إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

تفاعل زائف.. هل تسمع الإذاعات التونسيّة صوت جمهور السّوشيال ميديا؟

 بقلم: د. حنان الملّيتي، أستاذة جامعيّة وباحثة في علوم الإعلام والاتصال 

بعد أن تناولنا بالتحليل في المقال السّابق استراتيجيات "تجريف المحتوى" التي تمارسها الإذاعات التّونسية عبر منصّاتها الرّقميّة، ننتقل في هذا المقال إلى تناول مفهوم مفصلي في علاقة الإذاعة بجمهورها وهو: التّفاعليّة. وقد تتبّعنا ذلك في الإذاعتين "الأكثر" استماعا في تونس "موزاييك" الخاصّة والإذاعة الوطنية التونسيّة وكذلك في اليوم نفسه: اليوم العالمي للإذاعة.

 فماذا تفعل الإذاعة التّونسيّة بجمهورها عندما يصل إلى منصّاتها الرّقميّة؟

من المستمع الصّامت الى المشارك النّشط

لم يعد الجمهور يكتفي بالاستماع أو مشاهدة ما تقدّمه الإذاعات، بل تحوّل إلى فاعل ومتفاعل مع البرامج التي تقدّمها منصّاتها الرّقميّة والتّواصلية، كما أصبح مستخدما ومشاركا يمتلك أدوات الردّ والمشاركة. وعند تصفّح مواقع الإذاعتين التونسيّتين موزاييك أف أم والإذاعة الوطنية نجدها تضجّ بتفاعلات المتابعين من تعليقات وآراء وإعجابات. فكيف كان تفاعل الإذاعتين مع نقرات وتعليقات جمهورها عبر منصّاتها الاجتماعيّة؟

قبل تقديم قراءة في الأرقام، وفي تأصيل لمفهوم التفاعليّة، يرى شيزاف رافاييلي أنّها تتجاوز مجرّد قدرة تقنيّة توفّرها الوسيلة الى "سلسلة متّصلة من الاستجابات المترابطة... وفي غياب هذا التّرابط، لا نكون أمام تفاعليّة بل أمام استجابة أحاديّة أو مجرّد بثّ مرآة عاكسة"(Rafaeli, 1988)

وفيما يخصّ "نشاط الجمهور" يرى مارك ليفي (Levy, 1992) أن هذا المفهوم يتجاوز مجرّد التعرّض للمحتوى الى "الارتباط النّفسي والسّلوكي به". ففي العصر الرّقمي تمّ الانتقال من منطق البث الأحادي او المركزي الى منطق الشبكة الذي يقوم على الندّية والأفقية.

بين التفاعل العاطفي والتّفاعل النخبوي

وبالعودة إلى الأرقام المرصودة لكلا الإذاعتين، تبرز أمامنا مفارقة حادّة في طبيعة وكثافة تفاعل الجمهور مع الاذاعتين، ولعلّه تباين يعكس اختلاف الهويّة البصريّة والتحريريّة لكلّ منهما.

 تشير أرقام الإذاعة الخاصّة موزاييك أف أم إلى أنّ الإذاعة حقّقت أرقاما قياسيّة تثبت هيمنتها على الفضاء الرّقمي من حيث الانتشار، فقد بلغ فيديو واحد ما يفوق 343 ألف مشاهدة كما حاز مقال على ما يفوق 11 ألف تفاعل على صفحة الفيسبوك للإذاعة. ويمكن تفسير هذا التفاعل الكثيف في ضوء نظريّة تحديد الأولويات (Agenda Setting)، فبالتركيز المكثّف للإذاعة على قضيّة الاعتداء على طفل الرّوضة في ذلك اليوم، لامست محتويات الاذاعة "الوتر العاطفي" للجمهور المتابع.

من جهته، تفاعل جمهور موزاييك "انفعاليّا" مع الموضوع تاركا ما يفوق 1500 تعليق على فيديو واحد، وهذا الحجم الهائل من التعليقات يعكس ما يسمّيه هنري جينكينز (Jenkins) بـ "الثّقافة التّشاركيّة" حيث يدلو الجمهور بدلوه في القضايا العامّة. غير أنّ هذا الجمهور ظلّ "يتكلّم" وحيدا في فضاء لا ردّ فيه.

