إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الذهب في تونس.. من "خزينة العائلة" وصدْر العروس إلى حلم بعيد المنال

 
*بين الادخار وقت الرخاء واللجوء إليه في زمن الشدة..
 
*ارتفاع الأسعار يهدد عادة اجتماعية متجذرة ويضع المقبلين على الزواج أمام تحديات غير مسبوقة
 
في الذاكرة الاجتماعية التونسية، لم يكن الذهب مجرد حليّ للزينة أو قطعة ثمينة تُرتدى في المناسبات، بل كان على امتداد أجيال بمثابة «خزينة صغيرة» تحفظها العائلة للأيام الصعبة، ومدخرًا يمكن اللجوء إليه عندما تضيق الأحوال أو تبرز حاجة استثنائية للمال.
 
وكانت الأسر، وخاصة في المناطق الفلاحية، تعرف جيدًا قيمة الاحتفاظ بجزء من مدخراتها في الذهب. فبعد موسم فلاحي جيد، أو إثر بيع محصول الزيتون أو المواشي أو أرباح مشروع تجاري، كان جزء من المال يتحول أحيانًا إلى  شراء قطعة ارض او الذهب .
 الفكرة بسيطة في ظاهرها: المال قد يُنفق، أما  الأرض أو الذهب فيُحتفظ به، ويمكن بيعه عند الحاجة.
 
لكن هذه المعادلة الاجتماعية القديمة تواجه اليوم اختبارًا صعبًا. فقد تحولت أسعار الذهب خلال السنوات الأخيرة إلى حاجز حقيقي أمام شريحة واسعة من التونسيين، وأصبح شراء بضع غرامات يتطلب مبالغ لم تعد في متناول الأسرة العادية، في وقت تراجعت فيه القدرة الشرائية وارتفعت كلفة المعيشة.
 
وفي السوق التونسية، أصبحت أسعار الغرام تدور في مستويات مرتفعة جدًا بحسب العيار والمصنعية. 
 وأشارت بيانات أسعار الذهب المنشورة بتاريخ 24 سبتمبر 2026 إلى نحو 407 دنانير للغرام من عيار 24، مقابل نحو 305 دنانير لعيار 18 قبل احتساب اختلافات المصنعية والسوق، فيما سبق أن أكد رئيس الغرفة الوطنية لتجار المصوغ أن سعر غرام عيار 18 بلغ في جويلية 430 دينارًا فما فوق، مع الإشارة إلى أن الأسعار تتغير تبعًا للسوق العالمية والمخزون وكلفة التصنيع.
 
وهكذا لم يعد السؤال بالنسبة إلى كثير من التونسيين: كم غرامًا من الذهب سنشتري؟، بل أصبح: هل نستطيع أصلًا شراء الذهب؟
 
*الذهب.. «أمان» العائلة وقت الرخاء والشدة
 
في البيوت التونسية القديمة، كان للذهب مكانة خاصة، فالمرأة قد تحتفظ بقطعها الذهبية لسنوات طويلة، ليس فقط باعتبارها زينة، وإنما باعتبارها احتياطًا ماليًا يمكن اللجوء إليه عندما تتعقد الظروف.
 
وفي الأوساط الفلاحية خصوصًا، ارتبط شراء الذهب بمواسم الرزق. فعندما يكون الموسم جيدًا، أو تحقق العائلة مداخيل مهمة من بيع الزيتون أو الحبوب أو الخضر أو المواشي، أو عندما ينجح أحد أفراد الأسرة في مشروع تجاري، كان من المألوف أن يُخصص جزء من المدخول لاقتناء الذهب.
 
وكانت المعادلة تقوم على نوع من التوازن: الجزء الأول من المال يذهب إلى متطلبات الحياة، والجزء الثاني إلى الاستثمار أو توسيع النشاط، أما جزء صغير فيُحوّل إلى ذهب يبقى محفوظًا للمستقبل.
 
ولم يكن الهدف بالضرورة تحقيق أرباح سريعة، بل الاحتفاظ بأصل يمكن تحويله إلى مال عند الضرورة.
 
قد تكون الضرورة مرضًا أو عملية جراحية، أو مصاريف دراسة الأبناء، أو إصلاح منزل، أو أزمة في المشروع، أو موسمًا فلاحيًا ضعيفًا، أو حتى ظرفًا عائليًا مفاجئًا.
 
وفي مثل هذه الحالات، كان الذهب يؤدي وظيفة اجتماعية واقتصادية واضحة: مدخر موجود في البيت ويمكن تسييله عند الحاجة.
 
"كنا نشتري الذهب عندما يكون الموسم جيدًا"
يقول "الهذيلي"  أحد الفلاحين، في شهادة نموذجية تعكس ما يتداوله عدد من أبناء الأرياف والمناطق الفلاحية: «عندما كان موسم الزيتون جيدًا وكنا نبيع المحصول، لم نكن نصرف كل المال. كان والدي يقول دائمًا: اشتروا بعض الذهب واتركوه للزمن. كانت الغرامات قليلة مقارنة بما هي عليه اليوم، وكانت الأسرة قادرة على شراء قطعة كل سنة أو سنتين. واليوم أصبح الأمر مختلفًا تمامًا؛ حتى إذا تحسن الموسم، فإن الأولويات كثيرة والأسعار مرتفعة جدًا».
هذه الثقافة لم تكن مرتبطة بالزواج فقط، وإنما كانت جزءًا من ثقافة الادخار العائلي. فالذهب بالنسبة إلى كثير من العائلات لم يكن ترفًا، وإنما شكلًا من أشكال الاحتياط.
 
