إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

من تونس إلى الخليج.. الرهان على " المحور الأورو آسيوي " يتزايد

 

احتواء الصعوبات المالية والاقتصادية +

عبر تنويع الشركاء في اسيا وشرق اوربا 

 

 

بقلم: كمال بن يونس 

 

تزايدت الصعوبات الاقتصادية اقليميا وعالميا .. لأسباب عديدة بينها مضاعفات الحروب التي تعصف منذ أعوام بالمشرق العربي الإسلامي وعشرات من دول الحلف الأطلسي والاتحاد الأوربي المنخرطة للعام الخامس على الوالي في " حرب السيطرة على أوكرانيا"..

 

في ظلّ تركز المبادلات التجارية مع أوروبا

والمتغيرات الدولية ، تسعى تونس وعدد من الدول الإفريقية دول" الشرق الأوسط الكبير" إلى تنويع شراكاتها مع روسيا والصين وآسيا الوسطى ومؤسسات التعاون الأوراسي الجديدة. إنها استراتيجية لتنويع

العلاقات أكثر منها تحولاً كاملاً نحو الشرق.

 

مؤشرات جديدة 

في هذا السياق العام يمثل تقدم الاتحاد الاقتصادي الأوراسي نحو إطلاق مفاوضات تجارية مع تونس مؤشراً جديداً عن التحول التدريجي الذي تشهده العلاقات الاقتصادية الدولية.

ومثلما كشفته تصريحات وزير الخارجية محمد علي النفطي فان تونس تسعى، دون التخلي عن شركائها الأوروبيين التقليديين، إلى توسيع منافذها الاقتصادية والتجارية باتجاه روسيا وآسيا الوسطى والصين والهند والاقتصادات الصاعدة في منطقة الخليج.

 

ولا تقتصر هذه النزعة على تونس وحدها.

فمن مصر إلى الإمارات العربية المتحدة، ومن إيران إلى عدد من دول إفريقيا جنوب الصحراء، تحاول حكومات عديدة تقليص اعتمادها على عدد محدود من الأسواق والجهات المانحة والموردين.

 

وتسعى هذه الدول إلى الاستفادة من صعود أقطاب اقتصادية جديدة تدور حول الصين وروسيا والهند، فضلاً عن تكتلات مثل مجموعة بريكس، والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ومنظمة شنغهاي للتعاون.

 

غير أن هذا التوجه لا يعني، حتى الآن، استبدال الغرب بالشرق. فما يحدث أقرب إلى سياسة تعدد الاصطفافات الاقتصادية، تقوم على التفاوض مع عدة تكتلات في الوقت نفسه، وتجنب التبعية المفرطة، والاستفادة من المنافسة بين الشركاء الدوليين.

 

تونس تفتح باباً جديداً نحو أوراسيا

 

يضم الاتحاد الاقتصادي الأوراسي كلاً من روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وأرمينيا وقيرغيزستان. وهو سوق اقتصادي متكامل يقوم، خصوصاً، على اتحاد جمركي وتسهيل حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال واليد العاملة بين الدول الأعضاء.

 

ولا تُعدّ تونس عضواً في هذا الاتحاد، لكنها تدرس إمكانية إبرام اتفاق تجاري تفضيلي أو اتفاق للتبادل الحر معه.

 

وفي جانفي 2025، تم إنشاء فريق مشترك مكلف بدراسة جدوى مثل هذا الاتفاق.

 

واعلن في مرحلة لاحقة، أيد قادة دول الاتحاد الأوراسي التوجه نحو إطلاق مفاوضات رسمية مع تونس.

 

وفي عام 2026، ما تزال المفوضية الاقتصادية الأوراسية تدرج تونس ضمن الدول التي يجري تقييم فرص إبرام اتفاق تجاري معها.

 

بالنسبة إلى الاقتصاد التونسي، تنطوي هذه الخطوة على عدة فرص. فقد يساهم الاتفاق المحتمل في دعم قطاع السياحة والصناعات التقليدية وتسهيل دخول زيت الزيتون والتمور والمنتجات الغذائية والنسيجية والمكونات الصناعية والأدوية، وربما بعض الخدمات التونسية، إلى سوق يضم قرابة 180 مليون مستهلك.

