* دكتور في القانون: العقوبات تصل إلى المؤبد.. والأركان القانونية لجريمة تكوين وفاق ثابتة
أثار خبر الاطاحة بشبكة اجرامية خطيرة في الأيام القليلة الفارطة استهدفت الفتيات القصّر بإحدى ضواحي تونس الكبرى، الكثير من الجدل، خاصة أن هذه العصابة عمدت إلى استدراج هؤلاء من أمام المؤسسات التربوية أو عبر شبكات التواصل الاجتماعي ثم تخديرهن ونقلهن لاحقا الى احدى الفيلات والاعتداء عليهن من خلال اغتصاب عدد منهن.
"الصباح نيوز" تطرقت إلى هذا الموضوع واتصلت بعدد من المختصين في القانون وعلوم الاجرام لتفسير هذه الافعال ومعرفة التكييف القانوني لهذه الجرائم والعقوبات التي يمكن أن تسلط على مرتكبيها.

في هذا السياق اوضح المختص في علوم الإجرام الاستاذ أسامة الخزامي لـ"الصباح نيوز"، أن ما كشف عنه مؤخرا لا يمكن قراءته كحادثة أمنية عابرة، ولا كواقعة إجرامية معزولة انتهت بإيقافات وإيداعات بالسجن، لأننا اليوم أمام مشهد أخطر بكثير، مشهد يفضح وجود بنية إجرامية متكاملة الأركان تستثمر في (هشاشة القاصرات وفي صمت العائلات وفي الفراغات التي يتركها القانون حين يطبق بعد فوات الأوان لا قبله).
وأضاف الخزامي أن ما حصل ليس صدمة لأنه غير مسبوق بل لأنه تم الكشف عنه، ولأن الصدفة وحدها كانت كفيلة بإخراج الجريمة من الظل إلى النور.
وكمختص في القانون وعلوم الإجرام، لا يمكن توصيف الوقائع إلا باعتبارها صورة مكتملة لجريمة الاتجار بالبشر في بعدها الجنسي بكل ما تحمله من عناصر مادية معنوية، وفق قوله، وقال: "نحن لا نتحدث عن انحراف فردي أو سلوك طائش، بل عن جريمة منظمة تنطلق من استدراج ممنهج وتخدير متعمد لكسر الإرادة وتقاسم أدوار داخل شبكة أو ما يعرف قانونا (بالوفاق الإجرامي) و ذلك بغاية تحقيق منفعة مالية على حساب كرامة الإنسان القاصر".
وكشف ايضا ان هذه العناصر مجتمعة تنفي تماما منطق (الزلّة) أو (الحالة الاستثنائية) وتضعنا أمام اقتصاد إجرامي قائم بذاته، يعرف ماذا يفعل، وكيف يفعل، ولماذا يفعل، ولعل الأخطر- وفق محدثنا- في هذه القضية ليس ما كشف عنها، بل ما لم يكشف، وما لم يصل أصلا إلى مكاتب الضبط أو أروقة القضاء.
الخطورة تكمن في الصمت
ولاحظ الاستاذ الخزامي انه كمختص في تحليل وتفسير الجرائم ومدى خطورتها، يرى أن خطورة الجريمة لا تقاس بعدد القضايا المنشورة بل بحجم ما يسمى بالرقم الأسود أي تلك الجرائم التي لا تبلغ، ولا توثق، ولا تحاسَب.. فكم من قاصر تعرّضت للاستدراج ولم تستطع الهروب؟ وكم ضحية أجبرت على الصمت خوفا من الوصم الاجتماعي؟، وكم عائلة فضلت (السترة) على العدالة لا قناعة بل خوفا من مجتمع لا يرحم الضحية بقدر ما يجلدها ؟ معربا عن ان مسؤولية الدولة لا تبدأ عند الإيقاف، بل قبله واليوم لا يمكننا الاكتفاء بالإشادة بالمجهود الأمني (رغم أهميته) دون طرح السؤال الجوهري: كيف أمكن لهذه الشبكة أن تنشط؟ ولماذا لم تُرصد مبكرًا؟
فضاء رقمي دون رقابة
وأشار الاستاذ الخزامي الى مسألة لا تقل أهمية عن ما سبق ذكره وهي أن الدولة لا تُقاس فقط بسرعة تفكيك الشبكات بعد سقوط الضحايا، بل بقدرتها على منع تشكّلها من الأساس، لانه عندما يتم الاستدراج عبر الفضاء الرقمي دون رقابة فعالة، وعندما يحدث أمام المؤسسات التربوية دون آليات إنذار، فإننا لا نواجه خللا ظرفيا، بل فشلا في منظومة حماية القُصّر، تشريعيًا ورقابيًا وتربويًا..
