إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

سوق الزربية بالقيروان.. بين صمت الدلالة وصرخة الحرفيات: حرفة عريقة لا تأبه الاندثار

في قلب المدينة العتيقة بالقيروان حيث تتعانق القباب البيضاء مع أزقة التاريخ، ينتصب سوق الزربية المعروف أيضًا بسوق الربع شاهدا على قرون من الإبداع النسوي والعمل اليدوي المتقن. هذا السوق الذي تأسس سنة 1674، يعد الوحيد في العالم الذي يعتمد نظام المزاد العلني اليومي “الدلالة”. غير أن هذا المعلم العريق يعيش اليوم على وقع تراجع غير مسبوق عنوانه الأبرز: نقص المنتوج، قلة الحرفيات، وغياب المواد الأولية.
 
من خمسة أيام إلى يومين فقط
داخل السوق، تبدو الحركة باهتة مقارنة بما كان عليه المشهد في سنوات الازدهار. أبواب كثيرة موصدة وأصوات قليلة تتردد في الفضاء المفتوح الذي كان يعج يوما بالتجار والزوار.
أحد التجار أشار إلى أن عدد الدكاكين التي كانت تنشط في السوق بلغ في فترات سابقة حوالي 28 دكانا، بينما لم يتبق اليوم سوى ثلاثة فقط.
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، إذ تقلصت أيام العمل من خمسة أيام أسبوعيا إلى يومين فقط: الاثنين والأربعاء. ويعود ذلك وفق ما أكده المتدخلون إلى نقص المنتوج المعروض في المزاد.
 
شهادة الدلال: “الزربية القيروانية تحتضر”
الدلال عبد الوهاب، الذي يزاول المهنة منذ 35 سنة تحدث إلى " الصباح نيوز" بمرارة واضحة وهو يتذكر “أيام عز السوق”. يقول: “كنا نشتغل خمسة أيام في الأسبوع، وكانت الدلالة تشهد تنافسا كبيرا بين التجار. اليوم لم نعد نعمل سوى يومي الاثنين والأربعاء نتيجة قلة المنتوج ونقص يد العاملة”.
وأضاف أن العزوف عن تعلم حرفة الزربية والمرقوم ساهم بشكل مباشر في تراجع الإنتاج مؤكدا أن عدد الحرفيات القادرات على النسج اليدوي بالعقدة أصبح محدودا مقارنة بالعقود الماضية.
ولم يخفِ عبد الوهاب قلقه من مستقبل القطاع، مشددا على أن “الزربية القيروانية تحتضر ويجب التدخل العاجل من الهياكل المشرفة لإنقاذ هذه الحرفة قبل فوات الأوان”.
 
نقص “الطعمة”… أزمة صامتة
ومن بين أبرز الإشكاليات التي أثارها عبد الوهاب أيضا نقص باعة الصوف في القيروان أو ما يُعرف محليا بـ“الطعمة”.
وأوضح أن توفر الصوف الطبيعي أصبح محدودا كما أن أسعاره ارتفعت بشكل ملحوظا مما زاد في كلفة الإنتاج وأثّر سلبا على الحرفيات والتجار معا.
“في السابق، كان الصوف متوفرا بسهولة وكان هناك عدد أكبر من المزودين اليوم أصبحنا نبحث عنه بصعوبة وهذا ينعكس مباشرة على حجم الإنتاج داخل السوق” يقول عبد الوهاب.
حرفيات بين تعب الأنامل وضعف العائد
في معتمدية العلا، بدوار الفجارنية، وفي معتمدية حفوز عمادة العين البيضاء، التقينا عددا من الحرفيات اللواتي ما زلن متمسكات بحرفة توارثنها عن الأمهات والجدات.
إحداهن قالت وهي تشرح تفاصيل عملها: “نشتغل بالعقدة يدويا والزربية الواحدة قد تستغرق أشهرا من العمل المتواصل. لكن عندما نبيعها يكون المقابل ضعيفا مقارنة بالجهد المبذول”.
وأضافت أنهن يتفاجأن أحيانا بالأسعار التي تعرض بها زرابيهن لاحقا في السوق أو لدى بعض نقاط البيع مما يجعلهن يشعرن بعدم الإنصاف.
الحرفيات أكدن أن غلاء الصوف الطبيعي يثقل كاهلهن خاصة في ظل غياب دعم مباشر للمواد الأولية. كما طالبن بتكثيف التكوين المهني لتشجيع الشابات على تعلم الحرفة حتى لا تنقطع السلسلة بين الأجيال.
 
