أصبح تشغيل أطفال دون السنّ القانونية بعديد الفضاءات ظاهرة متفشية في عديد الأوساط المهنية والحرفية فالظّاهرة لم تعد تقتصر على موعد حلول العطلة الصّيفيّة فحسب بل أضحت تسجّل حضورها بقوّة وعلى امتداد السّنة حيث تقتحم الطّفولة سوق الشّغل وتنتزع لها مكانا بين جمهور الكادحين والمُجاهدين اليافعين من أجل لقمة عيش، إذ لم يعد يقتصر عمل القاصرين على بيع المناديل الورقيّة وخبز الطّابون على غرار ما هو موجود بمحطّة الإستخلاص بهرقلة أو تبخير المحلاّت التّجاريّة الموجودة بمختلف المناطق السّياحيّةأو بيع الأكياس البلاستيكيّة بالأسواق اليوميّة أو الأسبوعيّة بل تعدّى إلى ما هو أخطر من ذلك فأصبح من المألوف جدّا أن ترى طفلا لم يتعدّى الثالثة عشر من العمر يعمل بمحلاّت ومحطّات غسل السيّارات وتصليح الأضواء والميكانيك العام وورشات النّجارة والأليمينيوم والحدادة ولم يعد يستفزّ المارّين أويسترعي انتباهم أو يثير إنزعاجهم مشهد طفل يعمل بحضيرة بناء وهولم يتعدّى الخامسة عشر من عمره يتصارع و ويعاني المشقّة جرّاء دفعه عربة قد تفوق حمولتها كتلته الجسديّة.
الفقر و المدرسة في قفص الإتّهام
يبقى نقص المعطيات الاحصائية والبيانات الدقيقة حول مسألة عمل الأطفال واستغلالهم اقتصاديّا من أهم معيقات المعرفة الجيدة بحقيقة تفشّي الظاهرة وتشخيصها بكل دقة و ضبط تداعيّاتها ورغم ذلك فإن بعض الدراسات العنقودية المتعددة المؤشرات أقرّت بأن نسبة 3% من الأطفال ممّن تتراوح سنهم بين 5 و14 سنة هم من المستغلّين اقتصاديّا ومن الثابت أن ترتفع النسبة لو شملت الدراسة المنجزة الفئة العمرية ما بين 15 و 17 سنة. هذه الفئة التي تعيش أسوأ أشكال الإستغلال الاقتصادي أو التوظيف الذي فيه ابتزاز وتعدٍّ على الطّفولة حيث أنّ النسبة المعلنة تبقى بعيدة كلّ البعد عن واقع شوارعنا وما تسجّله من حالات استغلال فاحش وتعدّ صارخ على الطّفولة سواء على مستوى الإستغلال الإقتصادي والإعتداء المادّي و التحرّش الجنسي الذي يعاني منه العديد من الأطفال الذين ينحدرون من أوساط اجتماعيّة جدّ متواضعة وفقيرة والذّين وجدوا أنفسهم ورغم حداثة أعمارهم مدفوعين بمباركة أبويّة إلى الدّخول في معترك الحياة وتحمّل جانب من المسؤوليّة بتوفير قدر من احتياجات الأسرة فلم يتسنّى لهم التمتّع بحقّ اللّعب واللّهو على غرار أندادهم واغتصبت منهم طفولتهم عنوة بسبب الفقر والخصاصة مع ماتعيشه المنظومة التربوية منذ سنوات عديدة من قصور وفشل يعكسه بوضوح التزايد المطّرد لعدد المنقطعين والمتسرّبين سنويّا وعجز المؤسّسات التربويّة عن استعادة أبنائها في حالات كثيرة لتواضع مناهجها ومحدوديّة إمكانيّاتها ..
