في بلاريجيا، لا تبدو الأرض مجرد امتداد طبيعي يحيط بالمكان، بل تتحول إلى سجل مفتوح لتاريخ طويل تعاقبت عليه حضارات مختلفة وتركت وراءها شواهد لا تزال ماثلة إلى اليوم. فمنذ أن تطأ قدم الزائر الموقع الأثري، تبرز أمامه ملامح مدينة قديمة تحكي عن قرون من الحياة والنشاط البشري.
وتعود بدايات تاريخ بلاريجيا إلى القرن الرابع قبل الميلاد، ليستمر وجودها إلى حدود أواخر القرن السابع ميلادي، وفق المعطيات التاريخية المرتبطة بالموقع. وعلى امتداد هذه الفترة، تعاقبت على المدينة حضارات مختلفة، من النوميديين والقرطاجيين إلى الرومان والوندال والبيزنطيين، ثم الفترة الإسلامية.
ويمتد الموقع الأثري على مساحة تقارب 70 هكتارا، غير أن ما تم الكشف عنه بالحفريات لا يمثل سوى جزء محدود من هذه المساحة، في وقت لا تزال فيه أجزاء واسعة من المدينة القديمة تنتظر مزيدا من أعمال التنقيب والدراسة.
على الطريق الرومانية بين قرطاج وعنابة
تكتسب بلاريجيا أيضا أهمية من موقعها على الطريق الرومانية التي كانت تربط قرطاج بعنابة، وهو ما جعلها جزءا من شبكة الطرق التي شهدت حركة الأشخاص والبضائع والجيوش خلال الفترات القديمة.
لكن خصوصية الموقع لا تتوقف عند موقعه الجغرافي، إذ تكشف المعالم الباقية عن نمط عمراني لافت، من أبرز خصائصه وجود عدد من البيوت المبنية تحت الأرض، وهي من العناصر التي تمنح بلاريجيا طابعها المميز.
ومن بين هذه البيوت بيت القنص، وبيت الصيد، وبيت الكنز، وبيت فينيس، وهي فضاءات تقدم للزائر صورة عن جوانب من الحياة اليومية التي عرفتها المدينة القديمة.
حضارات متعاقبة ومكتشفات شاهدة
تروي الآثار المنتشرة بالموقع قصة تعاقب حضارات متعددة، حيث ترك كل عصر بصمته في المكان.
وإلى جانب المعالم العمرانية، تم العثور على قطع نقدية وفخارية تعود إلى فترات مختلفة، من بينها ما يرتبط بالفترة الإسلامية، وهو ما يعكس استمرار النشاط البشري بالموقع بعد العصور القديمة.
كما تضم مكتشفات بلاريجيا لوحة فسيفسائية تمثل النبي يونس، وهي من القطع التي تثير اهتمام الزائر لما تحمله من قيمة فنية ودينية، وما تمثله من حضور لرواية النبي يونس المعروفة في الديانات الثلاث.
غير أن ما هو ظاهر اليوم لا يمثل كامل المدينة، إذ ما تزال مساحات واسعة منها خارج نطاق الحفريات، في ظل محدودية الإمكانيات والاعتمادات المخصصة لأعمال البحث الأثري.
ما اكتشف لا يمثل سوى جزء من بلاريجيا
ويستحضر الأستاذ المتقاعد نورالدين العريضي، وهو من أبناء المنطقة، في حديث لـ"الصباح نيوز"، جانبا من ذاكرة بلاريجيا وتاريخها، مشيرا إلى أن الموقع يمتد على نحو 70 هكتارا، بينما لم تشمل الحفريات سوى جزء محدود منه.
ويعتبر العريضي أن خصوصية الموقع تكمن في تعدد مراحله الحضارية وفي بعض خصائصه العمرانية، وخاصة البيوت الموجودة تحت الأرض، على غرار بيت القنص وبيت الصيد وبيت الكنز وبيت فينيس، إلى جانب ما تم العثور عليه من فسيفساء وقطع نقدية وفخارية.
ويشير إلى أن تعاقب النوميديين والقرطاجيين والرومان والوندال والبيزنطيين ثم المسلمين على المنطقة ترك بصمات مختلفة داخل الموقع، بما يجعل بلاريجيا مساحة تختزن طبقات متتالية من التاريخ.
ويستعيد العريضي كذلك ذاكرة المتحف الأثري ببلاريجيا، الذي تم تدشينه في أواخر أكتوبر 1987، وكان يضم قاعة لعرض عدد من اللوحات والشواهد الأثرية وقطع الفخار، إلى جانب تقديم معلومات عن تاريخ الموقع.