عندما يتحول الذهب إلى «صندوق طوارئ»
ومن أكثر ما يفسر استمرار حضور الذهب في الذاكرة التونسية أنه ارتبط بمفهوم «المال الذي لا يُمس إلا عند الضرورة».
فالذهب لا يُستهلك مثل المواد الغذائية، ولا يُنفق بسهولة مثل الأموال الموجودة في الحساب البنكي أو المحفظة، ولذلك كان يحتفظ بقيمة نفسية واقتصادية خاصة.
 
وتروي "زبيدة": «كانت أمي تقول لنا دائمًا إن الذهب لا يُشترى لكي نراه فقط، وإنما لكي يكون موجودًا عندما نحتاجه. وفي العائلة حالات كثيرة اضطر فيها أشخاص إلى بيع قطعة ذهب لتغطية مصاريف علاج أو مساعدة أحد الأبناء على الدراسة او الزواج  أو تجاوز أزمة مالية».
وهذه الوظيفة الاجتماعية للذهب تفسر أيضًا لماذا تتمسك به بعض العائلات رغم ارتفاع سعره.
 
لكن المفارقة أن الارتفاع الكبير في الأسعار الذي جعل الذهب أكثر قيمة بالنسبة لمن يملكه، جعله في الوقت نفسه أقل قدرة على الوصول إلى من يريد شراءه اليوم.
 
«صدْر العروس».. تقليد راسخ يصطدم بالقدرة الشرائية
لا يمكن الحديث عن الذهب في تونس من دون التوقف عند علاقته بالزواج. ففي عدد كبير من العائلات التونسية، ظل الذهب جزءًا أساسيًا من تجهيز العروس.
 وقد ارتبطت بعض العادات بتقديم المصوغ للعروس ضمن الهدايا والمهر وتجهيزات الزواج، حتى أصبح «ذهب العروس» عنصرًا حاضرًا في مفاوضات الزواج والاستعداد له.
 
وفي الذاكرة الشعبية، كانت العروس تدخل بيت الزوجية وهي تحمل معها مجموعة من القطع الذهبية: أساور، وخواتم، وأقراط، وسلاسل، وقلائد وغيرها من القطع التي تختلف من منطقة إلى أخرى ومن عائلة إلى أخرى.
 
وكانت قيمة الذهب أحيانًا تعكس قدرة العائلة على الإنفاق، لكنه كان أيضًا يمثل بالنسبة إلى المرأة ملكية شخصية ومدخرًا يمكن أن يكون سندًا لها عند الحاجة. غير أن هذا التقليد يواجه اليوم تحديًا كبيرًا.
 
فإذا كان غرام الذهب يقترب من 400 دينار أو يتجاوز ذلك بحسب العيار والمصنعية، فإن مجموعة متوسطة من المصوغ قد تتحول بسهولة إلى فاتورة بعشرات الآلاف من الدنانير.
وهنا يصبح السؤال: كيف تستطيع أسرة متوسطة الدخل توفير ذهب العروس في ظل ارتفاع كلفة الزواج أصلًا؟
 
«ذهب العروس أصبح عبئًا»
يقول  "فراس" شاب مقبل على الزواج، في شهادة نموذجية:
«المشكلة ليست في الذهب وحده. هناك المسكن والتجهيزات والملابس والحفل والمصاريف الأخرى. عندما يقال لنا إن علينا توفير كمية معينة من الذهب للعروس، نجد أنفسنا أمام مبلغ كبير جدًا. نحن لا نرفض العادة، لكن الظروف الاقتصادية تغيرت، وما كان ممكنًا بالنسبة إلى آبائنا لم يعد ممكنًا بالنسبة إلينا».
 
وتقول  "سيرين" فتاة مقبلة على الزواج:«أنا لا أريد أن يكون الذهب سببًا في إثقال كاهل زوجي أو عائلته. المهم بالنسبة إليّ هو أن يبدأ الزوجان حياتهما دون ديون وضغوط كبيرة. يمكن أن تكون هناك قطعة رمزية أو كمية معقولة، ثم يشتري الزوجان الذهب لاحقًا عندما تسمح ظروفهما».
 
هذه الأصوات تكشف تحولًا مهمًا في النظرة إلى الذهب: من شرط اجتماعي لا بد منه إلى مسألة قابلة للنقاش والتفاوض داخل الأسرة.
 
