إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

التسوّل في تونس.. عندما تتحوّل الهشاشة الاجتماعية إلى اقتصاد للاستغلال

 ** تقديم 1550 حالة خلال 2026

**امكانية تحول التسوّل إلى مورد اقتصادي منتظم

**المسؤولية الجنائية فردية

**قوة ثقافة الصدقة والتضامن في المجتمع التونسي

 

 أثار الكشف مُؤخرا عن تقديم 1550 متسوّلاً خلال السنة الحالية، وما رافق ذلك من معطيات أمنية بشأن تورّط بعضهم في ترويج المخدرات ومراقبة المنازل تمهيداً لسرقتها، عديد التساؤلات حول الأبعاد الخفية لظاهرة التسوّل في تونس.. فهل أصبح التسوّل لدى بعض الحالات غطاءً لممارسة أنشطة إجرامية؟ وأين تنتهي الحاجة الاجتماعية لتبدأ مظاهر الاستغلال والانحراف؟

وبين المقاربة الأمنية والقراءة الاجتماعية، يبرز دور علم الاجتماع في تفكيك الظاهرة وفهم أسبابها، بعيداً عن التعميم أو وصم جميع المتسوّلين بالجريمة.

في هذا السياق، أفاد "الصباح نيوز" الباحث في علم الاجتماع الأستاذ ممدوح عزالدين أنّ التسوّل في تونس لم يعد مُجرد مشهد اجتماعي يعكس الفقر والحاجة، بل أصبح، في بعض مظاهره، ظاهرة أكثر تعقيدا تتداخل فيها الهشاشة الاجتماعية مع التحيل والاستغلال وبعض الأنشطة الإجرامية.

وفي هذا السياق واستنادا إلى تصريح رئيس الفرقة الجهوية للشرطة البلدية ببن عروس، المقدم مكرم المانسي، يوم 27 أكتوبر الفارط الذي ذكر فيه أنّه تمّ تقديم 1550 متسوّلا خلال السنة الجارية، مع إصدار بطاقات تفتيش في حق عدد منهم، مشيرا إلى وجود حالات تتعلق بترويج المخدرات في محيط المؤسسات التربوية، وأخرى باستغلال التسوّل في مراقبة المنازل تمهيدا لسرقتها.. فهذه المعطيات تطرح إشكالية تتجاوز الجانب الأمني: هل أصبح التسوّل مجرد استراتيجية للبقاء في مواجهة الفقر والتهميش، أم أن بعض أشكاله تحوّلت إلى نشاط اقتصادي غير منظم قابل للاستغلال والتوظيف في ممارسات منحرفة؟ وكيف يمكن التمييز بين المحتاج الحقيقي ومن يستثمر في صورة الحاجة لتحقيق مكاسب مادية أو أغراض إجرامية؟

ولاحظ الاستاذ ممدوح عز الدين أنّه من الناحية السوسيولوجية، لا يقتصر التسوّل على طلب المال، بل يُمثل ممارسة اجتماعية تقوم على استثمار مشاعر الشفقة والتعاطف والتضامن لدى الآخرين، ويمكن التمييز بين تسوّل اضطراري تفرضه الحاجة، وتسوّل استراتيجي يُوظف مظاهر المرض أو الإعاقة أو الفقر لاستدرار الأموال، وتسول منظم قد تتحول فيه معاناة الأفراد إلى مورد تستفيد منه مجموعات تستغل النساء والأطفال والمسنين.

أما قانونيا، فلا ينبغي الخلط بين مجرد طلب المساعدة وبين الأفعال التي تتضمن التحيل أو الإكراه أو استغلال الأشخاص ذلك ان الفصل 171 من المجلة الجزائية يعاقب حالات مخصوصة، من بينها ادعاء العاهات أو الجروح للحصول على الصدقة، واستعمال التهديد، وحمل أدوات تسهّل ارتكاب السرقة، واستعمال وثائق مدلسة،  كما يعتبر القانون الأساسي عدد 61 لسنة 2016 المتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص ومكافحته التسوّل إحدى صور الاستغلال عندما يكون نتيجة تجنيد الأشخاص أو استغلال حالة استضعافهم أو إخضاعهم لوسائل الإكراه أو الخداع وبذلك، لا يكون الفقر في حد ذاته جريمة، وإنما تستوجب المساءلة الأفعال التي يحددها القانون.

