إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

سعيد يقطين من معرض الشارقة للكتاب: اتساع الكتابة الروائية لا تواكبه حركة نقدية وإعلامية كافية

الشارقة - الصباح نيوز 

من مبعوثتنا إيمان عبد اللطيف

 

لم يعد الإنتاج الروائي العربي حكرا على الكتاب والأدباء الذين جعلوا من الكتابة مجالا لاختصاصهم، بل اتسعت دائرته لتشمل أصواتا من خلفيات وتجارب مختلفة، في ظاهرة تعكس تنامي الاهتمام بالسرد وتعدد أشكاله، لكنها تطرح في المقابل إشكالية مواكبة هذا الإنتاج نقديا وإعلاميا، ومدى قدرة المؤسسات الثقافية على التعريف بالأعمال الجديدة وإيصالها إلى القراء. هذه المسألة كانت من أبرز النقاط التي توقف عندها الناقد المغربي الدكتور سعيد يقطين خلال استضافته في معرض الشارقة الدولي للكتاب، ضمن جلسة حوارية حملت عنوان "سعيد يقطين: ذاكرة السرد، ورحابة الفكر"، وأدارتها الشاعرة الإماراتية شيخة المطيري مساء أمس الخميس 5 نوفمبر الجاري، حيث تناول جملة من القضايا المتصلة بمسيرته البحثية والنقدية، وتحولات الرواية العربية، وعلاقة السرد بالثقافة الشعبية، فضلا عن رهانات الكتابة في ظل التحولات الرقمية.

ويقطين، الذي اختير شخصية العام الثقافية للدورة الحالية من المعرض، اعتبر أن الوفرة التي يشهدها الإنتاج الروائي في العالم العربي، والتي يصفها البعض بـ"تسونامي الرواية"، لا تقابلها حركة موازية في مجال النقد والتعريف بالإصدارات، مشيرا إلى أن المشكلة لا تتعلق بغياب المواهب أو ندرة التجارب الجيدة، وإنما بضعف المؤسسات والفضاءات التي تتيح التقاء الكتاب بالنقاد والقراء، وتضمن متابعة ما يصدر من أعمال جديدة.

وفي هذا السياق، لفت إلى أن الجوائز الأدبية أصبحت تؤدي وظيفة مهمة في لفت الانتباه إلى عدد من الروايات ومنحها فرصة الانتشار، مقابل استمرار أعمال أخرى خارج دائرة الاهتمام، سواء لدى الجمهور أو لدى المختصين. واستدل على ذلك بتجربته الشخصية، إذ اكتشف في مناسبات بعض الروائيين المغاربة الشباب خارج المغرب، بعد حصولهم على جوائز أدبية، رغم متابعته المستمرة للحركة الثقافية في بلده. وهي ملاحظة أعادت إلى ذاكرته الدور الذي كان يؤديه اتحاد كتاب المغرب خلال ثمانينيات القرن الماضي، عندما كانت أنشطته الثقافية المنتشرة في مختلف المدن تتيح متابعة التجارب الأدبية الناشئة والتعرف على أصحابها منذ بداياتهم.

كما استحضر تجربة فرنسا في مواكبة الإنتاج الأدبي، حيث تتضافر جهود الإعلام والجامعات والندوات النقدية للتعريف بالإصدارات الجديدة ومناقشتها، معتبرا أن المشهد العربي يحتاج إلى تفعيل أدوار المؤسسات الثقافية والإعلام السمعي البصري والجامعات حتى لا تظل العلاقة بين الكاتب والقارئ رهينة الصدفة أو ما تتيحه الجوائز من فرص للظهور.

ومن واقع الإنتاج الروائي المعاصر، عاد يقطين إلى البدايات التي شكلت علاقته بعالم الحكاية، مستحضرا طفولته في الدار البيضاء، حيث الأسواق الشعبية وحلقات الحكواتيين الذين كانوا يقدمون السير والحكايات على امتداد أيام وأشهر. وقد مثلت هذه المشاهد، وفق ما رواه، مدخلا مبكرا إلى عالم السرد، قبل انتقاله إلى فاس وانفتاحه على المكتبات والقراءة والدراسة الأدبية، وهي تجربة ساهمت في توجيه اهتمامه نحو الحكاية وأشكالها المتعددة. ولم يكن استحضار هذه المرحلة مجرد عودة إلى ذكريات الطفولة، بل أتاح له التأكيد على مكانة الثقافة الشعبية في تشكيل الوعي والذاكرة الجماعية، رافضاً التعامل معها باعتبارها ثقافة هامشية، باعتبار أنها ظلت جزءاً أساسيا من حياة المجتمعات، وأسهمت في نقل المعارف والأمثال والحكايات والقيم والعادات من جيل إلى آخر، بالاعتماد أساساً على التداول الشفاهي.

