اتخذ يوم الجمعة الماضي والي تونس عماد بوخريص قرارًا بإخلاء جميع البنايات المتداعية للسقوط، خلال إشرافه على جلسة عمل اللجنة الجهوية لتفادي الكوارث ومجابهتها. وتم في الاجتماع نفسه تكليف المعتمدين بإحداث لجان خاصة بتنفيذ قرارات الهدم بالتنسيق مع الإدارات المعنية بهذا الملف.
وتأتي هذه الجلسة، التي انعقدت بمقرّ ولاية تونس، على إثر التقلّبات المناخية الأخيرة التي أدّت إلى تضرّر عدد من البنايات وتراكم المياه في مناطق كثيرة، كما تهدف إلى التوقّي من المخاطر المحتملة والناجمة عن التقلّبات المناخية المتواصلة خلال الأيام القادمة. وقد أدّت هذه التقلّبات إلى انهيار خمس بنايات متداعية للسقوط في منطقة باب سويقة، مع وجود ثلاث بنايات أخرى مهدّدة، ناهيك عن أن تصريحات سابقة لمسؤولين في بلدية تونس تشير إلى وجود حوالي 1800 مبنى آيل للسقوط ضمن المرجع الترابي لبلدية تونس. وتتركّز أغلب هذه البنايات في المدينة العتيقة، حيث تم تصنيف 513 منها كخطر وشيك، مع صدور قرارات سابقة بإخلاء عدد منها وتوفير إيواء مؤقّت لمتساكنيها. وتتركّز أغلب هذه البنايات المهدّدة بالسقوط في باب سويقة وباب بحر والمدينة العتيقة وحلق الوادي والمرسى. وفي سنة 2024 صدر القانون عدد 33 المتعلّق بالبنايات المتداعية للسقوط، الذي يحدّد إجراءات التدخّل والمعاينة والإخلاء، وينصّ على عقوبات ضدّ المتسبّبين في تدهور حالة البنايات التي تعود أسبابها إلى التقلّبات المناخية من أمطار ورياح، إضافة إلى قِدم هذه البنايات ونقص صيانتها على مدى العقود الماضية.
واليوم بات لزامًا تنفيذ قرارات الإخلاء والالتزام بما يقرّه القانون، وإيجاد حلّ لمتساكني تلك البنايات إن لم تكن شاغرة، من خلال تمكينهم من مساكن إيواء ولو مؤقّتة إلى حين إيجاد حلّ نهائي، باعتبار أن تواصل التقلّبات المناخية يمكن أن يؤدّي إلى التسريع في انهيارها ومضاعفة خطورتها على حياة متساكنيها.
إخلاء مبانٍ مهدّدة بالسقوط
أعلنت بلدية سيدي بوسعيد، أمس، عن إخلاء ثمانية عقارات فقط تمت معاينتها وتحديدها من قبل مصالح الديوان الوطني للحماية المدنية، وذلك تنفيذًا لقرار الإخلاء الذي أوصت اللجنة الجهوية لتفادي الكوارث ومجابهتها وتنظيم النجدة البلدية باتخاذه. وأكّدت البلدية، في بلاغ لها، أن هذا الإخلاء سيكون وقتيًّا.
وخلال الاجتماع الذي عقده والي تونس مع اللجنة الجهوية لمجابهة الكوارث، تم التطرّق إلى وضعية هضبة سيدي بوسعيد، والتوصية بمنع صعود الحافلات والشاحنات الثقيلة إلى مأوى سيدي عزيزي بداية من اليوم الأحد، ودعوة بلدية المكان إلى إصدار قرارات إخلاء للمساكن التي تنذر بالخطر، مع إنذار بقية متساكني العقارات المجاورة بوجوب توخّي أقصى درجات الحذر، وإعلام البلدية حال معاينة أو اكتشاف أي تصدّعات.
كما تمت دعوة اللجنة المختصّة بوزارة الفلاحة، والمكلّفة بملف الهضبة بسيدي بوسعيد، إلى المتابعة الفورية لوضعية الهضبة ومدّ اللجنة الجهوية بجميع المقترحات. ودعا والي تونس كذلك إلى مضاعفة الجهود لتدارك بعض النقائص والإشكاليات المطروحة، والإسراع باستكمال عمليات جهر وتنظيف البالوعات وأحواض تجميع مياه الأمطار ومجاري تصريف المياه والمنشآت المائية ومخارج المياه نحو البحر ونحو سبخة السيجومي، إلى جانب ضرورة الإحاطة بالفئات الهشّة وضعاف الحال.