وما النّسب المرتفعة للإنقطاع المبكّر عن الدّراسة إلاّ خير دليل على ذلك إذ يرى علماء الإجتماع انّ الإنقطاع المبكّر عن الدّراسة يُحيل حتما إلى الفساد الإجتماعي الذي يتجلّى خصوصا في ظاهرة التّسوّل بكونها تجسيم لإخلالات تصيب التّوازنات الإقتصاديّة والإجتماعيّة والتي تزداد خطورة وقتما يقع توظيفها في مجالات أوسع وأخطر تتمظهر في تشكيلات وتنظيمات وعصابات منظّمة تعمل في مجال المخدّرات والسّرقة من خلال استقطاب وإغراءعدد من المراهقين والأحداث ممّن انقطعوا عن الدّراسة ولم يجدوا مؤسّسات كافية تحتضنهم وتعمل على تأهيلهم بما يضمن حسن اندماجهم في الحركة الإقتصاديّة وتؤهلهم لسوق الشغل.
رأي القانون في المسألة
يُعاقب القانون صراحة كلّ من يستخدم ويشغّل أطفالا دون السنّ القانونيّة ويعرَّض المؤجّر للمؤاخذة الجزائيّة التي تتضاعف في صورة العودة ويكون المؤجِّر مدعوّا إلى تحمّل مصاريف جبر المضرّة للقاصر إذا ما ثبت تعرّضه إلى مضرّة نتيجة تشغيله ورغم علم الكثيرين من أصحاب المهن بقانون الشغل إلاّ أنّهم لايتورّعون عن تشغيل القاصرين دون السنّ القانونيّة لاعتبارات ماديّة ومهنيّة.
فقد بيّن عدد من أصحاب محلاّت تصليح الميكانيك أو ورشات النّجارة أنّ الأطفال لا يتقاعسون خلافا للرّاشدين وأنّهم يبدون مهارة وحذقا خاصّة في تنظيف قطع غيار المحرّكات فضلا عن مهارتهم في العمليّات التي تسبق طلاء السيّارات وهو ما يدفعهم إلى التّعويل على خدماتهم إلى جانب الأخذ بخاطر أوليائهم الذين يلحّون على تشغيلهم خوفا من مخاطر الشّارع والإنحراف أو لضواغط وصعوبات ماديّة واقتصاديّة تعاني منها عديد الأسر.
أين يكمن الحلّ ؟
للحدّ من هذه الظّاهرة التي استفحلت في عديد مناطق البلاد والتي أصبحت تشكّل مشهدا مزعجا يعكس بوضوح فشل عديد الجهات الرّسميّة المتداخلة التي لها علاقة مباشرة بالطّفل وبحقوقه وجب التّفكير في استرتيجيّات عمل تضبط بالشّراكة والتّوافق بين مؤسّسات الدّولة من جهة ومختلف هياكل ومنظّمات المجتمع المدني من خلال التّشديد على الرّقابة اللإداريّة وتكثيف حملات المراقبة باعتبارها تبقى الوسيلة الأنجع التي تحول وتفشّي هذه الظاهرة وتحدّ من نسق تناميها كما أنّ للمجتمع المدني الفضل الكبير في مؤازرة جهود الدّولة ومؤسّساتها بفضل غزارة وثراء تجربته وقدراته البشريّة الهائلة لشدّ أزر الدّولة والمؤسّسات التي تُعنى بالطّفولة ومشاركتها في اتّخاذ القرارات وتشريكها في تفعيل وتنفيذ الخطط والإستراتيجيّات التي يجب أن تُضبط وفقا لدراسات ميدانيّة لا بناء على قرارات مسقطة يغلب عليها التّنظير وهو ما يقتضي بعث عديد مراكز التّأهيل والإحاطة بالمنقطعين وفق استراتيجيّة "دولة المهمّات " التي تضطلع بتنفيذ برامج ومهمّات محدودة وقابلة للتّجسيم والتّحقيق على أرض الواقع إذ ليست العبرة في كثرة البرامج والعناوين و الآليّات بل في مدى نجاعة التدخّل الذي يكون تحت مظلّة رقابيّة مشتركة بين الدّولة والمجتمع المدنيّ لضمان حسن التصرّف في الأموال المرصودة بما يضمن رعاية وحماية أوفر للطّفولة ببلادنا..