طقس “الدلالة” ومعايير الجودة
رغم كل التحديات، ما تزال “الدلالة” تحافظ على طابعها التقليدي. تعرض الزرابي في فضاء مفتوح، ويتولى الدلال تنشيط المزاد بحياد لتمنح القطعة لمن يدفع أعلى سعر.
ولا تُباع الزربية داخل السوق إلا بعد خضوعها لمراقبة فنية دقيقة من قبل المندوبية الجهوية للصناعات التقليدية التي تمنح علامة الجودة عبر الطابع الرسمي من دار الطابع المعروفة اليوم بمتحف الزربية بالقيروان.
الزربية القيروانية تنسج يدويا بالعقدة وتتميز بزخارفها الهندسية المستوحاة من التراث الإسلامي خاصة تصميم “المحراب”. كما يشمل السوق أنواعا أخرى مثل “المرقوم” و“الكليم” وهما جزء من الذاكرة النسيجية للجهة.
 
تاريخ عريق.. ومستقبل مقلق
يعود الفضل في تأسيس هذا النمط المميز إلى كاملة بنت محمد الشاوش التي نسجت أول زربية قيروانية سنة 1830، وهي محفوظة اليوم في متحف الزربية بالقيروان. ومنذ ذلك الحين أصبحت الزربية القيروانية رمزا للصناعات التقليدية التونسية.
شهد القطاع ازدهارا لافتا بعد الاستقلال خاصة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي حين بلغ الإنتاج ذروته وشكل مورد رزق لآلاف العائلات. لكن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية إلى جانب ضعف التكوين وارتفاع كلفة المواد الأولية ساهمت في انحسار الحرفة.
اليوم، يقف سوق الزربية أمام مفترق طرق حاسم. فبين نقص الحرفيات وارتفاع أسعار الصوف وتراجع عدد الدكاكين وأيام النشاط تبدو الحاجة ملحة إلى تدخل عاجل يعيد الاعتبار لهذه الحرفة العريقة.
بين أنامل نساء العلا وحفوز، وصوت الدلال الذي ما يزال يصدح في فضاء السوق يومي الاثنين والأربعاء، تظل الزربية القيروانية أكثر من مجرد منتوج تقليدي إنها هوية مدينة وذاكرة وطن. غير أن هذه الذاكرة، كما حذر عبد الوهاب قد تخفت خيوطها إن لم تتظافر الجهود لإنقاذها قبل أن يتحول صمت الدلالة إلى صمت دائم.
ريبورتاج: مروان الدعلول 
 
 
 
سوق الزربية بالقيروان.. بين صمت الدلالة وصرخة الحرفيات: حرفة عريقة لا تأبه الاندثار
في قلب المدينة العتيقة بالقيروان حيث تتعانق القباب البيضاء مع أزقة التاريخ، ينتصب سوق الزربية المعروف أيضًا بسوق الربع شاهدا على قرون من الإبداع النسوي والعمل اليدوي المتقن. هذا السوق الذي تأسس سنة 1674، يعد الوحيد في العالم الذي يعتمد نظام المزاد العلني اليومي “الدلالة”. غير أن هذا المعلم العريق يعيش اليوم على وقع تراجع غير مسبوق عنوانه الأبرز: نقص المنتوج، قلة الحرفيات، وغياب المواد الأولية.
 
من خمسة أيام إلى يومين فقط
داخل السوق، تبدو الحركة باهتة مقارنة بما كان عليه المشهد في سنوات الازدهار. أبواب كثيرة موصدة وأصوات قليلة تتردد في الفضاء المفتوح الذي كان يعج يوما بالتجار والزوار.
أحد التجار أشار إلى أن عدد الدكاكين التي كانت تنشط في السوق بلغ في فترات سابقة حوالي 28 دكانا، بينما لم يتبق اليوم سوى ثلاثة فقط.
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، إذ تقلصت أيام العمل من خمسة أيام أسبوعيا إلى يومين فقط: الاثنين والأربعاء. ويعود ذلك وفق ما أكده المتدخلون إلى نقص المنتوج المعروض في المزاد.
 
شهادة الدلال: “الزربية القيروانية تحتضر”
الدلال عبد الوهاب، الذي يزاول المهنة منذ 35 سنة تحدث إلى " الصباح نيوز" بمرارة واضحة وهو يتذكر “أيام عز السوق”. يقول: “كنا نشتغل خمسة أيام في الأسبوع، وكانت الدلالة تشهد تنافسا كبيرا بين التجار. اليوم لم نعد نعمل سوى يومي الاثنين والأربعاء نتيجة قلة المنتوج ونقص يد العاملة”.
وأضاف أن العزوف عن تعلم حرفة الزربية والمرقوم ساهم بشكل مباشر في تراجع الإنتاج مؤكدا أن عدد الحرفيات القادرات على النسج اليدوي بالعقدة أصبح محدودا مقارنة بالعقود الماضية.
ولم يخفِ عبد الوهاب قلقه من مستقبل القطاع، مشددا على أن “الزربية القيروانية تحتضر ويجب التدخل العاجل من الهياكل المشرفة لإنقاذ هذه الحرفة قبل فوات الأوان”.
 