الصائغ أمام معادلة صعبة
أما تجار المصوغ، فيجدون أنفسهم بدورهم أمام وضع معقد.
فارتفاع السعر لا يعني بالضرورة زيادة الأرباح، لأن ارتفاع سعر الذهب يؤدي إلى تراجع القدرة على الشراء، وبالتالي يمكن أن ينخفض عدد الحرفاء حتى وإن ارتفعت قيمة الغرام ، و أن عوامل عالمية عدة تؤثر في أسعار الذهب، من بينها السياسات النقدية الأمريكية والتوترات الجيوسياسية والطلب العالمي، موضحين أن تأثير الأسعار العالمية على السوق التونسية يظهر بصورة أوضح عندما تكون التغيرات كبيرة. 
كما أشار التجار إلى أن السعر النهائي للمشغولات يتأثر إلى جانب سعر الذهب الخام بالمصنعية وكلفة اليد العاملة وهامش الربح.
 
ويقول " نزار" وهو أحد  أصحاب محلات المصوغ: «الحريف يأتي إلى المحل ويسأل عن السعر، وعندما يسمعه يتراجع. نحن أيضًا لا نحدد السعر العالمي، ونشتري الذهب بتكلفة مرتفعة. المشكلة أن الحريف يريد قطعة جميلة بسعر يستطيع تحمله، بينما تكلفة المادة الأولية والعمل ارتفعت».
 
ويضيف:«هناك من أصبح يشتري قطعًا أخف وزنًا، وهناك من يختار التصميم البسيط لتقليص المصنعية. كما أن بعض العائلات أصبحت تبيع ذهبًا قديمًا وتضيف مبلغًا بسيطًا للحصول على قطعة جديدة».»
 
الذهب القديم.. حل تلجأ إليه العائلات
ومع ارتفاع الأسعار، بدأ بعض المستهلكين ينظرون إلى الذهب الموجود لديهم باعتباره وسيلة لتخفيف كلفة شراء الجديد.
فالأسرة التي تملك قطعًا قديمة وغير مستعملة يمكن أن تعرضها للبيع أو للاستبدال، وتضيف الفارق للحصول على قطعة أخرى.
وهذه الممارسة ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر أهمية في ظل ارتفاع الأسعار.
 
ويقول  " عادل" أحد الحرفاء:«لدينا بعض القطع القديمة التي لم تعد تستعملها الوالدة، وعندما احتاجت ابنتي إلى بعض الذهب، فكرنا في بيع جزء منها بدل شراء كل شيء من جديد. هكذا نستفيد من الذهب الموجود ونقلل من المبلغ الذي سندفعه».
 
لكن المستهلك يحتاج في هذه الحالة إلى الانتباه إلى العيار والوزن وسعر الشراء وسعر البيع والمصنعية، لأن قيمة القطعة عند شرائها ليست بالضرورة هي نفسها عند إعادة بيعها.
 
من 50 غرامًا للعروس إلى البحث عن الحد الأدنى
وتكشف مقارنة الأجيال حجم التغيير الذي طرأ على سوق المصوغ.
فقد نقلت شهادات عن سوق الذهب في المنستير أن وزن حلي الزفاف في سبعينيات القرن الماضي كان قد يصل، في بعض الحالات، إلى 50 غرامًا أو أكثر من عيار 18.
أما اليوم، فإن التفكير في مثل هذه الكميات أصبح بالنسبة إلى العديد من الأسر مسألة مالية ثقيلة للغاية.
فـ50 غرامًا بسعر 400 دينار للغرام تعني نظريًا 20 ألف دينار قبل احتساب اختلاف العيار والمصنعية، وهو مبلغ كبير بالنسبة إلى الأسرة التونسية المتوسطة.
ولهذا باتت بعض العائلات تتجه نحو تخفيض الوزن، واختيار قطع أقل كلفة، أو الاكتفاء بعدد محدود من القطع.
 
هل فقد الذهب وظيفته كادخار؟
رغم كل هذه التحولات، يبدو أن الذهب لم يفقد مكانته كوسيلة للادخار في الوعي التونسي، لكنه أصبح أكثر صعوبة في الاقتناء، وهنا تكمن المفارقة.
فمن يملك الذهب منذ سنوات قد يجد أن قيمته ارتفعت بشكل كبير، بينما من يريد شراءه اليوم يجد نفسه أمام تكلفة عالية، وهذا يعني أن ارتفاع الذهب لا يخدم الجميع بالطريقة نفسها.
المالك القديم للذهب يستفيد من ارتفاع القيمة، بينما المدخر الجديد يواجه حاجز الدخول.
كما أن الذهب ليس استثمارًا مضمون الربح على المدى القصير، إذ إن سعره يتحرك صعودًا وهبوطًا، كما أن شراء المصوغ يتضمن كلفة مصنعية قد لا يسترجعها صاحب القطعة كاملة عند البيع.
 
أمام الواقع الجديد، ربما يكون الحل في تغيير طريقة التعامل مع الذهب، بدل التخلي عنه نهائيًا.
فبدل انتظار موسم كبير يسمح بشراء كمية مهمة، يمكن للأسرة، عندما تسمح إمكانياتها، اعتماد ادخار صغير ومتدرج.
و قد تكون قطعة صغيرة كل فترة، أو وزنًا محدودًا، بدل شراء كمية كبيرة دفعة واحدة.
كما يمكن، بالنسبة إلى من يهدف إلى الادخار وليس الزينة، مقارنة كلفة المصنعية والاحتفاظ بما يتناسب مع الهدف، لأن المصوغ المشغول ليس بالضرورة الشكل الوحيد للادخار في الذهب.
 