 

غياب إحصاء وطني محيّن

وبخصوص حجم الظاهرة في تونس، فقد قال الاستاذ ممدوح عز الدين ان غياب إحصاء وطني محيّن ومنشور وفق منهجية واضحة يجعل من الصعب تحديد عدد المتسوّلين بدقة. ومع ذلك، كشف رئيس الجمعية الدولية للدفاع عن حقوق الإنسان والإعلام، رضا كرويدة، في تصريح اذاعي له بتاريخ 6 أفريل 2023، عن نتائج مسح ميداني أنجزته الجمعية في تونس الكبرى، قدّر عدد المتسوّلين بنحو 4000 شخص، من بينهم قرابة 600 طفل، مع تمثيل نسائي يناهز 60 بالمائة.

وأوضح، ذات المصدر، أن المداخيل اليومية تتراوح لدى بعض الحالات بين 20 و30 دينارا، وقد تصل إلى 70 دينارا... وهي أرقام تعكس نتائج مسح تقديري لجمعية مدنية، وليست إحصاء رسميا أو متوسطا وطنيا للمداخيل.

وتكشف هذه المعطيات، رغم محدودية نطاقها ومنهجيتها المنشورة، وفق محدثنا، عن جانب مهم من الظاهرة، يتمثل في إمكانية تحول التسوّل لدى بعض الحالات من ممارسة اضطرارية إلى مورد اقتصادي منتظم.. إذ أنّ المعروض هنا ليس سلعة مادية، بل صورة للمُعاناة تستثمر في مشاعر الآخرين. ويصبح الطفل أو المسن أو المريض أو الشخص ذو الإعاقة، في حالات الاستغلال، وسيلة لاستدرار المال بدل أن يكون موضوعا للحماية والرعاية.

 

استغلال النساء والأطفال وكبار السن والمرضى

وتكمن خطورة الظاهرة، حسب مُحدثنا، في أن بعض أشكالها قد تتجاوز الاستجداء الفردي لتصل إلى استغلال النساء والأطفال وكبار السن والمرضى، وإخضاعهم لشروط تحدد أماكن وجودهم ومداخيلهم والجهات التي تستفيد منها. وقد يتقاطع هذا النشاط، في حالات أخرى، مع التحيل أو ترويج المخدرات أو مراقبة المنازل تمهيدا للسرقة، كما تشير المعطيات الأمنية ببن عروس.

لكن من الضروري التأكيد أنّ هذه الممارسات لا تُمثل صفة مُلازمة للمتسوّلين، وأن المسؤولية الجنائية فردية ولا تثبت بمجرد المظهر أو الوضع الاجتماعي.

 

مفارقة اجتماعية خطيرة

وبين الاستاذ عز الدين انه لفهم هذه التحولات، لا بد من تجاوز تفسير الظاهرة بالفقر وحده، مُعتبرا أنّ البطالة والعمل الهش وتراجع القدرة الشرائية وضعف الحماية الاجتماعية، إلى جانب التفكك الأسري وفقدان السند، تمثل عوامل قد تدفع بعض الأفراد إلى الشارع.. كما أن قوة ثقافة الصدقة والتضامن في المجتمع التونسي، رغم أهميتها الإنسانية، يمكن أن تصبح مدخلا للاستغلال عندما تتحول الشفقة إلى مورد اقتصادي.

وهنا تظهر مفارقة اجتماعية خطيرة: فكلما انتشرت الممارسات الاحتيالية باسم الحاجة، تراجعت ثقة المواطنين في المتسوّلين، وأصبح المحتاج الحقيقي بدوره موضع شك، بما يهدد ثقافة التضامن ذاتها.

ولا تقف تداعيات الظاهرة عند حدود الإخلال بالنظام العام، بل تمتد إلى تهديد حقوق الأطفال في التعليم والحماية والتنشئة السليمة، وتكريس استغلال الفئات الهشة، فضلا عن إمكانية توظيف بعض مواقع التسوّل في أنشطة إجرامية. كما أن "تطبيع" المجتمع مع مشاهد الأطفال والمسنين والمحتاجين في الشوارع قد يؤدي تدريجيا إلى تراجع حساسيته تجاه المعاناة الاجتماعية.

