إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

رأي/ الإذاعة التونسيّة وثمن السّيادة في قلب الضّجيج الرّقمي

"كلّ تكنولوجيا جديدة هي صفقة فاوستيّة... تعطينا شيئا وتأخذ منّا شيئا آخر"
                                                                   نيل بوستمان "تكنوبولي" 1992

 

 

بقلم د. حنان الملّيتي، أستاذة جامعيّة وباحثة في علوم الاعلام والاتصال

على عكس التنبؤات بـ"انقراضها"، تحتفل الإذاعة اليوم بعيد ميلادها العالمي الموافق لـ 13 فيفري من كلّ سنة، غير أنّ طعم أعيادها في السنوات القليلة الماضية تغيّر بعدما اخترقت "قطرة الحبر الرّقمية" كأسها ولوّنت بيئتها. فأيّ سيادة لها في عصر المنصّات الرّقمية؟

لكلّ تغيير ثمن

فرضت المنصّات الرّقميّة نفسها في عالم القنوات الاذاعيّة، فأصبح المحتوى الإذاعي يرافق التونسيّين في البيوت وفي السّيارات وفي عربات الميترو وغيرها من الأماكن... غير أنّ هذا التحوّل في "صيغة الاستهلاك" له متطلّباته وله ثمنه أيضا...  

فأيّ ثمن لهذه الرّحلة من "الأثير الأعمى" و"سحر الخيال" الى "الشّاشة الملوّنة"؟ وهل تخاطر الإذاعات التونسيّة ببيع "روحها" من رصانة وسحر وجودة محتوى لميفيستوفوليس الخوارزميّات في سبيل الحصول على الانتشار الواسع؟

كلّ هذه الأسئلة باتت اليوم محوريّة أثناء المقارنة بين ما كانت عليه الإذاعة وما هي عليه الآن بعد عدّة عقود من زمن وجودها.

عزلة السمّاعات

هل غاب زمن الإذاعة الجميل؟  لقد كانت برامج مثل "قافلة تسير" أو سلسلة "الحاج كلوف" أو "برنامج الأحد" للشّهير البشير رجب، وكثير سواها، مواعيد ثابتة وقارّة تنتظرها العائلة التونسية لتتجمّع حولها في شبه "طقوس" يوميّة أو أسبوعية. كان اللقاء يجمع جيل Y من العائلة الواحدة حول مائدة الاستماع لتلك البرامج بمثابة موعد مع المعرفة أو الترفيه، ما منحها قداسة اللحظة التي لا تعاد ولا تتكرّر. تعود هذه الذّكريات أثناء التنقّل بين المواقع الالكترونيّة وصفحات السوشيال ميديا ومنصّات البثّ الصوتي للإذاعات التونسية أين نرى إعادة تقسيم المحتوى الاذاعي فيما يشبه "عمليّة تحنيط رقمي" لينشر على المنصّات.  ما يمنح الجيل الحالي من المستمعين، وخاصة جيل z الفرصة للاستماع للإذاعة متى شاءوا وبأشكال شتّى: حلقات كاملة على يوتيوب، مقاطع قصيرة على "تيك توك"، بثّ مباشر على "فيسبوك"، وتغريدات على "اكس".

وهنا تكمن المفارقة، ما كان "حدثا جماعيّا" تحوّل الى "محتوى فردي لا زمني". فبينما كان الجيل السابق يضبط ساعته على موعد البرنامج، يكتفي الجيل الحالي بإضافة الحلقة الى "قائمة الانتظار" ليسمعها أو يشاهدها عندما يتسنّى له ذلك، غالبا عبر سمّاعات الأذن الفردية، منعزلا عن السّياق المجتمعي الذي كان سائدا في الماضي.

الإذاعة والصفقة الفاوستية

من يلحق من؟ .. بين منطق الجمهور في التقاط ما فاته من بثّ على الأثير عبر المنصّات الرّقميّة، وانخراط الإذاعات في رحلة يومية عبر هذه المنصّات لأجل اللحاق بالمتلقي - خاصة وأنّ السوشيال ميديا توفّر نسب متابعة وتفاعل أعلى دون الحاجة إلى شراء ذبذبات أو المرور بديوان إرسال أو غيره للوصول إلى الجمهور في أيّ مكان من العالم- تختزل التكنولوجيا الحدود الجغرافيّة وتلعب على وتر الانتشار الممكن عبر كبسة زرّ في صفقة شبيهة بـ "الصفقة الفاوستية".