 وفي تقديره، فإن هذا الرصيد لا يزال يمثل مصدرا مهما للإبداع، كما يحمل أنماطا من العلاقات الإنسانية والتواصل الاجتماعي التي أخذت تتراجع في المجتمعات الحديثة. ومن هنا تأتي أهمية استعادة الموروث الشعبي في الكتابة الروائية، لا باعتباره مادة للحنين إلى الماضي، وإنما بوصفه أحد منابع التجديد والتعبير عن خصوصية التجارب المحلية.

وفي هذا الإطار، شدد يقطين على أن الرواية العربية مطالبة بالانطلاق من واقعها الثقافي والاجتماعي واستلهام تفاصيل الحياة المحلية، دون أن يعني ذلك الانغلاق على الذات أو الابتعاد عن التجارب الأدبية العالمية، مؤكداً ضرورة تحقيق التوازن بين الخصوصية والانفتاح، وتجنب تقليد النماذج الخارجية.

واستشهد بتجربة الروائي الإيطالي إيتالو كالفينو، الذي اهتم بجمع الحكايات الشعبية، معتبرا أن ارتباط الكاتب بموروثه المحلي يمنح أعماله خصوصية أدبية، ويعزز في الوقت نفسه قدرتها على تجاوز حدود بيئتها الأصلية والوصول إلى قراء من ثقافات مختلفة.

وفي محور آخر، خصص الناقد المغربي جانبا من حديثه للتحولات التي فرضها العصر الرقمي على الثقافة والسرد، متوقفاً عند طبيعة الحكايات التي يمكن أن تجذب الأجيال الجديدة، وقدرة الكتاب والمثقفين على تقديم مضامين ثقافية تستجيب لتغير أنماط الحياة والتواصل. وطرح في هذا السياق تساؤلات حول كيفية التعامل مع جيل يعيش في فضاء رقمي سريع التحول، وما إذا كانت أشكال الكتابة السائدة قادرة على مواكبة اهتماماته وتطلعاته. كما أشار إلى المفارقة التي تطرحها التكنولوجيا الحديثة، فهي من جهة قد تدفع الأفراد إلى الانعزال والانشغال بهواتفهم بعيداً عن محيطهم المباشر، لكنها من جهة أخرى تتيح لهم الالتقاء والتفاعل داخل فضاءات رقمية مشتركة. وهي تحولات تستدعي، وفق يقطين، التفكير في تأثير الوسائط الجديدة على الوعي والعلاقات الاجتماعية، والعمل على توظيف إمكاناتها في تعزيز التواصل الثقافي والأكاديمي بين المجتمعات العربية. أما في الجانب النظري المتصل بمفهوم السرد، فقد أوضح يقطين أن هناك فرقا بين السرد باعتباره جنسا أدبيا ممتدا عبر التاريخ، وبين الأنواع السردية التي تتغير وتتعدد وفق سياقات نشأتها وتطورها، ملخصاً فكرته بالقول: "السرد جنس ثابت، والأنواع متغيرة ومتشعبة".

ويعكس هذا التمييز جانبا من مشروعه البحثي الذي انشغل بتاريخ السرد العربي وتتبع أشكاله وتحولاته، من الحكايات والسير الشعبية والمقامات إلى الرواية الحديثة، في محاولة لفهم تطور البنيات السردية وصلتها بالتغيرات الثقافية والمعرفية.

وأكد أن هذا المسار البحثي يفرض على النقد الأدبي تجديد أدواته وأسئلته باستمرار، حتى يكون قادراً على قراءة الأشكال الجديدة ومواكبة ما تشهده وسائل التعبير والتواصل من تحولات، دون إغفال الامتداد التاريخي الذي تشكلت ضمنه التجربة السردية العربية.