وكان مدير البناء ببلدية تونس، مرشد بصلي، قد أكّد خلال شهر أفريل الماضي، وفي تصريحات إعلامية، أنه منذ صدور القانون المتعلّق بالبنايات المتداعية للسقوط، قامت البلدية بإعادة الجرد وإجراء المعاينات اللازمة تحت إشراف السلط المحلية والجهوية والولاية، وحدّدت 1100 بناية مصنّفة كخطر وشيك أو مؤكّد. كما أشار إلى أن عدد البنايات التي تمثّل خطرًا أكيدًا حسب تصنيف القانون، وتتطلّب إجراءات وقائية استعجالية، يبلغ 513 بناية، أغلبها بالمدينة العتيقة وباب بحر.
مراجعة التهيئة العمرانية
وأصبحت مراجعة التهيئة الترابية والعمرانية للبلاد التونسية موضوعًا يفرض نفسه اليوم لعدّة أسباب، منها الطبيعية والمناخية والاجتماعية والاقتصادية. وقد أعلن وزير التجهيز والإسكان صلاح الزواري، منذ أشهر، عن انطلاق المرحلة الثالثة من إعداد المثال التوجيهي لتهيئة التراب الوطني وفق استراتيجية تعمل عليها الوزارة. كما أكّد الوزير أنه سيتم إصدار مجلة جديدة للتهيئة الترابية خلال الأشهر القادمة، وهو إجراء ضروري كان مطلبًا لعديد المختصّين.
ويعود أساس هذا المطلب، وفق مختصّين في مجالات مختلفة، إلى كون تونس معنيّة أكثر بالكوارث الطبيعية ذات العلاقة بالتغيّر المناخي، على غرار الفيضانات والشحّ المائي المؤدّي إلى الجفاف، بما يفرض مراجعة ضرورية لمثال التهيئة العمرانية لكل المدن التونسية، كما تفعل جلّ البلدان التي تحاول دائمًا التأقلم عمرانيًا مع التغيّرات المناخية التي تعصف بالعالم خلال العقود الأخيرة.
وتمثّل التهيئة الترابية عملية تنظيم للمجال الجغرافي وطنيًا وجهويًا ومحليًا، من خلال اتخاذ إجراءات وفق توجّهات تهدف إلى تحقيق التوازن بين الأنشطة المختلفة وتلبية الاحتياجات التنموية للمواطنين، مع مراعاة الخصوصيات البيئية والعمرانية والتنموية.
ويُعدّ هذا المثال وثيقة استراتيجية ترسم التوجّهات الكبرى للخطة المستقبلية في ما يتعلّق باستعمال المجال الترابي وتوظيفه بأفضل السبل، وتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والتنموية إلى حدود أفق 2050. وسيُعدّ هذا المثال مرجعًا أساسيًا لكل المخطّطات التنموية مستقبلًا، وإطارًا يُعتمد عليه عند إعداد المشاريع الوطنية والجهوية القادمة. وكان آخر مثال توجيهي اعتمدته تونس يعود إعداده إلى سنة 2007، غير أن التغيّرات الكبيرة التي شهدتها البلاد اقتصاديًا واجتماعيًا وبيئيًا جعلت من الضروري اليوم تحيين هذا المثال بما يستجيب للحاجيات والاحتياجات الراهنة.
التغيّرات المناخية والتهيئة العمرانية
وقد نظّمت مدينة العلوم، منذ حوالي سنة، ندوة علمية حول ضرورة مراجعة مجلة التهيئة العمرانية والتصرّف في المجال الترابي الوطني، حيث دعا مختصّون في العلوم الطبيعية إلى ضرورة مراجعة مثال التهيئة العمرانية بالمدن التونسية من أجل الصمود أمام الكوارث الطبيعية، في ظل تنامي هذه الكوارث حول العالم خلال السنوات العشر الأخيرة، والمرتبطة بالتغيّر المناخي.
وأكّدت الجمعية الإفريقية للجغرافيا الرقمية، من خلال ممثليها في هذه الندوة، أن خلق مدن أكثر استدامة وقدرة على مجابهة الكوارث الطبيعية يتطلّب تضافر جهود جميع المتدخّلين، من مواطنين ومنظمات مجتمع مدني مختصّة ووزارات التجهيز والبيئة والفلاحة، فضلًا عن الوكالة التونسية للتعمير وغيرها.
كما يتطلّب ذلك تخصيص عدد هام من الفضاءات الخضراء في المدن، والحفاظ على الغابات والحدائق، إلى جانب الدعوة إلى تركيز أكبر عدد ممكن من حدائق الأمطار التي يقع تصميمها في بعض الفضاءات العامة أو على أسطح المنازل، بهدف تخزين مياه الأمطار والحدّ من تداعيات الفيضانات.
ومنذ سنة 2022، شرعت وزارة التجهيز والإسكان في مراجعة قواعد التعمير والتهيئة الترابية للقيام بالإصلاحات الضرورية وتطوير الآليات التشريعية لتحقيق تهيئة وتنمية ترابية وعمرانية مستدامة، وذلك بالاشتغال على جملة من المحاور، أهمها مراجعة مجلة التهيئة الترابية والتعمير، وإعداد المثال التوجيهي لتهيئة التراب الوطني، إضافة إلى تعزيز التأقلم مع التغيّرات المناخية والتخفيض في نسبة انبعاثات الغازات، من خلال تطوير استراتيجية تدخّل الوكالة العقارية للسكنى، واعتماد مبادئ وأسس التنمية المستدامة في تهيئة المشاريع السكنية المستقبلية، بما يحسّن استخدام واستغلال الموارد الطبيعية والمدّخرات العقارية.
وفي هذا الإطار يندرج مشروع الحي الإيكولوجي بحدائق تونس، الذي شرعت الوكالة العقارية للسكنى، بالتعاون مع الوكالة الفرنسية للتنمية، في إعداد تصوّر لإنجازه، يعتمد أساسًا على تثمين الموارد الطبيعية المتوفّرة بالمواقع المعنية، ورسكلة وتثمين النفايات والمياه. وقد تمت برمجة تنفيذه على مساحة 73 هكتارًا في إطار المثال التفصيلي للمشروع العمراني «حدائق تونس».
وتكتسي مراجعة أمثلة التهيئة الترابية ومجال التعمير أهمية بالغة، بالنظر إلى التحدّيات البيئية الناجمة عن المخاطر المرتبطة بتغيّر المناخ، وذلك من خلال العمل على إنجاز مدن نظيفة ومستدامة وآمنة وصامدة، إضافة إلى توفير السكن اللائق لكل الفئات الاجتماعية، وخاصة منها محدودة الدخل.
وخلال السنتين الماضيتين، تمت المصادقة على أكثر من 40 دراسة للتهيئة العمرانية من جملة أكثر من 50 دراسة استوفت جميع الإجراءات، وذلك عند صدور الأمر الحكومي عدد 926 لسنة 2020.
منية العرفاوي
اتخذ يوم الجمعة الماضي والي تونس عماد بوخريص قرارًا بإخلاء جميع البنايات المتداعية للسقوط، خلال إشرافه على جلسة عمل اللجنة الجهوية لتفادي الكوارث ومجابهتها. وتم في الاجتماع نفسه تكليف المعتمدين بإحداث لجان خاصة بتنفيذ قرارات الهدم بالتنسيق مع الإدارات المعنية بهذا الملف.
وتأتي هذه الجلسة، التي انعقدت بمقرّ ولاية تونس، على إثر التقلّبات المناخية الأخيرة التي أدّت إلى تضرّر عدد من البنايات وتراكم المياه في مناطق كثيرة، كما تهدف إلى التوقّي من المخاطر المحتملة والناجمة عن التقلّبات المناخية المتواصلة خلال الأيام القادمة. وقد أدّت هذه التقلّبات إلى انهيار خمس بنايات متداعية للسقوط في منطقة باب سويقة، مع وجود ثلاث بنايات أخرى مهدّدة، ناهيك عن أن تصريحات سابقة لمسؤولين في بلدية تونس تشير إلى وجود حوالي 1800 مبنى آيل للسقوط ضمن المرجع الترابي لبلدية تونس. وتتركّز أغلب هذه البنايات في المدينة العتيقة، حيث تم تصنيف 513 منها كخطر وشيك، مع صدور قرارات سابقة بإخلاء عدد منها وتوفير إيواء مؤقّت لمتساكنيها. وتتركّز أغلب هذه البنايات المهدّدة بالسقوط في باب سويقة وباب بحر والمدينة العتيقة وحلق الوادي والمرسى. وفي سنة 2024 صدر القانون عدد 33 المتعلّق بالبنايات المتداعية للسقوط، الذي يحدّد إجراءات التدخّل والمعاينة والإخلاء، وينصّ على عقوبات ضدّ المتسبّبين في تدهور حالة البنايات التي تعود أسبابها إلى التقلّبات المناخية من أمطار ورياح، إضافة إلى قِدم هذه البنايات ونقص صيانتها على مدى العقود الماضية.
واليوم بات لزامًا تنفيذ قرارات الإخلاء والالتزام بما يقرّه القانون، وإيجاد حلّ لمتساكني تلك البنايات إن لم تكن شاغرة، من خلال تمكينهم من مساكن إيواء ولو مؤقّتة إلى حين إيجاد حلّ نهائي، باعتبار أن تواصل التقلّبات المناخية يمكن أن يؤدّي إلى التسريع في انهيارها ومضاعفة خطورتها على حياة متساكنيها.
إخلاء مبانٍ مهدّدة بالسقوط
أعلنت بلدية سيدي بوسعيد، أمس، عن إخلاء ثمانية عقارات فقط تمت معاينتها وتحديدها من قبل مصالح الديوان الوطني للحماية المدنية، وذلك تنفيذًا لقرار الإخلاء الذي أوصت اللجنة الجهوية لتفادي الكوارث ومجابهتها وتنظيم النجدة البلدية باتخاذه. وأكّدت البلدية، في بلاغ لها، أن هذا الإخلاء سيكون وقتيًّا.
وخلال الاجتماع الذي عقده والي تونس مع اللجنة الجهوية لمجابهة الكوارث، تم التطرّق إلى وضعية هضبة سيدي بوسعيد، والتوصية بمنع صعود الحافلات والشاحنات الثقيلة إلى مأوى سيدي عزيزي بداية من اليوم الأحد، ودعوة بلدية المكان إلى إصدار قرارات إخلاء للمساكن التي تنذر بالخطر، مع إنذار بقية متساكني العقارات المجاورة بوجوب توخّي أقصى درجات الحذر، وإعلام البلدية حال معاينة أو اكتشاف أي تصدّعات.
كما تمت دعوة اللجنة المختصّة بوزارة الفلاحة، والمكلّفة بملف الهضبة بسيدي بوسعيد، إلى المتابعة الفورية لوضعية الهضبة ومدّ اللجنة الجهوية بجميع المقترحات. ودعا والي تونس كذلك إلى مضاعفة الجهود لتدارك بعض النقائص والإشكاليات المطروحة، والإسراع باستكمال عمليات جهر وتنظيف البالوعات وأحواض تجميع مياه الأمطار ومجاري تصريف المياه والمنشآت المائية ومخارج المياه نحو البحر ونحو سبخة السيجومي، إلى جانب ضرورة الإحاطة بالفئات الهشّة وضعاف الحال.
وكان مدير البناء ببلدية تونس، مرشد بصلي، قد أكّد خلال شهر أفريل الماضي، وفي تصريحات إعلامية، أنه منذ صدور القانون المتعلّق بالبنايات المتداعية للسقوط، قامت البلدية بإعادة الجرد وإجراء المعاينات اللازمة تحت إشراف السلط المحلية والجهوية والولاية، وحدّدت 1100 بناية مصنّفة كخطر وشيك أو مؤكّد. كما أشار إلى أن عدد البنايات التي تمثّل خطرًا أكيدًا حسب تصنيف القانون، وتتطلّب إجراءات وقائية استعجالية، يبلغ 513 بناية، أغلبها بالمدينة العتيقة وباب بحر.
مراجعة التهيئة العمرانية
وأصبحت مراجعة التهيئة الترابية والعمرانية للبلاد التونسية موضوعًا يفرض نفسه اليوم لعدّة أسباب، منها الطبيعية والمناخية والاجتماعية والاقتصادية. وقد أعلن وزير التجهيز والإسكان صلاح الزواري، منذ أشهر، عن انطلاق المرحلة الثالثة من إعداد المثال التوجيهي لتهيئة التراب الوطني وفق استراتيجية تعمل عليها الوزارة. كما أكّد الوزير أنه سيتم إصدار مجلة جديدة للتهيئة الترابية خلال الأشهر القادمة، وهو إجراء ضروري كان مطلبًا لعديد المختصّين.
ويعود أساس هذا المطلب، وفق مختصّين في مجالات مختلفة، إلى كون تونس معنيّة أكثر بالكوارث الطبيعية ذات العلاقة بالتغيّر المناخي، على غرار الفيضانات والشحّ المائي المؤدّي إلى الجفاف، بما يفرض مراجعة ضرورية لمثال التهيئة العمرانية لكل المدن التونسية، كما تفعل جلّ البلدان التي تحاول دائمًا التأقلم عمرانيًا مع التغيّرات المناخية التي تعصف بالعالم خلال العقود الأخيرة.
وتمثّل التهيئة الترابية عملية تنظيم للمجال الجغرافي وطنيًا وجهويًا ومحليًا، من خلال اتخاذ إجراءات وفق توجّهات تهدف إلى تحقيق التوازن بين الأنشطة المختلفة وتلبية الاحتياجات التنموية للمواطنين، مع مراعاة الخصوصيات البيئية والعمرانية والتنموية.
ويُعدّ هذا المثال وثيقة استراتيجية ترسم التوجّهات الكبرى للخطة المستقبلية في ما يتعلّق باستعمال المجال الترابي وتوظيفه بأفضل السبل، وتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والتنموية إلى حدود أفق 2050. وسيُعدّ هذا المثال مرجعًا أساسيًا لكل المخطّطات التنموية مستقبلًا، وإطارًا يُعتمد عليه عند إعداد المشاريع الوطنية والجهوية القادمة. وكان آخر مثال توجيهي اعتمدته تونس يعود إعداده إلى سنة 2007، غير أن التغيّرات الكبيرة التي شهدتها البلاد اقتصاديًا واجتماعيًا وبيئيًا جعلت من الضروري اليوم تحيين هذا المثال بما يستجيب للحاجيات والاحتياجات الراهنة.
التغيّرات المناخية والتهيئة العمرانية
وقد نظّمت مدينة العلوم، منذ حوالي سنة، ندوة علمية حول ضرورة مراجعة مجلة التهيئة العمرانية والتصرّف في المجال الترابي الوطني، حيث دعا مختصّون في العلوم الطبيعية إلى ضرورة مراجعة مثال التهيئة العمرانية بالمدن التونسية من أجل الصمود أمام الكوارث الطبيعية، في ظل تنامي هذه الكوارث حول العالم خلال السنوات العشر الأخيرة، والمرتبطة بالتغيّر المناخي.
وأكّدت الجمعية الإفريقية للجغرافيا الرقمية، من خلال ممثليها في هذه الندوة، أن خلق مدن أكثر استدامة وقدرة على مجابهة الكوارث الطبيعية يتطلّب تضافر جهود جميع المتدخّلين، من مواطنين ومنظمات مجتمع مدني مختصّة ووزارات التجهيز والبيئة والفلاحة، فضلًا عن الوكالة التونسية للتعمير وغيرها.
كما يتطلّب ذلك تخصيص عدد هام من الفضاءات الخضراء في المدن، والحفاظ على الغابات والحدائق، إلى جانب الدعوة إلى تركيز أكبر عدد ممكن من حدائق الأمطار التي يقع تصميمها في بعض الفضاءات العامة أو على أسطح المنازل، بهدف تخزين مياه الأمطار والحدّ من تداعيات الفيضانات.
ومنذ سنة 2022، شرعت وزارة التجهيز والإسكان في مراجعة قواعد التعمير والتهيئة الترابية للقيام بالإصلاحات الضرورية وتطوير الآليات التشريعية لتحقيق تهيئة وتنمية ترابية وعمرانية مستدامة، وذلك بالاشتغال على جملة من المحاور، أهمها مراجعة مجلة التهيئة الترابية والتعمير، وإعداد المثال التوجيهي لتهيئة التراب الوطني، إضافة إلى تعزيز التأقلم مع التغيّرات المناخية والتخفيض في نسبة انبعاثات الغازات، من خلال تطوير استراتيجية تدخّل الوكالة العقارية للسكنى، واعتماد مبادئ وأسس التنمية المستدامة في تهيئة المشاريع السكنية المستقبلية، بما يحسّن استخدام واستغلال الموارد الطبيعية والمدّخرات العقارية.
وفي هذا الإطار يندرج مشروع الحي الإيكولوجي بحدائق تونس، الذي شرعت الوكالة العقارية للسكنى، بالتعاون مع الوكالة الفرنسية للتنمية، في إعداد تصوّر لإنجازه، يعتمد أساسًا على تثمين الموارد الطبيعية المتوفّرة بالمواقع المعنية، ورسكلة وتثمين النفايات والمياه. وقد تمت برمجة تنفيذه على مساحة 73 هكتارًا في إطار المثال التفصيلي للمشروع العمراني «حدائق تونس».
وتكتسي مراجعة أمثلة التهيئة الترابية ومجال التعمير أهمية بالغة، بالنظر إلى التحدّيات البيئية الناجمة عن المخاطر المرتبطة بتغيّر المناخ، وذلك من خلال العمل على إنجاز مدن نظيفة ومستدامة وآمنة وصامدة، إضافة إلى توفير السكن اللائق لكل الفئات الاجتماعية، وخاصة منها محدودة الدخل.
وخلال السنتين الماضيتين، تمت المصادقة على أكثر من 40 دراسة للتهيئة العمرانية من جملة أكثر من 50 دراسة استوفت جميع الإجراءات، وذلك عند صدور الأمر الحكومي عدد 926 لسنة 2020.