ولفهم تشبيه "صفقة" الإذاعة مع المنصّات الرّقمية بالصفقة الفاوستية نعود إلى أصل الأسطورة التي أشار إليها بوستمانPOSTMAN  في كتابه المرجعي "تكنوبولي" (1992) حين باع "فاوست" روحه للشيطان "ميفيستوفيليس" مقابل المعرفة والقوة المطلقة. وبالنسبة للإذاعة، في عالمنا المعاصر، يبرز "ميفيستوفيليس" في شكل الخوارزميات والمنصات الرقمية الكبرى (ميتا، قوقل، تيك توك، ...) التي تقدم للإذاعة "عرضا لا يمكن رفضه: "السّيولة والانتشار المليوني العابر للحدود الجغرافيّة، والوصول اللحظي لكل مستخدم وأدوات تحليل بيانات تعد بفهم دقيق للجمهور.

فبعض الإذاعات التونسيّة تحصل على ملايين المتابعات لا لشيء إلاّ لأنها فهمت قواعد اللعبة فعدّلت محتوياتها على منصّات السوشيال ميديا لتكون "أكثر إثارة وسرعة" حتى لو تطلّب ذلك تبسيطا للمواضيع المعقّدة.

وسيط  استهلاكي

وكما في الأسطورة، فإنّ هذا الإغواء قد يأتي بثمن مؤجل. فمقابل مكسب القوة الاتصالية وتجاوز الحدود الجغرافية والتحوّل إلى "ترند"، تقايض الإذاعة "روحها" من واجهات عدة. فمن حيث الرّصانة والعمق يذهب التحليل المتأنّي ضحية سرعة التمرير(Scrolling).  ومن حيث الاستقلالية التحريريّة أصبحت خوارزميات المنصّات تتحكّم فيما يصل الى الجمهور، ومن حيث الهويّة الثقافية الخاصّة فقد فقدتها لصالح محتوى موحّد، أما عن علاقتها الحميميّة مع المستمع فقد تحوّلت الى "علاقة رقميّة باردة" تقاس بالإعجابات والمشاركات.

في ظلّ هذه المقايضة الوجوديّة بين "وقار الأثير" و"ضجيج المنصة"، قد تتحوّل الإذاعات من وسيط "تأمّلي" يبني الخيال إلى وسيط "استهلاكي" يتغذى على اللحظة، وهذا ما لاحظناه عندما تتحوّل بعض البرامج الحواريّة الجادّة إلى "فقرات سريعة" و"مثيرة"، لتضع قيم الإعلام الجاد في اختبار حقيقي أمام سطوة الترفيه الرقمي.

وهكذا فإنّ "ميفيستوفيليس الرقمي" يمنح الإذاعة "السيادة في الأرقام" (المتابعين، المشاهدات، التفاعلات)، لكنه قد ينتزع منها "السيادة في المحتوى" من حيث الجودة والعمق والرّصانة. وهنا يأتي السّؤال الحاسم: هل يمكن للإذاعات التّونسية أن تتفاوض مع "الشيطان الرّقمي" دون أن تبيع "روحها"؟

النجاة من "صفقة فاوست"

في هذه العمليّة التفاوضية تبرز "السيادة الجديدة" كطوق نجاة وذلك عبر تحوّل استراتيجي في علاقة الإذاعة مع المنظومة الرّقميّة لتنتقل من موقع التبعيّة الى موقع الفاعليّة الواعية. انّ الطوق الأمثل يبدأ بتوظيف التكنولوجيا كخادم ذكيّ من خلال تطوير أدوات تحليل بيانات محلّية لفهم الجمهور في سياقه الثّقافي وإنتاج محتوى "بطيء" عالي الجودة يعيد الاعتبار للعمق والتحليل في زمن السّرعة.

هذا الجهد لن يأتي بثماره دون استقلاليّة ماليّة تحمي الاستقلاليّة التحريريّة، فالخلاص من "صفقة فاوست" الرّقميّة يمرّ حتما بنماذج اقتصاديّة جديدة ومبتكرة ومسايرة للواقع الرّقمي لتجنّب الخضوع لمعايير "اقتصاد النّقرة" التي تقدّم "البوزbuzz" على الجوهر الجيّد.

وفي صلب هذا التحوّل، تأتي استراتيجيّة محتوى ذكيّة تستثمر الخصوصيّة الصّوتيّة للإذاعة (قوّة السّرد والحميميّة) لخلق برامج جديدة ومتخصّصة تنافس بميّزها المحلّي الضجيج السّطحي للمحتوى العالمي. وهذا ما يقود الى تحويل المتلقّي السّلبي الى عضو فاعل ومتفاعل بما من شأنه بناء ولاء نوعيّ يتجاوز تقلّبات الخوارزميّات.