 

مسح وطني دقيق يميز بين التسوّل الاضطراري والمنظم والاستغلالي؟

وشدد الاستاذ عز الدين على أن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على الحملات الأمنية، رغم ضرورتها في تفكيك شبكات الاستغلال والتصدي للتحيل والجرائم المصاحبة، كما لا يمكن أن تقتصر على المساعدات الظرفية.

وأكّد أنّ المطلوب يتمثّل في إنجاز مسح وطني دقيق يميز بين التسوّل الاضطراري والمُنظم والاستغلالي، وتطوير تدخل اجتماعي ميداني يضم الأخصائيين الاجتماعيين ومؤسسات حماية الطفولة، مع إعطاء الأولوية للأطفال والنساء والمسنين ضحايا الاستغلال. كما ينبغي تسهيل النفاذ إلى المساعدات الاجتماعية، وتعزيز برامج الإدماج المهني، وتوجيه التضامن الأهلي نحو الجمعيات والمؤسسات الموثوقة حتى تصل المساعدة إلى مستحقيها.

وانتهى محدثنا بالتأكيد على أن التسوّل في تونس ليس مجرد مشكلة أشخاص ينتشرون في الشوارع، بل هو مرآة لعلاقة المجتمع بالفقر والهشاشة والتضامن، ولمدى قدرة مؤسساته على حماية الأفراد من السقوط خارج منظومة الحقوق. والتحدي الحقيقي ليس في إخلاء الشوارع من المتسوّلين، وإنما في ألا نعاقب الفقر، وألا نتسامح مع استغلاله، وألا نسمح بتحويل معاناة الإنسان إلى مصدر للربح.

 

التسول في تونس..هل أصبح غطاء للجريمة ؟

وفي جانب علم الإجرام ورؤيته للظاهرة، أفاد "الصباح نيوز" الأستاذ أسامة الخزامي المُختص في القانون وعلوم الإجرام أنه لم يعد من المُمكن التعامل مع ظاهرة التسوّل باعتبارها مُجرد انعكاس للفقر والحاجة الاجتماعية، فالمعطيات الأمنية التي كشفت عن تورط بعض المتسولين في ترويج المخدرات ومراقبة المنازل تمهيدا للسرقة تطرح سؤالا أخطر: هل تحوّل التسول لدى بعض الشبكات إلى واجهة لنشاط إجرامي منظم ؟

وأضاف الخزامي أنه من منظور علم الإجرام، الشارع قد يتحوّل إلى فضاء لجمع المعلومات ورصد تحرّكات المواطنين واستغلال التعاطف الاجتماعي لتسهيل أنشطة غير قانونية، لكن من الخطأ أيضا تجريم جميع المتسولين أو الخلط بين المحتاج الحقيقي والمجرم الذي يستغل صورة المحتاج .

وشدد على أن المُشكلة ليست أمنية فقط، بل أيضا مشكلة دولة وسياسات عمومية.. وتساءل مُحدثنا من المسؤول عن ترك التسول يتحوّل إلى ظاهرة مستدامة؟ أين دور الهياكل الاجتماعية والبلديات ومؤسسات الرعاية؟ ولماذا لا توجد آليات فعّالة للتمييز بين التسوّل الناتج عن الهشاشة الاجتماعية والتسول المستغل في أنشطة إجرامية؟، حسب تعبيره.

وقال، في ذات السياق، إنّ المقاربة الأمنية ضرورية لملاحقة الشبكات الإجرامية، لكنها وحدها لا تعالج جذور الظاهرة، نحن اليوم بحاجة إلى مقاربة تجمع بين الردع القانوني، والتفكيك المالي والتنظيمي للشبكات، والتدخل الاجتماعي والوقائي.

وختم بتوجيه رسالة مفادها: "لا يجب أن نُجرّم الفقر، لكن لا يجب أيضا أن نسمح للجريمة بأن تختبئ وراءه، فالتعاطف مع المُحتاج لا يعني التساهل مع المُجرم، والتصدي للتسوّل لا يكون بملاحقة الفقراء، بل بكشف من يستغلّ فقرهم ويُحوّله إلى مشروع إجرامي."

