لقطات مقتضبة، يأتي بودكاست "أثر" ليقترح مسارا مختلفا.. مسارا يقوم على الإصغاء العميق، وعلى إعادة الاعتبار لذاكرة الفنان بوصفها مساحة غنية بالتحولات، لا مجرد سجل للنجاحات. إنه مشروع يحاول أن يلتقط ما يتبقى بعد الضوء.. ما يترسّب في الداخل ويصنع المعنى الحقيقي للتجربة.
من خلال استضافته للفنان السوري الكبير جمال سليمان، ينجح أيمن زيدان في كسر الحاجز التقليدي بين المحاور والضيف ليؤسس لحوار أقرب إلى جلسة اعتراف إنسانية تتقاطع فيها الذكريات مع الأسئلة والتجربة مع التأمل.
 لم يكن اللقاء مجرد استعادة لمحطات معروفة، بل كان غوصا في تفاصيل دقيقة صنعت هذا المسار الفني الطويل، بكل ما فيه من رهانات وانكسارات وانتصارات..
تكشف الحلقة الأولى من بودكاست "أثر" عن وعي عميق بطبيعة الحكاية الفنية، حيث لا يكتفي زيدان بطرح الأسئلة، بل يفتح مساحات للتفكير ويمنح ضيفه الوقت الكافي لاستعادة ذاته دون استعجال. وهذا ما جعل جمال سليمان يظهر بصورة مختلفة.. ليس فقط كنجم درامي، بل كفنان مشغول بأسئلة المعنى والاختيار.
في استرجاعه لبداياته، يعيد سليمان تشكيل صورة المسرح كحاضنة أولى للحلم، حين كان شابا ضمن مسرح الشبيبة، يتنقل بين المحافظات، ويقف على خشبة مسرح القباني، محاطا بأسماء ستصبح لاحقا من أعمدة المسرح السوري.. هناك، في تلك المساحات البسيطة، بدأت ملامح الشغف تتشكل وبدأ الصوت الداخلي للفنان يفرض نفسه.
لكن "أثر" لا يكتفي بالحديث عن البدايات بوصفها لحظة براءة، بل يكشف أيضا عن صراعاتها.. من أبرزها العلاقة المتوترة مع الأب، تلك العلاقة التي تعكس صراعا أعمق بين جيلين ورؤيتين: رؤية تقليدية تبحث عن الاستقرار، وأخرى متمردة تراهن على الفن كخيار حياة.. لحظة التحول لم تكن سهلة، لكنها جاءت حاسمة، خاصة حين وقف جمال سليمان على الركح مجسدا شخصية "طرفة بن العبد" ليجد نفسه أخيرا في المكان الذي يشبهه..
ويمتد الحوار ليشمل تحولات المسرح ذاته، من مسرح يحمل نزعة مقاومة إلى فضاء أكثر انفتاحا، حيث تحرر الفنانون من بعض القيود الفكرية، وبدأوا في إعادة تعريف علاقتهم بالجمهور وبالوسائط الأخرى، وعلى رأسها التلفزيون. هنا، يطرح سليمان فكرة مهمة: أن القيمة الفنية لا ترتبط بالوسيط، بل بالمعالجة وأن التلفزيون يمكن أن يكون مساحة للإبداع بقدر ما هو وسيلة للانتشار...
كما يتوقف الحوار عند تجربة السفر، التي شكّلت بدورها منعطفا حاسما في مسيرته. ثلاث سنوات في بريطانيا لم تكن مجرد إقامة خارجية، بل كانت رحلة لاكتشاف الذات والآخر، لفهم كيف تُدار المنظومات الفنية في أماكن أخرى، وكيف يمكن للفنان أن يعيد صياغة أدواته ورؤيته. تلك التجربة، كما يؤكد، كانت من بين الأسباب الرئيسية التي ساهمت في نضجه الفني ووصوله إلى ما هو عليه اليوم..