إن التزام الإذاعة بهذه الخريطة من النقاط المتكاملة (التكنولوجيا الخادمة، والتمويل المستقل، والمحتوى الذكي، والمجتمع التفاعلي) هو طوقها نحو سيادة رقمية حقيقيّة، حيث لا ترفض إغراءات العصر بل تتفاوض معها من موقع القوّة، محافظة على "روحها" وهي تخترق عالم الشاشات لتظلّ صوتا يخلق المعنى في قلب الضجيج.

هذا المعنى نجد له مثالا نموذجيّا في صفحة بودكاست الإذاعة التونسيّة على اليوتيوب، محتوى ثريّ ومتنوّع يستند إلى أرشيف ثري، قد لا يتوفر مثله في بقية الإذاعات، بما يبرز أن هذه الوسيلة قادرة على الابتكار دون التفريط في جوهرها. غير أنّ نسب التفاعل تطرح أكثر من سؤال عن استراتيجيّة الإذاعة في تحوّلها الرّقمي وعن نموذجها الاقتصادي الذي يمثّل المحرّك الحيوي للبقاء والانتشار من عدمه في البيئة الرّقمية بعيدا عن "ريّع الأثير".

الإذاعة والهويّة.. عرش السيادة الرقمية

لنعد مرّة أخرى الى المقولات التي تنبّأت بانتهاء زمن الإذاعة. وبالتفكير في الموضوع تبدو الإجابة الأنسب

أن لهذه الوسيلة الإعلامية عوامل البقاء والاستمرارية، ولكن بالتكيف الدائم مع التجديد والوصول إلى تحديد هويتها.

ان التحدي الحقيقي لإذاعات اليوم، والإذاعة التونسيّة خصوصا لا يكمن فقط في المنافسة على الوصول الى شاشات الهواتف المحمولة، بل في ألا يتغير صوتها إلى صدى خافت في خضم الضجيج التي تحدثه الخوارزميات. فالمسألة لا تتعلّق بـ"سكب" المحتويات الأثيريّة على المنصّات بل بإعادة هندسة انتاجها عبرها في انسجام واضح مع منطق خوارزمياتها، بما يضمن لها التربّع على عرش السيادة الرقمية بواسطة سلطة الإعلام.

رأي/ الإذاعة التونسيّة وثمن السّيادة في قلب الضّجيج الرّقمي

"كلّ تكنولوجيا جديدة هي صفقة فاوستيّة... تعطينا شيئا وتأخذ منّا شيئا آخر"
                                                                   نيل بوستمان "تكنوبولي" 1992

 

 

بقلم د. حنان الملّيتي، أستاذة جامعيّة وباحثة في علوم الاعلام والاتصال

على عكس التنبؤات بـ"انقراضها"، تحتفل الإذاعة اليوم بعيد ميلادها العالمي الموافق لـ 13 فيفري من كلّ سنة، غير أنّ طعم أعيادها في السنوات القليلة الماضية تغيّر بعدما اخترقت "قطرة الحبر الرّقمية" كأسها ولوّنت بيئتها. فأيّ سيادة لها في عصر المنصّات الرّقمية؟

لكلّ تغيير ثمن

فرضت المنصّات الرّقميّة نفسها في عالم القنوات الاذاعيّة، فأصبح المحتوى الإذاعي يرافق التونسيّين في البيوت وفي السّيارات وفي عربات الميترو وغيرها من الأماكن... غير أنّ هذا التحوّل في "صيغة الاستهلاك" له متطلّباته وله ثمنه أيضا...  

فأيّ ثمن لهذه الرّحلة من "الأثير الأعمى" و"سحر الخيال" الى "الشّاشة الملوّنة"؟ وهل تخاطر الإذاعات التونسيّة ببيع "روحها" من رصانة وسحر وجودة محتوى لميفيستوفوليس الخوارزميّات في سبيل الحصول على الانتشار الواسع؟

كلّ هذه الأسئلة باتت اليوم محوريّة أثناء المقارنة بين ما كانت عليه الإذاعة وما هي عليه الآن بعد عدّة عقود من زمن وجودها.

عزلة السمّاعات

هل غاب زمن الإذاعة الجميل؟  لقد كانت برامج مثل "قافلة تسير" أو سلسلة "الحاج كلوف" أو "برنامج الأحد" للشّهير البشير رجب، وكثير سواها، مواعيد ثابتة وقارّة تنتظرها العائلة التونسية لتتجمّع حولها في شبه "طقوس" يوميّة أو أسبوعية. كان اللقاء يجمع جيل Y من العائلة الواحدة حول مائدة الاستماع لتلك البرامج بمثابة موعد مع المعرفة أو الترفيه، ما منحها قداسة اللحظة التي لا تعاد ولا تتكرّر. تعود هذه الذّكريات أثناء التنقّل بين المواقع الالكترونيّة وصفحات السوشيال ميديا ومنصّات البثّ الصوتي للإذاعات التونسية أين نرى إعادة تقسيم المحتوى الاذاعي فيما يشبه "عمليّة تحنيط رقمي" لينشر على المنصّات.  ما يمنح الجيل الحالي من المستمعين، وخاصة جيل z الفرصة للاستماع للإذاعة متى شاءوا وبأشكال شتّى: حلقات كاملة على يوتيوب، مقاطع قصيرة على "تيك توك"، بثّ مباشر على "فيسبوك"، وتغريدات على "اكس".

وهنا تكمن المفارقة، ما كان "حدثا جماعيّا" تحوّل الى "محتوى فردي لا زمني". فبينما كان الجيل السابق يضبط ساعته على موعد البرنامج، يكتفي الجيل الحالي بإضافة الحلقة الى "قائمة الانتظار" ليسمعها أو يشاهدها عندما يتسنّى له ذلك، غالبا عبر سمّاعات الأذن الفردية، منعزلا عن السّياق المجتمعي الذي كان سائدا في الماضي.

الإذاعة والصفقة الفاوستية

من يلحق من؟ .. بين منطق الجمهور في التقاط ما فاته من بثّ على الأثير عبر المنصّات الرّقميّة، وانخراط الإذاعات في رحلة يومية عبر هذه المنصّات لأجل اللحاق بالمتلقي - خاصة وأنّ السوشيال ميديا توفّر نسب متابعة وتفاعل أعلى دون الحاجة إلى شراء ذبذبات أو المرور بديوان إرسال أو غيره للوصول إلى الجمهور في أيّ مكان من العالم- تختزل التكنولوجيا الحدود الجغرافيّة وتلعب على وتر الانتشار الممكن عبر كبسة زرّ في صفقة شبيهة بـ "الصفقة الفاوستية".

ولفهم تشبيه "صفقة" الإذاعة مع المنصّات الرّقمية بالصفقة الفاوستية نعود إلى أصل الأسطورة التي أشار إليها بوستمانPOSTMAN  في كتابه المرجعي "تكنوبولي" (1992) حين باع "فاوست" روحه للشيطان "ميفيستوفيليس" مقابل المعرفة والقوة المطلقة. وبالنسبة للإذاعة، في عالمنا المعاصر، يبرز "ميفيستوفيليس" في شكل الخوارزميات والمنصات الرقمية الكبرى (ميتا، قوقل، تيك توك، ...) التي تقدم للإذاعة "عرضا لا يمكن رفضه: "السّيولة والانتشار المليوني العابر للحدود الجغرافيّة، والوصول اللحظي لكل مستخدم وأدوات تحليل بيانات تعد بفهم دقيق للجمهور.

فبعض الإذاعات التونسيّة تحصل على ملايين المتابعات لا لشيء إلاّ لأنها فهمت قواعد اللعبة فعدّلت محتوياتها على منصّات السوشيال ميديا لتكون "أكثر إثارة وسرعة" حتى لو تطلّب ذلك تبسيطا للمواضيع المعقّدة.

وسيط  استهلاكي

وكما في الأسطورة، فإنّ هذا الإغواء قد يأتي بثمن مؤجل. فمقابل مكسب القوة الاتصالية وتجاوز الحدود الجغرافية والتحوّل إلى "ترند"، تقايض الإذاعة "روحها" من واجهات عدة. فمن حيث الرّصانة والعمق يذهب التحليل المتأنّي ضحية سرعة التمرير(Scrolling).  ومن حيث الاستقلالية التحريريّة أصبحت خوارزميات المنصّات تتحكّم فيما يصل الى الجمهور، ومن حيث الهويّة الثقافية الخاصّة فقد فقدتها لصالح محتوى موحّد، أما عن علاقتها الحميميّة مع المستمع فقد تحوّلت الى "علاقة رقميّة باردة" تقاس بالإعجابات والمشاركات.

في ظلّ هذه المقايضة الوجوديّة بين "وقار الأثير" و"ضجيج المنصة"، قد تتحوّل الإذاعات من وسيط "تأمّلي" يبني الخيال إلى وسيط "استهلاكي" يتغذى على اللحظة، وهذا ما لاحظناه عندما تتحوّل بعض البرامج الحواريّة الجادّة إلى "فقرات سريعة" و"مثيرة"، لتضع قيم الإعلام الجاد في اختبار حقيقي أمام سطوة الترفيه الرقمي.

