- المدير العام للمعهد الوطني للتراث طارق البكوش لـ«الصباح»: «حماية الآثار الساحلية لا يمكن أن تتم دون حماية الشريط الساحلي في حدّ ذاته»
- أستاذ التعليم العالي في البيولوجيا وعلوم الأرض شكري يعيش لـ«الصباح»: «التعامل مع تداعيات المناخ يمرّ عبر حماية المناطق المعرّضة للفيضانات والعواصف الموجودة على السواحل وعلى ضفاف الأودية».
- الخبير في التغيرات المناخية مهدي العبدلي لـ«الصباح»: «تونس تمتلك نصوصا تراثية قائمة، لكنها تفتقر إلى بعد مناخي صريح».
لم تعد العواصف التي تضرب السواحل التونسية خلال فصل الشتاء مجرّد أحداث مناخية عابرة تُقاس بكمية التساقطات أو بقوة الرياح، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى لحظات كاشفة لاختلالات أعمق، تمتدّ آثارها من المجال البيئي إلى العمراني والثقافي، وتعيد طرح أسئلة جوهرية حول علاقة التونسيين ببحرهم وسواحلهم وذاكرتهم التاريخية. فالأمواج العاتية والتساقطات الاستثنائية التي شهدتها ولايتا نابل والمهدية يومي 19 و20 جانفي 2026 لم تخلّف فقط صور فيضانات وانجرافات وتصدّعات في البنية التحتية، بل من المحتمل أنّها كشفت عن طبقات من الذاكرة الأثرية كانت مطمورة، في انتظار ما ستفصح عنه الدراسات والبحوث، في مشهد يختزل مفارقة عميقة بين الاكتشاف والاندثار. غير أنّ هذا «الكشف» لم يكن نتيجة بحث أثري مخطّط أو حفريات علمية مبرمجة، بل جاء كأثر جانبي لانهيار التوازن بين اليابسة والبحر، وكعلامة على تسارع وتيرة التغيرات المناخية التي باتت تضرب الشريط الساحلي التونسي بوتيرة أشدّ وحدّة أكبر. فالآثار التي ظهرت إلى العلن لم «تخرج» بفعل المعرفة، بل انكشفت لأن الأرض تآكلت، ولأن البحر تقدّم خطوات إضافية نحو اليابسة، ما يفرض قراءة مختلفة لهذه الأحداث، تتجاوز منطق الاحتفاء بالاكتشاف إلى مساءلة الشروط التي أنتجته، والمخاطر التي تحيط به، وحدود قدرة الدولة والمجتمع على حماية ما كُشف قبل أن يبتلعه البحر من جديد.
في هذا السياق، تصبح السواحل فضاء هشّا تتقاطع فيه آثار التغيرات المناخية مع مصير التراث الثقافي، وتتحوّل فيه العواصف إلى فاعل مزدوج: تكشف وتدمّر في الآن ذاته. فهذه الاكتشافات، في انتظار تحديد قيمتها العلمية والتاريخية بدقّة، تطرح مفارقة لافتة، فهي من جهة تفتح آفاقا جديدة للبحث الأثري، وتعيد رسم خرائط الاستيطان البشري القديم على السواحل التونسية، لكنها من جهة أخرى تسلّط الضوء على هشاشة هذه المواقع أمام عوامل طبيعية متسارعة، وأمام تآكل متواصل للشريط الساحلي، ما يجعل من مسألة التدخّل العاجل ضرورة لا تقبل التأجيل.
هذا الجدل حول ما كشفته التساقطات الأخيرة في نابل والمهدية لا يمكن فصله عن سؤال أعمق يتجاوز لحظة الاكتشاف الظرفي، ليتصل مباشرة بتداعيات التغيرات المناخية على التراث الأثري، وخاصة على الشريط الساحلي التونسي الذي بات من أكثر المجالات هشاشة وتهديدا. وفي هذا الإطار، يربط المدير العام للمعهد الوطني للتراث طارق البكوش بشكل مباشر بين مصير الآثار، سواء التي عرّتها الفيضانات الأخيرة وفي انتظار إثباتها علميا أو المعروفة سابقا، وبين مصير الشريط الساحلي ككل، معتبرا أن أيّ مقاربة لحماية التراث لا يمكن أن تنجح إذا عُزلت عن حماية المجال الذي يحتضنه.