وماذا عن العروس؟
ربما تكون الحاجة الأكثر إلحاحًا اليوم هي إعادة النظر في مفهوم «ذهب العروس» نفسه.
فمن غير المنطقي أن يتحول تقليد اجتماعي جميل إلى سبب لإثقال كاهل عائلتين بالديون قبل أن تبدأ الحياة الزوجية.
يمكن للعائلات أن تتفق على كمية معقولة تتناسب مع الإمكانيات الحقيقية، دون منافسة اجتماعية أو مقارنة بين عروس وأخرى.
كما يمكن أن يكون الاتفاق على قطعة رمزية في البداية، ثم إضافة قطع أخرى في السنوات اللاحقة عندما تتحسن الظروف.
وقد يكون من المفيد كذلك أن تتحول النظرة من «كم غرامًا ستجلب العروس؟» إلى سؤال أكثر أهمية: هل يستطيع الزوجان بناء حياة مستقرة دون ديون وضغوط مالية خانقة؟
 
 بين المحافظة على العادة ومراعاة الواقع
أمام هذا الواقع، يمكن طرح جملة من الحلول العملية:
أولًا: إعادة النظر في كميات الذهب المطلوبة للزواج.
فالعادة يمكن أن تستمر دون أن تتحول إلى عبء مالي.
ثانيًا: تشجيع الادخار التدريجي.
فبدل انتظار توفر مبلغ كبير، يمكن شراء الذهب بكميات صغيرة عندما تسمح الإمكانيات.
ثالثًا: إعطاء الأولوية للوزن والادخار على المظهر المكلف.
فالقطعة البسيطة قد تحقق الغرض نفسه بكلفة أقل من قطعة ذات مصنعية مرتفعة.
رابعًا: تطوير ثقافة مالية لدى الشباب المقبلين على الزواج.
فالذهب ليس البديل الوحيد للادخار، ومن الضروري توزيع المدخرات بين حاجات الأسرة والاستثمار والاحتياط المالي وفق الإمكانيات.
خامسًا: مزيد من الشفافية في سوق المصوغ.
من المهم أن يعرف الحريف بوضوح سعر الذهب الخام، والعيار، والوزن، وقيمة المصنعية، والسعر الذي يمكن أن تُشترى به القطعة المستعملة عند إعادة بيعها.
سادسًا: تشجيع استرجاع الذهب القديم وإعادة تصنيعه.
وهو خيار يسمح للعائلات باستغلال ما لديها بدل تحمل كلفة شراء كمية جديدة بالكامل.
سابعًا: عدم ربط قيمة الزواج بكمية الذهب.
فالذهب يمكن أن يكون جزءًا من الاحتفال، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مقياس لقيمة العروس أو مكانة العائلة.
 
الذهب باقٍ.. لكن العادات تتغير
بين الماضي والحاضر تغير الكثير، ففي الماضي كان الفلاح ينتظر موسم الزيتون أو بيع محصوله ليشتري قطعة ذهبية، وكان الأب أو الأم يحرصان على أن تملك ابنتهما شيئًا من الذهب قبل الزواج. وكان الذهب يبقى سنوات في الخزانة، ثم يظهر عند الحاجة، فيتحول إلى مال ينقذ الأسرة من ضائقة.
اليوم، أصبح الذهب نفسه في حاجة إلى «حماية» من الظروف الاقتصادية.
فالغرام الذي كان يمكن شراؤه بسهولة نسبيًا أصبح يمثل مئات الدنانير، و«صدْر العروس» الذي كان يجمع عدة قطع أصبح مشروعًا ماليًا بحد ذاته.
ومع ذلك، يبدو أن التونسيين لا يريدون التخلي عن الذهب بسهولة.
فالذهب ليس معدنًا أصفر فحسب؛ إنه ذاكرة عائلية، وهدية، ورمز فرح، ومدخر، وأحيانًا سند في زمن الشدة.
لكن الحفاظ على هذه الثقافة يتطلب التكيف مع الواقع الجديد.
فليس المطلوب أن تختفي عادة اقتناء الذهب، وإنما أن تتغير طريقة ممارستها: ذهب بقدر الإمكانات، وزواج دون ديون خانقة، وادخار تدريجي، وابتعاد عن المظاهر التي تتجاوز قدرة الأسرة.
وفي النهاية، ربما تكون الرسالة الأهم التي تفرضها أسعار الذهب الحالية بسيطة وواضحة:
الذهب يمكن أن يكون مدخرًا للعائلة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى دين يثقل كاهلها.
فالغاية من الادخار هي توفير الأمان للمستقبل، لا تحويل المستقبل نفسه إلى عبء من أجل شراء الذهب.
 