أنور قلالة
أصبح تشغيل أطفال دون السنّ القانونية بعديد الفضاءات ظاهرة متفشية في عديد الأوساط المهنية والحرفية فالظّاهرة لم تعد تقتصر على موعد حلول العطلة الصّيفيّة فحسب بل أضحت تسجّل حضورها بقوّة وعلى امتداد السّنة حيث تقتحم الطّفولة سوق الشّغل وتنتزع لها مكانا بين جمهور الكادحين والمُجاهدين اليافعين من أجل لقمة عيش، إذ لم يعد يقتصر عمل القاصرين على بيع المناديل الورقيّة وخبز الطّابون على غرار ما هو موجود بمحطّة الإستخلاص بهرقلة أو تبخير المحلاّت التّجاريّة الموجودة بمختلف المناطق السّياحيّةأو بيع الأكياس البلاستيكيّة بالأسواق اليوميّة أو الأسبوعيّة بل تعدّى إلى ما هو أخطر من ذلك فأصبح من المألوف جدّا أن ترى طفلا لم يتعدّى الثالثة عشر من العمر يعمل بمحلاّت ومحطّات غسل السيّارات وتصليح الأضواء والميكانيك العام وورشات النّجارة والأليمينيوم والحدادة ولم يعد يستفزّ المارّين أويسترعي انتباهم أو يثير إنزعاجهم مشهد طفل يعمل بحضيرة بناء وهولم يتعدّى الخامسة عشر من عمره يتصارع و ويعاني المشقّة جرّاء دفعه عربة قد تفوق حمولتها كتلته الجسديّة.
الفقر و المدرسة في قفص الإتّهام
يبقى نقص المعطيات الاحصائية والبيانات الدقيقة حول مسألة عمل الأطفال واستغلالهم اقتصاديّا من أهم معيقات المعرفة الجيدة بحقيقة تفشّي الظاهرة وتشخيصها بكل دقة و ضبط تداعيّاتها ورغم ذلك فإن بعض الدراسات العنقودية المتعددة المؤشرات أقرّت بأن نسبة 3% من الأطفال ممّن تتراوح سنهم بين 5 و14 سنة هم من المستغلّين اقتصاديّا ومن الثابت أن ترتفع النسبة لو شملت الدراسة المنجزة الفئة العمرية ما بين 15 و 17 سنة. هذه الفئة التي تعيش أسوأ أشكال الإستغلال الاقتصادي أو التوظيف الذي فيه ابتزاز وتعدٍّ على الطّفولة حيث أنّ النسبة المعلنة تبقى بعيدة كلّ البعد عن واقع شوارعنا وما تسجّله من حالات استغلال فاحش وتعدّ صارخ على الطّفولة سواء على مستوى الإستغلال الإقتصادي والإعتداء المادّي و التحرّش الجنسي الذي يعاني منه العديد من الأطفال الذين ينحدرون من أوساط اجتماعيّة جدّ متواضعة وفقيرة والذّين وجدوا أنفسهم ورغم حداثة أعمارهم مدفوعين بمباركة أبويّة إلى الدّخول في معترك الحياة وتحمّل جانب من المسؤوليّة بتوفير قدر من احتياجات الأسرة فلم يتسنّى لهم التمتّع بحقّ اللّعب واللّهو على غرار أندادهم واغتصبت منهم طفولتهم عنوة بسبب الفقر والخصاصة مع ماتعيشه المنظومة التربوية منذ سنوات عديدة من قصور وفشل يعكسه بوضوح التزايد المطّرد لعدد المنقطعين والمتسرّبين سنويّا وعجز المؤسّسات التربويّة عن استعادة أبنائها في حالات كثيرة لتواضع مناهجها ومحدوديّة إمكانيّاتها ..