 

وفي الاتجاه المقابل، قد تتمكن تونس من تأمين جزء من وارداتها الاستراتيجية من الفضاء الأوراسي، بما يشمل الحبوب والأسمدة والمحروقات والمعادن والمواد الكيميائية والخشب والتجهيزات الصناعية.

 

كما يستجيب هذا التوجه إلى اعتبارات الأمن الاقتصادي. فقد أثبتت الأزمات الصحية والاضطرابات اللوجستية والحروب وارتفاع أسعار الطاقة والقيود التجارية مخاطر الاعتماد الكبير على عدد محدود من الموردين.

 

تنويع الشراكات دون إدارة الظهر لأوروبا

 

مع ذلك، لا ينبغي تفسير الانفتاح التونسي على الشرق باعتباره قطيعة مع الاتحاد الأوروبي.

 

ففي عام 2025، مثّل الاتحاد الأوروبي نحو 60% من إجمالي التجارة الخارجية التونسية، واستوعب أكثر من 73% من الصادرات التونسية، في حين وفر قرابة نصف وارداتها.

 

كما ترتبط الصناعات الميكانيكية والكهربائية والنسيجية وصناعة مكونات السيارات في تونس ارتباطاً وثيقاً بسلاسل الإنتاج الأوروبية.

 

ويجعل القرب الجغرافي والاتفاقيات التجارية القائمة والشبكات الصناعية والاستثمارات المتراكمة من غير المرجح أن يتم استبدال السوق الأوروبية سريعاً بأسواق أخرى.

 

وتتمثل الاستراتيجية التونسية، في الواقع، في إضافة اتجاهات جديدة إلى اقتصاد ظل تاريخياً موجهاً نحو أوروبا. وقد يساعد التنويع تونس على تحسين موقعها التفاوضي دولياً، وتعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات، وتمكين بعض المؤسسات من دخول أسواق جديدة.

 

لكن نجاح هذه السياسة يقتضي تجاوز مستوى التصريحات الدبلوماسية. فالمؤسسات التونسية تحتاج إلى خطوط بحرية وجوية منتظمة، وآليات دفع آمنة، ومعلومات تجارية موثوقة، وإجراءات جمركية مبسطة، واتفاقيات تتعلق بالمعايير الصحية والفنية.

 

مصر مختبر إفريقي للتقارب الأوراسي

 

في الأثناء يبدو ان مصر قطعت أشواطا  أكثر تقدماً من تونس في محادثاتها مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. فقد بدأت المفاوضات المتعلقة بإبرام اتفاق للتبادل الحر سنة 2019، وتم تنظيم ست جولات تفاوضية وفق آخر المعطيات الرسمية المتاحة.

 

وتتمتع القاهرة بعدة مزايا، من أبرزها قناة السويس، وقاعدتها الصناعية المهمة، وسوقها الداخلية الواسعة، وموقعها الجغرافي الذي يربط بين إفريقيا والبحر المتوسط والبحر الأحمر والشرق الأوسط.

 

كما أصبحت مصر عضواً في مجموعة بريكس، وحصلت على صفة شريك حوار في منظمة شنغهاي للتعاون.

 

وتسعى القاهرة بذلك إلى تنويع المنصات الدبلوماسية والمالية والتجارية التي تتحرك ضمنها، من دون التخلي عن علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة أو دول الخليج.

 

ويعكس هذا التوجه ملامح الدبلوماسية الاقتصادية الجديدة التي تتبناها دول عديدة في الجنوب العالمي، والقائمة على المشاركة في عدة فضاءات تعاون بصورة متزامنة، بدلاً من الارتباط الحصري بمعسكر واحد.

 

دول الخليج تتقرب من المؤسسات الآسيوية

 

نفس التمشي برز لدى عواصم  خليجية .ففي جوان  2025، وقعت أبوظبي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي اتفاق شراكة اقتصادية، أُحيل بعد ذلك إلى إجراءات المصادقة.

 

وفي موازاة ذلك، أصبحت الإمارات شريك حوار في منظمة شنغهاي للتعاون. كما تتمتع السعودية وقطر والكويت والبحرين بالصفة نفسها.

