إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

شركات توصيل وهمية.. حين يتحول النجاح المزعوم إلى أكبر عملية تحيل منظم *مختص في القانون لـ"الصباح نيوز": التحيل المرحلي وسياسة انتقائية في الخلاص وسيلة إحدى شركات التوصيل

في مشهد أقل ما يقال عنه انه" صادم" يعكس تحولات الجريمة الاقتصادية في تونس، استفاقت الساحة التجارية مؤخرا على وقع فضيحة تحيل كبرى تورطت فيها إحدى شركات التوصيل، بعد أن أغلقت مقرها وغادرت دون سابق إعلام، تاركة وراءها أكثر من 400 شركة متضررة وخسائر مالية جسيمة. 
هذه الحادثة لا تمثل مجرد إخلال تعاقدي عابر، بل تكشف عن نمط إجرامي متطور قائم على الخداع الممنهج واستغلال الثقة في الاقتصاد الرقمي.
في هذا السياق تحدثت إحدى المتضررات من هذه الشركة وتدعى "س.م" صاحبة شركة مختصة في الملابس النسائية لـ"الصباح نيوز"، أن هناك عددا كبيرا من المتضررين من هذه العملية وان المبالغ المالية قدرت بين 30و70 و150و600  و800 الف دينار، وأن من بين الشركات المتضررة يوجد مؤسسات معروفة.
واضافت ان الإشكال انطلق في البداية بعمليات مماطلة في دفع المبالغ للمؤسسات وذلك قبل شهر رمضان بأسبوع تقريبا (علما وان شركة التوصيل انطلقت في العمل منذ سنة 2022  ولم يسجل قبل ذلك أي أشكال يذكر)، ورغم مطالبتها والاستفسار عن الأسباب وراء هذا التأخير في دفع الأموال كان الجواب تعلات عديدة من بينها أن المدير المسؤول عن الشركة ليس متواجدا في تونس وانه في عمل خارج البلاد. 
وتضيف محدثتنا ان الأمر لم يعد يطاق خلال الأسبوع الأخير من رمضان حيث لم تعد الشركة تدفع أي أموال رغم أن المؤسسات المتضررة ظلت ترسل الطلبات عبر الشركة المذكورة التي كانت تستلمها وتوهمهم بأنها سترسلها لطالبيها ليتفاجؤوا لاحقا بأن الشركة أغلقت مقرها وغادرت، وفي المقابل عديد الحرفاء كانوا يطالبونهم بسلعهم وبضائعهم ورغم عديد المحاولات في الحصول على جواب رسمي عملا بالمثل "تبع السارق لباب الدار" من قبل الشركة المذكورة الا ان كلها ذهبت سدى. 
وأوضحت محدثتنا ان هناك العديد من المتضررين تقدموا بعرائض إلى القضاء آملين أن ينصفهم ويتمكنوا من استرجاع البضائع التي ظلت بحوزة الشركة ولم يقع إرسالها لمستحقيها (retours) ، مشددة على ان ما اقدمت عليه الشركة المذكورة "ضربة قاضية" للعديد من المؤسسات وأن طلبهم في الاخير  
أن "يرجع لهم شاهد العقل ويرجعوا للعباد فلوسهم  وسلعهم".
 
التزام نسبي.. فتحيل
وسعيا لمعرفة الرأي القانوني للموضوع وتكييف هذه الافعال الاجرامية ومدى إمكانية معاقبة هذه الشركة، أوضح في هذا السياق المختص في القانون وعلوم الإجرام أسامة الخزامي بخصوص تحيل شركات الشحن والتوصيل انه منذ انطلاقة هذه الشركة المتحيلة، عملت على تقديم نفسها كفاعل دولي ناجح، يدعي النشاط في عدة دول عربية، مع ترويج احترافي يعكس صورة مؤسسة قوية وموثوقة. 
وقد اعتمدت في ذلك على أدوات تسويق رقمية متطورة، وصفحات تواصل اجتماعي مصممة بعناية، وشهادات إيجابية (قد يكون جزء منها مضللا ) لإقناع الشركات المحلية بجدية خدماتها.
وكشف الاستاذ الخزامي انه في المرحلة الأولى، التزمت الشركة نسبيا بتعهداتها، حيث قامت بتوصيل الطلبات وتحويل المستحقات في آجال معقولة، وهو ما ساهم في بناء رصيد من الثقة لدى المتعاملين معها، غير أن هذا الالتزام لم يكن سوى مرحلة تمهيدية ضمن استراتيجية احتيالية مدروسة، تعرف في علم الإجرام بـ "التحيّل المرحلي" .
 