ابن حسن
 
ملاحظة: الصورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
 
 
 
 
الذهب في تونس.. من "خزينة العائلة" وصدْر العروس إلى حلم بعيد المنال
 
*بين الادخار وقت الرخاء واللجوء إليه في زمن الشدة..
 
*ارتفاع الأسعار يهدد عادة اجتماعية متجذرة ويضع المقبلين على الزواج أمام تحديات غير مسبوقة
 
في الذاكرة الاجتماعية التونسية، لم يكن الذهب مجرد حليّ للزينة أو قطعة ثمينة تُرتدى في المناسبات، بل كان على امتداد أجيال بمثابة «خزينة صغيرة» تحفظها العائلة للأيام الصعبة، ومدخرًا يمكن اللجوء إليه عندما تضيق الأحوال أو تبرز حاجة استثنائية للمال.
 
وكانت الأسر، وخاصة في المناطق الفلاحية، تعرف جيدًا قيمة الاحتفاظ بجزء من مدخراتها في الذهب. فبعد موسم فلاحي جيد، أو إثر بيع محصول الزيتون أو المواشي أو أرباح مشروع تجاري، كان جزء من المال يتحول أحيانًا إلى  شراء قطعة ارض او الذهب .
 الفكرة بسيطة في ظاهرها: المال قد يُنفق، أما  الأرض أو الذهب فيُحتفظ به، ويمكن بيعه عند الحاجة.
 
لكن هذه المعادلة الاجتماعية القديمة تواجه اليوم اختبارًا صعبًا. فقد تحولت أسعار الذهب خلال السنوات الأخيرة إلى حاجز حقيقي أمام شريحة واسعة من التونسيين، وأصبح شراء بضع غرامات يتطلب مبالغ لم تعد في متناول الأسرة العادية، في وقت تراجعت فيه القدرة الشرائية وارتفعت كلفة المعيشة.
 
وفي السوق التونسية، أصبحت أسعار الغرام تدور في مستويات مرتفعة جدًا بحسب العيار والمصنعية. 
 وأشارت بيانات أسعار الذهب المنشورة بتاريخ 24 سبتمبر 2026 إلى نحو 407 دنانير للغرام من عيار 24، مقابل نحو 305 دنانير لعيار 18 قبل احتساب اختلافات المصنعية والسوق، فيما سبق أن أكد رئيس الغرفة الوطنية لتجار المصوغ أن سعر غرام عيار 18 بلغ في جويلية 430 دينارًا فما فوق، مع الإشارة إلى أن الأسعار تتغير تبعًا للسوق العالمية والمخزون وكلفة التصنيع.
 
وهكذا لم يعد السؤال بالنسبة إلى كثير من التونسيين: كم غرامًا من الذهب سنشتري؟، بل أصبح: هل نستطيع أصلًا شراء الذهب؟
 
*الذهب.. «أمان» العائلة وقت الرخاء والشدة
 
في البيوت التونسية القديمة، كان للذهب مكانة خاصة، فالمرأة قد تحتفظ بقطعها الذهبية لسنوات طويلة، ليس فقط باعتبارها زينة، وإنما باعتبارها احتياطًا ماليًا يمكن اللجوء إليه عندما تتعقد الظروف.
 
وفي الأوساط الفلاحية خصوصًا، ارتبط شراء الذهب بمواسم الرزق. فعندما يكون الموسم جيدًا، أو تحقق العائلة مداخيل مهمة من بيع الزيتون أو الحبوب أو الخضر أو المواشي، أو عندما ينجح أحد أفراد الأسرة في مشروع تجاري، كان من المألوف أن يُخصص جزء من المدخول لاقتناء الذهب.
 
وكانت المعادلة تقوم على نوع من التوازن: الجزء الأول من المال يذهب إلى متطلبات الحياة، والجزء الثاني إلى الاستثمار أو توسيع النشاط، أما جزء صغير فيُحوّل إلى ذهب يبقى محفوظًا للمستقبل.
 
ولم يكن الهدف بالضرورة تحقيق أرباح سريعة، بل الاحتفاظ بأصل يمكن تحويله إلى مال عند الضرورة.
 
قد تكون الضرورة مرضًا أو عملية جراحية، أو مصاريف دراسة الأبناء، أو إصلاح منزل، أو أزمة في المشروع، أو موسمًا فلاحيًا ضعيفًا، أو حتى ظرفًا عائليًا مفاجئًا.
 
وفي مثل هذه الحالات، كان الذهب يؤدي وظيفة اجتماعية واقتصادية واضحة: مدخر موجود في البيت ويمكن تسييله عند الحاجة.
 
"كنا نشتري الذهب عندما يكون الموسم جيدًا"
يقول "الهذيلي"  أحد الفلاحين، في شهادة نموذجية تعكس ما يتداوله عدد من أبناء الأرياف والمناطق الفلاحية: «عندما كان موسم الزيتون جيدًا وكنا نبيع المحصول، لم نكن نصرف كل المال. كان والدي يقول دائمًا: اشتروا بعض الذهب واتركوه للزمن. كانت الغرامات قليلة مقارنة بما هي عليه اليوم، وكانت الأسرة قادرة على شراء قطعة كل سنة أو سنتين. واليوم أصبح الأمر مختلفًا تمامًا؛ حتى إذا تحسن الموسم، فإن الأولويات كثيرة والأسعار مرتفعة جدًا».
هذه الثقافة لم تكن مرتبطة بالزواج فقط، وإنما كانت جزءًا من ثقافة الادخار العائلي. فالذهب بالنسبة إلى كثير من العائلات لم يكن ترفًا، وإنما شكلًا من أشكال الاحتياط.
 
