إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

ملحمة بن قردان.. يوم حققت تونس انتصارا ساحقا على الإرهاب

"تونس تنتصر على الإرهاب".. بهذه العبارات المدوّية والمفعمة فخرا لتونس، صدحت المنابر الإعلامية عبر العالم في مثل هذا اليوم من سنة 2016 ، عقب "معركة أسطورية" خاضتها أنذاك وحدات الجيش والأمن الوطنيين في مدينة بن قردان (ولاية مدنين) مع مجموعات إرهابية تسللت من القطر الليبي، وانتهت بانتصار بطولي ساحق لقواتنا المسلحة.

وأضفى التحام أهالي المنطقة مع أبناء المؤسستين العسكرية والأمنية في مواجهة العناصر الارهابية، على هذا الانتصار، شعورا وطنيا خاصا، ارتقت بأحداث بن قردان الى مرتبة "الملحمة" التي سجلها التاريخ بأحرف من ذهب.. وظلت كلمات "بلادي قبل أولادي" التي نطق بها مواطن بسيط من متساكني المنطقة، فقد ابنته خلال تلك الأحداث (سارة الموثّق)، راسخة في الأذهان إلى اليوم، كبرهان صادق على النخوة الوطنية، رغم مضيّ عشر سنوات.

لقد أسفرت المعركة مع المجموعات الإرهابية، التي كانت تتوق عبثا أنذاك، لإقامة "إمارة داعشية" في الجنوب التونسي، عن استشهاد 18 عنصرا من أبناء الجيش والأمن وسبعة مدنيين، مقابل القضاء على أكثر من خمسين إرهابيا والقبض على عشرات آخرين.

 
"ملحمة بن قردان"، التي تحيي تونس اليوم السبت بكل فخر ذكراها العاشرة، كانت نقطة فارقة في تاريخ الحرب على الإرهاب، لا في تونس فحسب بل في منطقتي شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وفق ما يؤكده باحثون وخبراء استراتيجيون أجمعوا على أن هذه المعركة كانت بمثابة "الدرس" لكل من كان يكافح التنظيم الارهابي "داعش".

الملحمة الدّرس..

يرى أغلب المهتمين بتاريخ تونس الحديث، أنّ ملحمة بن قردان تبقى محطة مضيئة في تاريخ البلاد وفي ذاكرة المجموعة الوطنية، خاصّة وأنّ هذه المعركة المصيرية التي التقت فيها إرادة الأهالي مع القوات الحاملة للسلاح أثبتت أن قوة البلاد تكمن في وحدة شعبها ولحمته.

 اعتبر استاذ العلوم الجيوستراتيجية رافع الطبيب في تصريح سابق لـ (وات)، أنّ معركة بن قردان كانت "حافزا للجيش الليبي لدحر بؤر الإرهاب، ومحفزا ودرسا للقوات العراقية التي تمكنت من تحرير مدينة الموصل من تنظيم داعش بعد عام".

أما المؤرّخ عبد اللطيف الحناشي، فقد أكد ل (وات) أن درس معركة بن قردان "كان فريدا في معناه وأسلوبه"، لالتحام أهالي المنطقة مع قوات المؤسستين الأمنية والعسكرية وخوضهم معركة وجودية، رغم احتجاجاتهم المتواصلة على ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية، ملاحظا انّ سكّان المنطقة قد تحوّلوا الى طرف أساسي في المعركة وهو ما ساعد على الانتصار السريع.

بدوره قال رئيس الجمهورية قيس سعيّد، في زيارة أداها الى مدينة بن قردان يوم 17 ديسمبر 2024 بمناسبة الاحتفال بعيد الثورة، إن المنطقة "شهدت التحاما تاريخيا بين الشعب التونسي والقوات الأمنية والعسكرية ضدّ من حاول التربّص بتونس والقيام بما أوصاه به الاستعمار"، مضيفا أنّ "الشعب التونسي لقّنهم درسا لن ينسوه أبدا، عندما وقف الجميع على قلب رجل واحد للقضاء على مجموعات إرهابية توهّم من دبّروا وخطّطوا أنّهم قادرون على المسّ من وحدة الشعب".

يوم وطني..
يطالب أهالي مدينة بن قردان، بإقرار يوم 7 مارس من كلّ سنة "يوما وطنيا لمقاومة الإرهاب"، حتى يتجاوز الاحتفال مدينتهم ليشمل كل الوطن من جهة، وحتى لا تتلاشى هذه الذكرى وتفقد بريقها عبر الزمن، وتظلّ عبرة وذكرى خالدة في وجدان المجموعة الوطنيّة، من جهة أخرى.