سعيدة الميساوي

 
التسوّل في تونس.. عندما تتحوّل الهشاشة الاجتماعية إلى اقتصاد للاستغلال

 ** تقديم 1550 حالة خلال 2026

**امكانية تحول التسوّل إلى مورد اقتصادي منتظم

**المسؤولية الجنائية فردية

**قوة ثقافة الصدقة والتضامن في المجتمع التونسي

 

 أثار الكشف مُؤخرا عن تقديم 1550 متسوّلاً خلال السنة الحالية، وما رافق ذلك من معطيات أمنية بشأن تورّط بعضهم في ترويج المخدرات ومراقبة المنازل تمهيداً لسرقتها، عديد التساؤلات حول الأبعاد الخفية لظاهرة التسوّل في تونس.. فهل أصبح التسوّل لدى بعض الحالات غطاءً لممارسة أنشطة إجرامية؟ وأين تنتهي الحاجة الاجتماعية لتبدأ مظاهر الاستغلال والانحراف؟

وبين المقاربة الأمنية والقراءة الاجتماعية، يبرز دور علم الاجتماع في تفكيك الظاهرة وفهم أسبابها، بعيداً عن التعميم أو وصم جميع المتسوّلين بالجريمة.

في هذا السياق، أفاد "الصباح نيوز" الباحث في علم الاجتماع الأستاذ ممدوح عزالدين أنّ التسوّل في تونس لم يعد مُجرد مشهد اجتماعي يعكس الفقر والحاجة، بل أصبح، في بعض مظاهره، ظاهرة أكثر تعقيدا تتداخل فيها الهشاشة الاجتماعية مع التحيل والاستغلال وبعض الأنشطة الإجرامية.

وفي هذا السياق واستنادا إلى تصريح رئيس الفرقة الجهوية للشرطة البلدية ببن عروس، المقدم مكرم المانسي، يوم 27 أكتوبر الفارط الذي ذكر فيه أنّه تمّ تقديم 1550 متسوّلا خلال السنة الجارية، مع إصدار بطاقات تفتيش في حق عدد منهم، مشيرا إلى وجود حالات تتعلق بترويج المخدرات في محيط المؤسسات التربوية، وأخرى باستغلال التسوّل في مراقبة المنازل تمهيدا لسرقتها.. فهذه المعطيات تطرح إشكالية تتجاوز الجانب الأمني: هل أصبح التسوّل مجرد استراتيجية للبقاء في مواجهة الفقر والتهميش، أم أن بعض أشكاله تحوّلت إلى نشاط اقتصادي غير منظم قابل للاستغلال والتوظيف في ممارسات منحرفة؟ وكيف يمكن التمييز بين المحتاج الحقيقي ومن يستثمر في صورة الحاجة لتحقيق مكاسب مادية أو أغراض إجرامية؟

ولاحظ الاستاذ ممدوح عز الدين أنّه من الناحية السوسيولوجية، لا يقتصر التسوّل على طلب المال، بل يُمثل ممارسة اجتماعية تقوم على استثمار مشاعر الشفقة والتعاطف والتضامن لدى الآخرين، ويمكن التمييز بين تسوّل اضطراري تفرضه الحاجة، وتسوّل استراتيجي يُوظف مظاهر المرض أو الإعاقة أو الفقر لاستدرار الأموال، وتسول منظم قد تتحول فيه معاناة الأفراد إلى مورد تستفيد منه مجموعات تستغل النساء والأطفال والمسنين.

أما قانونيا، فلا ينبغي الخلط بين مجرد طلب المساعدة وبين الأفعال التي تتضمن التحيل أو الإكراه أو استغلال الأشخاص ذلك ان الفصل 171 من المجلة الجزائية يعاقب حالات مخصوصة، من بينها ادعاء العاهات أو الجروح للحصول على الصدقة، واستعمال التهديد، وحمل أدوات تسهّل ارتكاب السرقة، واستعمال وثائق مدلسة،  كما يعتبر القانون الأساسي عدد 61 لسنة 2016 المتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص ومكافحته التسوّل إحدى صور الاستغلال عندما يكون نتيجة تجنيد الأشخاص أو استغلال حالة استضعافهم أو إخضاعهم لوسائل الإكراه أو الخداع وبذلك، لا يكون الفقر في حد ذاته جريمة، وإنما تستوجب المساءلة الأفعال التي يحددها القانون.