 

وتستجيب المشاركة المتزايدة لدول الخليج في المؤسسات الأوراسية إلى عدة أهداف، من بينها تطوير المبادلات مع آسيا، وجذب الاستثمارات التكنولوجية، وتعزيز الممرات اللوجستية، وتطوير المراكز المالية الإقليمية، والاستعداد لمرحلة ما بعد النفط.

 

 ومع ذلك، لا تتخلى دول الخليج عن تحالفاتها وعلاقاتها الغربية. بل تحاول التحول إلى مراكز وصل بين أوروباوإفريقيا وآسيا.

 

وتساعدها موانئها وشركات الطيران التابعة لها وصناديقها السيادية ومناطقها الحرة على أداء هذا الدور الوسيط.

 

إيران: اندماج أعمق في الفضاء الأوراسي

 

ذهبت إيران إلى مدى أبعد في علاقاتها مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. فقد دخل اتفاق شامل للتبادل الحر بين طهران والاتحاد حيز التنفيذ في 15 ماي 2025

 

وينص الاتفاق على منح امتيازات تجارية تشمل نحو 90% من فئات السلع.

 

وبالنسبة إلى إيران، التي تخضع لعقوبات غربية واسعة، يشكل الاندماج التجاري مع روسيا وآسيا الوسطى ضرورة اقتصادية بقدر ما يمثل خياراً جيوسياسياً.

 

كما تعد طهران عضواً كامل العضوية في منظمة شنغهاي للتعاون. ويتيح لها هذا الاندماج المزدوج تطوير المبادلات الإقليمية والممرات البرية والبحرية وآليات التمويل البديلة.

 

غير أن الحالة الإيرانية تختلف عن حالات تونس ومصر ودول الخليج. فبالنسبة إلى هذه الدول، يعد الانفتاح على الشرق جزءاً من استراتيجية للتنويع. أما بالنسبة إلى إيران، فهو يرتبط أيضاً بمحاولة تجاوز العزلة الاقتصادية والالتفاف على العقوبات.

 

منظمة شنغهاي: أبعد من الملفات الأمنية

 

يُشار أحياناً إلى منظمة شنغهاي للتعاون باسم «تحالف شنغهاي»، لكن هذه التسمية قد تكون مضللة.

 

فالمنظمة ليست سوقاً مشتركة شبيهة بالاتحاد الأوروبي، كما أنها ليست حلفاً عسكرياً مماثلاً لحلف شمال الأطلسي.

 

وقد تأسست في البداية لمعالجة قضايا الأمن الإقليمي، ثم توسعت مجالات عملها لتشمل الدبلوماسية ومكافحة الإرهاب والنقل والطاقة والتجارة والسياحة والثقافة والتعاون التكنولوجي.

 

وتضم المنظمة عشر دول أعضاء، من بينها الصين وروسيا والهند وباكستان وإيران وبيلاروسيا وعدد من دول آسيا الوسطى.

 

كما اتسعت شبكة شركاء الحوار التابعة لها لتشمل دولاً من الشرق الأوسط الكبير، من بينها مصر والسعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وتركيا.

 

أما تونس، فلا تتمتع حالياً بصفة عضو أو مراقب أو شريك حوار في منظمة شنغهاي للتعاون. وتظل علاقاتها مع الصين وروسيا والهند ودول آسيا الوسطى قائمة أساساً على التعاون الثنائي أو ضمن أطر دولية أخرى.

 

إفريقيا تبحث عن هامش أوسع للمناورة

 

في إفريقيا جنوب الصحراء أيضاً، تتطور العلاقات مع الصين والهند وروسيا وتركيا ودول الخليج.

 

ويشمل هذا التنويع قطاعات البنية التحتية والزراعة والاتصالات والطاقة والمناجم والنقل والتجهيزات الصناعية.

 

، وقد أعلنت بكين عزمها منح صادرات 53 دولة إفريقية تقيم معها علاقات دبلوماسية إعفاءً من الرسوم الجمركية.

 

وقد تستفيد من هذه المبادرة الاقتصادات التي تمتلك بالفعل قدرات صناعية أو غذائية وزراعية مهمة، مثل جنوب إفريقيا ومصر والمغرب ونيجيريا وكينيا.

 

كما شهدت دول مثل السنغال تقدماً في مكانة الصين والهند وروسيا ضمن قائمة شركائها التجاريين.