عندما يتحول الذهب إلى «صندوق طوارئ»
ومن أكثر ما يفسر استمرار حضور الذهب في الذاكرة التونسية أنه ارتبط بمفهوم «المال الذي لا يُمس إلا عند الضرورة».
فالذهب لا يُستهلك مثل المواد الغذائية، ولا يُنفق بسهولة مثل الأموال الموجودة في الحساب البنكي أو المحفظة، ولذلك كان يحتفظ بقيمة نفسية واقتصادية خاصة.
 
وتروي "زبيدة": «كانت أمي تقول لنا دائمًا إن الذهب لا يُشترى لكي نراه فقط، وإنما لكي يكون موجودًا عندما نحتاجه. وفي العائلة حالات كثيرة اضطر فيها أشخاص إلى بيع قطعة ذهب لتغطية مصاريف علاج أو مساعدة أحد الأبناء على الدراسة او الزواج  أو تجاوز أزمة مالية».
وهذه الوظيفة الاجتماعية للذهب تفسر أيضًا لماذا تتمسك به بعض العائلات رغم ارتفاع سعره.
 
لكن المفارقة أن الارتفاع الكبير في الأسعار الذي جعل الذهب أكثر قيمة بالنسبة لمن يملكه، جعله في الوقت نفسه أقل قدرة على الوصول إلى من يريد شراءه اليوم.
 
«صدْر العروس».. تقليد راسخ يصطدم بالقدرة الشرائية
لا يمكن الحديث عن الذهب في تونس من دون التوقف عند علاقته بالزواج. ففي عدد كبير من العائلات التونسية، ظل الذهب جزءًا أساسيًا من تجهيز العروس.
 وقد ارتبطت بعض العادات بتقديم المصوغ للعروس ضمن الهدايا والمهر وتجهيزات الزواج، حتى أصبح «ذهب العروس» عنصرًا حاضرًا في مفاوضات الزواج والاستعداد له.
 
وفي الذاكرة الشعبية، كانت العروس تدخل بيت الزوجية وهي تحمل معها مجموعة من القطع الذهبية: أساور، وخواتم، وأقراط، وسلاسل، وقلائد وغيرها من القطع التي تختلف من منطقة إلى أخرى ومن عائلة إلى أخرى.
 
وكانت قيمة الذهب أحيانًا تعكس قدرة العائلة على الإنفاق، لكنه كان أيضًا يمثل بالنسبة إلى المرأة ملكية شخصية ومدخرًا يمكن أن يكون سندًا لها عند الحاجة. غير أن هذا التقليد يواجه اليوم تحديًا كبيرًا.
 
فإذا كان غرام الذهب يقترب من 400 دينار أو يتجاوز ذلك بحسب العيار والمصنعية، فإن مجموعة متوسطة من المصوغ قد تتحول بسهولة إلى فاتورة بعشرات الآلاف من الدنانير.
وهنا يصبح السؤال: كيف تستطيع أسرة متوسطة الدخل توفير ذهب العروس في ظل ارتفاع كلفة الزواج أصلًا؟
 
«ذهب العروس أصبح عبئًا»
يقول  "فراس" شاب مقبل على الزواج، في شهادة نموذجية:
«المشكلة ليست في الذهب وحده. هناك المسكن والتجهيزات والملابس والحفل والمصاريف الأخرى. عندما يقال لنا إن علينا توفير كمية معينة من الذهب للعروس، نجد أنفسنا أمام مبلغ كبير جدًا. نحن لا نرفض العادة، لكن الظروف الاقتصادية تغيرت، وما كان ممكنًا بالنسبة إلى آبائنا لم يعد ممكنًا بالنسبة إلينا».
 
وتقول  "سيرين" فتاة مقبلة على الزواج:«أنا لا أريد أن يكون الذهب سببًا في إثقال كاهل زوجي أو عائلته. المهم بالنسبة إليّ هو أن يبدأ الزوجان حياتهما دون ديون وضغوط كبيرة. يمكن أن تكون هناك قطعة رمزية أو كمية معقولة، ثم يشتري الزوجان الذهب لاحقًا عندما تسمح ظروفهما».
 
هذه الأصوات تكشف تحولًا مهمًا في النظرة إلى الذهب: من شرط اجتماعي لا بد منه إلى مسألة قابلة للنقاش والتفاوض داخل الأسرة.
 
