إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

القيروان.. المقروض حكاية تراث ورزق تتوارثه الأجيال

في أحد الشوارع النابضة بالحركة بوسط مدينة القيروان حيث تتقاطع طرق المتسوقين والموظفين والعائلات، يتوقف كثيرون أمام محل صغير تفوح منه رائحة السميد المقلي والعسل الساخن. هنا تصنع واحدة من أشهر حلويات القيروان وأكثرها ارتباطا بذاكرة أهلها: المقروض.
داخل المحل، تتواصل حركة لا تهدأ. صواني من المقروض تصطف على الطاولات وقطع ذهبية اللون تخرج تباعا من الزيت قبل أن تغمر في العسل. يقف الحرفي القيرواني حمزة  وراء الطاولة منهمكا في عمله، يقطع العجين بدقة ثم يرصّ القطع في انتظام لافت. حركاته المتقنة تكشف عن سنوات طويلة من الخبرة في حرفة توارثتها العائلات القيروانية جيلا بعد جيل.
وفي حديثه لـ"الصباح نيوز"، يؤكد حمزة أن المقروض ليس مجرد حلوى تقليدية بل هو جزء من هوية القيروان وذاكرتها. ويقول:
"تعلمت هذه الصنعة منذ الصغر. كنا نرى آباءنا وأجدادنا يحضرون المقروض بنفس المكونات تقريبا: السميد، التمر، زيت الزيتون والعسل. ورغم مرور السنوات مازالت هذه الوصفة هي الأساس."
ويظل المقروض المحشو بالتمر الأكثر حضورا في محلات الحلوى بالقيروان فهو الصنف الذي ارتبط بتاريخ المدينة واشتهرت به في مختلف أنحاء البلاد. ويتميّز هذا النوع ببساطة مكوناته وطعمه المتوازن بين حلاوة التمر ونكهة السميد المقرمش.
غير أن التطور في الأذواق وتزايد الطلب دفعا الحرفيين إلى ابتكار أصناف جديدة، فأصبحت واجهات المحلات تعرض اليوم تنوعا لافتا من المقروض فإلى جانب المقروض التقليدي، يجد الزائر المقروض الزمني المعروف بقوامه الخاص وطريقة تحضيره المميزة، وكذلك مقروض اللوز الذي يجمع بين نكهة المقروض وطعم الفواكه الجافة.
كما ظهر في السنوات الأخيرة مقروض اللايت الذي يقبل عليه بعض الحرفاء الباحثين عن تقليل السكر إضافة إلى المقروض بالجلجلان الذي يمنحه مذاقا مختلفا. ولا يخفي بعض الحرفيين سعيهم إلى التجديد من خلال ابتكار وصفات جديدة مثل مقروض البقلاوة المحشو باللوز والفواكه الجافة، وهو صنف يجمع بين روح المقروض القيرواني ولمسة الحلويات الشرقية.
ورغم هذا التنوع، يؤكد الحرفي لـ" الصباح نيوز"  أن المقروض التقليدي يبقى الأكثر طلبا  ويقول محدثنا:
"الناس مازالت تحب المقروض بالتمر كما كان يصنعه الأجداد. ربما يجربون الأنواع الأخرى لكن الأصل يبقى دائما مطلوبا". 
ولا تقتصر أهمية المقروض على كونه حلوى تقليدية بل يمثل أيضاً موردا اقتصاديا مهما لعدد كبير من العائلات في القيروان. فصناعة المقروض تشغل العديد من الحرفيين والعمال سواء في تحضير العجين أو إعداد الحشوة أو القلي والبيع. كما يعتمد بعض الحرفيين على وصفات عائلية خاصة أصبحت جزء من سمعة محلاتهم.
وفي هذا السياق، يوضح الحرفي أن هذه الحرفة تحتاج إلى دقة وصبر لأن جودة المقروض تعتمد على تفاصيل عديدة من اختيار السميد الجيد إلى نوعية التمر وطريقة القلي. ويضيف:
"المقروض ليس مجرد عجين وتمر. هناك أسرار في طريقة التحضير في العجن وفي القلي وحتى في كمية العسل. هذه التفاصيل هي التي تصنع الفارق."
ومع حلول المناسبات والأعياد، يزداد الإقبال على المقروض بشكل ملحوظ. ففي الأعراس والمناسبات العائلية، كثيرا ما يكون المقروض حاضرا ضمن أصناف الحلويات المقدمة للضيوف. كما يحرص الزوار القادمون إلى القيروان على اقتنائه كهدايا يحملونها معهم إلى مدنهم.
ولا يقتصر زبائن هذه المحلات على أهالي القيروان فقط، بل يقصدها أيضا عدد من الزوار من مختلف جهات البلاد، ممن يبحثون عن الطعم الأصيل للمقروض القيرواني المعروف بجودته. ويلاحظ الحرفيون أن الكثير من الحرفاء يربطون زيارة القيروان بشراء هذه الحلوى التقليدية.
في نهاية اليوم، وبعد ساعات طويلة من العمل، تبقى صواني المقروض شاهدة على حرفة حافظت على حضورها رغم تغير الزمن. فالمقروض في القيروان ليس مجرد حلوى تُباع وتشترى بل هو تراث حيّ يتجدد كل يوم في محلات الحرفيين.
وهكذا، تبقى القيروان مدينة تختزل تاريخها في تفاصيل بسيطة: سميد، تمر، زيت زيتون وعسل.. لكنها تفاصيل صنعت حلوى أصبحت رمزا من رموز الضيافة والكرم ونكهة لا تخطئها ذاكرة كل من تذوق المقروض القيرواني.
ريبورتاج : مروان الدعلول 
 
