إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

بعد التراجع والجمود منذ 2011.. تونس تستعيد مسار النمو.. وتوقعات ببلوغ نسبة 3.3 % سنة 2026

-تراوح بين 0.2 % و0.3 % خلال سنة 2015.. عودة النمو ليبلغ 2.4 % خلال التسعة أشهر الأولى من 2025..

بعد سنوات طويلة من التراجع الاقتصادي وعدم الاستقرار، بدأت تونس خلال الفترة الأخيرة في استعادة نسق النمو تدريجيًا، منهية مرحلة صعبة امتدت منذ اندلاع الثورة وما تلاها من تحديات سياسية واجتماعية واقتصادية. فقد عرف الاقتصاد التونسي منذ سنة 2011 حالة من التذبذب الحاد اتسمت بتراجع معدلات النمو وضعف الاستثمار وارتفاع نسب البطالة والتضخم. هذا المسار الصعب جعل تحقيق النمو هدفًا مؤجّلًا لسنوات في ظل أزمات متلاحقة داخلية وخارجية أثّرت بشكل كبير على مختلف القطاعات الحيوية.

وخلال العقد الذي تلا الثورة لم يتمكن الاقتصاد التونسي من استعادة نسقه، حيث ظلت نسب النمو ضعيفة، كما تزامنت هذه الصعوبات مع أزمات عالمية على غرار جائحة كوفيد-19 وتداعياتها الاقتصادية، إلى جانب ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأساسية، ما عمّق الضغوط على الدولة والمؤسسات وعموم التونسيين. ورغم محاولات الإصلاح المتعددة ظلّ تحقيق نمو فعلي وشامل يمثل تحديًا كبيرًا في ظل محدودية الموارد وتراجع ثقة المستثمرين.

عودة النشاط السياحي وتحسن الصادرات الصناعية والفلاحية

حملت السنوات الأخيرة مؤشرات إيجابية على بداية تعافي الاقتصاد الوطني، حيث تم تسجيل نسب نمو تدريجية مدفوعة بتحسن أداء عدد من القطاعات الأساسية. فقد ساهمت عودة النشاط السياحي وتحسن الصادرات الصناعية والفلاحية، إلى جانب انتعاش نسبي في قطاع الخدمات، في دعم الدورة الاقتصادية وخلق ديناميكية جديدة.

وقُدّرت العائدات السياحية بـ 8096.9 مليون دينار لكامل سنة 2025، مقابل 7599.7 مليون دينار خلال سنة 2024، أي بزيادة بنسبة 6.5 بالمائة بالانزلاق السنوي، بحسب مؤشرات البنك المركزي التونسي.

واستقبلت تونس إلى حدود يوم 22 ديسمبر 2025 أكثر من 11 مليون سائح، متجاوزة بذلك الرقم القياسي المسجل في سنة 2019 (حوالي 9.4 مليون سائح)، قبل أن يتراجع الأداء السياحي متأثرًا بتبعات الجائحة الصحية كوفيد-19.

وتتعلق الاستراتيجية السياحية التي وقع إرساؤها، حسب وزير السياحة سفيان تقية، بتكريس سياحة ذات جودة رفيعة وراقية، وتنويع العرض السياحي عبر التركيز على خصوصية كل جهة.

وكان للقطاع الفلاحي دور محوري في دعم هذا التحسن الاقتصادي، حيث أظهر أداءً إيجابيًا لافتًا خلال الفترة الأخيرة. فقد سجّل ارتفاعًا في القيمة المضافة قُدّر بحوالي 9.8 بالمائة على أساس سنوي، وهو ما يعكس تحسن الإنتاج وتطور مردودية عدد من الأنشطة الفلاحية. كما تُبرز نتائج الثلاثي الثالث الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء وتيرة نمو أقوى، إذ بلغت نسبة الارتفاع 11.5 بالمائة بحساب الانزلاق السنوي، ما يؤكد الدور الاستراتيجي للفلاحة كأحد محرّكات النمو الاقتصادي.

ويعكس هذا الأداء تحسن الظروف المناخية نسبيًا إلى جانب نجاعة بعض السياسات الداعمة للإنتاج، بما ساهم في تعزيز الأمن الغذائي ودعم الاستقرار الاقتصادي، فضلًا عن إسهامه في خلق الدخل وفرص العمل، خاصة في المناطق الداخلية.