سياسة انتقائية في الخلاص 
وسرعان ما بدأت المؤشرات السلبية في الظهور من خلال تأخير متكرر في عمليات التوصيل، ضعف في التواصل مع الحرفاء، وصعوبات في استرجاع السلع غير المسلمة ومع مرور الوقت تفاقمت الإخلالات لتشمل تأخيرا في تحويل الأموال المستخلصة، حيث لجأت الشركة إلى سياسة انتقائية في الخلاص، تدفع للبعض وتماطل مع آخرين، في محاولة لربح الوقت وامتصاص غضب المتضررين عملا بالمثل التونسي القائل "شاشية هذا على رأس هذا كيما".. 
واعتبر محدثنا ان هذا السلوك أدى إلى تراكم البضائع غير المسترجعة، وتضخم الديون المستحقة للشركات، في ظل تبريرات متكررة تتعلق بعمليات "جرد" أو "إعادة تنظيم داخلي". وفي لحظة مفاجئة، أقدمت الشركة على إغلاق مقرها واختفت، مع الإبقاء على تواصل شكلي عبر منصاتها الرقمية، في محاولة أخيرة لتضليل الضحايا وتأخير لجوئهم إلى القضاء.
 
 
جرائم التحيل باستعمال وسائل تدليسية
ومن الناحية القانونية، قال الاستاذ الخزامي انه يمكن تكييف هذه الأفعال ضمن جرائم التحيل باستعمال وسائل تدليسية، وخيانة مؤتمن وقد ترقى إلى مستوى الجريمة المنظمة إذا ثبت وجود تخطيط مسبق أو شبكة متورطة. 
كما تطرح هذه القضية شبهة غسيل الأموال، خاصة في حال تهريب العائدات بطرق غير مشروعة.
واقر محدثنا ان نجاح مثل هذه العمليات الإجرامية يطرح أكثر من علامة استفهام حول هشاشة البيئة التعاقدية والرقابية، فالكثير من الشركات المتضررة لم تعتمد عقودا محكمة بل اختارت العمل في السوق الإفتراضية الموازية، أو لم تقم بالتثبت الكافي من الوضع القانوني والمالي للشركة مكتفية بالمظاهر التسويقية والانطباعات الأولية، كما أن غياب آليات رقابية فعالة على شركات التوصيل ساهم في تفاقم الظاهرة.
وشدد في ذات السياق على أن تداعيات هذه القضية لا تقتصر على الخسائر المالية، بل تمتد لتشمل ضرب الثقة في قطاع التجارة الإلكترونية وسمعة الشركة المتضررة، وتهديد استقرار المعاملات الاقتصادية، خاصة بالنسبة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة التي تعتمد بشكل كبير على خدمات التوصيل.
 
ضرورة تعزيز الوعي القانوني 
واشار الاستاذ الخزامي الى انه أمام هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحة إلى تعزيز الوعي القانوني لدى الفاعلين الاقتصاديين، وضرورة اعتماد عقود دقيقة تتضمن ضمانات واضحة، إلى جانب تفعيل دور أجهزة الرقابة والتفقد، كما يتعين على السلطات المعنية تطوير الإطار التشريعي لمواكبة هذا النوع من الجرائم المستحدثة، التي تستغل الفضاء الرقمي وتعقيدات المعاملات الحديثة.
وانتهى محدثنا الى ان ما حدث ليس مجرد عملية تحيل عابرة، بل هو إنذار حقيقي يكشف عن انتقال الجريمة إلى مستوى أكثر احترافية وذكاء، حيث لم يعد المحتال مجرد فرد، بل قد يكون "مؤسسة" كاملة تتقن فن الإيهام قبل أن تختفي في اللحظة المناسبة.
في النهاية، تبقى القاعدة الأساسية في عالم الأعمال، الثقة ضرورية، لكنها دون رقابة وتثبت قد تتحول إلى أخطر نقطة ضعف.
سعيدة الميساوي
 