غير أن هذا المتحف أغلق أبوابه سنة 2002، ليبقى مشروع إحداث متحف جديد مطروحا، في انتظار توفير الاعتمادات اللازمة، بما يسمح بإعادة تقديم مكتشفات الموقع للزوار وربطها بتاريخ بلاريجيا ومحيطها.
متحف مغلق وموقع ينتظر مزيدا من الحفريات
يمثل المتحف المغلق منذ سنوات أحد الأسئلة المطروحة حول كيفية تثمين هذا الموقع الأثري، خاصة وأن بلاريجيا لا تفتقر إلى المادة التاريخية والأثرية التي يمكن عرضها وتقديمها للزوار.
وفي المقابل، تبدو الحاجة قائمة إلى مواصلة الحفريات، باعتبار أن المساحة التي تم الكشف عنها لا تتجاوز جزءا من المساحة الجملية للموقع، وهو ما يعني أن تحت الأرض تفاصيل أخرى من المدينة القديمة ما تزال تنتظر الكشف عنها.
ولا يتعلق الأمر فقط باكتشاف آثار جديدة، بل أيضا بإعادة قراءة ما تم العثور عليه وربطه بمراحل تاريخية مختلفة، بما يسمح بتكوين صورة أكثر اكتمالا عن الحياة في بلاريجيا وعلاقاتها بمحيطها الإقليمي والمتوسطي.
ذاكرة تنتظر أن تستعيد حضورها
بالنسبة إلى أبناء المنطقة، تبقى بلاريجيا أكثر من مجرد موقع أثري، فهي جزء من ذاكرة المكان، وفضاء يختزن تاريخا امتد على قرون طويلة.
وبين البيوت تحت الأرض والفسيفساء وبقايا المنشآت والقطع الفخارية والنقود، تبدو المدينة القديمة وكأنها لا تزال تفتح صفحاتها تدريجيا أمام الباحثين والزوار.
ورغم ما تم الكشف عنه إلى اليوم، فإن أجزاء واسعة من بلاريجيا لا تزال تنتظر الحفريات والدراسة، فيما يبقى مشروع المتحف الجديد مرتبطا بتوفير الاعتمادات اللازمة.
وهكذا، تظل بلاريجيا مدينة لم تكشف بعد كل أسرارها، وموقعا أثريا ما تزال أرضه تخفي الكثير من التفاصيل عن تاريخ منطقة تعاقبت عليها حضارات متعددة، قبل أن تصل إلينا بعض آثارها شاهدة على قرون من الحياة.
الأسعد الحرزي
في بلاريجيا، لا تبدو الأرض مجرد امتداد طبيعي يحيط بالمكان، بل تتحول إلى سجل مفتوح لتاريخ طويل تعاقبت عليه حضارات مختلفة وتركت وراءها شواهد لا تزال ماثلة إلى اليوم. فمنذ أن تطأ قدم الزائر الموقع الأثري، تبرز أمامه ملامح مدينة قديمة تحكي عن قرون من الحياة والنشاط البشري.
وتعود بدايات تاريخ بلاريجيا إلى القرن الرابع قبل الميلاد، ليستمر وجودها إلى حدود أواخر القرن السابع ميلادي، وفق المعطيات التاريخية المرتبطة بالموقع. وعلى امتداد هذه الفترة، تعاقبت على المدينة حضارات مختلفة، من النوميديين والقرطاجيين إلى الرومان والوندال والبيزنطيين، ثم الفترة الإسلامية.
ويمتد الموقع الأثري على مساحة تقارب 70 هكتارا، غير أن ما تم الكشف عنه بالحفريات لا يمثل سوى جزء محدود من هذه المساحة، في وقت لا تزال فيه أجزاء واسعة من المدينة القديمة تنتظر مزيدا من أعمال التنقيب والدراسة.
على الطريق الرومانية بين قرطاج وعنابة
تكتسب بلاريجيا أيضا أهمية من موقعها على الطريق الرومانية التي كانت تربط قرطاج بعنابة، وهو ما جعلها جزءا من شبكة الطرق التي شهدت حركة الأشخاص والبضائع والجيوش خلال الفترات القديمة.
لكن خصوصية الموقع لا تتوقف عند موقعه الجغرافي، إذ تكشف المعالم الباقية عن نمط عمراني لافت، من أبرز خصائصه وجود عدد من البيوت المبنية تحت الأرض، وهي من العناصر التي تمنح بلاريجيا طابعها المميز.
ومن بين هذه البيوت بيت القنص، وبيت الصيد، وبيت الكنز، وبيت فينيس، وهي فضاءات تقدم للزائر صورة عن جوانب من الحياة اليومية التي عرفتها المدينة القديمة.
حضارات متعاقبة ومكتشفات شاهدة
تروي الآثار المنتشرة بالموقع قصة تعاقب حضارات متعددة، حيث ترك كل عصر بصمته في المكان.