وأوضح أن القانون، مهما بلغت صرامته، يفقد جزءًا من هيبته عندما يُستدعى دائمًا بعد الجريمة، لا قبلها.
وتمسك بان الجريمة هنا ليست جنائية فحسب، بل اجتماعية بامتياز، إنها نتاج لتراكمات : هشاشة التربية الرقمية، ضعف الوعي الأسري، استمرار ثقافة لوم الضحية، وتحوّل الفضاء الافتراضي إلى مجال مفتوح للاستقطاب دون حواجز أخلاقية أو قانونية ناجعة..
وفسر بأن في مثل هذا المناخ يصبح القاصر فريسة سهلة، ويصبح المنحرف أكثر جرأة لا لأنه أقوى، بل لأنه يشعر بأن احتمال الإفلات، أو الصمت، أو التبرير، ما يزال قائما.
وشدد الخزامي على أن التعامل مع هذه الوقائع بمنطق الصدمة المؤقتة هو في حد ذاته شكل من أشكال التواطؤ الغير مباشر لان ما حصل ليس استثناء، بل إنذارا صريحا.. إمّا أن يُقرأ كقضية رأي عام تفرض مراجعة جذرية لمنظومة حماية الطفولة، وإما أن يُطوى الملف إعلاميًا وقضائيًا، في انتظار الضحية القادمة.
وانتهى بالقول أن حماية القصر ليست خطابًا أخلاقيًا للاستهلاك، بل اختبارًا حقيقيًا لهيبة القانون، ولمدى جدية الدولة، ولنضج المجتمع في مواجهة الجرائم التي ترتكب في الظل وباسمه أحيانًا.
جريمة الوفاق ثابتة.. وهذا ما ينتظر الجناة من عقوبات
أما من الناحية القانونية وتكييف الوقائع وماهي العقوبات التي يمكن أن تسلط على مرتكبي هذه الافعال، أوضح عمر حنين المستشار لدى محكمة الاستئناف والدكتور في القانون (والناطق السابق باسم المحكمة الابتدائية ببن عروس) لـ"الصباح نيوز"، أن الأطفال القصر محميون بالقانون وقد تدعمت مسالة الحماية بصدور القانون عدد58 لسنة2017 المتعلق بمناهضة العنف ضد المرأة والطفل( المؤرخ في11اوت 2017.)
وأشار حنين إلى أن هذا القانون نص على حماية الطفل والقصر عموما حيث نص الفصل 227 جديد منه على موضوع الاغتصاب حيث جاء فيه "يعد اغتصابا كل فعل يؤدي الى ايلاج جنسي مهما كانت طبيعته والوسيلة المستعملة ومهما كان الشخص أنثى أو ذكرا بدون رضاه"
وعن مسالة الرضا، قال محدثنا أن هذه المسالة تعتبر لدى القاصر مفقودة اذا كان سن الضحية دون سن 16عشر كاملة، وتصل العقوبة وفق هذا الفصل لمدة 20 عاما .
وواصل بالتأكيد على أن ماجاء في النص يشير إلى انه "يعاقب بالسجن بقية العمر ان كان مرتكب جريمة الاغتصاب عمد الى استعمال العنف أو التهديد أو السلاح أو مواد أو اقراص مخدرة فان العقاب حينها يكون بقية العمر.