نقص “الطعمة”… أزمة صامتة
ومن بين أبرز الإشكاليات التي أثارها عبد الوهاب أيضا نقص باعة الصوف في القيروان أو ما يُعرف محليا بـ“الطعمة”.
وأوضح أن توفر الصوف الطبيعي أصبح محدودا كما أن أسعاره ارتفعت بشكل ملحوظا مما زاد في كلفة الإنتاج وأثّر سلبا على الحرفيات والتجار معا.
“في السابق، كان الصوف متوفرا بسهولة وكان هناك عدد أكبر من المزودين اليوم أصبحنا نبحث عنه بصعوبة وهذا ينعكس مباشرة على حجم الإنتاج داخل السوق” يقول عبد الوهاب.
حرفيات بين تعب الأنامل وضعف العائد
في معتمدية العلا، بدوار الفجارنية، وفي معتمدية حفوز عمادة العين البيضاء، التقينا عددا من الحرفيات اللواتي ما زلن متمسكات بحرفة توارثنها عن الأمهات والجدات.
إحداهن قالت وهي تشرح تفاصيل عملها: “نشتغل بالعقدة يدويا والزربية الواحدة قد تستغرق أشهرا من العمل المتواصل. لكن عندما نبيعها يكون المقابل ضعيفا مقارنة بالجهد المبذول”.
وأضافت أنهن يتفاجأن أحيانا بالأسعار التي تعرض بها زرابيهن لاحقا في السوق أو لدى بعض نقاط البيع مما يجعلهن يشعرن بعدم الإنصاف.
الحرفيات أكدن أن غلاء الصوف الطبيعي يثقل كاهلهن خاصة في ظل غياب دعم مباشر للمواد الأولية. كما طالبن بتكثيف التكوين المهني لتشجيع الشابات على تعلم الحرفة حتى لا تنقطع السلسلة بين الأجيال.
 
طقس “الدلالة” ومعايير الجودة
رغم كل التحديات، ما تزال “الدلالة” تحافظ على طابعها التقليدي. تعرض الزرابي في فضاء مفتوح، ويتولى الدلال تنشيط المزاد بحياد لتمنح القطعة لمن يدفع أعلى سعر.
ولا تُباع الزربية داخل السوق إلا بعد خضوعها لمراقبة فنية دقيقة من قبل المندوبية الجهوية للصناعات التقليدية التي تمنح علامة الجودة عبر الطابع الرسمي من دار الطابع المعروفة اليوم بمتحف الزربية بالقيروان.
الزربية القيروانية تنسج يدويا بالعقدة وتتميز بزخارفها الهندسية المستوحاة من التراث الإسلامي خاصة تصميم “المحراب”. كما يشمل السوق أنواعا أخرى مثل “المرقوم” و“الكليم” وهما جزء من الذاكرة النسيجية للجهة.
 
تاريخ عريق.. ومستقبل مقلق
يعود الفضل في تأسيس هذا النمط المميز إلى كاملة بنت محمد الشاوش التي نسجت أول زربية قيروانية سنة 1830، وهي محفوظة اليوم في متحف الزربية بالقيروان. ومنذ ذلك الحين أصبحت الزربية القيروانية رمزا للصناعات التقليدية التونسية.
شهد القطاع ازدهارا لافتا بعد الاستقلال خاصة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي حين بلغ الإنتاج ذروته وشكل مورد رزق لآلاف العائلات. لكن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية إلى جانب ضعف التكوين وارتفاع كلفة المواد الأولية ساهمت في انحسار الحرفة.
اليوم، يقف سوق الزربية أمام مفترق طرق حاسم. فبين نقص الحرفيات وارتفاع أسعار الصوف وتراجع عدد الدكاكين وأيام النشاط تبدو الحاجة ملحة إلى تدخل عاجل يعيد الاعتبار لهذه الحرفة العريقة.
بين أنامل نساء العلا وحفوز، وصوت الدلال الذي ما يزال يصدح في فضاء السوق يومي الاثنين والأربعاء، تظل الزربية القيروانية أكثر من مجرد منتوج تقليدي إنها هوية مدينة وذاكرة وطن. غير أن هذه الذاكرة، كما حذر عبد الوهاب قد تخفت خيوطها إن لم تتظافر الجهود لإنقاذها قبل أن يتحول صمت الدلالة إلى صمت دائم.
ريبورتاج: مروان الدعلول