وهكذا فإنّ "ميفيستوفيليس الرقمي" يمنح الإذاعة "السيادة في الأرقام" (المتابعين، المشاهدات، التفاعلات)، لكنه قد ينتزع منها "السيادة في المحتوى" من حيث الجودة والعمق والرّصانة. وهنا يأتي السّؤال الحاسم: هل يمكن للإذاعات التّونسية أن تتفاوض مع "الشيطان الرّقمي" دون أن تبيع "روحها"؟

النجاة من "صفقة فاوست"

في هذه العمليّة التفاوضية تبرز "السيادة الجديدة" كطوق نجاة وذلك عبر تحوّل استراتيجي في علاقة الإذاعة مع المنظومة الرّقميّة لتنتقل من موقع التبعيّة الى موقع الفاعليّة الواعية. انّ الطوق الأمثل يبدأ بتوظيف التكنولوجيا كخادم ذكيّ من خلال تطوير أدوات تحليل بيانات محلّية لفهم الجمهور في سياقه الثّقافي وإنتاج محتوى "بطيء" عالي الجودة يعيد الاعتبار للعمق والتحليل في زمن السّرعة.

هذا الجهد لن يأتي بثماره دون استقلاليّة ماليّة تحمي الاستقلاليّة التحريريّة، فالخلاص من "صفقة فاوست" الرّقميّة يمرّ حتما بنماذج اقتصاديّة جديدة ومبتكرة ومسايرة للواقع الرّقمي لتجنّب الخضوع لمعايير "اقتصاد النّقرة" التي تقدّم "البوزbuzz" على الجوهر الجيّد.

وفي صلب هذا التحوّل، تأتي استراتيجيّة محتوى ذكيّة تستثمر الخصوصيّة الصّوتيّة للإذاعة (قوّة السّرد والحميميّة) لخلق برامج جديدة ومتخصّصة تنافس بميّزها المحلّي الضجيج السّطحي للمحتوى العالمي. وهذا ما يقود الى تحويل المتلقّي السّلبي الى عضو فاعل ومتفاعل بما من شأنه بناء ولاء نوعيّ يتجاوز تقلّبات الخوارزميّات.

إن التزام الإذاعة بهذه الخريطة من النقاط المتكاملة (التكنولوجيا الخادمة، والتمويل المستقل، والمحتوى الذكي، والمجتمع التفاعلي) هو طوقها نحو سيادة رقمية حقيقيّة، حيث لا ترفض إغراءات العصر بل تتفاوض معها من موقع القوّة، محافظة على "روحها" وهي تخترق عالم الشاشات لتظلّ صوتا يخلق المعنى في قلب الضجيج.

هذا المعنى نجد له مثالا نموذجيّا في صفحة بودكاست الإذاعة التونسيّة على اليوتيوب، محتوى ثريّ ومتنوّع يستند إلى أرشيف ثري، قد لا يتوفر مثله في بقية الإذاعات، بما يبرز أن هذه الوسيلة قادرة على الابتكار دون التفريط في جوهرها. غير أنّ نسب التفاعل تطرح أكثر من سؤال عن استراتيجيّة الإذاعة في تحوّلها الرّقمي وعن نموذجها الاقتصادي الذي يمثّل المحرّك الحيوي للبقاء والانتشار من عدمه في البيئة الرّقمية بعيدا عن "ريّع الأثير".

الإذاعة والهويّة.. عرش السيادة الرقمية

لنعد مرّة أخرى الى المقولات التي تنبّأت بانتهاء زمن الإذاعة. وبالتفكير في الموضوع تبدو الإجابة الأنسب

أن لهذه الوسيلة الإعلامية عوامل البقاء والاستمرارية، ولكن بالتكيف الدائم مع التجديد والوصول إلى تحديد هويتها.

ان التحدي الحقيقي لإذاعات اليوم، والإذاعة التونسيّة خصوصا لا يكمن فقط في المنافسة على الوصول الى شاشات الهواتف المحمولة، بل في ألا يتغير صوتها إلى صدى خافت في خضم الضجيج التي تحدثه الخوارزميات. فالمسألة لا تتعلّق بـ"سكب" المحتويات الأثيريّة على المنصّات بل بإعادة هندسة انتاجها عبرها في انسجام واضح مع منطق خوارزمياتها، بما يضمن لها التربّع على عرش السيادة الرقمية بواسطة سلطة الإعلام.