بقلم: د. حنان الملّيتي، أستاذة جامعيّة وباحثة في علوم الاعلام والاتّصال
لطالما كانت الإذاعة الحاضر الخاصّ في تفاصيل حياتي وأفترض أنها كذلك في حياة الكثير منكم، ذلك الصوت الذي لا يمكن رؤيته لكنه لا يغيب إلاّ حين نضغط على زر "إيقاف"، فالجهاز العجيب كان رفيق الآلاف والملايين في زمن تعود فيه الجمهور على متابعة الأخبار ومواكبة الشأن العام في تونس والاستمتاع بالأغاني لكن عبر الأثير.
الإذاعة تُسمع أم تُرى؟
ماذا تغيّر اليوم مع صوت المذياع؟ سؤال تبادر للذهن تحديدا وأنا في الطريق إلى مكان العمل، كنت استمع إلى أحد المذيعين في إحدى الاذاعات الأكثر استماعا لدى الجمهور في تونس، بمناسبة نهائيات كأس أمم افريقيا الأخيرة، وخلال تفاعله مع لقطة من لقطات المباراة، دعا المستمعين إلى مشاهدتها مباشرة على صفحة الإذاعة على منصة "فيسبوك"، قبل أن يطلب من مُعدّة البرنامج البحث عن لقطة أخرى وإعادة نشرها، حتى يتأكد المتابعون من فهم مقصده من التّعليق عليها.
بعيدا عن المستطيل الأخضر والكرة المستديرة، قفزت لذهني عدة أسئلة تبدو أنها مشروعة: هل أصبح للإذاعة شاشة؟ وأي تحوّل هذا الذي تمرّ به هذه الوسيلة الإعلامية "المذياع"؟ خاصّة وأنها عُرفت تاريخيا بالصوت والصّدى، وعلينا نحن الجمهور الاستماع فقط، لكنها اليوم تستعين بالمرئي وبالإنترنت.
فهل نحن أمام خيار تحريري جديد، أم أمام مسار تغيّر رقمي بات حتميّة تفرضها التكنولوجيا، ونتاج عادات جديدة يشهدها الاستهلاك الإعلامي؟
الترانزستور والتيك توك... بين جيلين
هل فقدت الإذاعة سحر الخيال؟ ... لطالما كان "العمى" هو الخاصّية الجوهريّة والمميّزة للإذاعة، ومن هذه الصّفة تنبع صفاتها الأخرى المميّزة، فلغتها وغياب المحتوى المرئي يجبر جمهورها على توفير البيانات البصريّة بنفسه، فيتخيّل النصّ المسموع ويربطه بصور تبني له "استوديو" خاصّا به من نسج خياله. وهذا ما جعلها وسيطا حميميّا، ترافق مستمعيها في كلّ حين وآن ومكان.
غير أنّ شباب اليوم، جيل "زاد" و"ألفا"، له نمط حياة مختلف ومنطق استماع مخالف. هو شباب نشأ زمن "الهواتف الذكية" و"اللوحات الرّقمية" و"الآيباد" والـ "IPTV" وليس لديه من لا من "الخيال" ولا من "الصبر" ولا من "الوقت" الكثير. هو جيل متعجّل يهوى "الصّورة" كما "الاختصار"، وما لا يرى بالنسبة اليه غير موجود. فهل على الإذاعة مسايرة هذا الواقع والخروج من "عتمتها" الى أضواء الكاميرات السّاطعة؟
الجمهور والتفاعل.. أرقام
تُشير الدّراسات والأرقام والاحصائيّات إلى أن ّزمن الاستماع التقليدي للإذاعة ولّى وانتهى. ويؤكّد أحد المنتجين المستقلّين في BBC في دراسة نشرت سنة 2018 إلى أن المزيد والمزيد من الناس يستمعون إلى الاذاعة عبر الإنترنت أو يستمعون بالطريقة التقليدية، لكن مع وجود جهاز لوحي إلى جانبهم". ففي بريطانيا مثلا 57 بالمائة من الاستماع الإذاعي في بريطانيا يحدث عبر المنصّات الرّقميّة، الأمر الذي جعل الإذاعة "أكثر تفاعليّة من أيّ وقت مضى" (1).
وفي تونس تظهر أرقام DataReportal لسنة 2025 (2) وجود 7.25 مليون هوية مستخدم نشط لوسائل التواصل الاجتماعي، أي ما يعادل 59% من إجمالي السكان و82.0 % ممّن يتجاوزون سنّ الـ 18 سنة.
استجابة لهذا الواقع المتحوّل، تنشر الإذاعات اليوم محتوياتها على المواقع الالكترونيّة ومنصّات السوشيال ميديا (فيسبوك، أنستغرام، تيك توك، اكس) وعلى منصّات البثّ الصوتي (يوتيوب، منصّات البودكاست)، بوتيرة وجودة تختلف من إذاعة الى أخرى. حيث استقرّت الكاميرات لتنقل ما يحدث في الأستوديوهات الإذاعيّة التي طالما تخيّل جمهورها أشكالها ومذيعيها. وتدمج أغلب المحطات الاذاعيّة اليوم، بما فيها التونسيّة (كما ذكرت في المثال بداية المقال)، المحتوى المرئي، كالفيديوهات والصّور والتعليقات الحيّة على وسائل التواصل الاجتماعي، ضمن تجربة الاستماع.
