إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

رمضان بمدينة سوسة بين الأمس واليوم .. مشاغل الحياة غيّرت من عادات وتقاليد الشهر

 كشف مراد البحري عضو جمعيّة البحوث والدّراسات في ذاكرة سوسة في تصريح لـ"الصباح نيوز "، أنّ المدينة العتيقة بسوسة كانت تستعدّ بشكل كبير بمناسبة حلول شهر رمضان حيث تتخذ الاستعداد أوجه عديدة وتنطلق أياما قبل حلول الشهر من خلال طلاء جدران المنازل وواجهات المحلاّت التّجاريّة و تعزيز مستوى الإنارة بأغلب الأنهج والأزقّة من خلال مصابيح تقليدية و تشهد أزقة وأنهج المدينة العتيقة عناية فائقة على مستوى النظافة. 
وأوضح البحري أنّ الجامع الكبير إلى جانب بقية مساجد المدينة العتيقة كان يلبس خلال الشّهر أبهج حلّة حيث تعلّق الأعلام وكل ما يوحي بالزّينة وتثبّت الأقواس بجريد النّخل وتحلّى بفوانيس الكهرباء كما يحرص القائمون على المساجد على تغيير السجّاد والزّرابي بأخرى جديدة وتنتشر رائحة العنبر والمسك وتابخور من المنازل والمحلات ومن مختلف أركان المسجد الذي يحتضن على مدار اليوم حلقات ودروس ومسامرات دينيّة  فضلا عن صلاة التّراويح كما تنظّم المسابقات في حفظ القرآن. 
وبيّن البحري أنّ  متساكني المدينة العتيقة بسوسة كانوا بعد قضاء صلاة التّراويح يقصدون المقاهي التّقليديّة المعروفة ب"القعدة العربي" على غرار قهوة هلال وقهوة خميّس وقهوة عمارة وقهوة المشماش بالرّحبة في حين يفضّل آخرون التحوّل إلى المحلاّت والدّكاكين الموجودة بالبلاد العربي بين سوق القايد و"الرّبع" والتي كانت تحتضن جلسات فنية أصيلة وتضطلع بدور ثقافيّ مميّز تؤمن من خلالها إستمتاعا بتقاسيم "عريّف مالوف"، ومن ثمّة وفي طريق العودة يعرّج الأهالي على محلاّت بيع الحلويّات التّقليديّة المتخصّصة في بيع الزلابيا والمخارق وعلى أشهر محلّين ذاع صيتهما في ذلك الوقت في اختصاص صنع "الحلوى السوسية البيضاء" التي تشبه حلوى النّوقا " ويعود أول ظهور لها مع شخصية باسكال يهوديّ الأصل، والثّاني لأولاد غنيم الذين توارثوا هذه الصّنعة أبا عن جدّ وتمكّنوا من أسرارها. 
كما أشار عضو جمعية البحوث والدّراسات في ذاكرة سوسة والمكلف بالمدينة العتيقة أنّ مقام "سيدي بوراوي" و بحلول ليلة السّابع والعشرين من رمضان يشهد عمليّات ختان جماعيّ  لأبناء العائلات المعوزة ويتكفّل أهل البرّ والإحسان بمصاريف إكسائهم وتوفير ملابس وحلويّات عيدهم كلّ ذلك في كنف السّتر والتكتّم الشديد. 
 وأشار محدّثنا إلى أنّ الإستعدادات لاستقبال شهر رمضان كانت تشمل أيضا ربّات البيوت من خلال حرصهنّ على الإعداد الذاتي للبهارات ومختلف التّوابل والموالح، كما تقوم السيّدات بـ" تقصدير الأواني النّحاسيّة "  والعناية بنظافة المنازل وطلائها بمادّة الجير. 
كلّ هذه التّفاصيل الصّغيرة والإستعدادات التي تسبق الشّهر الفضيل تجعل سكّان المدينة العتيقة يشتمّون "رائحة رمضان " الذي يجمّع أفراد العائلة الموسّعة حول مائدة واحدة كما يكون فرصة حقيقية للتكافل الإجتماعي من خلال استغلال الليالي المباركة في الشهر على غرار ليلة النصف وليلة السابع والعشرين لإطعام الفقراء والمحتاجين ترحّما على أموات كل عائلة. 