تعزيز الاحتياطي الوطني من النقد الأجنبي

كما سجّلت تحويلات التونسيين المقيمين بالخارج تطورًا ملحوظًا خلال سنة 2025، لتؤكد مجددًا دورها المحوري كأحد أعمدة استقرار الاقتصاد الوطني وتدفق العملة الأجنبية إلى البلاد. ووفقًا لآخر البيانات الصادرة عن البنك المركزي التونسي، بلغت قيمة هذه التحويلات 8761.6 مليون دينار مع نهاية 2025، مقارنة بـ 8262.6 مليون دينار في سنة 2024، مسجلة بذلك ارتفاعًا بنسبة 6 بالمائة.

ويأتي هذا المنحى التصاعدي في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي تقلبات حادة تمثلت في ضغوط تضخمية وسياسات نقدية حذرة في أغلب دول الاستقبال، ما يعكس متانة الروابط التي تجمع الجالية التونسية بوطنها وحرصها على دعم مجهودات الدولة التنموية.

وتُعد تحويلات التونسيين بالخارج اليوم ركيزة أساسية لتوفير السيولة من العملة الصعبة جنبًا إلى جنب مع العائدات السياحية والصادرات، وقد ساهمت هذه التدفقات بشكل مباشر في تعزيز الاحتياطي الوطني من النقد الأجنبي واستقرار الميزان التجاري، فضلًا عن دعم الاستقرار النقدي والحفاظ على توازن ميزان المدفوعات.

ومع أهمية هذه التحويلات لنحو مليوني تونسي مقيم بالخارج، أغلبهم في الاتحاد الأوروبي، فإن التوجه الحالي للدولة يميل نحو تشجيع التونسيين بالخارج على توجيه جزء من هذه التحويلات نحو مشاريع استثمارية منتجة ذات قيمة مضافة عالية، بما يسهم بشكل أكثر فعالية في دفع التنمية المحلية.

قدرة قطاع الفسفاط على العودة كرافعة استراتيجية للاقتصاد الوطني

استعادت تونس خلال سنة 2025 نسق إنتاج الفسفاط بمعدلات لم تتحقق منذ نحو عقد كامل، لتتأكد قدرة القطاع على العودة كرافعة استراتيجية للاقتصاد الوطني. وقد سجّل الإنتاج التجاري للفسفاط تحسنًا ملحوظًا، مما أسهم بشكل مباشر في تعزيز سلسلة التصدير وتحقيق مكاسب اقتصادية مهمة، حيث بلغت صادرات الفسفاط ومشتقاته ارتفاعًا بنسبة 15 بالمائة في مؤشر واضح على تحسن الطلب الخارجي واستعادة التنافسية التونسية في الأسواق الدولية.

كما لعبت الأسواق الخارجية، وخاصة الأوروبية، دورًا مهمًا في استيعاب المنتجات التونسية وتعزيز مداخيل التصدير، وهو ما ساعد على تحريك عجلة النمو بعد سنوات من الجمود.

وتبرز سنة 2025 كمرحلة مفصلية في هذا المسار، حيث نجحت تونس في تحقيق نسبة نمو تُعدّ من الأفضل خلال السنوات الأخيرة، بما يعكس بداية استعادة التوازن الاقتصادي. ويعود هذا التحسن إلى جملة من العوامل، من بينها تحسن مناخ الأعمال وتكثيف الجهود لدعم الاستثمار، إلى جانب تحسن الإنتاج في قطاعات استراتيجية.

كما ساهمت الإجراءات الرامية إلى التحكم في العجز وتحسين مردودية المؤسسات العمومية في توفير هامش أوسع لدفع النشاط الاقتصادي.

وقد سجّل الاقتصاد التونسي خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2025 نسبة نمو بلغت 2.4 بالمائة، في دلالة واضحة على تواصل نسق التعافي الاقتصادي تدريجيًا بعد سنوات من الأداء الضعيف، حيث تشير التقديرات الرسمية إلى إمكانية بلوغ نسبة النمو حدود 2.6 بالمائة خلال كامل سنة 2025.