وتعيش مدينة بن قردان منذ يوم 2 مارس الجاري (تاريخ بداية المعركة سنة 2016) وإلى غاية 7 مارس من الشهر الجاري، فعاليات إحياء الذكرى العاشرة لهذه الملحمة التي عاشها أهالي الجهة، من خلال تنظيم أنشطة متنوّعة ومعرض للصناعات التقليدية ومسابقة في حفظ القرآن وقافلة خيام صحية وسباق للخيول وغيرها من التظاهرات.
وأكد النائب بالبرلمان علي زغدود لـ (وات)، أنّ ذكرى الملحمة "عزيزة على قلوب كل أهالي بن قردان ويريدونها أن تبقى خالدة"، مبيّنا أنّ إقرار يوم 7 مارس يوما وطنيا لمقاومة الإرهاب، هو مطلب يتجدّد كل سنة لكنّه بقي يراوح مكانه على غرار بعض المطالب الأخرى ذات العلاقة بالوضع التنموي في الجهة.
وبالعودة إلى مجريات الأحداث، كانت عملية بن قردان قد انطلقت يوم 2 مارس 2016 في منطقة العويجاء (معتمدية بن قردان)، التي عرفت آنذاك وجود عدد كبير من المتشدّدين، وتمّ القضاء على 5 إرهابيين. وفي يوم 7 من نفس الشهر، وقع الهجوم على الثكنة العسكرية بالمدينة وضرب محطّة الإشارة وغرفة العقيد آمر الفوج، إضافة إلى منطقتي الشرطة والحرس وكذلك المعتمدية.
وتكبد أفراد المجموعة الإرهابية في هذه العملية خسائر فادحة، جعلتهم يفرّون في كل الاتجاهات، وفق عرض مصوّر نشرته وزارة الدفاع بعيد العمليّة. وبملاحقتهم وقع اكتشاف مخازن ذخيرة محيطة بالمدينة، هدفها عزل المدينة عن مناطق جرجيس ومدنين وتطاوين وقطع الإمدادات عنها لجعلها "إمارة داعشيّة".