الصائغ أمام معادلة صعبة
أما تجار المصوغ، فيجدون أنفسهم بدورهم أمام وضع معقد.
فارتفاع السعر لا يعني بالضرورة زيادة الأرباح، لأن ارتفاع سعر الذهب يؤدي إلى تراجع القدرة على الشراء، وبالتالي يمكن أن ينخفض عدد الحرفاء حتى وإن ارتفعت قيمة الغرام ، و أن عوامل عالمية عدة تؤثر في أسعار الذهب، من بينها السياسات النقدية الأمريكية والتوترات الجيوسياسية والطلب العالمي، موضحين أن تأثير الأسعار العالمية على السوق التونسية يظهر بصورة أوضح عندما تكون التغيرات كبيرة. 
كما أشار التجار إلى أن السعر النهائي للمشغولات يتأثر إلى جانب سعر الذهب الخام بالمصنعية وكلفة اليد العاملة وهامش الربح.
 
ويقول " نزار" وهو أحد  أصحاب محلات المصوغ: «الحريف يأتي إلى المحل ويسأل عن السعر، وعندما يسمعه يتراجع. نحن أيضًا لا نحدد السعر العالمي، ونشتري الذهب بتكلفة مرتفعة. المشكلة أن الحريف يريد قطعة جميلة بسعر يستطيع تحمله، بينما تكلفة المادة الأولية والعمل ارتفعت».
 
ويضيف:«هناك من أصبح يشتري قطعًا أخف وزنًا، وهناك من يختار التصميم البسيط لتقليص المصنعية. كما أن بعض العائلات أصبحت تبيع ذهبًا قديمًا وتضيف مبلغًا بسيطًا للحصول على قطعة جديدة».»
 
الذهب القديم.. حل تلجأ إليه العائلات
ومع ارتفاع الأسعار، بدأ بعض المستهلكين ينظرون إلى الذهب الموجود لديهم باعتباره وسيلة لتخفيف كلفة شراء الجديد.
فالأسرة التي تملك قطعًا قديمة وغير مستعملة يمكن أن تعرضها للبيع أو للاستبدال، وتضيف الفارق للحصول على قطعة أخرى.
وهذه الممارسة ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر أهمية في ظل ارتفاع الأسعار.
 
ويقول  " عادل" أحد الحرفاء:«لدينا بعض القطع القديمة التي لم تعد تستعملها الوالدة، وعندما احتاجت ابنتي إلى بعض الذهب، فكرنا في بيع جزء منها بدل شراء كل شيء من جديد. هكذا نستفيد من الذهب الموجود ونقلل من المبلغ الذي سندفعه».
 
لكن المستهلك يحتاج في هذه الحالة إلى الانتباه إلى العيار والوزن وسعر الشراء وسعر البيع والمصنعية، لأن قيمة القطعة عند شرائها ليست بالضرورة هي نفسها عند إعادة بيعها.
 
من 50 غرامًا للعروس إلى البحث عن الحد الأدنى
وتكشف مقارنة الأجيال حجم التغيير الذي طرأ على سوق المصوغ.
فقد نقلت شهادات عن سوق الذهب في المنستير أن وزن حلي الزفاف في سبعينيات القرن الماضي كان قد يصل، في بعض الحالات، إلى 50 غرامًا أو أكثر من عيار 18.
أما اليوم، فإن التفكير في مثل هذه الكميات أصبح بالنسبة إلى العديد من الأسر مسألة مالية ثقيلة للغاية.
فـ50 غرامًا بسعر 400 دينار للغرام تعني نظريًا 20 ألف دينار قبل احتساب اختلاف العيار والمصنعية، وهو مبلغ كبير بالنسبة إلى الأسرة التونسية المتوسطة.
ولهذا باتت بعض العائلات تتجه نحو تخفيض الوزن، واختيار قطع أقل كلفة، أو الاكتفاء بعدد محدود من القطع.
 
هل فقد الذهب وظيفته كادخار؟
رغم كل هذه التحولات، يبدو أن الذهب لم يفقد مكانته كوسيلة للادخار في الوعي التونسي، لكنه أصبح أكثر صعوبة في الاقتناء، وهنا تكمن المفارقة.
فمن يملك الذهب منذ سنوات قد يجد أن قيمته ارتفعت بشكل كبير، بينما من يريد شراءه اليوم يجد نفسه أمام تكلفة عالية، وهذا يعني أن ارتفاع الذهب لا يخدم الجميع بالطريقة نفسها.
المالك القديم للذهب يستفيد من ارتفاع القيمة، بينما المدخر الجديد يواجه حاجز الدخول.
كما أن الذهب ليس استثمارًا مضمون الربح على المدى القصير، إذ إن سعره يتحرك صعودًا وهبوطًا، كما أن شراء المصوغ يتضمن كلفة مصنعية قد لا يسترجعها صاحب القطعة كاملة عند البيع.
 
أمام الواقع الجديد، ربما يكون الحل في تغيير طريقة التعامل مع الذهب، بدل التخلي عنه نهائيًا.
فبدل انتظار موسم كبير يسمح بشراء كمية مهمة، يمكن للأسرة، عندما تسمح إمكانياتها، اعتماد ادخار صغير ومتدرج.
و قد تكون قطعة صغيرة كل فترة، أو وزنًا محدودًا، بدل شراء كمية كبيرة دفعة واحدة.
كما يمكن، بالنسبة إلى من يهدف إلى الادخار وليس الزينة، مقارنة كلفة المصنعية والاحتفاظ بما يتناسب مع الهدف، لأن المصوغ المشغول ليس بالضرورة الشكل الوحيد للادخار في الذهب.
 