مشاغل الحياة غيّرت من طقوس الشهر 
 واقع جميل كان يميّز الشهر الفضيل وذكريات عزيزة تختلف في تفاصيلها عمّا تعيشه الأسرة التّونسيّة اليوم حيث أكّد عدد من المستجوبين في إفاداتهم عن الفرق بين أجواء رمضان زمان ورمضان اليوم أنّ ظروف العمل والدّراسة تجعلهم يقضون شهر رمضان بعيدا عن العائلة، في حين اعتبر آخرون بأنّه ورغم قناعتهم بأنّ نكهة رمضان لاتستقيم إلاّ بلمّة العائلة فإنّ نسق الحياة وتطوّرها أصبح  يفرض نوعا من الإستقلاليّة في المقابل أبدى آخرون تأسّفا وحسرة شديدة على أجواء ونكهة رمضان التي رحلت برحيل عماد الأسرة في إشارة إلى رحيل الأب أو الأمّ فساد الفتور على العلاقات ولم يعد من رمضان زمان غير وفاء لعادات استهلاكيّة بالأساس قوامها أطباق وتصنيفات وشهوات وغابت عنه عديد مظاهر التّضامن والتّراحم اذا ما استثنينا بعض المبادرات الجمعياتية في تنظيم موائد إفطار صائم أو ختان أيتام في حين أكّد بعض أهالي المناطق الريفية أنّ أغلب الأسر في الأرياف لازالت إلى اليوم وفيّة لعاداتها وتقاليدها إذ تعتبر أنّ شهر رمضان محطّة مقدّسة لإجتماع كلّ أفراد العائلة الموسّعة فلا مجال للتخلّف عن دار العائلة التي تمثّل الفضاء الرّحب الذي يحتضن الإخوة والأخوات وأبناءهم  طيلة الشّهر الكريم بأمر من "الكبير" أو عملا بوصيّته واعتبروا أنّ مائدة رمضان تجمّع ما تفرّقه مشاغل الحياة من شجون ومشاعر ألفة و حب ومودة خلال بقية أشهر السنة.

أنور قلاّلة

رمضان بمدينة سوسة بين الأمس واليوم .. مشاغل الحياة غيّرت من عادات وتقاليد الشهر

 كشف مراد البحري عضو جمعيّة البحوث والدّراسات في ذاكرة سوسة في تصريح لـ"الصباح نيوز "، أنّ المدينة العتيقة بسوسة كانت تستعدّ بشكل كبير بمناسبة حلول شهر رمضان حيث تتخذ الاستعداد أوجه عديدة وتنطلق أياما قبل حلول الشهر من خلال طلاء جدران المنازل وواجهات المحلاّت التّجاريّة و تعزيز مستوى الإنارة بأغلب الأنهج والأزقّة من خلال مصابيح تقليدية و تشهد أزقة وأنهج المدينة العتيقة عناية فائقة على مستوى النظافة. 
وأوضح البحري أنّ الجامع الكبير إلى جانب بقية مساجد المدينة العتيقة كان يلبس خلال الشّهر أبهج حلّة حيث تعلّق الأعلام وكل ما يوحي بالزّينة وتثبّت الأقواس بجريد النّخل وتحلّى بفوانيس الكهرباء كما يحرص القائمون على المساجد على تغيير السجّاد والزّرابي بأخرى جديدة وتنتشر رائحة العنبر والمسك وتابخور من المنازل والمحلات ومن مختلف أركان المسجد الذي يحتضن على مدار اليوم حلقات ودروس ومسامرات دينيّة  فضلا عن صلاة التّراويح كما تنظّم المسابقات في حفظ القرآن. 
وبيّن البحري أنّ  متساكني المدينة العتيقة بسوسة كانوا بعد قضاء صلاة التّراويح يقصدون المقاهي التّقليديّة المعروفة ب"القعدة العربي" على غرار قهوة هلال وقهوة خميّس وقهوة عمارة وقهوة المشماش بالرّحبة في حين يفضّل آخرون التحوّل إلى المحلاّت والدّكاكين الموجودة بالبلاد العربي بين سوق القايد و"الرّبع" والتي كانت تحتضن جلسات فنية أصيلة وتضطلع بدور ثقافيّ مميّز تؤمن من خلالها إستمتاعا بتقاسيم "عريّف مالوف"، ومن ثمّة وفي طريق العودة يعرّج الأهالي على محلاّت بيع الحلويّات التّقليديّة المتخصّصة في بيع الزلابيا والمخارق وعلى أشهر محلّين ذاع صيتهما في ذلك الوقت في اختصاص صنع "الحلوى السوسية البيضاء" التي تشبه حلوى النّوقا " ويعود أول ظهور لها مع شخصية باسكال يهوديّ الأصل، والثّاني لأولاد غنيم الذين توارثوا هذه الصّنعة أبا عن جدّ وتمكّنوا من أسرارها. 
كما أشار عضو جمعية البحوث والدّراسات في ذاكرة سوسة والمكلف بالمدينة العتيقة أنّ مقام "سيدي بوراوي" و بحلول ليلة السّابع والعشرين من رمضان يشهد عمليّات ختان جماعيّ  لأبناء العائلات المعوزة ويتكفّل أهل البرّ والإحسان بمصاريف إكسائهم وتوفير ملابس وحلويّات عيدهم كلّ ذلك في كنف السّتر والتكتّم الشديد. 
 وأشار محدّثنا إلى أنّ الإستعدادات لاستقبال شهر رمضان كانت تشمل أيضا ربّات البيوت من خلال حرصهنّ على الإعداد الذاتي للبهارات ومختلف التّوابل والموالح، كما تقوم السيّدات بـ" تقصدير الأواني النّحاسيّة "  والعناية بنظافة المنازل وطلائها بمادّة الجير. 
كلّ هذه التّفاصيل الصّغيرة والإستعدادات التي تسبق الشّهر الفضيل تجعل سكّان المدينة العتيقة يشتمّون "رائحة رمضان " الذي يجمّع أفراد العائلة الموسّعة حول مائدة واحدة كما يكون فرصة حقيقية للتكافل الإجتماعي من خلال استغلال الليالي المباركة في الشهر على غرار ليلة النصف وليلة السابع والعشرين لإطعام الفقراء والمحتاجين ترحّما على أموات كل عائلة. 

مشاغل الحياة غيّرت من طقوس الشهر 
 واقع جميل كان يميّز الشهر الفضيل وذكريات عزيزة تختلف في تفاصيلها عمّا تعيشه الأسرة التّونسيّة اليوم حيث أكّد عدد من المستجوبين في إفاداتهم عن الفرق بين أجواء رمضان زمان ورمضان اليوم أنّ ظروف العمل والدّراسة تجعلهم يقضون شهر رمضان بعيدا عن العائلة، في حين اعتبر آخرون بأنّه ورغم قناعتهم بأنّ نكهة رمضان لاتستقيم إلاّ بلمّة العائلة فإنّ نسق الحياة وتطوّرها أصبح  يفرض نوعا من الإستقلاليّة في المقابل أبدى آخرون تأسّفا وحسرة شديدة على أجواء ونكهة رمضان التي رحلت برحيل عماد الأسرة في إشارة إلى رحيل الأب أو الأمّ فساد الفتور على العلاقات ولم يعد من رمضان زمان غير وفاء لعادات استهلاكيّة بالأساس قوامها أطباق وتصنيفات وشهوات وغابت عنه عديد مظاهر التّضامن والتّراحم اذا ما استثنينا بعض المبادرات الجمعياتية في تنظيم موائد إفطار صائم أو ختان أيتام في حين أكّد بعض أهالي المناطق الريفية أنّ أغلب الأسر في الأرياف لازالت إلى اليوم وفيّة لعاداتها وتقاليدها إذ تعتبر أنّ شهر رمضان محطّة مقدّسة لإجتماع كلّ أفراد العائلة الموسّعة فلا مجال للتخلّف عن دار العائلة التي تمثّل الفضاء الرّحب الذي يحتضن الإخوة والأخوات وأبناءهم  طيلة الشّهر الكريم بأمر من "الكبير" أو عملا بوصيّته واعتبروا أنّ مائدة رمضان تجمّع ما تفرّقه مشاغل الحياة من شجون ومشاعر ألفة و حب ومودة خلال بقية أشهر السنة.

أنور قلاّلة