ويؤكّد البكوش أن «حماية الآثار، وخاصة الواقعة منها على الشريط الساحلي، لا يمكن أن تتم دون حماية هذا الشريط نفسه»، موضّحا أن المسألة تتجاوز تدخّلات جزئية أو عمليات ترميم معزولة لتدخل ضمن «مشروع كبير وواسع» انطلقت في تنفيذه الوكالة الوطنية لحماية الشريط الساحلي. ويحذّر في المقابل من منطق الحلول الترقيعية التي قد تبدو ناجعة على المدى القصير لكنها تظلّ هشّة أمام قوة الطبيعة، مذكّرا بأن «عاصفة بحرية واحدة قد تُنهي كل عمليات الترميم مهما بلغت كلفتها».
ويضع هذا التصريح الإصبع على أحد أكثر الإشكاليات تعقيدا في علاقة تونس بتراثها الساحلي، وهي محدودية إمكانيات التدخّل في ظلّ تزايد المخاطر. فالمعهد الوطني للتراث، وفق مديره العام، يعمل ضمن إمكانيات بشرية ومالية محدودة، شأنه شأن وزارة الشؤون الثقافية، وهو ما يجعل حماية المواقع الأثرية الساحلية تتطلب تنسيقا أوسع مع الهياكل البيئية والعمرانية، وهي عملية تندرج ضمن خيارات وطنية كبرى تتجاوز القطاع الثقافي بمفرده.
وفي ما يتعلّق بالاكتشافات الأخيرة، يدعو محدثنا إلى التريّث في تداول المعطيات، مشدّدا على أن تقييم قيمتها الأثرية لم يُحسم بعد، وأن فرقا مختصّة تعمل على عين المكان لتشخيص الوضع وتحديد طبيعة المواقع المكتشفة. كما ينبّه إلى أن الخطر لا يقتصر على العوامل الطبيعية، بل يشمل أيضا الاعتداءات البشرية، من حفر عشوائي وسرقات محتملة، خاصة في لحظات الانكشاف التي تكون فيها المواقع في أقصى درجات الهشاشة.
وتكتسي هذه التحذيرات أهمية إضافية إذا ما وُضعت في سياق المعطيات العلمية التي تشير إلى أن ما بين 30 و35 بالمائة من الشواطئ التونسية تعاني من الانجراف البحري، مع توقّعات بارتفاع مستوى سطح البحر بين 30 و50 سنتيمترا بحلول سنة 2050، وهو ما يجعل التراث الساحلي التونسي أمام لحظة حرجة، يتقاطع فيها الزمن الجيولوجي مع الزمن التاريخي، بين الكشف السريع والاندثار المحتمل.
ضمن هذا المشهد القاتم، يقدّم الخبير في التغيرات المناخية مهدي العبدلي قراءة أوسع للإطار الذي تتحرّك داخله هذه التحوّلات، مؤكّدا أن تونس تُصنّف من بين أكثر المناطق هشاشة في حوض البحر الأبيض المتوسط إزاء التغيرات المناخية، وأن ما تشهده السواحل اليوم ليس حدثا استثنائيا بل نتيجة مسار طويل من الاختلالات البيئية المتراكمة. ويوضّح العبدلي أن ارتفاع مستوى سطح البحر يعود أساسا إلى ذوبان الجليد على المستوى العالمي وإلى التمدّد الحراري لمياه البحر بفعل ارتفاع درجات الحرارة، في حين ينتج تآكل السواحل عن اشتداد العواصف البحرية وتغيّر اتجاه الأمواج وارتفاع قوتها، إضافة إلى نقص الرواسب بسبب السدود والتوسّع العمراني غير المتحكّم فيه.
ويشير إلى أن تونس تسجّل سنويا ارتفاعا في مستوى سطح البحر يتراوح بين 3 و4 مليمترات، وهو رقم قد يبدو محدودا في حدّ ذاته، لكنه يتحوّل إلى خطر حقيقي عندما يتزامن مع العواصف البحرية القوية، كما حدث خلال الشتاء الأخير. ويضيف أن المؤشّرات المسجّلة مقلقة، إذ تفقد بعض المناطق الساحلية ما بين 0.5 و1 مليمتر سنويا، وهو ما يضع مدنا ومواقع بأكملها في دائرة الخطر.
ويحدّد الباحث أكثر من 120 كيلومترا من السواحل التونسية المصنّفة ضمن المناطق عالية الهشاشة والأشدّ تضرّرا، من بينها قليبية وسواحل نابل والخليج الجنوبي لقرطاج وغار الملح، إضافة إلى جزر قرقنة وخليج قابس، وهي مناطق تتقاطع فيها الكثافة السكانية مع الثقل التاريخي والضغط البيئي، ما يجعل أيّ خلل فيها ذا تداعيات مركّبة.
وعلى مستوى التراث الأثري، يحذّر العبدلي من تهديد مباشر يطال مواقع تاريخية كبرى، على غرار قرطاج الأثرية، حيث يتواصل تآكل الشريط الساحلي وتسرّب الأملاح إلى داخل التربة، وهو ما يسرّع من تدهور المعالم. كما يلفت إلى المخاطر المحدقة بموقع كركوان الأثري المصنّف ضمن قائمة التراث العالمي، والذي قد يواجه في المستقبل خطر الغمر الجزئي أو حتى الكلي، إذا ما استمرّ النسق الحالي لارتفاع مستوى البحر.
ولا يقتصر الأمر، وفق الخبير، على هذه المواقع فحسب، إذ تشهد غار الملح بدورها تدهورا ملحوظا في الحصون والمنشآت التاريخية، فضلا عن مواقع أخرى بدأت تظهر أو تختفي بفعل العواصف البحرية المتكرّرة، في مشهد يعكس ديناميكية قاسية تتحكّم فيها الطبيعة أكثر ممّا تتحكّم فيها السياسات.
ويوضّح محدثنا أن من أبرز العوامل التي تساهم في تدمير المواقع الأثرية تسرّب المياه المالحة، الذي يؤدّي إلى تبلور الأملاح داخل الأحجار، ما يتسبّب في تفكّكها وتصدّعها، إلى جانب انجراف التربة الحاملة للمواقع الأثرية، وهي ظواهر أدّت في بعض الحالات إلى فقدان مواقع كاملة دون أن يتمّ توثيقها أو إنجاز الدراسات اللازمة بشأنها، ما يشكّل خسارة مزدوجة للمعرفة وللذاكرة.
غير أنّ الخطر المناخي، وفق العبدلي، لا يتفاقم فقط بفعل الطبيعة، بل أيضا بسبب قصور السياسات العمومية، إذ يلفت إلى غياب إدماج كاف لمسألتي تآكل السواحل وارتفاع مستوى البحر ضمن التخطيط العمراني وسياسات حماية التراث، ولا سيما المواقع الساحلية، فضلا عن ضعف حضور هذه المخاطر في استراتيجيات التكيّف المحلية. وعلى الصعيد القانوني، يوضّح أن تونس تمتلك نصوصا قائمة، لكنها تفتقر إلى بعد مناخي صريح، فمجلة حماية التراث لسنة 1994، رغم أهميتها، لم تتطرّق إلى التغيرات المناخية ولا إلى ارتفاع مستوى البحر أو تآكل السواحل، وهو ما يجعل هذه التهديدات غير معترف بها قانونيا ويكرّس الفصل بين البيئة والتراث.
ويضيف أن «قانون حماية الشريط الساحلي لسنة 1995 يتعامل مع الساحل بوصفه فضاء بيئيا فقط، دون ربط مباشر بين التآكل وفقدان المواقع الأثرية، ما يعكس غياب مقاربة شاملة للخطر المناخي في المنظومة التشريعية. وفي ظلّ هذا التشتّت، تصبح التدخّلات غالبا متأخّرة، تأتي بعد وقوع الكارثة لا قبلها، رغم التزامات تونس الدولية، ومنها اتفاقية اليونسكو لسنة 1972».
وفي قراءة مكمّلة لهذا المشهد، يلفت أستاذ التعليم العالي في البيولوجيا وعلوم الأرض الدكتور شكري يعيش إلى أن ما حدث، رغم قسوته، يحمل دلالات لافتة، معتبرا أن «ما نعيشه هو محنة، لكنها في الآن ذاته كشفت عن ثراء الأرض التونسية بالمخزون الأركيولوجي العائد إلى حضارات قديمة». غير أنّ هذا الجانب الإيجابي، وفق قوله، لا يجب أن يحجب حجم الخطر، بل يستوجب جدّية تامة من السلطات لتطويق المواقع التي برزت وحمايتها من السرقات والنهب، لأن لحظة الانكشاف هي أيضا لحظة هشاشة قصوى.
ويحذّر محدثنا من التعامل مع ما حصل باعتباره استثناءً، مؤكّدا أن «الطقس لن يعود كما كان في السابق»، وأن الأمطار الطوفانية والعواصف ستتكرّر بوتيرة أقرب، ما يفرض مراجعة جذرية لفلسفتنا في إدارة المدن والتهيئة العمرانية. ويشدّد على أن التعاطي مع تداعيات التغيرات المناخية يمرّ حتما عبر حماية المناطق المعرّضة للفيضانات والعواصف، وتشريك الخبراء، وتحديد دقيق للأماكن المتضرّرة، وتوسيع البحوث العلمية، ولا سيما في المناطق الساحلية وعلى ضفاف الأودية.
إن العواصف الأخيرة كشفت عن واقع مركّب يتداخل فيه المناخي بالأثري، والقانوني بالعمراني، لتضع التراث الساحلي التونسي أمام مفترق طرق حاسم: إمّا الانتقال إلى مقاربة استباقية متكاملة تعترف بالخطر المناخي وتدمجه في السياسات والقوانين، أو الاكتفاء بردود فعل متأخّرة قد تحوّل كل اكتشاف جديد إلى مجرّد شهادة إضافية على ما فُقد قبل أن يُنقذ.
إيمان عبد اللطيف
- المدير العام للمعهد الوطني للتراث طارق البكوش لـ«الصباح»: «حماية الآثار الساحلية لا يمكن أن تتم دون حماية الشريط الساحلي في حدّ ذاته»
- أستاذ التعليم العالي في البيولوجيا وعلوم الأرض شكري يعيش لـ«الصباح»: «التعامل مع تداعيات المناخ يمرّ عبر حماية المناطق المعرّضة للفيضانات والعواصف الموجودة على السواحل وعلى ضفاف الأودية».
- الخبير في التغيرات المناخية مهدي العبدلي لـ«الصباح»: «تونس تمتلك نصوصا تراثية قائمة، لكنها تفتقر إلى بعد مناخي صريح».
لم تعد العواصف التي تضرب السواحل التونسية خلال فصل الشتاء مجرّد أحداث مناخية عابرة تُقاس بكمية التساقطات أو بقوة الرياح، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى لحظات كاشفة لاختلالات أعمق، تمتدّ آثارها من المجال البيئي إلى العمراني والثقافي، وتعيد طرح أسئلة جوهرية حول علاقة التونسيين ببحرهم وسواحلهم وذاكرتهم التاريخية. فالأمواج العاتية والتساقطات الاستثنائية التي شهدتها ولايتا نابل والمهدية يومي 19 و20 جانفي 2026 لم تخلّف فقط صور فيضانات وانجرافات وتصدّعات في البنية التحتية، بل من المحتمل أنّها كشفت عن طبقات من الذاكرة الأثرية كانت مطمورة، في انتظار ما ستفصح عنه الدراسات والبحوث، في مشهد يختزل مفارقة عميقة بين الاكتشاف والاندثار. غير أنّ هذا «الكشف» لم يكن نتيجة بحث أثري مخطّط أو حفريات علمية مبرمجة، بل جاء كأثر جانبي لانهيار التوازن بين اليابسة والبحر، وكعلامة على تسارع وتيرة التغيرات المناخية التي باتت تضرب الشريط الساحلي التونسي بوتيرة أشدّ وحدّة أكبر. فالآثار التي ظهرت إلى العلن لم «تخرج» بفعل المعرفة، بل انكشفت لأن الأرض تآكلت، ولأن البحر تقدّم خطوات إضافية نحو اليابسة، ما يفرض قراءة مختلفة لهذه الأحداث، تتجاوز منطق الاحتفاء بالاكتشاف إلى مساءلة الشروط التي أنتجته، والمخاطر التي تحيط به، وحدود قدرة الدولة والمجتمع على حماية ما كُشف قبل أن يبتلعه البحر من جديد.
في هذا السياق، تصبح السواحل فضاء هشّا تتقاطع فيه آثار التغيرات المناخية مع مصير التراث الثقافي، وتتحوّل فيه العواصف إلى فاعل مزدوج: تكشف وتدمّر في الآن ذاته. فهذه الاكتشافات، في انتظار تحديد قيمتها العلمية والتاريخية بدقّة، تطرح مفارقة لافتة، فهي من جهة تفتح آفاقا جديدة للبحث الأثري، وتعيد رسم خرائط الاستيطان البشري القديم على السواحل التونسية، لكنها من جهة أخرى تسلّط الضوء على هشاشة هذه المواقع أمام عوامل طبيعية متسارعة، وأمام تآكل متواصل للشريط الساحلي، ما يجعل من مسألة التدخّل العاجل ضرورة لا تقبل التأجيل.
هذا الجدل حول ما كشفته التساقطات الأخيرة في نابل والمهدية لا يمكن فصله عن سؤال أعمق يتجاوز لحظة الاكتشاف الظرفي، ليتصل مباشرة بتداعيات التغيرات المناخية على التراث الأثري، وخاصة على الشريط الساحلي التونسي الذي بات من أكثر المجالات هشاشة وتهديدا. وفي هذا الإطار، يربط المدير العام للمعهد الوطني للتراث طارق البكوش بشكل مباشر بين مصير الآثار، سواء التي عرّتها الفيضانات الأخيرة وفي انتظار إثباتها علميا أو المعروفة سابقا، وبين مصير الشريط الساحلي ككل، معتبرا أن أيّ مقاربة لحماية التراث لا يمكن أن تنجح إذا عُزلت عن حماية المجال الذي يحتضنه.
ويؤكّد البكوش أن «حماية الآثار، وخاصة الواقعة منها على الشريط الساحلي، لا يمكن أن تتم دون حماية هذا الشريط نفسه»، موضّحا أن المسألة تتجاوز تدخّلات جزئية أو عمليات ترميم معزولة لتدخل ضمن «مشروع كبير وواسع» انطلقت في تنفيذه الوكالة الوطنية لحماية الشريط الساحلي. ويحذّر في المقابل من منطق الحلول الترقيعية التي قد تبدو ناجعة على المدى القصير لكنها تظلّ هشّة أمام قوة الطبيعة، مذكّرا بأن «عاصفة بحرية واحدة قد تُنهي كل عمليات الترميم مهما بلغت كلفتها».
ويضع هذا التصريح الإصبع على أحد أكثر الإشكاليات تعقيدا في علاقة تونس بتراثها الساحلي، وهي محدودية إمكانيات التدخّل في ظلّ تزايد المخاطر. فالمعهد الوطني للتراث، وفق مديره العام، يعمل ضمن إمكانيات بشرية ومالية محدودة، شأنه شأن وزارة الشؤون الثقافية، وهو ما يجعل حماية المواقع الأثرية الساحلية تتطلب تنسيقا أوسع مع الهياكل البيئية والعمرانية، وهي عملية تندرج ضمن خيارات وطنية كبرى تتجاوز القطاع الثقافي بمفرده.
وفي ما يتعلّق بالاكتشافات الأخيرة، يدعو محدثنا إلى التريّث في تداول المعطيات، مشدّدا على أن تقييم قيمتها الأثرية لم يُحسم بعد، وأن فرقا مختصّة تعمل على عين المكان لتشخيص الوضع وتحديد طبيعة المواقع المكتشفة. كما ينبّه إلى أن الخطر لا يقتصر على العوامل الطبيعية، بل يشمل أيضا الاعتداءات البشرية، من حفر عشوائي وسرقات محتملة، خاصة في لحظات الانكشاف التي تكون فيها المواقع في أقصى درجات الهشاشة.
وتكتسي هذه التحذيرات أهمية إضافية إذا ما وُضعت في سياق المعطيات العلمية التي تشير إلى أن ما بين 30 و35 بالمائة من الشواطئ التونسية تعاني من الانجراف البحري، مع توقّعات بارتفاع مستوى سطح البحر بين 30 و50 سنتيمترا بحلول سنة 2050، وهو ما يجعل التراث الساحلي التونسي أمام لحظة حرجة، يتقاطع فيها الزمن الجيولوجي مع الزمن التاريخي، بين الكشف السريع والاندثار المحتمل.
ضمن هذا المشهد القاتم، يقدّم الخبير في التغيرات المناخية مهدي العبدلي قراءة أوسع للإطار الذي تتحرّك داخله هذه التحوّلات، مؤكّدا أن تونس تُصنّف من بين أكثر المناطق هشاشة في حوض البحر الأبيض المتوسط إزاء التغيرات المناخية، وأن ما تشهده السواحل اليوم ليس حدثا استثنائيا بل نتيجة مسار طويل من الاختلالات البيئية المتراكمة. ويوضّح العبدلي أن ارتفاع مستوى سطح البحر يعود أساسا إلى ذوبان الجليد على المستوى العالمي وإلى التمدّد الحراري لمياه البحر بفعل ارتفاع درجات الحرارة، في حين ينتج تآكل السواحل عن اشتداد العواصف البحرية وتغيّر اتجاه الأمواج وارتفاع قوتها، إضافة إلى نقص الرواسب بسبب السدود والتوسّع العمراني غير المتحكّم فيه.
ويشير إلى أن تونس تسجّل سنويا ارتفاعا في مستوى سطح البحر يتراوح بين 3 و4 مليمترات، وهو رقم قد يبدو محدودا في حدّ ذاته، لكنه يتحوّل إلى خطر حقيقي عندما يتزامن مع العواصف البحرية القوية، كما حدث خلال الشتاء الأخير. ويضيف أن المؤشّرات المسجّلة مقلقة، إذ تفقد بعض المناطق الساحلية ما بين 0.5 و1 مليمتر سنويا، وهو ما يضع مدنا ومواقع بأكملها في دائرة الخطر.
ويحدّد الباحث أكثر من 120 كيلومترا من السواحل التونسية المصنّفة ضمن المناطق عالية الهشاشة والأشدّ تضرّرا، من بينها قليبية وسواحل نابل والخليج الجنوبي لقرطاج وغار الملح، إضافة إلى جزر قرقنة وخليج قابس، وهي مناطق تتقاطع فيها الكثافة السكانية مع الثقل التاريخي والضغط البيئي، ما يجعل أيّ خلل فيها ذا تداعيات مركّبة.
وعلى مستوى التراث الأثري، يحذّر العبدلي من تهديد مباشر يطال مواقع تاريخية كبرى، على غرار قرطاج الأثرية، حيث يتواصل تآكل الشريط الساحلي وتسرّب الأملاح إلى داخل التربة، وهو ما يسرّع من تدهور المعالم. كما يلفت إلى المخاطر المحدقة بموقع كركوان الأثري المصنّف ضمن قائمة التراث العالمي، والذي قد يواجه في المستقبل خطر الغمر الجزئي أو حتى الكلي، إذا ما استمرّ النسق الحالي لارتفاع مستوى البحر.
ولا يقتصر الأمر، وفق الخبير، على هذه المواقع فحسب، إذ تشهد غار الملح بدورها تدهورا ملحوظا في الحصون والمنشآت التاريخية، فضلا عن مواقع أخرى بدأت تظهر أو تختفي بفعل العواصف البحرية المتكرّرة، في مشهد يعكس ديناميكية قاسية تتحكّم فيها الطبيعة أكثر ممّا تتحكّم فيها السياسات.
ويوضّح محدثنا أن من أبرز العوامل التي تساهم في تدمير المواقع الأثرية تسرّب المياه المالحة، الذي يؤدّي إلى تبلور الأملاح داخل الأحجار، ما يتسبّب في تفكّكها وتصدّعها، إلى جانب انجراف التربة الحاملة للمواقع الأثرية، وهي ظواهر أدّت في بعض الحالات إلى فقدان مواقع كاملة دون أن يتمّ توثيقها أو إنجاز الدراسات اللازمة بشأنها، ما يشكّل خسارة مزدوجة للمعرفة وللذاكرة.
غير أنّ الخطر المناخي، وفق العبدلي، لا يتفاقم فقط بفعل الطبيعة، بل أيضا بسبب قصور السياسات العمومية، إذ يلفت إلى غياب إدماج كاف لمسألتي تآكل السواحل وارتفاع مستوى البحر ضمن التخطيط العمراني وسياسات حماية التراث، ولا سيما المواقع الساحلية، فضلا عن ضعف حضور هذه المخاطر في استراتيجيات التكيّف المحلية. وعلى الصعيد القانوني، يوضّح أن تونس تمتلك نصوصا قائمة، لكنها تفتقر إلى بعد مناخي صريح، فمجلة حماية التراث لسنة 1994، رغم أهميتها، لم تتطرّق إلى التغيرات المناخية ولا إلى ارتفاع مستوى البحر أو تآكل السواحل، وهو ما يجعل هذه التهديدات غير معترف بها قانونيا ويكرّس الفصل بين البيئة والتراث.
ويضيف أن «قانون حماية الشريط الساحلي لسنة 1995 يتعامل مع الساحل بوصفه فضاء بيئيا فقط، دون ربط مباشر بين التآكل وفقدان المواقع الأثرية، ما يعكس غياب مقاربة شاملة للخطر المناخي في المنظومة التشريعية. وفي ظلّ هذا التشتّت، تصبح التدخّلات غالبا متأخّرة، تأتي بعد وقوع الكارثة لا قبلها، رغم التزامات تونس الدولية، ومنها اتفاقية اليونسكو لسنة 1972».
وفي قراءة مكمّلة لهذا المشهد، يلفت أستاذ التعليم العالي في البيولوجيا وعلوم الأرض الدكتور شكري يعيش إلى أن ما حدث، رغم قسوته، يحمل دلالات لافتة، معتبرا أن «ما نعيشه هو محنة، لكنها في الآن ذاته كشفت عن ثراء الأرض التونسية بالمخزون الأركيولوجي العائد إلى حضارات قديمة». غير أنّ هذا الجانب الإيجابي، وفق قوله، لا يجب أن يحجب حجم الخطر، بل يستوجب جدّية تامة من السلطات لتطويق المواقع التي برزت وحمايتها من السرقات والنهب، لأن لحظة الانكشاف هي أيضا لحظة هشاشة قصوى.
ويحذّر محدثنا من التعامل مع ما حصل باعتباره استثناءً، مؤكّدا أن «الطقس لن يعود كما كان في السابق»، وأن الأمطار الطوفانية والعواصف ستتكرّر بوتيرة أقرب، ما يفرض مراجعة جذرية لفلسفتنا في إدارة المدن والتهيئة العمرانية. ويشدّد على أن التعاطي مع تداعيات التغيرات المناخية يمرّ حتما عبر حماية المناطق المعرّضة للفيضانات والعواصف، وتشريك الخبراء، وتحديد دقيق للأماكن المتضرّرة، وتوسيع البحوث العلمية، ولا سيما في المناطق الساحلية وعلى ضفاف الأودية.
إن العواصف الأخيرة كشفت عن واقع مركّب يتداخل فيه المناخي بالأثري، والقانوني بالعمراني، لتضع التراث الساحلي التونسي أمام مفترق طرق حاسم: إمّا الانتقال إلى مقاربة استباقية متكاملة تعترف بالخطر المناخي وتدمجه في السياسات والقوانين، أو الاكتفاء بردود فعل متأخّرة قد تحوّل كل اكتشاف جديد إلى مجرّد شهادة إضافية على ما فُقد قبل أن يُنقذ.