وتنسجم هذه التوقعات مع تقديرات كلّ من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، حيث أكدا تحسّن الآفاق الاقتصادية لتونس رغم استمرار التحديات الداخلية والخارجية، مستندين في ذلك إلى تحسن أداء عدد من القطاعات الحيوية على غرار الصناعة والسياحة، إلى جانب تطور نسق الصادرات واستقرار نسبي في المؤشرات المالية.

إمكانية ترسيخ مسار الانتعاش الاقتصادي

وتشير التوقعات إلى أن الاقتصاد الوطني سيواصل هذا المنحى التصاعدي خلال سنة 2026، مع ترجيح تحقيق نسبة نمو للناتج المحلي الإجمالي في حدود 3.3 بالمائة، وهو ما يعكس تفاؤلًا بإمكانية ترسيخ مسار الانتعاش الاقتصادي.

وسبق أن قال وزير الاقتصاد والتخطيط، سمير عبد الحفيظ، إن الميزان الاقتصادي لسنة 2026 يجسّد حرص الدولة على تعبئة مختلف الطاقات لدعم مسار التنمية الشاملة وتحقيق التوازن بين متطلبات العدالة الاجتماعية واستحقاقات النمو الاقتصادي، خاصة وأنه يتزامن مع انطلاق تنفيذ مخطط التنمية.

وتوقع عبد الحفيظ، خلال حضوره يوم 31 أكتوبر 2025 في الجلسة المشتركة للجنتي المالية والميزانية بكل من مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم، تسجيل نسبة نمو بـ %3.3 سنة 2026 و%2.6 سنة 2025.

وأبرز الوزير أن التوقعات تشير إلى تسجيل أكثر من 51 ألف انتداب أو تسوية في الوظيفة العمومية.

وقدم عبد الحفيظ، خلال الجلسة، مؤشرات إيجابية سجلتها تونس على عدة مستويات ساهمت في التحكم النسبي في نسبة التضخم وارتفاع نسبة النمو.

كما تطرق وزير الاقتصاد، خلال مداخلته، إلى ما وصفها بنقاط الضعف التي تتمثل أساسًا في العجز الطاقي والتفاوت التنموي.

قدرة الاقتصاد التونسي على الصمود

ويعكس هذا النسق الإيجابي أيضًا قدرة الاقتصاد التونسي على الصمود والتكيّف مع المتغيرات بعد مرحلة اتسمت بالهشاشة وعدم اليقين. فعودة النمو، وإن كانت تدريجية، تمثل رسالة طمأنة للأسواق والمستثمرين، وتؤشر إلى إمكانية بناء مرحلة جديدة أكثر استقرارًا. كما تفتح هذه المؤشرات آفاقًا واعدة لتحسين التشغيل والحد من البطالة، خاصة في صفوف الشباب، إذا ما ترافقت مع سياسات تنموية شاملة وعادلة.

ويمكن القول إن تونس بدأت بالفعل في استعادة مسار النمو بعد سنوات من التراجع، مستفيدة من تحسن الأداء الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة وخاصة في سنة 2025.

ورغم أن التحديات لا تزال قائمة، فإن المؤشرات الحالية تعكس بداية تحول إيجابي يتطلب مزيدًا من الإصلاحات الهيكلية وتعزيز الثقة ودعم القطاعات المنتجة لضمان نمو مستدام قادر على تلبية تطلعات التونسيين وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

مخطط للارتقاء بنسق النمو إلى مستويات أعلى

كما يبرز المخطط التنموي لتونس 2026–2030 توجّه الدولة نحو إرساء نموذج تنموي جديد يقوم أساسًا على تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية العادلة والمتوازنة باعتبارهما خيارًا استراتيجيًا في صلب السياسة الاقتصادية الوطنية. ويعكس هذا التوجّه انسجامًا واضحًا مع رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيّد، التي تضع الإنسان في قلب العملية التنموية وتقوم على القطع مع الاختلالات الهيكلية التي عمّقت الفوارق الاجتماعية والجهوية لعقود.