أمّا أرقام الإذاعة الوطنيّة التونسيّة فتبدو صادمة إلى حدّ ما بالنظر إلى التّاريخ العريق لهذه المؤسّسة العموميّة، ففي حين لا يوجد فارق عددي في فيديوهاتها ومقالاتها المنشورة بالمقارنة مع منافستها، فإنّ التفاعل مع بعض الفيديوهات لم يتجاوز 27 نقرة وتعليقا وحيدا.

ولكن اللاّفت في هذا الرّصد أنّ الصّور الثابتة حقّقت ما يفوق 176 تعليقاً ممّا يشي بأنّ جمهور الإذاعة الوطنية يفضّل "المحتوى النصّي" أو "الاقتباسات الرّصينة" التي تحفّز النّقاش أكثر من الفيديوهات المقتطعة من البثّ الأثيري. وبناءً عليه، يمكن تفسير ذلك بأنّ جمهور الإذاعة قد يتّجه نحو "التفاعل النّخبوي" الهادئ، إلا أنه يعاني من نقص في التّحفيز، إذ تظلّ إدارة المنصّة في حالة صمت تجاه أيّ تفاعل.

في "صمت الأدمن" الإذاعي

في مقابل هذا الضّجيج الرّقمي للمتابعين-قلّ ذلك أو كثر- من إعجابات وتعليقات تراوحت بين التّساؤل والنّقد والمدح والتّعاطف، اتفقت الإذاعتان-العموميّة والخاصّة- على سياسة "الصمت المطلق" تجاه ذلك طوال يوم كامل. فلم نسجّل لا ردّا ولا إعجابا ولا غيره من مظاهر التواصل والتّفاعل مع متابعي المنصّات الإذاعيّة ممّا يجعلنا نقف أمام حقيقة "تفاعل زائف" من قبل الإذاعات التّونسية، فهي تمنح متابعيها مساحة للتّعليق-وهو خيار تقني- لكنّها تحرمهم في المقابل من الاستجابة بما هو فعل اتصالي.

ولعلّه يمكن الاستناد إلى مدخلين نظريّين لتفسير هذا الصّمت الإذاعي، يتمثّل الأوّل في مقاومة التغيير التنظيمي، فالمؤسّسات الإذاعيّة التّونسيّة محكومة بهياكل إداريّة قد ترى في "الرّد على التعليقات" مهمّة ثانويّة أو أنّها قد تشكّل خطرا يمكنه جرّ المذيع أو المؤسّسة إلى سجالات لا فائدة منها. أمّا المدخل النّظري الثاني فيتمثّل في ثراء الوسيط، حيث تعتبر المنصّات الرّقمية وسائط غنيّة" لأنّها تسمح بالتغذية المرتدّة الفوريّة، لكنّ الإذاعة بتجاهلها للتعليقات فهي تقوم بـ "افقار" الوسيط عمدا محوّلة ايّاه من قناة تفاعليّة إلى قناة توزيع فقيرة.

إنّ حقيقة تجاهل الإذاعتين لآلاف ومئات التعليقات هو بمثابة إهدار فرصة لبناء ما يسمّيه هوارد رينغولد (Rheingold, H) بـ "المجتمعات الافتراضيّة" حيث يمثّل التعليق لحظة وفاء يمنحها المتابع للوسيلة، في حين أنّ مقابلة ذلك بالصّمت من شأنه أن يشعر الجمهور على المدى الطّويل بالاغتراب الرّقمي وربّما إعادة النّظر في وفاءه للوسيلة الاعلاميّة.

مونولوغ الأرقام

تكشف استراتيجية «النّشر والهروب" التي تنتهجها الإذاعتان أنّ الهدف الأساسي من حضورهما الرّقمي هو حضور كمّي لا كيفي، بمعنى أنّهما تريدان الأرقام (المشاهدات، الإعجابات) لرفع أسهمها التسويقيّة (الإذاعة الخاصّة أساسا)، لكنهما لا تريدان المعنى (الحوار، النقاش، الردود).