وإلى جانب المعالم العمرانية، تم العثور على قطع نقدية وفخارية تعود إلى فترات مختلفة، من بينها ما يرتبط بالفترة الإسلامية، وهو ما يعكس استمرار النشاط البشري بالموقع بعد العصور القديمة.
كما تضم مكتشفات بلاريجيا لوحة فسيفسائية تمثل النبي يونس، وهي من القطع التي تثير اهتمام الزائر لما تحمله من قيمة فنية ودينية، وما تمثله من حضور لرواية النبي يونس المعروفة في الديانات الثلاث.
غير أن ما هو ظاهر اليوم لا يمثل كامل المدينة، إذ ما تزال مساحات واسعة منها خارج نطاق الحفريات، في ظل محدودية الإمكانيات والاعتمادات المخصصة لأعمال البحث الأثري.
ما اكتشف لا يمثل سوى جزء من بلاريجيا
ويستحضر الأستاذ المتقاعد نورالدين العريضي، وهو من أبناء المنطقة، في حديث لـ"الصباح نيوز"، جانبا من ذاكرة بلاريجيا وتاريخها، مشيرا إلى أن الموقع يمتد على نحو 70 هكتارا، بينما لم تشمل الحفريات سوى جزء محدود منه.
ويعتبر العريضي أن خصوصية الموقع تكمن في تعدد مراحله الحضارية وفي بعض خصائصه العمرانية، وخاصة البيوت الموجودة تحت الأرض، على غرار بيت القنص وبيت الصيد وبيت الكنز وبيت فينيس، إلى جانب ما تم العثور عليه من فسيفساء وقطع نقدية وفخارية.
ويشير إلى أن تعاقب النوميديين والقرطاجيين والرومان والوندال والبيزنطيين ثم المسلمين على المنطقة ترك بصمات مختلفة داخل الموقع، بما يجعل بلاريجيا مساحة تختزن طبقات متتالية من التاريخ.
ويستعيد العريضي كذلك ذاكرة المتحف الأثري ببلاريجيا، الذي تم تدشينه في أواخر أكتوبر 1987، وكان يضم قاعة لعرض عدد من اللوحات والشواهد الأثرية وقطع الفخار، إلى جانب تقديم معلومات عن تاريخ الموقع.
غير أن هذا المتحف أغلق أبوابه سنة 2002، ليبقى مشروع إحداث متحف جديد مطروحا، في انتظار توفير الاعتمادات اللازمة، بما يسمح بإعادة تقديم مكتشفات الموقع للزوار وربطها بتاريخ بلاريجيا ومحيطها.
متحف مغلق وموقع ينتظر مزيدا من الحفريات
يمثل المتحف المغلق منذ سنوات أحد الأسئلة المطروحة حول كيفية تثمين هذا الموقع الأثري، خاصة وأن بلاريجيا لا تفتقر إلى المادة التاريخية والأثرية التي يمكن عرضها وتقديمها للزوار.
وفي المقابل، تبدو الحاجة قائمة إلى مواصلة الحفريات، باعتبار أن المساحة التي تم الكشف عنها لا تتجاوز جزءا من المساحة الجملية للموقع، وهو ما يعني أن تحت الأرض تفاصيل أخرى من المدينة القديمة ما تزال تنتظر الكشف عنها.
ولا يتعلق الأمر فقط باكتشاف آثار جديدة، بل أيضا بإعادة قراءة ما تم العثور عليه وربطه بمراحل تاريخية مختلفة، بما يسمح بتكوين صورة أكثر اكتمالا عن الحياة في بلاريجيا وعلاقاتها بمحيطها الإقليمي والمتوسطي.
ذاكرة تنتظر أن تستعيد حضورها
بالنسبة إلى أبناء المنطقة، تبقى بلاريجيا أكثر من مجرد موقع أثري، فهي جزء من ذاكرة المكان، وفضاء يختزن تاريخا امتد على قرون طويلة.
وبين البيوت تحت الأرض والفسيفساء وبقايا المنشآت والقطع الفخارية والنقود، تبدو المدينة القديمة وكأنها لا تزال تفتح صفحاتها تدريجيا أمام الباحثين والزوار.
ورغم ما تم الكشف عنه إلى اليوم، فإن أجزاء واسعة من بلاريجيا لا تزال تنتظر الحفريات والدراسة، فيما يبقى مشروع المتحف الجديد مرتبطا بتوفير الاعتمادات اللازمة.
وهكذا، تظل بلاريجيا مدينة لم تكشف بعد كل أسرارها، وموقعا أثريا ما تزال أرضه تخفي الكثير من التفاصيل عن تاريخ منطقة تعاقبت عليها حضارات متعددة، قبل أن تصل إلينا بعض آثارها شاهدة على قرون من الحياة.