 

وبالنسبة إلى الحكومات الإفريقية، يمكن أن تتيح المنافسة بين الشركاء فرصاً جديدة للتمويل وتحسين شروط التفاوض.

 

لكن هذه السياسة تحمل أيضاً خطراً يتمثل في استبدال تبعية قديمة بتبعية جديدة، خصوصاً عندما تظل الصادرات الإفريقية قائمة على المواد الأولية، بينما تتكون الواردات من منتجات مصنعة ذات قيمة مضافة أعلى.

 

لماذا تتسارع هذه الحركة؟

 

تفسر عدة عوامل سعي الدول إلى إقامة شراكات جديدة.

 

أولها تفكك الاقتصاد العالمي وتزايد الانقسامات داخله. فالعقوبات والنزاعات التجارية والتوترات الجيوسياسية تدفع الدول إلى تأمين مصادر متعددة للإمدادات.

 

أما العامل الثاني، فهو انتقال جانب مهم من مركز الثقل الاقتصادي نحو آسيا. فالصين والهند تمثلان سوقين ضخمتين، في حين أصبحت دول الخليج من أبرز المستثمرين الدوليين.

 

ويتعلق العامل الثالث بالبحث عن مصادر جديدة للتمويل. إذ ترغب دول إفريقية وشرق أوسطية عديدة في الحصول على بدائل للمؤسسات المالية الغربية وللشروط الصارمة التي قد ترافق برامجها.

 

وأخيراً، تستجيب هذه الاستراتيجية إلى رغبة في تعزيز السيادة السياسية. فمن خلال تعدد الشركاء، تأمل الحكومات في تقليص الضغوط الخارجية والحفاظ على هامش أوسع في قراراتها الدبلوماسية.

 

فرص حقيقية، لكن أيضاً قيود كبيرة

 

لا يضمن التقارب مع قوى الشرق تحقيق تحول اقتصادي بصورة آلية.

 

فالمسافات الجغرافية ترفع تكاليف النقل، كما يتعين على المؤسسات التكيف مع معايير فنية وتجارية مختلفة.

 

وقد تصبح آليات الدفع أكثر تعقيداً بسبب العقوبات الدولية. وتشكل تقلبات العملات وضعف الروابط اللوجستية ونقص المعلومات حول الأسواق عوائق إضافية.

 

ويتعين على الدول الإفريقية، بشكل خاص، تجنب حصر هذه العلاقات في تصدير النفط والغاز والمعادن أو المنتجات الزراعية الخام.

 

فالنجاح الحقيقي يتوقف على جذب الاستثمارات إلى التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا، والتكوين، والخدمات اللوجستية، والصناعات ذات القيمة المضافة.

 

وبالنسبة إلى تونس، لا يتمثل التحدي في مجرد بيع كميات أكبر من المنتجات إلى روسيا أو الصين أو آسيا الوسطى.

 

بل يتعلق ببناء سياسة صناعية قادرة على توظيف هذه الشراكات الجديدة في تحديث المؤسسات، وإحداث فرص عمل مؤهلة، ورفع المضمون التكنولوجي للصادرات.

 

عالم تحكمه الشراكات المتعددة

 

لا تشير التوجهات الراهنة إلى تحول كامل لإفريقيا والشرق الأوسط نحو كتلة شرقية واحدة.

بل تعلن عن ظهور نظام دولي أكثر تشتتاً، تسعى فيه الدول إلى الانتماء إلى عدة شبكات في الوقت نفسه.

يمكن لتونس أن تواصل اعتبار أوروبا سوقها الأولى، بالتوازي مع التفاوض مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.

 

ويمكن لمصر أن تتعاون مع واشنطن وبروكسل وموسكو وبكين ومجموعة بريكس في الوقت نفسه.

 

كما تستطيع دول الخليج الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، بالتزامن مع تطوير مبادلاتها مع الصين والهند وآسيا الوسطى.

وعليه، لم يعد السؤال الحاسم يتمثل في الاختيار بين الشرق والغرب، بل في مدى قدرة الدول الإفريقية والشرق أوسطية على تحويل تعد

د الشراكات إلى استثمارات إنتاجية، ونقل للتكنولوجيا، وتنمية مستدامة.

فمن دون استراتيجية صناعية واضحة وقدرة قوية على التفاوض، قد يظل التنويع مجرد توجه دبلوماسي.