وما النّسب المرتفعة للإنقطاع المبكّر عن الدّراسة إلاّ خير دليل على ذلك إذ يرى علماء الإجتماع انّ الإنقطاع المبكّر عن الدّراسة يُحيل حتما إلى الفساد الإجتماعي الذي يتجلّى خصوصا في ظاهرة التّسوّل بكونها تجسيم لإخلالات تصيب التّوازنات الإقتصاديّة والإجتماعيّة والتي تزداد خطورة وقتما يقع توظيفها في مجالات أوسع وأخطر تتمظهر في تشكيلات وتنظيمات وعصابات منظّمة تعمل في مجال المخدّرات والسّرقة من خلال استقطاب وإغراءعدد من المراهقين والأحداث ممّن انقطعوا عن الدّراسة ولم يجدوا مؤسّسات كافية تحتضنهم وتعمل على تأهيلهم بما يضمن حسن اندماجهم في الحركة الإقتصاديّة وتؤهلهم لسوق الشغل.
رأي القانون في المسألة
يُعاقب القانون صراحة كلّ من يستخدم ويشغّل أطفالا دون السنّ القانونيّة ويعرَّض المؤجّر للمؤاخذة الجزائيّة التي تتضاعف في صورة العودة ويكون المؤجِّر مدعوّا إلى تحمّل مصاريف جبر المضرّة للقاصر إذا ما ثبت تعرّضه إلى مضرّة نتيجة تشغيله ورغم علم الكثيرين من أصحاب المهن بقانون الشغل إلاّ أنّهم لايتورّعون عن تشغيل القاصرين دون السنّ القانونيّة لاعتبارات ماديّة ومهنيّة.
فقد بيّن عدد من أصحاب محلاّت تصليح الميكانيك أو ورشات النّجارة أنّ الأطفال لا يتقاعسون خلافا للرّاشدين وأنّهم يبدون مهارة وحذقا خاصّة في تنظيف قطع غيار المحرّكات فضلا عن مهارتهم في العمليّات التي تسبق طلاء السيّارات وهو ما يدفعهم إلى التّعويل على خدماتهم إلى جانب الأخذ بخاطر أوليائهم الذين يلحّون على تشغيلهم خوفا من مخاطر الشّارع والإنحراف أو لضواغط وصعوبات ماديّة واقتصاديّة تعاني منها عديد الأسر.
أين يكمن الحلّ ؟
للحدّ من هذه الظّاهرة التي استفحلت في عديد مناطق البلاد والتي أصبحت تشكّل مشهدا مزعجا يعكس بوضوح فشل عديد الجهات الرّسميّة المتداخلة التي لها علاقة مباشرة بالطّفل وبحقوقه وجب التّفكير في استرتيجيّات عمل تضبط بالشّراكة والتّوافق بين مؤسّسات الدّولة من جهة ومختلف هياكل ومنظّمات المجتمع المدني من خلال التّشديد على الرّقابة اللإداريّة وتكثيف حملات المراقبة باعتبارها تبقى الوسيلة الأنجع التي تحول وتفشّي هذه الظاهرة وتحدّ من نسق تناميها كما أنّ للمجتمع المدني الفضل الكبير في مؤازرة جهود الدّولة ومؤسّساتها بفضل غزارة وثراء تجربته وقدراته البشريّة الهائلة لشدّ أزر الدّولة والمؤسّسات التي تُعنى بالطّفولة ومشاركتها في اتّخاذ القرارات وتشريكها في تفعيل وتنفيذ الخطط والإستراتيجيّات التي يجب أن تُضبط وفقا لدراسات ميدانيّة لا بناء على قرارات مسقطة يغلب عليها التّنظير وهو ما يقتضي بعث عديد مراكز التّأهيل والإحاطة بالمنقطعين وفق استراتيجيّة "دولة المهمّات " التي تضطلع بتنفيذ برامج ومهمّات محدودة وقابلة للتّجسيم والتّحقيق على أرض الواقع إذ ليست العبرة في كثرة البرامج والعناوين و الآليّات بل في مدى نجاعة التدخّل الذي يكون تحت مظلّة رقابيّة مشتركة بين الدّولة والمجتمع المدنيّ لضمان حسن التصرّف في الأموال المرصودة بما يضمن رعاية وحماية أوفر للطّفولة ببلادنا..