تعد “مقبرة قريش”المعروفة أيضا بـ“الجناح الأخضر” من أبرز المعالم التاريخية والروحية في مدينة القيروان إذ تختزل في فضائها قرونا من الذاكرة الإسلامية وتجسّد مكانة المدينة كأحد أهم مراكز الإشعاع الديني والعلمي في المغرب العربي. وتؤكد المعطيات التاريخية المدعومة بما ورد في اللوحات التعريفية بالموقع أن هذه المقبرة تعد من أقدم المقابر الإسلامية في المنطقة حيث يعود تاريخ نشأتها إلى ما يقارب 1400 سنة أي إلى بدايات الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا.
وتقع المقبرة في موقع مرتفع نسبيا داخل النسيج العمراني للقيروان مما منحها رمزية خاصة لدى الأهالي والزائرين باعتبارها فضاء يجمع بين القداسة والتاريخ. وقد سميت بـ“مقبرة قريش” نظرا لاحتضانها رفات عدد من الفاتحين الذين قدموا من الجزيرة العربية وخاصة من قبيلة قريش إلى جانب نخبة من العلماء والأولياء والصالحين الذين ساهموا في نشر العلم والدين في ربوع إفريقية.
وبحسب ما ورد في النقوش التوضيحية، فإن المقبرة ضمت على مر العصور شخصيات بارزة تركت بصماتها في التاريخ الإسلامي من بينهم البهلول بن راشد، سليمان بن عمران، رباح بن يزيد اللخمي إضافة إلى عدد كبير من القضاة والفقهاء والزهاد. كما تشير المصادر إلى وجود قبر زينب بنت عبد الله بن عمر حفيدة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب وهو ما يعزز من القيمة الرمزية والدينية للمكان.
ولا تقتصر أهمية “الجناح الأخضر” على بعدها التاريخي فحسب بل تمتد لتشمل بعدها العلمي والحضاري حيث يذكر أن المقبرة تحتضن أيضا قبر الطبيب الشهير أبو جعفر أحمد بن إبراهيم المعروف بابن الجزار أحد أعلام الطب في الحضارة الإسلامية والذي اشتهر بمؤلفاته التي ظلت مرجعا لقرون طويلة.
وتكشف اللوحات المصاحبة للموقع أن المقبرة تمتد على مساحة واسعة وتحيط بها أسوار تاريخية تضم عدة أبواب من بينها الباب الرئيسي المعروف بـ“باب السلام” إلى جانب أبواب أخرى كانت تفتح في مناسبات دينية وأعياد مما يعكس تنظيما عمرانيا واجتماعيا دقيقا يعكس مكانة المقبرة في الحياة اليومية لأهالي القيروان.
كما تظهر المعطيات أن “مقبرة قريش” لم تكن مجرد مكان للدفن بل شكلت عبر العصور فضاء للزيارة والتأمل الروحي حيث اعتاد الأهالي التوافد إليها خاصة في المناسبات الدينية لزيارة قبور الأولياء والتبرك بها في تقليد متوارث يعكس عمق الارتباط بين المجتمع المحلي وتراثه الروحي.
ويؤكد عدد من المهتمين بالتراث أن المقبرة تمثل اليوم أحد أبرز الشواهد الحية على تاريخ القيروان داعين إلى مزيد العناية بها وصيانتها خاصة في ظل ما تشهده من تآكل طبيعي بفعل الزمن والعوامل المناخية. كما يشددون على ضرورة تثمين هذا المعلم عبر إدراجه ضمن المسارات السياحية والثقافية بما يساهم في التعريف به لدى الزوار والباحثين.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية اللوحات التعريفية المثبتة بالموقع والتي توفّر معطيات تاريخية دقيقة حول نشأة المقبرة وأبرز الشخصيات المدفونة بها ما يسهل على الزائر فهم أبعاد هذا المعلم واستيعاب رمزيته.
وتبقى “مقبرة قريش” في القيروان أكثر من مجرد فضاء للدفن فهي سجل مفتوح لتاريخ المدينة ومرآة تعكس عمقها الحضاري والديني وشاهد على تعاقب أجيال من العلماء والصلحاء الذين أسهموا في بناء مجدها. وبين أروقة هذا الفضاء الصامت، تتردد أصداء الماضي لتذكر الزائر بأن القيروان لم تكن فقط عاصمة سياسية في زمن مضى بل كانت أيضا منارة علم وروحانية لا تزال إشعاعاتها حاضرة إلى اليوم.
مروان الدعلول