ولا يغفل "أثر" عن طرح سؤال المقارنة، حين يستعيد جمال سليمان أسماء سورية لامعة، مثل الراحل خالد تاجا، ليؤكد أن الموهبة السورية لا تقل شأنا عن نظيرتها العالمية، وأن الفارق الحقيقي يكمن في "السيستام".. في البنية التي تحتضن هذه الطاقات وتمنحها فرص التوهج والاستمرارية.
وفي جانب أكثر حساسية، يفتح أيمن زيدان ملف الموقف الأخلاقي للفنان، خاصة في ظل التحولات التي شهدتها سوريا. هنا، لا يتردد جمال سليمان في الاعتراف بكلفة الموقف، وبالثمن الذي قد يدفعه الفنان حين يختار أن يكون صوته منسجما مع قناعاته.. إنها لحظة صادقة تكشف الوجه الآخر للنجومية، حيث لا تكون الأضواء دائما مرادفا للراحة..
بهذا المعنى، يتجاوز بودكاست "أثر" كونه مجرد برنامج حواري، ليصبح مشروعا ثقافيا يسعى إلى توثيق الذاكرة الفنية العربية، وإعادة قراءتها من الداخل. إنه مساحة للبوح، ولإعادة ترتيب الحكايات، ولطرح الأسئلة التي غالبا ما تُؤجل.
في "أثر"، لا تُروى القصص فقط.. بل يُعاد اكتشافها. لا تُستعاد الذكريات كما هي.. بل تُفهم في سياقها الأعمق. وهنا تكمن قيمته الحقيقية: في قدرته على تحويل الحكاية الشخصية إلى مادة للتأمل الجماعي.
ربما لهذا السبب، لا يخرج المشاهد من الحلقة محمّلا بالمعلومات فقط، بل مثقلا بأسئلة جديدة: عن الفن.. عن الاختيار.. عن الكلفة.. وعن ذلك الشيء الغامض الذي يتركه الفنان خلفه… الأثر..

وليد عبد اللاوي

في أول حلقة مع أيمن زيدان .. جمال سليمان في بودكاست "أثر" .. رحلة داخل كواليس التجربة والوجع

في زمن تهيمن فيه الحوارات السريعة وتُختزل فيه التجارب الفنية في لقطات مقتضبة، يأتي بودكاست "أثر" ليقترح مسارا مختلفا.. مسارا يقوم على الإصغاء العميق، وعلى إعادة الاعتبار لذاكرة الفنان بوصفها مساحة غنية بالتحولات، لا مجرد سجل للنجاحات. إنه مشروع يحاول أن يلتقط ما يتبقى بعد الضوء.. ما يترسّب في الداخل ويصنع المعنى الحقيقي للتجربة.
من خلال استضافته للفنان السوري الكبير جمال سليمان، ينجح أيمن زيدان في كسر الحاجز التقليدي بين المحاور والضيف ليؤسس لحوار أقرب إلى جلسة اعتراف إنسانية تتقاطع فيها الذكريات مع الأسئلة والتجربة مع التأمل.
 لم يكن اللقاء مجرد استعادة لمحطات معروفة، بل كان غوصا في تفاصيل دقيقة صنعت هذا المسار الفني الطويل، بكل ما فيه من رهانات وانكسارات وانتصارات..
تكشف الحلقة الأولى من بودكاست "أثر" عن وعي عميق بطبيعة الحكاية الفنية، حيث لا يكتفي زيدان بطرح الأسئلة، بل يفتح مساحات للتفكير ويمنح ضيفه الوقت الكافي لاستعادة ذاته دون استعجال. وهذا ما جعل جمال سليمان يظهر بصورة مختلفة.. ليس فقط كنجم درامي، بل كفنان مشغول بأسئلة المعنى والاختيار.
في استرجاعه لبداياته، يعيد سليمان تشكيل صورة المسرح كحاضنة أولى للحلم، حين كان شابا ضمن مسرح الشبيبة، يتنقل بين المحافظات، ويقف على خشبة مسرح القباني، محاطا بأسماء ستصبح لاحقا من أعمدة المسرح السوري.. هناك، في تلك المساحات البسيطة، بدأت ملامح الشغف تتشكل وبدأ الصوت الداخلي للفنان يفرض نفسه.