 
 شركات توصيل وهمية.. حين يتحول النجاح المزعوم إلى أكبر عملية تحيل منظم *مختص في القانون لـ"الصباح نيوز": التحيل المرحلي وسياسة انتقائية في الخلاص وسيلة إحدى شركات التوصيل
في مشهد أقل ما يقال عنه انه" صادم" يعكس تحولات الجريمة الاقتصادية في تونس، استفاقت الساحة التجارية مؤخرا على وقع فضيحة تحيل كبرى تورطت فيها إحدى شركات التوصيل، بعد أن أغلقت مقرها وغادرت دون سابق إعلام، تاركة وراءها أكثر من 400 شركة متضررة وخسائر مالية جسيمة. 
هذه الحادثة لا تمثل مجرد إخلال تعاقدي عابر، بل تكشف عن نمط إجرامي متطور قائم على الخداع الممنهج واستغلال الثقة في الاقتصاد الرقمي.
في هذا السياق تحدثت إحدى المتضررات من هذه الشركة وتدعى "س.م" صاحبة شركة مختصة في الملابس النسائية لـ"الصباح نيوز"، أن هناك عددا كبيرا من المتضررين من هذه العملية وان المبالغ المالية قدرت بين 30و70 و150و600  و800 الف دينار، وأن من بين الشركات المتضررة يوجد مؤسسات معروفة.
واضافت ان الإشكال انطلق في البداية بعمليات مماطلة في دفع المبالغ للمؤسسات وذلك قبل شهر رمضان بأسبوع تقريبا (علما وان شركة التوصيل انطلقت في العمل منذ سنة 2022  ولم يسجل قبل ذلك أي أشكال يذكر)، ورغم مطالبتها والاستفسار عن الأسباب وراء هذا التأخير في دفع الأموال كان الجواب تعلات عديدة من بينها أن المدير المسؤول عن الشركة ليس متواجدا في تونس وانه في عمل خارج البلاد. 
وتضيف محدثتنا ان الأمر لم يعد يطاق خلال الأسبوع الأخير من رمضان حيث لم تعد الشركة تدفع أي أموال رغم أن المؤسسات المتضررة ظلت ترسل الطلبات عبر الشركة المذكورة التي كانت تستلمها وتوهمهم بأنها سترسلها لطالبيها ليتفاجؤوا لاحقا بأن الشركة أغلقت مقرها وغادرت، وفي المقابل عديد الحرفاء كانوا يطالبونهم بسلعهم وبضائعهم ورغم عديد المحاولات في الحصول على جواب رسمي عملا بالمثل "تبع السارق لباب الدار" من قبل الشركة المذكورة الا ان كلها ذهبت سدى. 
وأوضحت محدثتنا ان هناك العديد من المتضررين تقدموا بعرائض إلى القضاء آملين أن ينصفهم ويتمكنوا من استرجاع البضائع التي ظلت بحوزة الشركة ولم يقع إرسالها لمستحقيها (retours) ، مشددة على ان ما اقدمت عليه الشركة المذكورة "ضربة قاضية" للعديد من المؤسسات وأن طلبهم في الاخير  
أن "يرجع لهم شاهد العقل ويرجعوا للعباد فلوسهم  وسلعهم".
 
التزام نسبي.. فتحيل
وسعيا لمعرفة الرأي القانوني للموضوع وتكييف هذه الافعال الاجرامية ومدى إمكانية معاقبة هذه الشركة، أوضح في هذا السياق المختص في القانون وعلوم الإجرام أسامة الخزامي بخصوص تحيل شركات الشحن والتوصيل انه منذ انطلاقة هذه الشركة المتحيلة، عملت على تقديم نفسها كفاعل دولي ناجح، يدعي النشاط في عدة دول عربية، مع ترويج احترافي يعكس صورة مؤسسة قوية وموثوقة. 
وقد اعتمدت في ذلك على أدوات تسويق رقمية متطورة، وصفحات تواصل اجتماعي مصممة بعناية، وشهادات إيجابية (قد يكون جزء منها مضللا ) لإقناع الشركات المحلية بجدية خدماتها.
وكشف الاستاذ الخزامي انه في المرحلة الأولى، التزمت الشركة نسبيا بتعهداتها، حيث قامت بتوصيل الطلبات وتحويل المستحقات في آجال معقولة، وهو ما ساهم في بناء رصيد من الثقة لدى المتعاملين معها، غير أن هذا الالتزام لم يكن سوى مرحلة تمهيدية ضمن استراتيجية احتيالية مدروسة، تعرف في علم الإجرام بـ "التحيّل المرحلي" .
 
