في إطار فعاليات المعرض الدولي للكتاب بتونس، وبمبادرة من "جمعية شعوب العالم" وممثلية "البيت الروسي" في تونس، انعقدت ندوة ثقافية أمس الجمعة 24 أفريل، تحت عنوان "سعادة الشعوب في الحكايات" حيث تمّ التركيز على الدور الجوهري الذي تلعبه الحكاية الشعبية (الأسطورة) في صياغة الوعي الإنساني وتقريب المسافات بين الثقافات، لاسيما بين الثقافة الروسية والعربية.
جمعت المداخلات بين تجارب من روسيا وتونس ومصر ، وطرحت الحكاية لا باعتبارها إرثا فولكلوريا فحسب، بل كفضاء تتقاطع فيه الذاكرة والهوية والقيم الإنسانية المشتركة. وقد توزعت الجلسة على محاور متعددة أبرزت دور الأدب الشعبي في بناء الجسور الثقافية، وخلصت في مجملها إلى أن الحكايات، مهما تنوعت بيئاتها، تظل لغة رمزية جامعة بين الشعوب.
واستهلت الجلسة بتسليط الضوء على إرث الشاعر القومي لجمهورية تتارستان عبد الله توقاي، حيث توقفت إحدى المداخلات عند مكانته في الأدب الروسي والتتري، مبرزة قدرته على استلهام الفلكلور الشعبي وصياغته في أعمال أدبية تجاوزت حدود البيئة المحلية إلى فضاء عالمي.
وتمت الإشارة إلى عدد من نصوصه المعروفة مثل “شورالي” و“العنزة والخروف” و“عروس البحيرة”، التي حضرت في معارض وملتقيات أدبية دولية، من بينها معرض القاهرة الدولي للكتاب. كما تمّ تسليط الضوء على رهانات ترجمة هذه الأعمال من التترية إلى الروسية ثم العربية، باعتبارها تجربة تطرح أسئلة نقل المعنى الثقافي لا مجرد المعنى اللغوي.
وفي مداخلة اتخذت طابعا تأمليا، قدم الكاتب والشاعر المصري أشرف دالي، رئيس اتحاد صحفيي آسيا وأفريقيا، رؤية حول الترجمة باعتبارها أداة لتوسيع الحوار الإنساني، معتبرا أن ترجمة الحكاية، خصوصا الموجهة للأطفال، تفتح أفقا للتعرف إلى حضارات الشعوب وقيمها، وتساعد على تجاوز الحواجز اللغوية والنفسية. وذهب دالي إلى أن العودة إلى الحكاية في زمن الأزمات ليست عودة إلى الماضي بقدر ما هي بحث عن المعاني المؤسسة للأمل، مؤكدا أن الأدب، من خلال الأسطورة والحكاية، قادر على إعادة بناء الحس الإنساني المشترك.
ومن تونس، قدم الأديب فؤاد حمدي مداخلة تناول فيها عمق الحكاية الشعبية التونسية، مستعرضا امتداداتها من الأساطير القديمة إلى الذاكرة الشفوية الحديثة. واستحضر حمدي شخصيات وأحداثا شكلت جزءا من المخيال التونسي، من رحلة أوليس إلى جربة وأسطورة عليسة، وصولا إلى الكاهنة وتغريبة بني هلال، مبرزا كيف تتحول الوقائع والأساطير إلى حكايات تؤسس للهوية. كما توقف عند تجربة عبد العزيز العروي ودوره في نقل الحكاية الشعبية من الفضاء الشفوي إلى الإذاعة، بما جعلها جزءا من الوجدان الجماعي. ولم تخل مداخلته من مقاربة مقارنة بين الحكايات التونسية والروسية، من خلال الإشارة إلى حضور الحيوان في السرد الروسي مقابل مركزية الشخصية البشرية في الحكاية التونسية، مع وجود رموز مشتركة مثل “الغول” بما يحمله من دلالات الشر والخوف في الثقافتين.
وفي مداخلة مماثلة، تحدث الشاعر والكاتب التونسي هيكل حدان عن تجربته في روسيا، معتبرا أن تعدد الأعراق والثقافات هناك وفر بيئة خصبة للإبداع السردي. وكشف عن مشروع مشترك مع الدبلوماسي الروسي السابق سمير رومان يقارن بين الأمثال الشعبية التونسية والروسية، بمناسبة مرور سبعين عاما على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، مبرزا أن هذا العمل يكشف عن تقاطعات لافتة بين الشعبين في ما يتعلق بالقيم الأسرية والحكمة الشعبية وتصورات التربية.
