إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

"المطبعة".. حين يسرق "الزهايمر" الذاكرة.. وتكشف الدراما هشاشة الإنسان

مع مسلسل "المطبعة" على القناة الوطنية الأولى، لم يكن المشاهد التونسي أمام عمل درامي عابر يملأ فراغ السهرة الرمضانية، بل أمام تجربة سردية وبصرية أعادت للدراما التلفزية بعضا من هيبتها المفقودة، وأعادت للشاشة العمومية قدرتها على إنتاج المعنى لا مجرد استهلاك الصورة.
المخرج مهدي هميلي لم يكتف في "المطبعة" بإدارة المشهد، بل اشتغل على هندسة الشعور نفسه.. كل لقطة تبدو كأنها جملة في رواية بصرية طويلة، وكل صمت محسوب كأنه كلمة غير منطوقة..
 الكاميرا لا تلاحق الحدث فقط، بل تتسلل إلى المساحات الرمادية للشخصيات، حيث الهشاشة الإنسانية عارية من الزخارف.. كما أن لغة الصورة بدت أقرب إلى السينما منها إلى التلفزيون..الكاميرا تتحرّك بثقة، كل الزوايا مدروسة بعناية، وإضاءة لا تكتفي بتجميل الوجوه بل تكشف تشققات الروح.. 
الوجوه في “المطبعة” لا تُعرض على الشاشة، بل تُقرأ قبل أن يتكلم الممثل..
هذا الوعي الإخراجي انعكس مباشرة على الأداء. فلا حضور ثانوي في هذا العمل، كل شخصية، مهما صغر حجمها، تحمل جزءا من النسيج الإنساني للحكاية. لا أحد يمرّ مرور الكرام، لأن المخرج يبدو مؤمنا بأن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الحقيقة الكبرى.
لكن قوة "المطبعة" لا تكمن في جماليات الصورة وحدها، بل في جرأته على الاقتراب من جرح إنساني بالغ الحساسية: مرض الزهايمر.
المرض هنا ليس حيلة درامية لإثارة الشفقة، بل محور وجودي للحكاية. الزهايمر في هذا العمل ليس فقدانا للذاكرة فحسب، بل امتحان للحب، وللروابط التي تجمع البشر عندما تبدأ الذاكرة في التآكل. ماذا يبقى من الإنسان حين تتبخر تفاصيل حياته؟ وماذا يبقى من الحب عندما يصبح الماضي نفسه منطقة ضبابية؟
في هذا السياق، قدّم كل من سوسن معالج ويونس الفارحي أداء يتجاوز حدود التمثيل التقليدي.. إذ لم يكونا مجرد مؤديين لنص مكتوب، كأنهما يعيشان داخل التجربة نفسها. أداء "فضح" المعايشة النفسية للشخصيات التي سبقت لحظة التصوير، ليكون الألم على الشاشة غير مصطنع بالكامل.
أما المفاجآت، فجاءت تباعا. ظهور عبد الحميد بوشناق في مساحة مختلفة عمّا اعتاده الجمهور، أضاف طبقة جديدة من المفاجأة الدرامية، إلى جانب حضور لافت لكل من ياسمين الدماسي وصبرة عوني مناشو.. وجوه تقف أمام الكاميرا بثقل إنساني واضح، أداء يخترق الشاشة ويجعل المشاهد شريكا في القلق والخوف..
حتى الإشارة إلى رواية موسم الهجرة إلى الشمال للكاتب السوداني الطيب صالح لم تكن مجرد ومضة ثقافية عابرة. كانت رسالة مضمّنة داخل رسالة أكبر.. كما هاجر مصطفى سعيد في الرواية إلى الشمال بحثا عن معنى لوجوده، يبدو أن شخصيات “المطبعة” تهاجر في الاتجاه المعاكس.. إلى الداخل.. إلى ذاكرتها.. إلى الأسئلة العميقة حول الهوية والإنسان.
هكذا تصبح الدراما أكثر من حكاية تُروى، وأكثر من تسلية عابرة..تصبح مساحة للتفكير، ومجالا لمساءلة الذات.
“المطبعة” في النهاية ليس مسلسلا فقط..إنه تذكير مؤلم بأن الذاكرة قد تخوننا لكن الفن الحقيقي يملك دائما القدرة على إنقاذ شيء منها..