وتواصلت الملاحقات الأمنية في عملية بن قردان إلى غاية يوم 20 مارس من السنة نفسها، وأسفرت عن القضاء على محمد الكردي الذي يعد أحد أخطر العناصر الإرهابية في منطقة الصيّاح (عمادة تابعة لمعتمدية بن قردان). وقبلها بيوم (19 مارس) تم القضاء على عنصرين إرهابيين (الأخوين مارس) في منطقة العامرية (عمادة تابعة لمعتمدية بن قردان).
واستمرت ملاحقة العناصر الإرهابية المورّطة في عملية بن قردان إلى ما بعد شهر مارس في إطار عمليات استباقيّة، على غرار العمليّة الأمنيّة الاستباقيّة التّي قامت بها وحدات الحرس الوطني يوم 11 ماي 2016 بجهة المنيهلة من ولاية أريانة والصمار من ولاية تطاوين.
ونجحت القوات المسلحة خلال هذه العمليات في القضاء على 4 عناصر إرهابيّة كانوا شاركوا في الهجوم الإرهابي على مدينة بن قردان، وهم نجم الدّين بن محمّد الضّاوي غربي ونجيب بن خشيرة بن عمارة المنصوري ووليد بن عمارة بن محمّد السديري ولسعد بن علي بن ابراهيم دراني.
وأسفرت العمليّات كذلك عن إيقاف العنصر الإرهابي الخطير عادل الغندري (أصيل بن قردان) الصّادرة في شأنه عدة مناشير التّفتيش من أجل ضلوعه في عديد العمليّات الإرهابيّة في تونس. كما كشفت السلطات يوم 24 ماي 2016 عن مخزن للأسلحة في بن قردان يحتوي على 29 قطعة سلاح من نوع كلاشنيكوف و3 قاذفات "آر بي جي".
جاهزيّة واستباق..
تعتبر معركة بن قردان، أبرز المعارك التي خاضتها تونس في حربها على الإرهاب بعد الثورة (2011)، حيث تمكنت فيها من القضاء على عدد كبير من الإرهابيين وتفكيك خلايا إرهابية وإفشال العديد من المخططات التخريبية.
ومعلوم أن تونس حققت نجاحات هامة في الحرب التي تشنها على الإرهاب، من ذلك تفكيك ودحر التنظيمات الموالية لتنظيمي "داعش" و"القاعدة" الإرهابيين، والقضاء على عدد هام من العناصر الإرهابية، ولاسيما المتحصنة منها بالمرتفعات الغربية للبلاد، فضلا عن كشف عديد الخلايا النائمة الخطيرة، بفضل استبسال قواتها الأمنية والعسكرية والعمليات الاستباقية وتضافر الجهود.
وما انفكت وزارة الداخلية تؤكد في مناسبات عدّة، أنّ ملف مكافحة الإرهاب، يظل رغم النجاحات المحققة، "من أوكد الملفات الأمنية"، وأنّ العمل مستمر دون انقطاع لإحباط أي تدبير يستهدف أمن تونس وشعبها، حيث أفادت في احصائيات حديثة خصّت بها (وات)، بأنه تم تسجيل 2058 جريمة إرهابية سنة 2025، وتفكيك 62 خلية إرهابية وإيقاف 2038 عنصرا مورّطا في قضايا إرهابية وكذلك إيقاف 863 عنصرا إرهابيا مفتش عنه.
ويعد العمل الأمني الاستباقي، الذي نفذته الوحدات الأمنية شهر جانفي الماضي، مثالا صادقا وحيا على هذا الجهد الأمني المتواصل، حيث تم القضاء على خليّة إرهابية إثر تعقّبها، تتكوّن من 4 أفراد بأحد المناطق المجاورة لمعتمدية ماجل بلعباس (ولاية القصرين). كما تم قبلها وفي الشهر نفسه، إحباط عملية إرهابية والقضاء على إرهابي خطير يدعى صدّيق العبيدي.
بدوره أكّد وزير الدفاع الوطني خالد السهيلي، خلال مناقشة مهمّة الدفاع الوطني لسنة 2026 بالبرلمان، أنّ "حماية الحدود والتصدّي للإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة العابرة للحدود والحفاظ على الأمن القومي من المهام الأساسية للجيش الوطني".
وقال إنّ تواصل الجهود الرامية الى التصدي للعناصر الارهابية والذود عن حرمة الوطن، مكّنت من تضييق الخناق على العناصر الارهابية وانحصار تحركاتها وفقدانها المبادرة لتنفيذ الاعتداءات، مؤكدا رغم ذلك على ضرورة ملازمة الحذر والتحلي باليقظة المستمرة والحضور الذهني والاستباق في مواجهة كلّ ما من شأنه المساس بأمن تونس واستقرارها".
على المستوى القضائي..

بلغت الأحكام القضائية الصادرة ضد عناصر المجموعة الإرهابية التي تم القبض عليها في معركة بن قردان، وقدّمتها السلطات إلى القضاء، أقصاها، في الطورين الابتدائي (2022) والاستئنافي (2024) وهي المؤبّد والإعدام.

وواجه الإرهابيون تهما تتعلّق بـ"التآمر على أمن الدولة والانضمام إلى تنظيم إرهابي والإضرار بالممتلكات العامة أو الخاصة أو بالموارد الحيوية أو بالبنية الأساسية أو بوسائل النقل أو وسائل الاتصالات أو بالمنظومات المعلوماتية أو بالمرافق العمومية، إضافة إلى تهم القتل العمد ومحاولة القتل العمد".
وجرت محاكمة المتهمين في هذه القضية، خلال الطور الاستئنافي، وفق إجراءات المحاكمة عن بعد، المنصوص عليها في الفصل 73 من القانون المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، والفصل 141 مكرر من مجلة الإجراءات الجزائية المتعلق بإمكانية إجراء المحاكمة عن بعد وذلك "لوجود خطر حقيقي ملمّ"، وفق نصّ القرار.

ستظل ملحمة 7 مارس 2016 بمدينة بن قردان، فصلاً مضيئا في تاريخ تونس المعاصر، حيث تحولت هذه المدينة الحدودية إلى سد منيع أمام محاولات الإرهاب الفاشلة لزعزعة استقرار البلاد. هذه الملحمة لم تكن مجرد انتصار عسكري، بل كانت درسا في الفداء والذود عن حمى الوطن، وتجلت فيها أسمى معاني الوحدة الوطنية لتؤكد أن تونس ستبقى عصية على كل معتد.