وماذا عن العروس؟
ربما تكون الحاجة الأكثر إلحاحًا اليوم هي إعادة النظر في مفهوم «ذهب العروس» نفسه.
فمن غير المنطقي أن يتحول تقليد اجتماعي جميل إلى سبب لإثقال كاهل عائلتين بالديون قبل أن تبدأ الحياة الزوجية.
يمكن للعائلات أن تتفق على كمية معقولة تتناسب مع الإمكانيات الحقيقية، دون منافسة اجتماعية أو مقارنة بين عروس وأخرى.
كما يمكن أن يكون الاتفاق على قطعة رمزية في البداية، ثم إضافة قطع أخرى في السنوات اللاحقة عندما تتحسن الظروف.
وقد يكون من المفيد كذلك أن تتحول النظرة من «كم غرامًا ستجلب العروس؟» إلى سؤال أكثر أهمية: هل يستطيع الزوجان بناء حياة مستقرة دون ديون وضغوط مالية خانقة؟
 
 بين المحافظة على العادة ومراعاة الواقع
أمام هذا الواقع، يمكن طرح جملة من الحلول العملية:
أولًا: إعادة النظر في كميات الذهب المطلوبة للزواج.
فالعادة يمكن أن تستمر دون أن تتحول إلى عبء مالي.
ثانيًا: تشجيع الادخار التدريجي.
فبدل انتظار توفر مبلغ كبير، يمكن شراء الذهب بكميات صغيرة عندما تسمح الإمكانيات.
ثالثًا: إعطاء الأولوية للوزن والادخار على المظهر المكلف.
فالقطعة البسيطة قد تحقق الغرض نفسه بكلفة أقل من قطعة ذات مصنعية مرتفعة.
رابعًا: تطوير ثقافة مالية لدى الشباب المقبلين على الزواج.
فالذهب ليس البديل الوحيد للادخار، ومن الضروري توزيع المدخرات بين حاجات الأسرة والاستثمار والاحتياط المالي وفق الإمكانيات.
خامسًا: مزيد من الشفافية في سوق المصوغ.
من المهم أن يعرف الحريف بوضوح سعر الذهب الخام، والعيار، والوزن، وقيمة المصنعية، والسعر الذي يمكن أن تُشترى به القطعة المستعملة عند إعادة بيعها.
سادسًا: تشجيع استرجاع الذهب القديم وإعادة تصنيعه.
وهو خيار يسمح للعائلات باستغلال ما لديها بدل تحمل كلفة شراء كمية جديدة بالكامل.
سابعًا: عدم ربط قيمة الزواج بكمية الذهب.
فالذهب يمكن أن يكون جزءًا من الاحتفال، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مقياس لقيمة العروس أو مكانة العائلة.
 
الذهب باقٍ.. لكن العادات تتغير
بين الماضي والحاضر تغير الكثير، ففي الماضي كان الفلاح ينتظر موسم الزيتون أو بيع محصوله ليشتري قطعة ذهبية، وكان الأب أو الأم يحرصان على أن تملك ابنتهما شيئًا من الذهب قبل الزواج. وكان الذهب يبقى سنوات في الخزانة، ثم يظهر عند الحاجة، فيتحول إلى مال ينقذ الأسرة من ضائقة.
اليوم، أصبح الذهب نفسه في حاجة إلى «حماية» من الظروف الاقتصادية.
فالغرام الذي كان يمكن شراؤه بسهولة نسبيًا أصبح يمثل مئات الدنانير، و«صدْر العروس» الذي كان يجمع عدة قطع أصبح مشروعًا ماليًا بحد ذاته.
ومع ذلك، يبدو أن التونسيين لا يريدون التخلي عن الذهب بسهولة.
فالذهب ليس معدنًا أصفر فحسب؛ إنه ذاكرة عائلية، وهدية، ورمز فرح، ومدخر، وأحيانًا سند في زمن الشدة.
لكن الحفاظ على هذه الثقافة يتطلب التكيف مع الواقع الجديد.
فليس المطلوب أن تختفي عادة اقتناء الذهب، وإنما أن تتغير طريقة ممارستها: ذهب بقدر الإمكانات، وزواج دون ديون خانقة، وادخار تدريجي، وابتعاد عن المظاهر التي تتجاوز قدرة الأسرة.
وفي النهاية، ربما تكون الرسالة الأهم التي تفرضها أسعار الذهب الحالية بسيطة وواضحة:
الذهب يمكن أن يكون مدخرًا للعائلة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى دين يثقل كاهلها.
فالغاية من الادخار هي توفير الأمان للمستقبل، لا تحويل المستقبل نفسه إلى عبء من أجل شراء الذهب.
 
ابن حسن
 
ملاحظة: الصورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي