إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

القيروان.. "جامع المحنّية" حكاية جدار من الذاكرة الشعبية

في أحد أزقة المدينة العتيقة بالقيروان، يلفت الانتباه جدار قديم تتناثر على سطحه آثار داكنة للحناء تمتد في مواضع مختلفة وتترك على الحائط ملامح لافتة. 

مشهد بسيط في ظاهره لكنه يفتح نافذة على جانب من الذاكرة الشعبية لمتساكني اهلا المدينة وعلى عادات تناقلتها الأجيال وبقيت حاضرة في بعض الحكايات المتداولة بين الأهالي.

ويعرف المكان لدى بعض القاطنين باسم "جامع المحنية" وهي تسمية  تستدعي التوقف عند تاريخ الموقع وما ارتبط به من روايات وممارسات شعبية. ومن خلال الصورة، تبدو آثار الحناء واضحة على امتداد الجدار بما يجعلها عنصرا بارزا في المشهد العمراني ويطرح أسئلة حول أصل هذه العادة ودلالاتها في الوجدان المحلي.

 

الحناء.. حضور في الذاكرة التونسية

للحناء مكانة معروفة في الثقافة التونسية فهي حاضرة في الأعراس والمناسبات العائلية وترتبط في الذاكرة الجماعية بمعاني الفرح والزينة والتفاؤل. وقد انتقلت استعمالاتها عبر الأجيال لتتجاوز أحيانا إطار الزينة إلى عادات تختلف من منطقة إلى أخرى بحسب ما تحفظه الذاكرة المحلية وما تتناقله العائلات من روايات.

وفي القيروان، تثير آثار الحناء على هذا الجدار فضول الزائر وتدفع إلى التساؤل عن الظروف التي نشأت فيها الممارسة وكيف استمرت حتى اليوم في المخيال الشعبي. وتربط هذه العادة في بعض الروايات المتداولة بأمنيات شخصية ورجاء تبدل الأحوال غير أن فهم خلفياتها يظل محتاجا إلى شهادات ميدانية مباشرة وإلى بحث يوثّق تاريخها، بعيدا عن الاستنتاجات غير المثبتة.

ولا تكفي العلامات الظاهرة وحدها لتحديد تاريخ الممارسة أو تفسير دوافع من قاموا بها. فالصورة توثق أثرا ماديا قائما لكنها لا تكشف بمفردها الروايات التي أحاطت بالمكان ولا مدى انتشار العادة أو اختلاف النظرة إليها بين الأجيال. ومن هنا تبرز أهمية الإصغاء إلى الأهالي وجمع الشهادات مع التمييز بين الوقائع التي يمكن التثبت منها والحكايات التي تناقلتها الذاكرة الشعبية.

 

الموروث وصيانة المكان

إن الاهتمام بمثل هذه الظواهر لا يعني إصدار أحكام عليها بل يتيح تناولها من زاوية ثقافية واجتماعية وفهم موقعها في ذاكرة المدينة. فالعادات الشعبية جزء من تاريخ المجتمع اليومي وقد تحمل دلالات تتغير بمرور الزمن وهو ما يجعل توثيقها مسؤولية تتطلب الدقة واحترام خصوصية الناس.

وفي المقابل، تظل المحافظة على المعالم القديمة ونظافة جدرانها وسلامة مكوناتها أمرا مهما لما تمثله من قيمة عمرانية وتاريخية. ويمكن أن يجتمع توثيق الروايات المحلية مع العناية بالمكان عبر التعريف بتاريخه والتحقق من تسميته ومكانته، والاستعانة بالمصادر الموثوقة عند تقديم أي معلومات تاريخية عنه.

كما يمكن للباحثين في التراث والمهتمين بتاريخ القيروان أن يسهموا في تسجيل هذه الممارسات ضمن دراسات ميدانية، تستند إلى شهادات موثقة وتضع الظاهرة في سياقها الاجتماعي من دون تهويل أو تبسيط فالتوثيق الرصين يساعد على حفظ الذاكرة الجماعية ويمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف إلى تنوع العادات المحلية وتطورها.

 

جدار يثير الأسئلة

في مدينة تختزن أزقتها وفضاءاتها طبقات متعاقبة من التاريخ، يبدو جدار "جامع المحنّية" شاهدا بصريا على حكاية تستحق البحث. فآثار الحناء ليست سوى نقطة انطلاق لأسئلة أوسع عن علاقة المكان بالذاكرة وكيف تتحول بعض الممارسات إلى روايات تتوارثها الأجيال حتى عندما لا تكون تفاصيل نشأتها موثقة.

وبين ما يظهر للعين وما يحتاج إلى بحث ميداني تبقى مسؤولية الصحافة نقل المشهد بأمانة ووضعه في سياقه الثقافي وتجنب نسبة أقوال أو معتقدات إلى الناس من دون دليل. وهكذا تتحول الصورة من مجرد مشهد في زقاق قديم إلى مدخل للتعرف إلى جانب من الذاكرة الشعبية بالقيروان مع احترام المكان والمحافظة على قيمته التاريخية وترك المجال للبحث والتوثيق كي يكملا ما لا تستطيع الصورة وحدها روايته.

ويبقى التوثيق الميداني أساسا لفهم العادة بعيدا عن الأحكام المسبقة، وبما يحفظ للمكان خصوصيته وقيمته التاريخية في الذاكرة.

مروان الدعلول

القيروان.. "جامع المحنّية" حكاية جدار من الذاكرة الشعبية

في أحد أزقة المدينة العتيقة بالقيروان، يلفت الانتباه جدار قديم تتناثر على سطحه آثار داكنة للحناء تمتد في مواضع مختلفة وتترك على الحائط ملامح لافتة. 

مشهد بسيط في ظاهره لكنه يفتح نافذة على جانب من الذاكرة الشعبية لمتساكني اهلا المدينة وعلى عادات تناقلتها الأجيال وبقيت حاضرة في بعض الحكايات المتداولة بين الأهالي.

ويعرف المكان لدى بعض القاطنين باسم "جامع المحنية" وهي تسمية  تستدعي التوقف عند تاريخ الموقع وما ارتبط به من روايات وممارسات شعبية. ومن خلال الصورة، تبدو آثار الحناء واضحة على امتداد الجدار بما يجعلها عنصرا بارزا في المشهد العمراني ويطرح أسئلة حول أصل هذه العادة ودلالاتها في الوجدان المحلي.

 

الحناء.. حضور في الذاكرة التونسية

للحناء مكانة معروفة في الثقافة التونسية فهي حاضرة في الأعراس والمناسبات العائلية وترتبط في الذاكرة الجماعية بمعاني الفرح والزينة والتفاؤل. وقد انتقلت استعمالاتها عبر الأجيال لتتجاوز أحيانا إطار الزينة إلى عادات تختلف من منطقة إلى أخرى بحسب ما تحفظه الذاكرة المحلية وما تتناقله العائلات من روايات.

وفي القيروان، تثير آثار الحناء على هذا الجدار فضول الزائر وتدفع إلى التساؤل عن الظروف التي نشأت فيها الممارسة وكيف استمرت حتى اليوم في المخيال الشعبي. وتربط هذه العادة في بعض الروايات المتداولة بأمنيات شخصية ورجاء تبدل الأحوال غير أن فهم خلفياتها يظل محتاجا إلى شهادات ميدانية مباشرة وإلى بحث يوثّق تاريخها، بعيدا عن الاستنتاجات غير المثبتة.

ولا تكفي العلامات الظاهرة وحدها لتحديد تاريخ الممارسة أو تفسير دوافع من قاموا بها. فالصورة توثق أثرا ماديا قائما لكنها لا تكشف بمفردها الروايات التي أحاطت بالمكان ولا مدى انتشار العادة أو اختلاف النظرة إليها بين الأجيال. ومن هنا تبرز أهمية الإصغاء إلى الأهالي وجمع الشهادات مع التمييز بين الوقائع التي يمكن التثبت منها والحكايات التي تناقلتها الذاكرة الشعبية.

 

الموروث وصيانة المكان

إن الاهتمام بمثل هذه الظواهر لا يعني إصدار أحكام عليها بل يتيح تناولها من زاوية ثقافية واجتماعية وفهم موقعها في ذاكرة المدينة. فالعادات الشعبية جزء من تاريخ المجتمع اليومي وقد تحمل دلالات تتغير بمرور الزمن وهو ما يجعل توثيقها مسؤولية تتطلب الدقة واحترام خصوصية الناس.

وفي المقابل، تظل المحافظة على المعالم القديمة ونظافة جدرانها وسلامة مكوناتها أمرا مهما لما تمثله من قيمة عمرانية وتاريخية. ويمكن أن يجتمع توثيق الروايات المحلية مع العناية بالمكان عبر التعريف بتاريخه والتحقق من تسميته ومكانته، والاستعانة بالمصادر الموثوقة عند تقديم أي معلومات تاريخية عنه.

كما يمكن للباحثين في التراث والمهتمين بتاريخ القيروان أن يسهموا في تسجيل هذه الممارسات ضمن دراسات ميدانية، تستند إلى شهادات موثقة وتضع الظاهرة في سياقها الاجتماعي من دون تهويل أو تبسيط فالتوثيق الرصين يساعد على حفظ الذاكرة الجماعية ويمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف إلى تنوع العادات المحلية وتطورها.

 

جدار يثير الأسئلة

في مدينة تختزن أزقتها وفضاءاتها طبقات متعاقبة من التاريخ، يبدو جدار "جامع المحنّية" شاهدا بصريا على حكاية تستحق البحث. فآثار الحناء ليست سوى نقطة انطلاق لأسئلة أوسع عن علاقة المكان بالذاكرة وكيف تتحول بعض الممارسات إلى روايات تتوارثها الأجيال حتى عندما لا تكون تفاصيل نشأتها موثقة.

وبين ما يظهر للعين وما يحتاج إلى بحث ميداني تبقى مسؤولية الصحافة نقل المشهد بأمانة ووضعه في سياقه الثقافي وتجنب نسبة أقوال أو معتقدات إلى الناس من دون دليل. وهكذا تتحول الصورة من مجرد مشهد في زقاق قديم إلى مدخل للتعرف إلى جانب من الذاكرة الشعبية بالقيروان مع احترام المكان والمحافظة على قيمته التاريخية وترك المجال للبحث والتوثيق كي يكملا ما لا تستطيع الصورة وحدها روايته.

ويبقى التوثيق الميداني أساسا لفهم العادة بعيدا عن الأحكام المسبقة، وبما يحفظ للمكان خصوصيته وقيمته التاريخية في الذاكرة.

مروان الدعلول