من تونس إلى الخليج.. الرهان على " المحور الأورو آسيوي " يتزايد

 

احتواء الصعوبات المالية والاقتصادية +

عبر تنويع الشركاء في اسيا وشرق اوربا 

 

 

بقلم: كمال بن يونس 

 

تزايدت الصعوبات الاقتصادية اقليميا وعالميا .. لأسباب عديدة بينها مضاعفات الحروب التي تعصف منذ أعوام بالمشرق العربي الإسلامي وعشرات من دول الحلف الأطلسي والاتحاد الأوربي المنخرطة للعام الخامس على الوالي في " حرب السيطرة على أوكرانيا"..

 

في ظلّ تركز المبادلات التجارية مع أوروبا

والمتغيرات الدولية ، تسعى تونس وعدد من الدول الإفريقية دول" الشرق الأوسط الكبير" إلى تنويع شراكاتها مع روسيا والصين وآسيا الوسطى ومؤسسات التعاون الأوراسي الجديدة. إنها استراتيجية لتنويع

العلاقات أكثر منها تحولاً كاملاً نحو الشرق.

 

مؤشرات جديدة 

في هذا السياق العام يمثل تقدم الاتحاد الاقتصادي الأوراسي نحو إطلاق مفاوضات تجارية مع تونس مؤشراً جديداً عن التحول التدريجي الذي تشهده العلاقات الاقتصادية الدولية.

ومثلما كشفته تصريحات وزير الخارجية محمد علي النفطي فان تونس تسعى، دون التخلي عن شركائها الأوروبيين التقليديين، إلى توسيع منافذها الاقتصادية والتجارية باتجاه روسيا وآسيا الوسطى والصين والهند والاقتصادات الصاعدة في منطقة الخليج.

 

ولا تقتصر هذه النزعة على تونس وحدها.

فمن مصر إلى الإمارات العربية المتحدة، ومن إيران إلى عدد من دول إفريقيا جنوب الصحراء، تحاول حكومات عديدة تقليص اعتمادها على عدد محدود من الأسواق والجهات المانحة والموردين.

 

وتسعى هذه الدول إلى الاستفادة من صعود أقطاب اقتصادية جديدة تدور حول الصين وروسيا والهند، فضلاً عن تكتلات مثل مجموعة بريكس، والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ومنظمة شنغهاي للتعاون.

 

غير أن هذا التوجه لا يعني، حتى الآن، استبدال الغرب بالشرق. فما يحدث أقرب إلى سياسة تعدد الاصطفافات الاقتصادية، تقوم على التفاوض مع عدة تكتلات في الوقت نفسه، وتجنب التبعية المفرطة، والاستفادة من المنافسة بين الشركاء الدوليين.

 

تونس تفتح باباً جديداً نحو أوراسيا

 

يضم الاتحاد الاقتصادي الأوراسي كلاً من روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وأرمينيا وقيرغيزستان. وهو سوق اقتصادي متكامل يقوم، خصوصاً، على اتحاد جمركي وتسهيل حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال واليد العاملة بين الدول الأعضاء.

 

ولا تُعدّ تونس عضواً في هذا الاتحاد، لكنها تدرس إمكانية إبرام اتفاق تجاري تفضيلي أو اتفاق للتبادل الحر معه.

 

وفي جانفي 2025، تم إنشاء فريق مشترك مكلف بدراسة جدوى مثل هذا الاتفاق.

 

واعلن في مرحلة لاحقة، أيد قادة دول الاتحاد الأوراسي التوجه نحو إطلاق مفاوضات رسمية مع تونس.

 

وفي عام 2026، ما تزال المفوضية الاقتصادية الأوراسية تدرج تونس ضمن الدول التي يجري تقييم فرص إبرام اتفاق تجاري معها.

 

بالنسبة إلى الاقتصاد التونسي، تنطوي هذه الخطوة على عدة فرص. فقد يساهم الاتفاق المحتمل في دعم قطاع السياحة والصناعات التقليدية وتسهيل دخول زيت الزيتون والتمور والمنتجات الغذائية والنسيجية والمكونات الصناعية والأدوية، وربما بعض الخدمات التونسية، إلى سوق يضم قرابة 180 مليون مستهلك.