 

غياب إحصاء وطني محيّن

وبخصوص حجم الظاهرة في تونس، فقد قال الاستاذ ممدوح عز الدين ان غياب إحصاء وطني محيّن ومنشور وفق منهجية واضحة يجعل من الصعب تحديد عدد المتسوّلين بدقة. ومع ذلك، كشف رئيس الجمعية الدولية للدفاع عن حقوق الإنسان والإعلام، رضا كرويدة، في تصريح اذاعي له بتاريخ 6 أفريل 2023، عن نتائج مسح ميداني أنجزته الجمعية في تونس الكبرى، قدّر عدد المتسوّلين بنحو 4000 شخص، من بينهم قرابة 600 طفل، مع تمثيل نسائي يناهز 60 بالمائة.

وأوضح، ذات المصدر، أن المداخيل اليومية تتراوح لدى بعض الحالات بين 20 و30 دينارا، وقد تصل إلى 70 دينارا... وهي أرقام تعكس نتائج مسح تقديري لجمعية مدنية، وليست إحصاء رسميا أو متوسطا وطنيا للمداخيل.

وتكشف هذه المعطيات، رغم محدودية نطاقها ومنهجيتها المنشورة، وفق محدثنا، عن جانب مهم من الظاهرة، يتمثل في إمكانية تحول التسوّل لدى بعض الحالات من ممارسة اضطرارية إلى مورد اقتصادي منتظم.. إذ أنّ المعروض هنا ليس سلعة مادية، بل صورة للمُعاناة تستثمر في مشاعر الآخرين. ويصبح الطفل أو المسن أو المريض أو الشخص ذو الإعاقة، في حالات الاستغلال، وسيلة لاستدرار المال بدل أن يكون موضوعا للحماية والرعاية.

 

استغلال النساء والأطفال وكبار السن والمرضى

وتكمن خطورة الظاهرة، حسب مُحدثنا، في أن بعض أشكالها قد تتجاوز الاستجداء الفردي لتصل إلى استغلال النساء والأطفال وكبار السن والمرضى، وإخضاعهم لشروط تحدد أماكن وجودهم ومداخيلهم والجهات التي تستفيد منها. وقد يتقاطع هذا النشاط، في حالات أخرى، مع التحيل أو ترويج المخدرات أو مراقبة المنازل تمهيدا للسرقة، كما تشير المعطيات الأمنية ببن عروس.

لكن من الضروري التأكيد أنّ هذه الممارسات لا تُمثل صفة مُلازمة للمتسوّلين، وأن المسؤولية الجنائية فردية ولا تثبت بمجرد المظهر أو الوضع الاجتماعي.

 

مفارقة اجتماعية خطيرة

وبين الاستاذ عز الدين انه لفهم هذه التحولات، لا بد من تجاوز تفسير الظاهرة بالفقر وحده، مُعتبرا أنّ البطالة والعمل الهش وتراجع القدرة الشرائية وضعف الحماية الاجتماعية، إلى جانب التفكك الأسري وفقدان السند، تمثل عوامل قد تدفع بعض الأفراد إلى الشارع.. كما أن قوة ثقافة الصدقة والتضامن في المجتمع التونسي، رغم أهميتها الإنسانية، يمكن أن تصبح مدخلا للاستغلال عندما تتحول الشفقة إلى مورد اقتصادي.

وهنا تظهر مفارقة اجتماعية خطيرة: فكلما انتشرت الممارسات الاحتيالية باسم الحاجة، تراجعت ثقة المواطنين في المتسوّلين، وأصبح المحتاج الحقيقي بدوره موضع شك، بما يهدد ثقافة التضامن ذاتها.

ولا تقف تداعيات الظاهرة عند حدود الإخلال بالنظام العام، بل تمتد إلى تهديد حقوق الأطفال في التعليم والحماية والتنشئة السليمة، وتكريس استغلال الفئات الهشة، فضلا عن إمكانية توظيف بعض مواقع التسوّل في أنشطة إجرامية. كما أن "تطبيع" المجتمع مع مشاهد الأطفال والمسنين والمحتاجين في الشوارع قد يؤدي تدريجيا إلى تراجع حساسيته تجاه المعاناة الاجتماعية.