كما فتحت الجلسة بابا آخر للنقاش من خلال مداخلة الكاتبة والروائية الروسية آنا متفييفا التي عرضت مشروع “الحكاية في كل منا” التابع لـ“دائرة السعادة”، وهو مشروع يقوم على استثمار الحكاية في استكشاف الذات وتعزيز الإبداع، من خلال استحضار الشخصيات الخيالية بوصفها وسيلة لرؤية العالم بطريقة مختلفة. وفي السياق نفسه، تم التوقف عند أدب الكاتب الروسي بافيل باجوف، وخاصة ما يعرف بجنس “السكاز”، الذي يستند إلى الفلكلور الشعبي لكنه يرتقي به إلى بناء أدبي وجمالي معقد، كما في “الزهرة الحجرية”، وهو ما أتاح توسيع النقاش من الحكاية الشعبية إلى أسئلة التجريب الأدبي وعلاقته بالموروث.
وتقاطعت المداخلات في التأكيد على أن الحكاية الشعبية ليست مجرد موروث رمزي، بل وعاء للقيم المشتركة ومساحة للتفاهم الثقافي، وأن الترجمة تظل إحدى الأدوات الأساسية في نقل هذا المشترك الإنساني بين الشعوب. كما توقف المشاركون عند أهمية إعلان عام 2026 عاما لاتحاد الشعوب في روسيا، باعتباره مناسبة للاحتفاء بالتنوع اللغوي والثقافي الذي تختزنه البلاد، من لغات المانسي والخانتي وغيرها، بوصف هذا التنوع رافعة للوحدة لا نقيضا لها.
وخلصت الجلسة إلى أن الحكايات، على اختلاف منابعها، تظل حاملة لذاكرة الشعوب ولتصوراتها عن الخير والسعادة والعدالة، وأنها قادرة، عبر الترجمة والتداول الثقافي، على فتح مساحات جديدة للحوار بين روسيا وتونس والعالم العربي، في تأكيد جديد على أن الثقافة، حين تمر عبر الحكاية، تصبح جسرا أبقى من الحدود.
إيمان عبد اللطيف
في إطار فعاليات المعرض الدولي للكتاب بتونس، وبمبادرة من "جمعية شعوب العالم" وممثلية "البيت الروسي" في تونس، انعقدت ندوة ثقافية أمس الجمعة 24 أفريل، تحت عنوان "سعادة الشعوب في الحكايات" حيث تمّ التركيز على الدور الجوهري الذي تلعبه الحكاية الشعبية (الأسطورة) في صياغة الوعي الإنساني وتقريب المسافات بين الثقافات، لاسيما بين الثقافة الروسية والعربية.
جمعت المداخلات بين تجارب من روسيا وتونس ومصر ، وطرحت الحكاية لا باعتبارها إرثا فولكلوريا فحسب، بل كفضاء تتقاطع فيه الذاكرة والهوية والقيم الإنسانية المشتركة. وقد توزعت الجلسة على محاور متعددة أبرزت دور الأدب الشعبي في بناء الجسور الثقافية، وخلصت في مجملها إلى أن الحكايات، مهما تنوعت بيئاتها، تظل لغة رمزية جامعة بين الشعوب.
واستهلت الجلسة بتسليط الضوء على إرث الشاعر القومي لجمهورية تتارستان عبد الله توقاي، حيث توقفت إحدى المداخلات عند مكانته في الأدب الروسي والتتري، مبرزة قدرته على استلهام الفلكلور الشعبي وصياغته في أعمال أدبية تجاوزت حدود البيئة المحلية إلى فضاء عالمي.
وتمت الإشارة إلى عدد من نصوصه المعروفة مثل “شورالي” و“العنزة والخروف” و“عروس البحيرة”، التي حضرت في معارض وملتقيات أدبية دولية، من بينها معرض القاهرة الدولي للكتاب. كما تمّ تسليط الضوء على رهانات ترجمة هذه الأعمال من التترية إلى الروسية ثم العربية، باعتبارها تجربة تطرح أسئلة نقل المعنى الثقافي لا مجرد المعنى اللغوي.