 

وفي الاتجاه المقابل، قد تتمكن تونس من تأمين جزء من وارداتها الاستراتيجية من الفضاء الأوراسي، بما يشمل الحبوب والأسمدة والمحروقات والمعادن والمواد الكيميائية والخشب والتجهيزات الصناعية.

 

كما يستجيب هذا التوجه إلى اعتبارات الأمن الاقتصادي. فقد أثبتت الأزمات الصحية والاضطرابات اللوجستية والحروب وارتفاع أسعار الطاقة والقيود التجارية مخاطر الاعتماد الكبير على عدد محدود من الموردين.

 

تنويع الشراكات دون إدارة الظهر لأوروبا

 

مع ذلك، لا ينبغي تفسير الانفتاح التونسي على الشرق باعتباره قطيعة مع الاتحاد الأوروبي.

 

ففي عام 2025، مثّل الاتحاد الأوروبي نحو 60% من إجمالي التجارة الخارجية التونسية، واستوعب أكثر من 73% من الصادرات التونسية، في حين وفر قرابة نصف وارداتها.

 

كما ترتبط الصناعات الميكانيكية والكهربائية والنسيجية وصناعة مكونات السيارات في تونس ارتباطاً وثيقاً بسلاسل الإنتاج الأوروبية.

 

ويجعل القرب الجغرافي والاتفاقيات التجارية القائمة والشبكات الصناعية والاستثمارات المتراكمة من غير المرجح أن يتم استبدال السوق الأوروبية سريعاً بأسواق أخرى.

 

وتتمثل الاستراتيجية التونسية، في الواقع، في إضافة اتجاهات جديدة إلى اقتصاد ظل تاريخياً موجهاً نحو أوروبا. وقد يساعد التنويع تونس على تحسين موقعها التفاوضي دولياً، وتعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات، وتمكين بعض المؤسسات من دخول أسواق جديدة.

 

لكن نجاح هذه السياسة يقتضي تجاوز مستوى التصريحات الدبلوماسية. فالمؤسسات التونسية تحتاج إلى خطوط بحرية وجوية منتظمة، وآليات دفع آمنة، ومعلومات تجارية موثوقة، وإجراءات جمركية مبسطة، واتفاقيات تتعلق بالمعايير الصحية والفنية.

 

مصر مختبر إفريقي للتقارب الأوراسي

 

في الأثناء يبدو ان مصر قطعت أشواطا  أكثر تقدماً من تونس في محادثاتها مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. فقد بدأت المفاوضات المتعلقة بإبرام اتفاق للتبادل الحر سنة 2019، وتم تنظيم ست جولات تفاوضية وفق آخر المعطيات الرسمية المتاحة.

 

وتتمتع القاهرة بعدة مزايا، من أبرزها قناة السويس، وقاعدتها الصناعية المهمة، وسوقها الداخلية الواسعة، وموقعها الجغرافي الذي يربط بين إفريقيا والبحر المتوسط والبحر الأحمر والشرق الأوسط.

 

كما أصبحت مصر عضواً في مجموعة بريكس، وحصلت على صفة شريك حوار في منظمة شنغهاي للتعاون.

 

وتسعى القاهرة بذلك إلى تنويع المنصات الدبلوماسية والمالية والتجارية التي تتحرك ضمنها، من دون التخلي عن علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة أو دول الخليج.

 

ويعكس هذا التوجه ملامح الدبلوماسية الاقتصادية الجديدة التي تتبناها دول عديدة في الجنوب العالمي، والقائمة على المشاركة في عدة فضاءات تعاون بصورة متزامنة، بدلاً من الارتباط الحصري بمعسكر واحد.

 

دول الخليج تتقرب من المؤسسات الآسيوية

 

نفس التمشي برز لدى عواصم  خليجية .ففي جوان  2025، وقعت أبوظبي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي اتفاق شراكة اقتصادية، أُحيل بعد ذلك إلى إجراءات المصادقة.

 

وفي موازاة ذلك، أصبحت الإمارات شريك حوار في منظمة شنغهاي للتعاون. كما تتمتع السعودية وقطر والكويت والبحرين بالصفة نفسها.