 
 WhatsApp_Image_2026-03-08_at_12.59.42_1.jpeg
 
WhatsApp_Image_2026-03-08_at_12.59.48.jpeg
 
 
 WhatsApp_Image_2026-03-08_at_12.59.45_1.jpeg
 
WhatsApp_Image_2026-03-08_at_12.59.49.jpeg 
 
القيروان.. المقروض حكاية تراث ورزق تتوارثه الأجيال
في أحد الشوارع النابضة بالحركة بوسط مدينة القيروان حيث تتقاطع طرق المتسوقين والموظفين والعائلات، يتوقف كثيرون أمام محل صغير تفوح منه رائحة السميد المقلي والعسل الساخن. هنا تصنع واحدة من أشهر حلويات القيروان وأكثرها ارتباطا بذاكرة أهلها: المقروض.
داخل المحل، تتواصل حركة لا تهدأ. صواني من المقروض تصطف على الطاولات وقطع ذهبية اللون تخرج تباعا من الزيت قبل أن تغمر في العسل. يقف الحرفي القيرواني حمزة  وراء الطاولة منهمكا في عمله، يقطع العجين بدقة ثم يرصّ القطع في انتظام لافت. حركاته المتقنة تكشف عن سنوات طويلة من الخبرة في حرفة توارثتها العائلات القيروانية جيلا بعد جيل.
وفي حديثه لـ"الصباح نيوز"، يؤكد حمزة أن المقروض ليس مجرد حلوى تقليدية بل هو جزء من هوية القيروان وذاكرتها. ويقول:
"تعلمت هذه الصنعة منذ الصغر. كنا نرى آباءنا وأجدادنا يحضرون المقروض بنفس المكونات تقريبا: السميد، التمر، زيت الزيتون والعسل. ورغم مرور السنوات مازالت هذه الوصفة هي الأساس."
ويظل المقروض المحشو بالتمر الأكثر حضورا في محلات الحلوى بالقيروان فهو الصنف الذي ارتبط بتاريخ المدينة واشتهرت به في مختلف أنحاء البلاد. ويتميّز هذا النوع ببساطة مكوناته وطعمه المتوازن بين حلاوة التمر ونكهة السميد المقرمش.
غير أن التطور في الأذواق وتزايد الطلب دفعا الحرفيين إلى ابتكار أصناف جديدة، فأصبحت واجهات المحلات تعرض اليوم تنوعا لافتا من المقروض فإلى جانب المقروض التقليدي، يجد الزائر المقروض الزمني المعروف بقوامه الخاص وطريقة تحضيره المميزة، وكذلك مقروض اللوز الذي يجمع بين نكهة المقروض وطعم الفواكه الجافة.
كما ظهر في السنوات الأخيرة مقروض اللايت الذي يقبل عليه بعض الحرفاء الباحثين عن تقليل السكر إضافة إلى المقروض بالجلجلان الذي يمنحه مذاقا مختلفا. ولا يخفي بعض الحرفيين سعيهم إلى التجديد من خلال ابتكار وصفات جديدة مثل مقروض البقلاوة المحشو باللوز والفواكه الجافة، وهو صنف يجمع بين روح المقروض القيرواني ولمسة الحلويات الشرقية.
ورغم هذا التنوع، يؤكد الحرفي لـ" الصباح نيوز"  أن المقروض التقليدي يبقى الأكثر طلبا  ويقول محدثنا:
"الناس مازالت تحب المقروض بالتمر كما كان يصنعه الأجداد. ربما يجربون الأنواع الأخرى لكن الأصل يبقى دائما مطلوبا". 
ولا تقتصر أهمية المقروض على كونه حلوى تقليدية بل يمثل أيضاً موردا اقتصاديا مهما لعدد كبير من العائلات في القيروان. فصناعة المقروض تشغل العديد من الحرفيين والعمال سواء في تحضير العجين أو إعداد الحشوة أو القلي والبيع. كما يعتمد بعض الحرفيين على وصفات عائلية خاصة أصبحت جزء من سمعة محلاتهم.
وفي هذا السياق، يوضح الحرفي أن هذه الحرفة تحتاج إلى دقة وصبر لأن جودة المقروض تعتمد على تفاصيل عديدة من اختيار السميد الجيد إلى نوعية التمر وطريقة القلي. ويضيف:
"المقروض ليس مجرد عجين وتمر. هناك أسرار في طريقة التحضير في العجن وفي القلي وحتى في كمية العسل. هذه التفاصيل هي التي تصنع الفارق."
ومع حلول المناسبات والأعياد، يزداد الإقبال على المقروض بشكل ملحوظ. ففي الأعراس والمناسبات العائلية، كثيرا ما يكون المقروض حاضرا ضمن أصناف الحلويات المقدمة للضيوف. كما يحرص الزوار القادمون إلى القيروان على اقتنائه كهدايا يحملونها معهم إلى مدنهم.
ولا يقتصر زبائن هذه المحلات على أهالي القيروان فقط، بل يقصدها أيضا عدد من الزوار من مختلف جهات البلاد، ممن يبحثون عن الطعم الأصيل للمقروض القيرواني المعروف بجودته. ويلاحظ الحرفيون أن الكثير من الحرفاء يربطون زيارة القيروان بشراء هذه الحلوى التقليدية.
في نهاية اليوم، وبعد ساعات طويلة من العمل، تبقى صواني المقروض شاهدة على حرفة حافظت على حضورها رغم تغير الزمن. فالمقروض في القيروان ليس مجرد حلوى تُباع وتشترى بل هو تراث حيّ يتجدد كل يوم في محلات الحرفيين.
وهكذا، تبقى القيروان مدينة تختزل تاريخها في تفاصيل بسيطة: سميد، تمر، زيت زيتون وعسل.. لكنها تفاصيل صنعت حلوى أصبحت رمزا من رموز الضيافة والكرم ونكهة لا تخطئها ذاكرة كل من تذوق المقروض القيرواني.
ريبورتاج : مروان الدعلول 
 
 
 WhatsApp_Image_2026-03-08_at_12.59.42_1.jpeg
 
WhatsApp_Image_2026-03-08_at_12.59.48.jpeg
 
 
 WhatsApp_Image_2026-03-08_at_12.59.45_1.jpeg
 
WhatsApp_Image_2026-03-08_at_12.59.49.jpeg