وليد عبد اللاوي

"المطبعة".. حين يسرق "الزهايمر" الذاكرة.. وتكشف الدراما هشاشة الإنسان

مع مسلسل "المطبعة" على القناة الوطنية الأولى، لم يكن المشاهد التونسي أمام عمل درامي عابر يملأ فراغ السهرة الرمضانية، بل أمام تجربة سردية وبصرية أعادت للدراما التلفزية بعضا من هيبتها المفقودة، وأعادت للشاشة العمومية قدرتها على إنتاج المعنى لا مجرد استهلاك الصورة.
المخرج مهدي هميلي لم يكتف في "المطبعة" بإدارة المشهد، بل اشتغل على هندسة الشعور نفسه.. كل لقطة تبدو كأنها جملة في رواية بصرية طويلة، وكل صمت محسوب كأنه كلمة غير منطوقة..
 الكاميرا لا تلاحق الحدث فقط، بل تتسلل إلى المساحات الرمادية للشخصيات، حيث الهشاشة الإنسانية عارية من الزخارف.. كما أن لغة الصورة بدت أقرب إلى السينما منها إلى التلفزيون..الكاميرا تتحرّك بثقة، كل الزوايا مدروسة بعناية، وإضاءة لا تكتفي بتجميل الوجوه بل تكشف تشققات الروح.. 
الوجوه في “المطبعة” لا تُعرض على الشاشة، بل تُقرأ قبل أن يتكلم الممثل..
هذا الوعي الإخراجي انعكس مباشرة على الأداء. فلا حضور ثانوي في هذا العمل، كل شخصية، مهما صغر حجمها، تحمل جزءا من النسيج الإنساني للحكاية. لا أحد يمرّ مرور الكرام، لأن المخرج يبدو مؤمنا بأن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الحقيقة الكبرى.
لكن قوة "المطبعة" لا تكمن في جماليات الصورة وحدها، بل في جرأته على الاقتراب من جرح إنساني بالغ الحساسية: مرض الزهايمر.
المرض هنا ليس حيلة درامية لإثارة الشفقة، بل محور وجودي للحكاية. الزهايمر في هذا العمل ليس فقدانا للذاكرة فحسب، بل امتحان للحب، وللروابط التي تجمع البشر عندما تبدأ الذاكرة في التآكل. ماذا يبقى من الإنسان حين تتبخر تفاصيل حياته؟ وماذا يبقى من الحب عندما يصبح الماضي نفسه منطقة ضبابية؟
في هذا السياق، قدّم كل من سوسن معالج ويونس الفارحي أداء يتجاوز حدود التمثيل التقليدي.. إذ لم يكونا مجرد مؤديين لنص مكتوب، كأنهما يعيشان داخل التجربة نفسها. أداء "فضح" المعايشة النفسية للشخصيات التي سبقت لحظة التصوير، ليكون الألم على الشاشة غير مصطنع بالكامل.
أما المفاجآت، فجاءت تباعا. ظهور عبد الحميد بوشناق في مساحة مختلفة عمّا اعتاده الجمهور، أضاف طبقة جديدة من المفاجأة الدرامية، إلى جانب حضور لافت لكل من ياسمين الدماسي وصبرة عوني مناشو.. وجوه تقف أمام الكاميرا بثقل إنساني واضح، أداء يخترق الشاشة ويجعل المشاهد شريكا في القلق والخوف..
حتى الإشارة إلى رواية موسم الهجرة إلى الشمال للكاتب السوداني الطيب صالح لم تكن مجرد ومضة ثقافية عابرة. كانت رسالة مضمّنة داخل رسالة أكبر.. كما هاجر مصطفى سعيد في الرواية إلى الشمال بحثا عن معنى لوجوده، يبدو أن شخصيات “المطبعة” تهاجر في الاتجاه المعاكس.. إلى الداخل.. إلى ذاكرتها.. إلى الأسئلة العميقة حول الهوية والإنسان.
هكذا تصبح الدراما أكثر من حكاية تُروى، وأكثر من تسلية عابرة..تصبح مساحة للتفكير، ومجالا لمساءلة الذات.
“المطبعة” في النهاية ليس مسلسلا فقط..إنه تذكير مؤلم بأن الذاكرة قد تخوننا لكن الفن الحقيقي يملك دائما القدرة على إنقاذ شيء منها..

وليد عبد اللاوي