 

وتستجيب المشاركة المتزايدة لدول الخليج في المؤسسات الأوراسية إلى عدة أهداف، من بينها تطوير المبادلات مع آسيا، وجذب الاستثمارات التكنولوجية، وتعزيز الممرات اللوجستية، وتطوير المراكز المالية الإقليمية، والاستعداد لمرحلة ما بعد النفط.

 

 ومع ذلك، لا تتخلى دول الخليج عن تحالفاتها وعلاقاتها الغربية. بل تحاول التحول إلى مراكز وصل بين أوروباوإفريقيا وآسيا.

 

وتساعدها موانئها وشركات الطيران التابعة لها وصناديقها السيادية ومناطقها الحرة على أداء هذا الدور الوسيط.

 

إيران: اندماج أعمق في الفضاء الأوراسي

 

ذهبت إيران إلى مدى أبعد في علاقاتها مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. فقد دخل اتفاق شامل للتبادل الحر بين طهران والاتحاد حيز التنفيذ في 15 ماي 2025

 

وينص الاتفاق على منح امتيازات تجارية تشمل نحو 90% من فئات السلع.

 

وبالنسبة إلى إيران، التي تخضع لعقوبات غربية واسعة، يشكل الاندماج التجاري مع روسيا وآسيا الوسطى ضرورة اقتصادية بقدر ما يمثل خياراً جيوسياسياً.

 

كما تعد طهران عضواً كامل العضوية في منظمة شنغهاي للتعاون. ويتيح لها هذا الاندماج المزدوج تطوير المبادلات الإقليمية والممرات البرية والبحرية وآليات التمويل البديلة.

 

غير أن الحالة الإيرانية تختلف عن حالات تونس ومصر ودول الخليج. فبالنسبة إلى هذه الدول، يعد الانفتاح على الشرق جزءاً من استراتيجية للتنويع. أما بالنسبة إلى إيران، فهو يرتبط أيضاً بمحاولة تجاوز العزلة الاقتصادية والالتفاف على العقوبات.

 

منظمة شنغهاي: أبعد من الملفات الأمنية

 

يُشار أحياناً إلى منظمة شنغهاي للتعاون باسم «تحالف شنغهاي»، لكن هذه التسمية قد تكون مضللة.

 

فالمنظمة ليست سوقاً مشتركة شبيهة بالاتحاد الأوروبي، كما أنها ليست حلفاً عسكرياً مماثلاً لحلف شمال الأطلسي.

 

وقد تأسست في البداية لمعالجة قضايا الأمن الإقليمي، ثم توسعت مجالات عملها لتشمل الدبلوماسية ومكافحة الإرهاب والنقل والطاقة والتجارة والسياحة والثقافة والتعاون التكنولوجي.

 

وتضم المنظمة عشر دول أعضاء، من بينها الصين وروسيا والهند وباكستان وإيران وبيلاروسيا وعدد من دول آسيا الوسطى.

 

كما اتسعت شبكة شركاء الحوار التابعة لها لتشمل دولاً من الشرق الأوسط الكبير، من بينها مصر والسعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وتركيا.

 

أما تونس، فلا تتمتع حالياً بصفة عضو أو مراقب أو شريك حوار في منظمة شنغهاي للتعاون. وتظل علاقاتها مع الصين وروسيا والهند ودول آسيا الوسطى قائمة أساساً على التعاون الثنائي أو ضمن أطر دولية أخرى.

 

إفريقيا تبحث عن هامش أوسع للمناورة

 

في إفريقيا جنوب الصحراء أيضاً، تتطور العلاقات مع الصين والهند وروسيا وتركيا ودول الخليج.

 

ويشمل هذا التنويع قطاعات البنية التحتية والزراعة والاتصالات والطاقة والمناجم والنقل والتجهيزات الصناعية.

 

، وقد أعلنت بكين عزمها منح صادرات 53 دولة إفريقية تقيم معها علاقات دبلوماسية إعفاءً من الرسوم الجمركية.

 

وقد تستفيد من هذه المبادرة الاقتصادات التي تمتلك بالفعل قدرات صناعية أو غذائية وزراعية مهمة، مثل جنوب إفريقيا ومصر والمغرب ونيجيريا وكينيا.

 

كما شهدت دول مثل السنغال تقدماً في مكانة الصين والهند وروسيا ضمن قائمة شركائها التجاريين.