سياسة انتقائية في الخلاص 
وسرعان ما بدأت المؤشرات السلبية في الظهور من خلال تأخير متكرر في عمليات التوصيل، ضعف في التواصل مع الحرفاء، وصعوبات في استرجاع السلع غير المسلمة ومع مرور الوقت تفاقمت الإخلالات لتشمل تأخيرا في تحويل الأموال المستخلصة، حيث لجأت الشركة إلى سياسة انتقائية في الخلاص، تدفع للبعض وتماطل مع آخرين، في محاولة لربح الوقت وامتصاص غضب المتضررين عملا بالمثل التونسي القائل "شاشية هذا على رأس هذا كيما".. 
واعتبر محدثنا ان هذا السلوك أدى إلى تراكم البضائع غير المسترجعة، وتضخم الديون المستحقة للشركات، في ظل تبريرات متكررة تتعلق بعمليات "جرد" أو "إعادة تنظيم داخلي". وفي لحظة مفاجئة، أقدمت الشركة على إغلاق مقرها واختفت، مع الإبقاء على تواصل شكلي عبر منصاتها الرقمية، في محاولة أخيرة لتضليل الضحايا وتأخير لجوئهم إلى القضاء.
 
 
جرائم التحيل باستعمال وسائل تدليسية
ومن الناحية القانونية، قال الاستاذ الخزامي انه يمكن تكييف هذه الأفعال ضمن جرائم التحيل باستعمال وسائل تدليسية، وخيانة مؤتمن وقد ترقى إلى مستوى الجريمة المنظمة إذا ثبت وجود تخطيط مسبق أو شبكة متورطة. 
كما تطرح هذه القضية شبهة غسيل الأموال، خاصة في حال تهريب العائدات بطرق غير مشروعة.
واقر محدثنا ان نجاح مثل هذه العمليات الإجرامية يطرح أكثر من علامة استفهام حول هشاشة البيئة التعاقدية والرقابية، فالكثير من الشركات المتضررة لم تعتمد عقودا محكمة بل اختارت العمل في السوق الإفتراضية الموازية، أو لم تقم بالتثبت الكافي من الوضع القانوني والمالي للشركة مكتفية بالمظاهر التسويقية والانطباعات الأولية، كما أن غياب آليات رقابية فعالة على شركات التوصيل ساهم في تفاقم الظاهرة.
وشدد في ذات السياق على أن تداعيات هذه القضية لا تقتصر على الخسائر المالية، بل تمتد لتشمل ضرب الثقة في قطاع التجارة الإلكترونية وسمعة الشركة المتضررة، وتهديد استقرار المعاملات الاقتصادية، خاصة بالنسبة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة التي تعتمد بشكل كبير على خدمات التوصيل.
 
ضرورة تعزيز الوعي القانوني 
واشار الاستاذ الخزامي الى انه أمام هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحة إلى تعزيز الوعي القانوني لدى الفاعلين الاقتصاديين، وضرورة اعتماد عقود دقيقة تتضمن ضمانات واضحة، إلى جانب تفعيل دور أجهزة الرقابة والتفقد، كما يتعين على السلطات المعنية تطوير الإطار التشريعي لمواكبة هذا النوع من الجرائم المستحدثة، التي تستغل الفضاء الرقمي وتعقيدات المعاملات الحديثة.
وانتهى محدثنا الى ان ما حدث ليس مجرد عملية تحيل عابرة، بل هو إنذار حقيقي يكشف عن انتقال الجريمة إلى مستوى أكثر احترافية وذكاء، حيث لم يعد المحتال مجرد فرد، بل قد يكون "مؤسسة" كاملة تتقن فن الإيهام قبل أن تختفي في اللحظة المناسبة.
في النهاية، تبقى القاعدة الأساسية في عالم الأعمال، الثقة ضرورية، لكنها دون رقابة وتثبت قد تتحول إلى أخطر نقطة ضعف.
سعيدة الميساوي