مع دخول العشر الأواخر من شهر رمضان، تتجه الأنظار والقلوب نحو مدينة القيروان حيث يشد المصلون والزائرون الرحال إلى جامع عقبة بن نافع أحد أعرق الجوامع في العالم الإسلامي.
ويغدو هذا المعلم الديني والتاريخي العريق قبلة للآلاف من المصلين الذين يقصدونه لإحياء ليالي رمضان بالصلاة والدعاء خاصة خلال صلاتي التراويح والتهجد في أجواء روحانية مميزة تختزل قرونا من التاريخ والإيمان.
ليالي التراويح.. خشوع يمتد إلى الساحات
منذ الليلة الأولى لشهر رمضان، يتوافد المصلون بأعداد كبيرة على جامع عقبة بن نافع لأداء صلاة التراويح. ومع مرور الأيام يزداد الإقبال بشكل لافت حتى تمتلئ أروقة الجامع وساحاته بالمصلين الذين يجتمعون في مشهد روحاني مهيب.
وقبل موعد الصلاة بوقت كاف، يبدأ الزوار في التوافد إلى الجامع بعضهم من أبناء القيروان وآخرون قدموا من ولايات مختلفة حاملين معهم شوقهم لأداء الصلاة في هذا المعلم الذي يمثل رمزا دينيا وتاريخيا بارزا. وتتردد تلاوات القرآن في أرجاء الجامع فيغمر المكان سكون خاص يمتزج فيه الخشوع بجلال المكان.
العشر الأواخر.. ذروة الإقبال والروحانية
ومع حلول العشر الأواخر من رمضان، تبلغ الحركة داخل الجامع ومحيطه ذروتها. فهذه الليالي المباركة تحظى بمكانة خاصة لدى المسلمين إذ يسعى الكثيرون إلى اغتنامها في العبادة والتقرب إلى الله، أملا في إدراك ليلة القدر التي تعد خيراً من ألف شهر.
وخلال هذه الفترة، يتضاعف عدد الزائرين الذين يقصدون القيروان خصيصا لإحياء هذه الليالي في جامع عقبة بن نافع. وتتحول المدينة إلى وجهة روحية يقصدها المصلون من مختلف الجهات حيث تمتلئ الطرقات المؤدية إلى الجامع بالحركة، ويعم المكان شعور خاص بالسكينة والطمأنينة.
صلاة التهجد.. قيام الليل في رحاب التاريخ
في العشر الأواخر لا تقتصر الأجواء الإيمانية على صلاة التراويح فحسب بل تتواصل إلى ساعات متأخرة من الليل مع إقامة صلاة التهجد. فبعد منتصف الليل يعود المصلون إلى الجامع لإحياء قيام الليل حيث تعلو أصوات التلاوة والدعاء في أجواء يغلب عليها الخشوع والتضرع.
ويحرص الكثير من الزوار على حضور هذه الصلاة التي تعد من أبرز اللحظات الروحانية في رمضان. فالصلاة في رحاب جامع عقبة بن نافع بما يحمله من رمزية تاريخية ودينية تمنح المصلين شعورا خاصا بالسكينة والطمأنينة.
وفي هذا الإطار، يستعد العديد من الزائرين هذه الليلة لأداء صلاة التهجد داخل الجامع بعد منتصف الليل في تجربة روحانية فريدة يعيشونها وسط أجواء تعبق بالإيمان وتجمع المصلين في لحظات من الخشوع والرجاء.
حركة لافتة في محيط الجامع
ولا تقتصر مظاهر الحياة الرمضانية على داخل الجامع فقط بل تمتد إلى محيطه وأزقة المدينة العتيقة. فبعد انتهاء الصلوات يخرج المصلون في مجموعات صغيرة يتبادلون الأحاديث والتهاني فيما تستمر الحركة في بعض المحلات التقليدية والمقاهي القريبة.
وتتحول الساحات المحيطة بالجامع إلى فضاء نابض بالحياة حيث يجتمع الزوار لالتقاط الصور التذكارية أو الاستمتاع بالأجواء الرمضانية التي تميز القيروان خلال هذه الفترة من السنة.
روحانية تمتد عبر القرون
ويظل جامع عقبة بن نافع الذي يعود تاريخ بنائه إلى القرن الأول الهجري، شاهدا على تاريخ طويل من الإشعاع الديني والعلمي للمدينة. فالقيروان التي كانت على مر العصور منارة للعلم والفقه ما تزال تحافظ على مكانتها الروحية في وجدان التونسيين.
ومع حلول العشر الأواخر من رمضان، يتجدد هذا الارتباط حيث تتوافد القلوب قبل الأقدام إلى هذا الصرح العريق بحثا عن لحظات من السكينة والتأمل والعبادة.
وهكذا تبقى ليالي رمضان في جامع عقبة بن نافع بالقيروان تجربة روحانية فريدة يعيشها المصلون والزائرون في أجواء إيمانية خاصة حيث يمتزج عبق التاريخ بنور العبادة لتظل القيروان في هذه الليالي المباركة قبلة للقلوب المؤمنة والباحثة عن السكينة.
ريبورتاج: مروان الدعلول