 

وبالنسبة إلى الحكومات الإفريقية، يمكن أن تتيح المنافسة بين الشركاء فرصاً جديدة للتمويل وتحسين شروط التفاوض.

 

لكن هذه السياسة تحمل أيضاً خطراً يتمثل في استبدال تبعية قديمة بتبعية جديدة، خصوصاً عندما تظل الصادرات الإفريقية قائمة على المواد الأولية، بينما تتكون الواردات من منتجات مصنعة ذات قيمة مضافة أعلى.

 

لماذا تتسارع هذه الحركة؟

 

تفسر عدة عوامل سعي الدول إلى إقامة شراكات جديدة.

 

أولها تفكك الاقتصاد العالمي وتزايد الانقسامات داخله. فالعقوبات والنزاعات التجارية والتوترات الجيوسياسية تدفع الدول إلى تأمين مصادر متعددة للإمدادات.

 

أما العامل الثاني، فهو انتقال جانب مهم من مركز الثقل الاقتصادي نحو آسيا. فالصين والهند تمثلان سوقين ضخمتين، في حين أصبحت دول الخليج من أبرز المستثمرين الدوليين.

 

ويتعلق العامل الثالث بالبحث عن مصادر جديدة للتمويل. إذ ترغب دول إفريقية وشرق أوسطية عديدة في الحصول على بدائل للمؤسسات المالية الغربية وللشروط الصارمة التي قد ترافق برامجها.

 

وأخيراً، تستجيب هذه الاستراتيجية إلى رغبة في تعزيز السيادة السياسية. فمن خلال تعدد الشركاء، تأمل الحكومات في تقليص الضغوط الخارجية والحفاظ على هامش أوسع في قراراتها الدبلوماسية.

 

فرص حقيقية، لكن أيضاً قيود كبيرة

 

لا يضمن التقارب مع قوى الشرق تحقيق تحول اقتصادي بصورة آلية.

 

فالمسافات الجغرافية ترفع تكاليف النقل، كما يتعين على المؤسسات التكيف مع معايير فنية وتجارية مختلفة.

 

وقد تصبح آليات الدفع أكثر تعقيداً بسبب العقوبات الدولية. وتشكل تقلبات العملات وضعف الروابط اللوجستية ونقص المعلومات حول الأسواق عوائق إضافية.

 

ويتعين على الدول الإفريقية، بشكل خاص، تجنب حصر هذه العلاقات في تصدير النفط والغاز والمعادن أو المنتجات الزراعية الخام.

 

فالنجاح الحقيقي يتوقف على جذب الاستثمارات إلى التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا، والتكوين، والخدمات اللوجستية، والصناعات ذات القيمة المضافة.

 

وبالنسبة إلى تونس، لا يتمثل التحدي في مجرد بيع كميات أكبر من المنتجات إلى روسيا أو الصين أو آسيا الوسطى.

 

بل يتعلق ببناء سياسة صناعية قادرة على توظيف هذه الشراكات الجديدة في تحديث المؤسسات، وإحداث فرص عمل مؤهلة، ورفع المضمون التكنولوجي للصادرات.

 

عالم تحكمه الشراكات المتعددة

 

لا تشير التوجهات الراهنة إلى تحول كامل لإفريقيا والشرق الأوسط نحو كتلة شرقية واحدة.

بل تعلن عن ظهور نظام دولي أكثر تشتتاً، تسعى فيه الدول إلى الانتماء إلى عدة شبكات في الوقت نفسه.

يمكن لتونس أن تواصل اعتبار أوروبا سوقها الأولى، بالتوازي مع التفاوض مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.

 

ويمكن لمصر أن تتعاون مع واشنطن وبروكسل وموسكو وبكين ومجموعة بريكس في الوقت نفسه.

 

كما تستطيع دول الخليج الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، بالتزامن مع تطوير مبادلاتها مع الصين والهند وآسيا الوسطى.

وعليه، لم يعد السؤال الحاسم يتمثل في الاختيار بين الشرق والغرب، بل في مدى قدرة الدول الإفريقية والشرق أوسطية على تحويل تعد

د الشراكات إلى استثمارات إنتاجية، ونقل للتكنولوجيا، وتنمية مستدامة.

فمن دون استراتيجية صناعية واضحة وقدرة قوية على التفاوض، قد يظل التنويع مجرد توجه دبلوماسي.