وات

ملحمة بن قردان.. يوم حققت تونس انتصارا ساحقا على الإرهاب

"تونس تنتصر على الإرهاب".. بهذه العبارات المدوّية والمفعمة فخرا لتونس، صدحت المنابر الإعلامية عبر العالم في مثل هذا اليوم من سنة 2016 ، عقب "معركة أسطورية" خاضتها أنذاك وحدات الجيش والأمن الوطنيين في مدينة بن قردان (ولاية مدنين) مع مجموعات إرهابية تسللت من القطر الليبي، وانتهت بانتصار بطولي ساحق لقواتنا المسلحة.

وأضفى التحام أهالي المنطقة مع أبناء المؤسستين العسكرية والأمنية في مواجهة العناصر الارهابية، على هذا الانتصار، شعورا وطنيا خاصا، ارتقت بأحداث بن قردان الى مرتبة "الملحمة" التي سجلها التاريخ بأحرف من ذهب.. وظلت كلمات "بلادي قبل أولادي" التي نطق بها مواطن بسيط من متساكني المنطقة، فقد ابنته خلال تلك الأحداث (سارة الموثّق)، راسخة في الأذهان إلى اليوم، كبرهان صادق على النخوة الوطنية، رغم مضيّ عشر سنوات.

لقد أسفرت المعركة مع المجموعات الإرهابية، التي كانت تتوق عبثا أنذاك، لإقامة "إمارة داعشية" في الجنوب التونسي، عن استشهاد 18 عنصرا من أبناء الجيش والأمن وسبعة مدنيين، مقابل القضاء على أكثر من خمسين إرهابيا والقبض على عشرات آخرين.

 
"ملحمة بن قردان"، التي تحيي تونس اليوم السبت بكل فخر ذكراها العاشرة، كانت نقطة فارقة في تاريخ الحرب على الإرهاب، لا في تونس فحسب بل في منطقتي شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وفق ما يؤكده باحثون وخبراء استراتيجيون أجمعوا على أن هذه المعركة كانت بمثابة "الدرس" لكل من كان يكافح التنظيم الارهابي "داعش".

الملحمة الدّرس..

يرى أغلب المهتمين بتاريخ تونس الحديث، أنّ ملحمة بن قردان تبقى محطة مضيئة في تاريخ البلاد وفي ذاكرة المجموعة الوطنية، خاصّة وأنّ هذه المعركة المصيرية التي التقت فيها إرادة الأهالي مع القوات الحاملة للسلاح أثبتت أن قوة البلاد تكمن في وحدة شعبها ولحمته.

 اعتبر استاذ العلوم الجيوستراتيجية رافع الطبيب في تصريح سابق لـ (وات)، أنّ معركة بن قردان كانت "حافزا للجيش الليبي لدحر بؤر الإرهاب، ومحفزا ودرسا للقوات العراقية التي تمكنت من تحرير مدينة الموصل من تنظيم داعش بعد عام".

أما المؤرّخ عبد اللطيف الحناشي، فقد أكد ل (وات) أن درس معركة بن قردان "كان فريدا في معناه وأسلوبه"، لالتحام أهالي المنطقة مع قوات المؤسستين الأمنية والعسكرية وخوضهم معركة وجودية، رغم احتجاجاتهم المتواصلة على ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية، ملاحظا انّ سكّان المنطقة قد تحوّلوا الى طرف أساسي في المعركة وهو ما ساعد على الانتصار السريع.

بدوره قال رئيس الجمهورية قيس سعيّد، في زيارة أداها الى مدينة بن قردان يوم 17 ديسمبر 2024 بمناسبة الاحتفال بعيد الثورة، إن المنطقة "شهدت التحاما تاريخيا بين الشعب التونسي والقوات الأمنية والعسكرية ضدّ من حاول التربّص بتونس والقيام بما أوصاه به الاستعمار"، مضيفا أنّ "الشعب التونسي لقّنهم درسا لن ينسوه أبدا، عندما وقف الجميع على قلب رجل واحد للقضاء على مجموعات إرهابية توهّم من دبّروا وخطّطوا أنّهم قادرون على المسّ من وحدة الشعب".

يوم وطني..
يطالب أهالي مدينة بن قردان، بإقرار يوم 7 مارس من كلّ سنة "يوما وطنيا لمقاومة الإرهاب"، حتى يتجاوز الاحتفال مدينتهم ليشمل كل الوطن من جهة، وحتى لا تتلاشى هذه الذكرى وتفقد بريقها عبر الزمن، وتظلّ عبرة وذكرى خالدة في وجدان المجموعة الوطنيّة، من جهة أخرى.