 

مسح وطني دقيق يميز بين التسوّل الاضطراري والمنظم والاستغلالي؟

وشدد الاستاذ عز الدين على أن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على الحملات الأمنية، رغم ضرورتها في تفكيك شبكات الاستغلال والتصدي للتحيل والجرائم المصاحبة، كما لا يمكن أن تقتصر على المساعدات الظرفية.

وأكّد أنّ المطلوب يتمثّل في إنجاز مسح وطني دقيق يميز بين التسوّل الاضطراري والمُنظم والاستغلالي، وتطوير تدخل اجتماعي ميداني يضم الأخصائيين الاجتماعيين ومؤسسات حماية الطفولة، مع إعطاء الأولوية للأطفال والنساء والمسنين ضحايا الاستغلال. كما ينبغي تسهيل النفاذ إلى المساعدات الاجتماعية، وتعزيز برامج الإدماج المهني، وتوجيه التضامن الأهلي نحو الجمعيات والمؤسسات الموثوقة حتى تصل المساعدة إلى مستحقيها.

وانتهى محدثنا بالتأكيد على أن التسوّل في تونس ليس مجرد مشكلة أشخاص ينتشرون في الشوارع، بل هو مرآة لعلاقة المجتمع بالفقر والهشاشة والتضامن، ولمدى قدرة مؤسساته على حماية الأفراد من السقوط خارج منظومة الحقوق. والتحدي الحقيقي ليس في إخلاء الشوارع من المتسوّلين، وإنما في ألا نعاقب الفقر، وألا نتسامح مع استغلاله، وألا نسمح بتحويل معاناة الإنسان إلى مصدر للربح.

 

التسول في تونس..هل أصبح غطاء للجريمة ؟

وفي جانب علم الإجرام ورؤيته للظاهرة، أفاد "الصباح نيوز" الأستاذ أسامة الخزامي المُختص في القانون وعلوم الإجرام أنه لم يعد من المُمكن التعامل مع ظاهرة التسوّل باعتبارها مُجرد انعكاس للفقر والحاجة الاجتماعية، فالمعطيات الأمنية التي كشفت عن تورط بعض المتسولين في ترويج المخدرات ومراقبة المنازل تمهيدا للسرقة تطرح سؤالا أخطر: هل تحوّل التسول لدى بعض الشبكات إلى واجهة لنشاط إجرامي منظم ؟

وأضاف الخزامي أنه من منظور علم الإجرام، الشارع قد يتحوّل إلى فضاء لجمع المعلومات ورصد تحرّكات المواطنين واستغلال التعاطف الاجتماعي لتسهيل أنشطة غير قانونية، لكن من الخطأ أيضا تجريم جميع المتسولين أو الخلط بين المحتاج الحقيقي والمجرم الذي يستغل صورة المحتاج .

وشدد على أن المُشكلة ليست أمنية فقط، بل أيضا مشكلة دولة وسياسات عمومية.. وتساءل مُحدثنا من المسؤول عن ترك التسول يتحوّل إلى ظاهرة مستدامة؟ أين دور الهياكل الاجتماعية والبلديات ومؤسسات الرعاية؟ ولماذا لا توجد آليات فعّالة للتمييز بين التسوّل الناتج عن الهشاشة الاجتماعية والتسول المستغل في أنشطة إجرامية؟، حسب تعبيره.

وقال، في ذات السياق، إنّ المقاربة الأمنية ضرورية لملاحقة الشبكات الإجرامية، لكنها وحدها لا تعالج جذور الظاهرة، نحن اليوم بحاجة إلى مقاربة تجمع بين الردع القانوني، والتفكيك المالي والتنظيمي للشبكات، والتدخل الاجتماعي والوقائي.

وختم بتوجيه رسالة مفادها: "لا يجب أن نُجرّم الفقر، لكن لا يجب أيضا أن نسمح للجريمة بأن تختبئ وراءه، فالتعاطف مع المُحتاج لا يعني التساهل مع المُجرم، والتصدي للتسوّل لا يكون بملاحقة الفقراء، بل بكشف من يستغلّ فقرهم ويُحوّله إلى مشروع إجرامي."

سعيدة الميساوي