وبالتّالي فهما تريدان جمهورا يُصفق لا جمهورا يتكلّم. وهذا من شأنه أن يحوّل العمليّة الابداعيّة إلى "تجارة أرقام جافّة" في ظلّ غياب ردود الإذاعة على متابعيها، فيما يمكن تسميته بـ"التفاعل الموازي". حيث تنشر الإذاعة الفيديوهات والمقالات وتترك الجمهور يتفاعل مع بعضه البعض في حين تسكن هي بعيدا في "برجها العاجي" ككيان منفصل يتلقّى اللايكات والتعليقات دون عناء الردّ أو النّقاش.

نحو عقد اتّصالي جديد

إنّ الدّرس الجديد المستفاد من رصد محتويات الإذاعتين التونسيّتين في اليوم العالمي للإذاعة، هو أنّ الإذاعة التونسيّة، سواء كانت عموميّة أو خاصّة، لا تزال تمارس أسلوب "المونولوغ" في عصر الحوار رغم نجاحها التّقني في اللّحاق بالمنصّات الرّقميّة، وهذا يكشف فشلها في "التكيّف" سوسيولوجيّا مع قيمها.

التفاعليّة ليست عبئا اداريّا على المؤسّسة الاذاعيّة ولا هي رفاهيّة تقنيّة، بل هي "رأس مال رمزي" وعقد اتّصالي جديد إذا ما رغبت في تركيز مكانتها عبر المنصّات الرقميّة، وبالتّالي فعلى الإذاعات التّونسيّة أن تبدأ بالردّ على تعليقات متابعيها الأوفياء الذين منحوها وقتا لذلك ولو بكلمة شكر أو رمز تعبيري أو غيره. وأن تغيّر سؤال "كم شخصا استمع الينا أو تابعنا؟" إلى سؤال" مع كم شخص تواصلنا حقّا؟"، حينها فقط ستكتشف الى أيّ مدى ظلّت مجرّد منصّة رقميّة ترسل الضّجيج وتكافئ جمهورها بالصمت. والى أيّ مدى ظلّت تستخدم المنصّات الرّقميّة كمكبّرات صوت اضافيّة بدلا من استخدامها مساحات للحوار والنّقاش، هناك حيث يوجد مجتمع افتراضي ينتظر من يسمعه ويجيبه.

 

 

 

تفاعل زائف.. هل تسمع الإذاعات التونسيّة صوت جمهور السّوشيال ميديا؟

 بقلم: د. حنان الملّيتي، أستاذة جامعيّة وباحثة في علوم الإعلام والاتصال 

بعد أن تناولنا بالتحليل في المقال السّابق استراتيجيات "تجريف المحتوى" التي تمارسها الإذاعات التّونسية عبر منصّاتها الرّقميّة، ننتقل في هذا المقال إلى تناول مفهوم مفصلي في علاقة الإذاعة بجمهورها وهو: التّفاعليّة. وقد تتبّعنا ذلك في الإذاعتين "الأكثر" استماعا في تونس "موزاييك" الخاصّة والإذاعة الوطنية التونسيّة وكذلك في اليوم نفسه: اليوم العالمي للإذاعة.

 فماذا تفعل الإذاعة التّونسيّة بجمهورها عندما يصل إلى منصّاتها الرّقميّة؟

من المستمع الصّامت الى المشارك النّشط

لم يعد الجمهور يكتفي بالاستماع أو مشاهدة ما تقدّمه الإذاعات، بل تحوّل إلى فاعل ومتفاعل مع البرامج التي تقدّمها منصّاتها الرّقميّة والتّواصلية، كما أصبح مستخدما ومشاركا يمتلك أدوات الردّ والمشاركة. وعند تصفّح مواقع الإذاعتين التونسيّتين موزاييك أف أم والإذاعة الوطنية نجدها تضجّ بتفاعلات المتابعين من تعليقات وآراء وإعجابات. فكيف كان تفاعل الإذاعتين مع نقرات وتعليقات جمهورها عبر منصّاتها الاجتماعيّة؟

قبل تقديم قراءة في الأرقام، وفي تأصيل لمفهوم التفاعليّة، يرى شيزاف رافاييلي أنّها تتجاوز مجرّد قدرة تقنيّة توفّرها الوسيلة الى "سلسلة متّصلة من الاستجابات المترابطة... وفي غياب هذا التّرابط، لا نكون أمام تفاعليّة بل أمام استجابة أحاديّة أو مجرّد بثّ مرآة عاكسة"(Rafaeli, 1988)

وفيما يخصّ "نشاط الجمهور" يرى مارك ليفي (Levy, 1992) أن هذا المفهوم يتجاوز مجرّد التعرّض للمحتوى الى "الارتباط النّفسي والسّلوكي به". ففي العصر الرّقمي تمّ الانتقال من منطق البث الأحادي او المركزي الى منطق الشبكة الذي يقوم على الندّية والأفقية.

بين التفاعل العاطفي والتّفاعل النخبوي

وبالعودة إلى الأرقام المرصودة لكلا الإذاعتين، تبرز أمامنا مفارقة حادّة في طبيعة وكثافة تفاعل الجمهور مع الاذاعتين، ولعلّه تباين يعكس اختلاف الهويّة البصريّة والتحريريّة لكلّ منهما.

 تشير أرقام الإذاعة الخاصّة موزاييك أف أم إلى أنّ الإذاعة حقّقت أرقاما قياسيّة تثبت هيمنتها على الفضاء الرّقمي من حيث الانتشار، فقد بلغ فيديو واحد ما يفوق 343 ألف مشاهدة كما حاز مقال على ما يفوق 11 ألف تفاعل على صفحة الفيسبوك للإذاعة. ويمكن تفسير هذا التفاعل الكثيف في ضوء نظريّة تحديد الأولويات (Agenda Setting)، فبالتركيز المكثّف للإذاعة على قضيّة الاعتداء على طفل الرّوضة في ذلك اليوم، لامست محتويات الاذاعة "الوتر العاطفي" للجمهور المتابع.

من جهته، تفاعل جمهور موزاييك "انفعاليّا" مع الموضوع تاركا ما يفوق 1500 تعليق على فيديو واحد، وهذا الحجم الهائل من التعليقات يعكس ما يسمّيه هنري جينكينز (Jenkins) بـ "الثّقافة التّشاركيّة" حيث يدلو الجمهور بدلوه في القضايا العامّة. غير أنّ هذا الجمهور ظلّ "يتكلّم" وحيدا في فضاء لا ردّ فيه.

أمّا أرقام الإذاعة الوطنيّة التونسيّة فتبدو صادمة إلى حدّ ما بالنظر إلى التّاريخ العريق لهذه المؤسّسة العموميّة، ففي حين لا يوجد فارق عددي في فيديوهاتها ومقالاتها المنشورة بالمقارنة مع منافستها، فإنّ التفاعل مع بعض الفيديوهات لم يتجاوز 27 نقرة وتعليقا وحيدا.

ولكن اللاّفت في هذا الرّصد أنّ الصّور الثابتة حقّقت ما يفوق 176 تعليقاً ممّا يشي بأنّ جمهور الإذاعة الوطنية يفضّل "المحتوى النصّي" أو "الاقتباسات الرّصينة" التي تحفّز النّقاش أكثر من الفيديوهات المقتطعة من البثّ الأثيري. وبناءً عليه، يمكن تفسير ذلك بأنّ جمهور الإذاعة قد يتّجه نحو "التفاعل النّخبوي" الهادئ، إلا أنه يعاني من نقص في التّحفيز، إذ تظلّ إدارة المنصّة في حالة صمت تجاه أيّ تفاعل.

في "صمت الأدمن" الإذاعي

في مقابل هذا الضّجيج الرّقمي للمتابعين-قلّ ذلك أو كثر- من إعجابات وتعليقات تراوحت بين التّساؤل والنّقد والمدح والتّعاطف، اتفقت الإذاعتان-العموميّة والخاصّة- على سياسة "الصمت المطلق" تجاه ذلك طوال يوم كامل. فلم نسجّل لا ردّا ولا إعجابا ولا غيره من مظاهر التواصل والتّفاعل مع متابعي المنصّات الإذاعيّة ممّا يجعلنا نقف أمام حقيقة "تفاعل زائف" من قبل الإذاعات التّونسية، فهي تمنح متابعيها مساحة للتّعليق-وهو خيار تقني- لكنّها تحرمهم في المقابل من الاستجابة بما هو فعل اتصالي.

ولعلّه يمكن الاستناد إلى مدخلين نظريّين لتفسير هذا الصّمت الإذاعي، يتمثّل الأوّل في مقاومة التغيير التنظيمي، فالمؤسّسات الإذاعيّة التّونسيّة محكومة بهياكل إداريّة قد ترى في "الرّد على التعليقات" مهمّة ثانويّة أو أنّها قد تشكّل خطرا يمكنه جرّ المذيع أو المؤسّسة إلى سجالات لا فائدة منها. أمّا المدخل النّظري الثاني فيتمثّل في ثراء الوسيط، حيث تعتبر المنصّات الرّقمية وسائط غنيّة" لأنّها تسمح بالتغذية المرتدّة الفوريّة، لكنّ الإذاعة بتجاهلها للتعليقات فهي تقوم بـ "افقار" الوسيط عمدا محوّلة ايّاه من قناة تفاعليّة إلى قناة توزيع فقيرة.

إنّ حقيقة تجاهل الإذاعتين لآلاف ومئات التعليقات هو بمثابة إهدار فرصة لبناء ما يسمّيه هوارد رينغولد (Rheingold, H) بـ "المجتمعات الافتراضيّة" حيث يمثّل التعليق لحظة وفاء يمنحها المتابع للوسيلة، في حين أنّ مقابلة ذلك بالصّمت من شأنه أن يشعر الجمهور على المدى الطّويل بالاغتراب الرّقمي وربّما إعادة النّظر في وفاءه للوسيلة الاعلاميّة.

مونولوغ الأرقام

تكشف استراتيجية «النّشر والهروب" التي تنتهجها الإذاعتان أنّ الهدف الأساسي من حضورهما الرّقمي هو حضور كمّي لا كيفي، بمعنى أنّهما تريدان الأرقام (المشاهدات، الإعجابات) لرفع أسهمها التسويقيّة (الإذاعة الخاصّة أساسا)، لكنهما لا تريدان المعنى (الحوار، النقاش، الردود).

وبالتّالي فهما تريدان جمهورا يُصفق لا جمهورا يتكلّم. وهذا من شأنه أن يحوّل العمليّة الابداعيّة إلى "تجارة أرقام جافّة" في ظلّ غياب ردود الإذاعة على متابعيها، فيما يمكن تسميته بـ"التفاعل الموازي". حيث تنشر الإذاعة الفيديوهات والمقالات وتترك الجمهور يتفاعل مع بعضه البعض في حين تسكن هي بعيدا في "برجها العاجي" ككيان منفصل يتلقّى اللايكات والتعليقات دون عناء الردّ أو النّقاش.

نحو عقد اتّصالي جديد

إنّ الدّرس الجديد المستفاد من رصد محتويات الإذاعتين التونسيّتين في اليوم العالمي للإذاعة، هو أنّ الإذاعة التونسيّة، سواء كانت عموميّة أو خاصّة، لا تزال تمارس أسلوب "المونولوغ" في عصر الحوار رغم نجاحها التّقني في اللّحاق بالمنصّات الرّقميّة، وهذا يكشف فشلها في "التكيّف" سوسيولوجيّا مع قيمها.

التفاعليّة ليست عبئا اداريّا على المؤسّسة الاذاعيّة ولا هي رفاهيّة تقنيّة، بل هي "رأس مال رمزي" وعقد اتّصالي جديد إذا ما رغبت في تركيز مكانتها عبر المنصّات الرقميّة، وبالتّالي فعلى الإذاعات التّونسيّة أن تبدأ بالردّ على تعليقات متابعيها الأوفياء الذين منحوها وقتا لذلك ولو بكلمة شكر أو رمز تعبيري أو غيره. وأن تغيّر سؤال "كم شخصا استمع الينا أو تابعنا؟" إلى سؤال" مع كم شخص تواصلنا حقّا؟"، حينها فقط ستكتشف الى أيّ مدى ظلّت مجرّد منصّة رقميّة ترسل الضّجيج وتكافئ جمهورها بالصمت. والى أيّ مدى ظلّت تستخدم المنصّات الرّقميّة كمكبّرات صوت اضافيّة بدلا من استخدامها مساحات للحوار والنّقاش، هناك حيث يوجد مجتمع افتراضي ينتظر من يسمعه ويجيبه.