وتعيش مدينة بن قردان منذ يوم 2 مارس الجاري (تاريخ بداية المعركة سنة 2016) وإلى غاية 7 مارس من الشهر الجاري، فعاليات إحياء الذكرى العاشرة لهذه الملحمة التي عاشها أهالي الجهة، من خلال تنظيم أنشطة متنوّعة ومعرض للصناعات التقليدية ومسابقة في حفظ القرآن وقافلة خيام صحية وسباق للخيول وغيرها من التظاهرات.
وأكد النائب بالبرلمان علي زغدود لـ (وات)، أنّ ذكرى الملحمة "عزيزة على قلوب كل أهالي بن قردان ويريدونها أن تبقى خالدة"، مبيّنا أنّ إقرار يوم 7 مارس يوما وطنيا لمقاومة الإرهاب، هو مطلب يتجدّد كل سنة لكنّه بقي يراوح مكانه على غرار بعض المطالب الأخرى ذات العلاقة بالوضع التنموي في الجهة.
وبالعودة إلى مجريات الأحداث، كانت عملية بن قردان قد انطلقت يوم 2 مارس 2016 في منطقة العويجاء (معتمدية بن قردان)، التي عرفت آنذاك وجود عدد كبير من المتشدّدين، وتمّ القضاء على 5 إرهابيين. وفي يوم 7 من نفس الشهر، وقع الهجوم على الثكنة العسكرية بالمدينة وضرب محطّة الإشارة وغرفة العقيد آمر الفوج، إضافة إلى منطقتي الشرطة والحرس وكذلك المعتمدية.
وتكبد أفراد المجموعة الإرهابية في هذه العملية خسائر فادحة، جعلتهم يفرّون في كل الاتجاهات، وفق عرض مصوّر نشرته وزارة الدفاع بعيد العمليّة. وبملاحقتهم وقع اكتشاف مخازن ذخيرة محيطة بالمدينة، هدفها عزل المدينة عن مناطق جرجيس ومدنين وتطاوين وقطع الإمدادات عنها لجعلها "إمارة داعشيّة".