 

سعيد يقطين من معرض الشارقة للكتاب: اتساع الكتابة الروائية لا تواكبه حركة نقدية وإعلامية كافية

الشارقة - الصباح نيوز 

من مبعوثتنا إيمان عبد اللطيف

 

لم يعد الإنتاج الروائي العربي حكرا على الكتاب والأدباء الذين جعلوا من الكتابة مجالا لاختصاصهم، بل اتسعت دائرته لتشمل أصواتا من خلفيات وتجارب مختلفة، في ظاهرة تعكس تنامي الاهتمام بالسرد وتعدد أشكاله، لكنها تطرح في المقابل إشكالية مواكبة هذا الإنتاج نقديا وإعلاميا، ومدى قدرة المؤسسات الثقافية على التعريف بالأعمال الجديدة وإيصالها إلى القراء. هذه المسألة كانت من أبرز النقاط التي توقف عندها الناقد المغربي الدكتور سعيد يقطين خلال استضافته في معرض الشارقة الدولي للكتاب، ضمن جلسة حوارية حملت عنوان "سعيد يقطين: ذاكرة السرد، ورحابة الفكر"، وأدارتها الشاعرة الإماراتية شيخة المطيري مساء أمس الخميس 5 نوفمبر الجاري، حيث تناول جملة من القضايا المتصلة بمسيرته البحثية والنقدية، وتحولات الرواية العربية، وعلاقة السرد بالثقافة الشعبية، فضلا عن رهانات الكتابة في ظل التحولات الرقمية.

ويقطين، الذي اختير شخصية العام الثقافية للدورة الحالية من المعرض، اعتبر أن الوفرة التي يشهدها الإنتاج الروائي في العالم العربي، والتي يصفها البعض بـ"تسونامي الرواية"، لا تقابلها حركة موازية في مجال النقد والتعريف بالإصدارات، مشيرا إلى أن المشكلة لا تتعلق بغياب المواهب أو ندرة التجارب الجيدة، وإنما بضعف المؤسسات والفضاءات التي تتيح التقاء الكتاب بالنقاد والقراء، وتضمن متابعة ما يصدر من أعمال جديدة.

وفي هذا السياق، لفت إلى أن الجوائز الأدبية أصبحت تؤدي وظيفة مهمة في لفت الانتباه إلى عدد من الروايات ومنحها فرصة الانتشار، مقابل استمرار أعمال أخرى خارج دائرة الاهتمام، سواء لدى الجمهور أو لدى المختصين. واستدل على ذلك بتجربته الشخصية، إذ اكتشف في مناسبات بعض الروائيين المغاربة الشباب خارج المغرب، بعد حصولهم على جوائز أدبية، رغم متابعته المستمرة للحركة الثقافية في بلده. وهي ملاحظة أعادت إلى ذاكرته الدور الذي كان يؤديه اتحاد كتاب المغرب خلال ثمانينيات القرن الماضي، عندما كانت أنشطته الثقافية المنتشرة في مختلف المدن تتيح متابعة التجارب الأدبية الناشئة والتعرف على أصحابها منذ بداياتهم.

كما استحضر تجربة فرنسا في مواكبة الإنتاج الأدبي، حيث تتضافر جهود الإعلام والجامعات والندوات النقدية للتعريف بالإصدارات الجديدة ومناقشتها، معتبرا أن المشهد العربي يحتاج إلى تفعيل أدوار المؤسسات الثقافية والإعلام السمعي البصري والجامعات حتى لا تظل العلاقة بين الكاتب والقارئ رهينة الصدفة أو ما تتيحه الجوائز من فرص للظهور.

ومن واقع الإنتاج الروائي المعاصر، عاد يقطين إلى البدايات التي شكلت علاقته بعالم الحكاية، مستحضرا طفولته في الدار البيضاء، حيث الأسواق الشعبية وحلقات الحكواتيين الذين كانوا يقدمون السير والحكايات على امتداد أيام وأشهر. وقد مثلت هذه المشاهد، وفق ما رواه، مدخلا مبكرا إلى عالم السرد، قبل انتقاله إلى فاس وانفتاحه على المكتبات والقراءة والدراسة الأدبية، وهي تجربة ساهمت في توجيه اهتمامه نحو الحكاية وأشكالها المتعددة. ولم يكن استحضار هذه المرحلة مجرد عودة إلى ذكريات الطفولة، بل أتاح له التأكيد على مكانة الثقافة الشعبية في تشكيل الوعي والذاكرة الجماعية، رافضاً التعامل معها باعتبارها ثقافة هامشية، باعتبار أنها ظلت جزءاً أساسيا من حياة المجتمعات، وأسهمت في نقل المعارف والأمثال والحكايات والقيم والعادات من جيل إلى آخر، بالاعتماد أساساً على التداول الشفاهي.