المرئيّات تعزّز "الاستماع الأعمى"
لا يتعلق الأمر بمجرد تحديث التكنولوجيا مثلما يقول مدير إذاعة البي بي سي، بل بـ"إعادة التفكير في الإنتاج" لتتلاءم مع الطبيعة البصرية للمنصات الرقمية" (3). فالمنتج الإذاعي اليوم مطالب بالتفكير في "كيفيّة توسيع وتعزيز التجربة السمعيّة عبر العناصر البصريّة مع الحفاظ على فعاليّة "الاستماع الأعمى" التقليدي" (4).
إنّ العمل على الإذاعة "كوسيط شاشي (شاشة)" (5) هو عمل مكمّل للعرض السّمعي، حيث يبقى البرنامج الإذاعي "الحدث الرّئيسي" والمرئيّات تعزّز وتوسّع التجربة".
وهكذا يمكن للمستمع/ المشاهد للإذاعة أن يستمع ويشاهد المحتوى الإذاعي كما يمكنه التعليق عليه عبر منصّات السّوشيال ميديا، بل يمكن للمذيع أن يتفاعل مع هذا التعليق ويدمجه ضمن البثّ المباشر للبرنامج في تجربة تواصل فريدة تتجاوز بسهولة المستمع السّلبي الى "مستهلك بصري منخرط في المحتوى" (6). وبالتالي، فإن المنصات الرقمية لم تلغِ "عمى" الإذاعة التقليدي، بل أضافت طبقة بصرية اختيارية تُثري التجربة دون أن تحل محل الوظيفة السمعية الأساسية.
وانطلاقاً مما سبق، غيّر دخول المنصّات الرّقمية على الخطّ، البيئة التقليديّة للإذاعة لصالح بيئة رقمية متفاعلة، فلم تعد الإذاعة مجرّد وسيلة خلفيّة يستمع إليها الناس أثناء العمل، بل أصبحت "بيئة رقمية" تتطلب الحضور البصري والتفاعل اللحظي.
يفرض هذا التغيير الإيكولوجي على الإذاعة دون شكّ، إعادة التفكير في "تشكيل متجدّد للذات، لتنتج محتوياتها وفق "منطق منصّاتي" جديد يخضع لخوارزميات المشاهدة الرّقمية.
حين يذوب "الحبر الرّقمي" في كأس الاذاعة
إنّ دخول المنصّات الرّقمية إلى "بيئة/ ايكولوجيا" الإذاعة لا يعدّ مجرّد إضافة رقميّة بسيطة للأثير، بل هو أشبه باستعارة المفكر الأمريكي نيل بوستمان (Neil Postman) الشهيرة والعميقة: "قطرة الحبر في كوب الماء". ففي علم الكيمياء والفيزياء، إذا أضفنا قطرة حبر إلى كوب من الماء الصافي، لن تكون النتيجة "كوب ماء + قطرة حبر"، بل نحن أمام "مادة جديدة تماماً" وهي ماء ملوّن بالكامل، حيث لا يمكن فصل الحبر عن الماء مرّة أخرى.
وهكذا، فالإذاعة اليوم لا تستخدم السوشيال ميديا كأداة فحسب، بل تندمج فيها في "تلوين للإيكولوجيا الاذاعية بأكملها"، فهي لا تستخدم فيسبوك أو أنستغرام أو تيك توك أو غيرها من المنصّات كأدوات خارجية، بل "تعيش" داخلها معلنة "مواطنتها" في "دولة المنصّات" تخضع لسيادتها وتلتزم بـ"خوارزميّاتها".
فعلى مستوى الهويّة لم يعد "الصوت الرّخيم" كافيا بل أصبحت "الصورة الجذّابة و"اللقطة القصيرة" هي التي تضمن الانتشار. أمّا على مستوى سطوة الخوارزميّة لم يعد المذيع هو "سيد الأثير" بل هناك "حارس بوّابة" جديد وغير مرئي يسمّى "الخوارزميّة" هي من تمنحه "تأشيرة المرور" إلى شاشات المستخدمين وتقرّر أنّ هذا المقطع الإذاعي سيصل إلى آلاف التونسيّين، بناء على قواعد التّفاعل البصري وليس فقط جودة المحتوى السّمعي.
الإذاعة لا تموت .. استمع وشاهد
عكس توقعات البعض بـ"موتها"، تُعيد الإذاعة اليوم تشكيل ذاتها لتنجو بمملكتها في بيئة رقميّة لا ترحم الغائبين عنها. وها هي ترافق المستمع -المشاهد بين تجربتين: الأثير والشّاشة، لتبقى "قطرة الحبر" الرّقميّة شاهدة على تحوّل وسيط لم يملّ من تجديد نفسه عبر الأجيال.