وتواصلت الملاحقات الأمنية في عملية بن قردان إلى غاية يوم 20 مارس من السنة نفسها، وأسفرت عن القضاء على محمد الكردي الذي يعد أحد أخطر العناصر الإرهابية في منطقة الصيّاح (عمادة تابعة لمعتمدية بن قردان). وقبلها بيوم (19 مارس) تم القضاء على عنصرين إرهابيين (الأخوين مارس) في منطقة العامرية (عمادة تابعة لمعتمدية بن قردان).
واستمرت ملاحقة العناصر الإرهابية المورّطة في عملية بن قردان إلى ما بعد شهر مارس في إطار عمليات استباقيّة، على غرار العمليّة الأمنيّة الاستباقيّة التّي قامت بها وحدات الحرس الوطني يوم 11 ماي 2016 بجهة المنيهلة من ولاية أريانة والصمار من ولاية تطاوين.
ونجحت القوات المسلحة خلال هذه العمليات في القضاء على 4 عناصر إرهابيّة كانوا شاركوا في الهجوم الإرهابي على مدينة بن قردان، وهم نجم الدّين بن محمّد الضّاوي غربي ونجيب بن خشيرة بن عمارة المنصوري ووليد بن عمارة بن محمّد السديري ولسعد بن علي بن ابراهيم دراني.
وأسفرت العمليّات كذلك عن إيقاف العنصر الإرهابي الخطير عادل الغندري (أصيل بن قردان) الصّادرة في شأنه عدة مناشير التّفتيش من أجل ضلوعه في عديد العمليّات الإرهابيّة في تونس. كما كشفت السلطات يوم 24 ماي 2016 عن مخزن للأسلحة في بن قردان يحتوي على 29 قطعة سلاح من نوع كلاشنيكوف و3 قاذفات "آر بي جي".
جاهزيّة واستباق..
تعتبر معركة بن قردان، أبرز المعارك التي خاضتها تونس في حربها على الإرهاب بعد الثورة (2011)، حيث تمكنت فيها من القضاء على عدد كبير من الإرهابيين وتفكيك خلايا إرهابية وإفشال العديد من المخططات التخريبية.
ومعلوم أن تونس حققت نجاحات هامة في الحرب التي تشنها على الإرهاب، من ذلك تفكيك ودحر التنظيمات الموالية لتنظيمي "داعش" و"القاعدة" الإرهابيين، والقضاء على عدد هام من العناصر الإرهابية، ولاسيما المتحصنة منها بالمرتفعات الغربية للبلاد، فضلا عن كشف عديد الخلايا النائمة الخطيرة، بفضل استبسال قواتها الأمنية والعسكرية والعمليات الاستباقية وتضافر الجهود.
وما انفكت وزارة الداخلية تؤكد في مناسبات عدّة، أنّ ملف مكافحة الإرهاب، يظل رغم النجاحات المحققة، "من أوكد الملفات الأمنية"، وأنّ العمل مستمر دون انقطاع لإحباط أي تدبير يستهدف أمن تونس وشعبها، حيث أفادت في احصائيات حديثة خصّت بها (وات)، بأنه تم تسجيل 2058 جريمة إرهابية سنة 2025، وتفكيك 62 خلية إرهابية وإيقاف 2038 عنصرا مورّطا في قضايا إرهابية وكذلك إيقاف 863 عنصرا إرهابيا مفتش عنه.
ويعد العمل الأمني الاستباقي، الذي نفذته الوحدات الأمنية شهر جانفي الماضي، مثالا صادقا وحيا على هذا الجهد الأمني المتواصل، حيث تم القضاء على خليّة إرهابية إثر تعقّبها، تتكوّن من 4 أفراد بأحد المناطق المجاورة لمعتمدية ماجل بلعباس (ولاية القصرين). كما تم قبلها وفي الشهر نفسه، إحباط عملية إرهابية والقضاء على إرهابي خطير يدعى صدّيق العبيدي.
بدوره أكّد وزير الدفاع الوطني خالد السهيلي، خلال مناقشة مهمّة الدفاع الوطني لسنة 2026 بالبرلمان، أنّ "حماية الحدود والتصدّي للإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة العابرة للحدود والحفاظ على الأمن القومي من المهام الأساسية للجيش الوطني".
وقال إنّ تواصل الجهود الرامية الى التصدي للعناصر الارهابية والذود عن حرمة الوطن، مكّنت من تضييق الخناق على العناصر الارهابية وانحصار تحركاتها وفقدانها المبادرة لتنفيذ الاعتداءات، مؤكدا رغم ذلك على ضرورة ملازمة الحذر والتحلي باليقظة المستمرة والحضور الذهني والاستباق في مواجهة كلّ ما من شأنه المساس بأمن تونس واستقرارها".
على المستوى القضائي..

بلغت الأحكام القضائية الصادرة ضد عناصر المجموعة الإرهابية التي تم القبض عليها في معركة بن قردان، وقدّمتها السلطات إلى القضاء، أقصاها، في الطورين الابتدائي (2022) والاستئنافي (2024) وهي المؤبّد والإعدام.

وواجه الإرهابيون تهما تتعلّق بـ"التآمر على أمن الدولة والانضمام إلى تنظيم إرهابي والإضرار بالممتلكات العامة أو الخاصة أو بالموارد الحيوية أو بالبنية الأساسية أو بوسائل النقل أو وسائل الاتصالات أو بالمنظومات المعلوماتية أو بالمرافق العمومية، إضافة إلى تهم القتل العمد ومحاولة القتل العمد".
وجرت محاكمة المتهمين في هذه القضية، خلال الطور الاستئنافي، وفق إجراءات المحاكمة عن بعد، المنصوص عليها في الفصل 73 من القانون المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، والفصل 141 مكرر من مجلة الإجراءات الجزائية المتعلق بإمكانية إجراء المحاكمة عن بعد وذلك "لوجود خطر حقيقي ملمّ"، وفق نصّ القرار.

ستظل ملحمة 7 مارس 2016 بمدينة بن قردان، فصلاً مضيئا في تاريخ تونس المعاصر، حيث تحولت هذه المدينة الحدودية إلى سد منيع أمام محاولات الإرهاب الفاشلة لزعزعة استقرار البلاد. هذه الملحمة لم تكن مجرد انتصار عسكري، بل كانت درسا في الفداء والذود عن حمى الوطن، وتجلت فيها أسمى معاني الوحدة الوطنية لتؤكد أن تونس ستبقى عصية على كل معتد.

وات