لكن "أثر" لا يكتفي بالحديث عن البدايات بوصفها لحظة براءة، بل يكشف أيضا عن صراعاتها.. من أبرزها العلاقة المتوترة مع الأب، تلك العلاقة التي تعكس صراعا أعمق بين جيلين ورؤيتين: رؤية تقليدية تبحث عن الاستقرار، وأخرى متمردة تراهن على الفن كخيار حياة.. لحظة التحول لم تكن سهلة، لكنها جاءت حاسمة، خاصة حين وقف جمال سليمان على الركح مجسدا شخصية "طرفة بن العبد" ليجد نفسه أخيرا في المكان الذي يشبهه..
ويمتد الحوار ليشمل تحولات المسرح ذاته، من مسرح يحمل نزعة مقاومة إلى فضاء أكثر انفتاحا، حيث تحرر الفنانون من بعض القيود الفكرية، وبدأوا في إعادة تعريف علاقتهم بالجمهور وبالوسائط الأخرى، وعلى رأسها التلفزيون. هنا، يطرح سليمان فكرة مهمة: أن القيمة الفنية لا ترتبط بالوسيط، بل بالمعالجة وأن التلفزيون يمكن أن يكون مساحة للإبداع بقدر ما هو وسيلة للانتشار...
كما يتوقف الحوار عند تجربة السفر، التي شكّلت بدورها منعطفا حاسما في مسيرته. ثلاث سنوات في بريطانيا لم تكن مجرد إقامة خارجية، بل كانت رحلة لاكتشاف الذات والآخر، لفهم كيف تُدار المنظومات الفنية في أماكن أخرى، وكيف يمكن للفنان أن يعيد صياغة أدواته ورؤيته. تلك التجربة، كما يؤكد، كانت من بين الأسباب الرئيسية التي ساهمت في نضجه الفني ووصوله إلى ما هو عليه اليوم..
ولا يغفل "أثر" عن طرح سؤال المقارنة، حين يستعيد جمال سليمان أسماء سورية لامعة، مثل الراحل خالد تاجا، ليؤكد أن الموهبة السورية لا تقل شأنا عن نظيرتها العالمية، وأن الفارق الحقيقي يكمن في "السيستام".. في البنية التي تحتضن هذه الطاقات وتمنحها فرص التوهج والاستمرارية.
وفي جانب أكثر حساسية، يفتح أيمن زيدان ملف الموقف الأخلاقي للفنان، خاصة في ظل التحولات التي شهدتها سوريا. هنا، لا يتردد جمال سليمان في الاعتراف بكلفة الموقف، وبالثمن الذي قد يدفعه الفنان حين يختار أن يكون صوته منسجما مع قناعاته.. إنها لحظة صادقة تكشف الوجه الآخر للنجومية، حيث لا تكون الأضواء دائما مرادفا للراحة..
بهذا المعنى، يتجاوز بودكاست "أثر" كونه مجرد برنامج حواري، ليصبح مشروعا ثقافيا يسعى إلى توثيق الذاكرة الفنية العربية، وإعادة قراءتها من الداخل. إنه مساحة للبوح، ولإعادة ترتيب الحكايات، ولطرح الأسئلة التي غالبا ما تُؤجل.
في "أثر"، لا تُروى القصص فقط.. بل يُعاد اكتشافها. لا تُستعاد الذكريات كما هي.. بل تُفهم في سياقها الأعمق. وهنا تكمن قيمته الحقيقية: في قدرته على تحويل الحكاية الشخصية إلى مادة للتأمل الجماعي.
ربما لهذا السبب، لا يخرج المشاهد من الحلقة محمّلا بالمعلومات فقط، بل مثقلا بأسئلة جديدة: عن الفن.. عن الاختيار.. عن الكلفة.. وعن ذلك الشيء الغامض الذي يتركه الفنان خلفه… الأثر..

وليد عبد اللاوي