وفي مداخلة اتخذت طابعا تأمليا، قدم الكاتب والشاعر المصري أشرف دالي، رئيس اتحاد صحفيي آسيا وأفريقيا، رؤية حول الترجمة باعتبارها أداة لتوسيع الحوار الإنساني، معتبرا أن ترجمة الحكاية، خصوصا الموجهة للأطفال، تفتح أفقا للتعرف إلى حضارات الشعوب وقيمها، وتساعد على تجاوز الحواجز اللغوية والنفسية. وذهب دالي إلى أن العودة إلى الحكاية في زمن الأزمات ليست عودة إلى الماضي بقدر ما هي بحث عن المعاني المؤسسة للأمل، مؤكدا أن الأدب، من خلال الأسطورة والحكاية، قادر على إعادة بناء الحس الإنساني المشترك.
ومن تونس، قدم الأديب فؤاد حمدي مداخلة تناول فيها عمق الحكاية الشعبية التونسية، مستعرضا امتداداتها من الأساطير القديمة إلى الذاكرة الشفوية الحديثة. واستحضر حمدي شخصيات وأحداثا شكلت جزءا من المخيال التونسي، من رحلة أوليس إلى جربة وأسطورة عليسة، وصولا إلى الكاهنة وتغريبة بني هلال، مبرزا كيف تتحول الوقائع والأساطير إلى حكايات تؤسس للهوية. كما توقف عند تجربة عبد العزيز العروي ودوره في نقل الحكاية الشعبية من الفضاء الشفوي إلى الإذاعة، بما جعلها جزءا من الوجدان الجماعي. ولم تخل مداخلته من مقاربة مقارنة بين الحكايات التونسية والروسية، من خلال الإشارة إلى حضور الحيوان في السرد الروسي مقابل مركزية الشخصية البشرية في الحكاية التونسية، مع وجود رموز مشتركة مثل “الغول” بما يحمله من دلالات الشر والخوف في الثقافتين.
وفي مداخلة مماثلة، تحدث الشاعر والكاتب التونسي هيكل حدان عن تجربته في روسيا، معتبرا أن تعدد الأعراق والثقافات هناك وفر بيئة خصبة للإبداع السردي. وكشف عن مشروع مشترك مع الدبلوماسي الروسي السابق سمير رومان يقارن بين الأمثال الشعبية التونسية والروسية، بمناسبة مرور سبعين عاما على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، مبرزا أن هذا العمل يكشف عن تقاطعات لافتة بين الشعبين في ما يتعلق بالقيم الأسرية والحكمة الشعبية وتصورات التربية.
كما فتحت الجلسة بابا آخر للنقاش من خلال مداخلة الكاتبة والروائية الروسية آنا متفييفا التي عرضت مشروع “الحكاية في كل منا” التابع لـ“دائرة السعادة”، وهو مشروع يقوم على استثمار الحكاية في استكشاف الذات وتعزيز الإبداع، من خلال استحضار الشخصيات الخيالية بوصفها وسيلة لرؤية العالم بطريقة مختلفة. وفي السياق نفسه، تم التوقف عند أدب الكاتب الروسي بافيل باجوف، وخاصة ما يعرف بجنس “السكاز”، الذي يستند إلى الفلكلور الشعبي لكنه يرتقي به إلى بناء أدبي وجمالي معقد، كما في “الزهرة الحجرية”، وهو ما أتاح توسيع النقاش من الحكاية الشعبية إلى أسئلة التجريب الأدبي وعلاقته بالموروث.
وتقاطعت المداخلات في التأكيد على أن الحكاية الشعبية ليست مجرد موروث رمزي، بل وعاء للقيم المشتركة ومساحة للتفاهم الثقافي، وأن الترجمة تظل إحدى الأدوات الأساسية في نقل هذا المشترك الإنساني بين الشعوب. كما توقف المشاركون عند أهمية إعلان عام 2026 عاما لاتحاد الشعوب في روسيا، باعتباره مناسبة للاحتفاء بالتنوع اللغوي والثقافي الذي تختزنه البلاد، من لغات المانسي والخانتي وغيرها، بوصف هذا التنوع رافعة للوحدة لا نقيضا لها.
وخلصت الجلسة إلى أن الحكايات، على اختلاف منابعها، تظل حاملة لذاكرة الشعوب ولتصوراتها عن الخير والسعادة والعدالة، وأنها قادرة، عبر الترجمة والتداول الثقافي، على فتح مساحات جديدة للحوار بين روسيا وتونس والعالم العربي، في تأكيد جديد على أن الثقافة، حين تمر عبر الحكاية، تصبح جسرا أبقى من الحدود.