واذا كان الطفل ذكرا أو أنثى سنه دون 16عاما فان عقوبة للجاني بقية العمر.
وبالعودة لقضية الحال، قال حنين ان مرتكبي الفعلة هم مجموعة ووفاق إجرامي وبالتالي فان العقوبة تكون مشددة، وطبق الفصل 131 من المجلة الجزائية فقد عرف الوفاق انه عصابة تكونت لأي مدة كانت ومهما كان عدد اعضائها وكان الوفاق وقع سواء بقصد التحضير لارتكاب أو الاعتداء على الأشخاص أو على الأملاك.
ولاحظ ايضا انه في قضية الحال، فان العصابة شكلت وفاقا إجراميا بقصد الاعتداء على القصر وهنا العقاب سيكون في شكل جناية يستوجب ستة أعوام سجنا فما فوق.
وبحسب مجلة الإجراءات الجزائية فان الجنايات وطبق الفصل47 من مجلة الإجراءات يكون التحقيق فيها وجوبيا بمعنى أن المتهمين في قضية الحال وهم مجموعة فانه وجوبا على النيابة العمومية أن تأذن بفتح تحقيق يتولى بموجبه قاضي التحقيق البحث عن الحقيقة و القيام بأعماله ثم يتخذ القرار الذي يراه مناسبا في شكل بطاقات قانونية (صدور بطاقات قضائية في قضية الحال ضد11متهما) والتي تكون سارية لدى قلم التحقيق لمدة ستة أشهر ثم تمديد اول فتمديد مرة ثانية (في المجمل عام وأربعة اشهر) إلى حين استيفاء الابحاث اللازمة من خلال إجراء التساخير التي ستكون على الهواتف والتساخير على اجساد الضحايا والاختبارات وبقية الإجراءات التي سيقوم بها التحقيق ثم بعدها يختم قاضي التحقيق اعماله (في غضون سنة وأربعة اشهر) ويحيل ملف القضية على انظار دائرة الاتهام التي ستحيله لاحقا على أنظار الدائرة الجنائية التي ستصدر أحكامها في ما بعد.
وشدد حنين على أن موضوع قضية الحال هو جناية حسب القانون تحديدا الفصل 227 جديد من قانون 2017 في ظروف ارتكابها لان هناك أطفالا قصر ضحايا سنهم دون 16عاما وتم استعمال مواد أو اقراص مخدرة على ما يبدو وبالتالي العقوبة تصل إلى بقية العمر في حق مرتكبي هذه الافعال من بينها جريمة الاغتصاب وتكوين وفاق واختطاف وتحويل وجهة.
وبين حنين أنه اذا تبين ان احد الجناة طفل، اي لم يبلغ سن 18عاما كاملة، فإن قاضي التحقيق سيفكك الملف ويصدر قرار تفكيك طبق مجلة الإجراءات الجزائية ويحيل الطفل على قاضي تحقيق الأطفال ويتعهد قاضي التحقيق العادي بالرشد، أمام اذا تبين ان احد الجناة يحمل صفة عسكري ايضا قاضي التحقيق يقوم بتفكيك الملف ويفرده بالتتبع.
وأوضح ايضا ان المجموعة المتورطة، بحسب ما أعلن عنه، اختص كل فرد منها بدور مختلف وهو ما يؤكد وجود وفاق على ارتكاب الجريمة وبالتالي وما حصل يؤكد الأركان القانونية لجريمة الوفاق و تكوين عصابة ثابتة.
وسرد حنين مفهوم تكوين الوفاق حسب ما عرفته محكمة التعقيب انه "يعد وفاقا إجراميا حسب ما استقر عليه فقه القضاء التونسي كل تآمر تكون لأي مدة كانت ومهما كان عدد اعضائه القصد منه ارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها بالقانون دون أن يلزم وجود تنظيم هيكلي أو توزيع محدد أو رسمي للادوار "
سعيدة الميساوي