 وفي تقديره، فإن هذا الرصيد لا يزال يمثل مصدرا مهما للإبداع، كما يحمل أنماطا من العلاقات الإنسانية والتواصل الاجتماعي التي أخذت تتراجع في المجتمعات الحديثة. ومن هنا تأتي أهمية استعادة الموروث الشعبي في الكتابة الروائية، لا باعتباره مادة للحنين إلى الماضي، وإنما بوصفه أحد منابع التجديد والتعبير عن خصوصية التجارب المحلية.

وفي هذا الإطار، شدد يقطين على أن الرواية العربية مطالبة بالانطلاق من واقعها الثقافي والاجتماعي واستلهام تفاصيل الحياة المحلية، دون أن يعني ذلك الانغلاق على الذات أو الابتعاد عن التجارب الأدبية العالمية، مؤكداً ضرورة تحقيق التوازن بين الخصوصية والانفتاح، وتجنب تقليد النماذج الخارجية.

واستشهد بتجربة الروائي الإيطالي إيتالو كالفينو، الذي اهتم بجمع الحكايات الشعبية، معتبرا أن ارتباط الكاتب بموروثه المحلي يمنح أعماله خصوصية أدبية، ويعزز في الوقت نفسه قدرتها على تجاوز حدود بيئتها الأصلية والوصول إلى قراء من ثقافات مختلفة.

وفي محور آخر، خصص الناقد المغربي جانبا من حديثه للتحولات التي فرضها العصر الرقمي على الثقافة والسرد، متوقفاً عند طبيعة الحكايات التي يمكن أن تجذب الأجيال الجديدة، وقدرة الكتاب والمثقفين على تقديم مضامين ثقافية تستجيب لتغير أنماط الحياة والتواصل. وطرح في هذا السياق تساؤلات حول كيفية التعامل مع جيل يعيش في فضاء رقمي سريع التحول، وما إذا كانت أشكال الكتابة السائدة قادرة على مواكبة اهتماماته وتطلعاته. كما أشار إلى المفارقة التي تطرحها التكنولوجيا الحديثة، فهي من جهة قد تدفع الأفراد إلى الانعزال والانشغال بهواتفهم بعيداً عن محيطهم المباشر، لكنها من جهة أخرى تتيح لهم الالتقاء والتفاعل داخل فضاءات رقمية مشتركة. وهي تحولات تستدعي، وفق يقطين، التفكير في تأثير الوسائط الجديدة على الوعي والعلاقات الاجتماعية، والعمل على توظيف إمكاناتها في تعزيز التواصل الثقافي والأكاديمي بين المجتمعات العربية. أما في الجانب النظري المتصل بمفهوم السرد، فقد أوضح يقطين أن هناك فرقا بين السرد باعتباره جنسا أدبيا ممتدا عبر التاريخ، وبين الأنواع السردية التي تتغير وتتعدد وفق سياقات نشأتها وتطورها، ملخصاً فكرته بالقول: "السرد جنس ثابت، والأنواع متغيرة ومتشعبة".

ويعكس هذا التمييز جانبا من مشروعه البحثي الذي انشغل بتاريخ السرد العربي وتتبع أشكاله وتحولاته، من الحكايات والسير الشعبية والمقامات إلى الرواية الحديثة، في محاولة لفهم تطور البنيات السردية وصلتها بالتغيرات الثقافية والمعرفية.

وأكد أن هذا المسار البحثي يفرض على النقد الأدبي تجديد أدواته وأسئلته باستمرار، حتى يكون قادراً على قراءة الأشكال الجديدة ومواكبة ما تشهده وسائل التعبير والتواصل من تحولات، دون إغفال الامتداد التاريخي الذي تشكلت ضمنه التجربة السردية العربية.