وفي هذا الإطار يعتمد السيناريو المستهدف للمخطط على إعادة توجيه السياسات العمومية نحو توزيع أكثر عدلًا للثروة وتحقيق التوازن بين الجهات، بما يضمن نموًا اقتصاديًا يخدم مختلف فئات المجتمع ولا يقتصر على مراكز محدودة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يهدف المخطط إلى الارتقاء بنسق النمو إلى مستويات أعلى وأكثر استدامة من خلال دعم القطاعات ذات القيمة المضافة العالية وتعزيز الابتكار والبحث والتطوير، بما يسمح بإحداث نقلة نوعية في هيكلة الاقتصاد الوطني. كما يراهن على تحفيز الاستثمار قصد تعزيز قدرة الاقتصاد التونسي على الصمود أمام الصدمات الخارجية وتحسين تنافسيته في الأسواق الإقليمية والدولية. ويرتبط هذا التوجه مباشرة برؤية رئيس الدولة التي تؤكد على ضرورة بناء اقتصاد وطني قوي، مستقل، وقادر على خلق فرص عمل لائقة مع تقليص نسبة البطالة، لا سيما في صفوف الشباب وحاملي الشهادات العليا، باعتبار التشغيل ركيزة أساسية لتحقيق الكرامة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي.

جهاد الكلبوسي

بعد التراجع والجمود منذ 2011..   تونس تستعيد مسار النمو.. وتوقعات ببلوغ نسبة 3.3 % سنة 2026

-تراوح بين 0.2 % و0.3 % خلال سنة 2015.. عودة النمو ليبلغ 2.4 % خلال التسعة أشهر الأولى من 2025..

بعد سنوات طويلة من التراجع الاقتصادي وعدم الاستقرار، بدأت تونس خلال الفترة الأخيرة في استعادة نسق النمو تدريجيًا، منهية مرحلة صعبة امتدت منذ اندلاع الثورة وما تلاها من تحديات سياسية واجتماعية واقتصادية. فقد عرف الاقتصاد التونسي منذ سنة 2011 حالة من التذبذب الحاد اتسمت بتراجع معدلات النمو وضعف الاستثمار وارتفاع نسب البطالة والتضخم. هذا المسار الصعب جعل تحقيق النمو هدفًا مؤجّلًا لسنوات في ظل أزمات متلاحقة داخلية وخارجية أثّرت بشكل كبير على مختلف القطاعات الحيوية.

وخلال العقد الذي تلا الثورة لم يتمكن الاقتصاد التونسي من استعادة نسقه، حيث ظلت نسب النمو ضعيفة، كما تزامنت هذه الصعوبات مع أزمات عالمية على غرار جائحة كوفيد-19 وتداعياتها الاقتصادية، إلى جانب ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأساسية، ما عمّق الضغوط على الدولة والمؤسسات وعموم التونسيين. ورغم محاولات الإصلاح المتعددة ظلّ تحقيق نمو فعلي وشامل يمثل تحديًا كبيرًا في ظل محدودية الموارد وتراجع ثقة المستثمرين.

عودة النشاط السياحي وتحسن الصادرات الصناعية والفلاحية

حملت السنوات الأخيرة مؤشرات إيجابية على بداية تعافي الاقتصاد الوطني، حيث تم تسجيل نسب نمو تدريجية مدفوعة بتحسن أداء عدد من القطاعات الأساسية. فقد ساهمت عودة النشاط السياحي وتحسن الصادرات الصناعية والفلاحية، إلى جانب انتعاش نسبي في قطاع الخدمات، في دعم الدورة الاقتصادية وخلق ديناميكية جديدة.

وقُدّرت العائدات السياحية بـ 8096.9 مليون دينار لكامل سنة 2025، مقابل 7599.7 مليون دينار خلال سنة 2024، أي بزيادة بنسبة 6.5 بالمائة بالانزلاق السنوي، بحسب مؤشرات البنك المركزي التونسي.

واستقبلت تونس إلى حدود يوم 22 ديسمبر 2025 أكثر من 11 مليون سائح، متجاوزة بذلك الرقم القياسي المسجل في سنة 2019 (حوالي 9.4 مليون سائح)، قبل أن يتراجع الأداء السياحي متأثرًا بتبعات الجائحة الصحية كوفيد-19.

وتتعلق الاستراتيجية السياحية التي وقع إرساؤها، حسب وزير السياحة سفيان تقية، بتكريس سياحة ذات جودة رفيعة وراقية، وتنويع العرض السياحي عبر التركيز على خصوصية كل جهة.

وكان للقطاع الفلاحي دور محوري في دعم هذا التحسن الاقتصادي، حيث أظهر أداءً إيجابيًا لافتًا خلال الفترة الأخيرة. فقد سجّل ارتفاعًا في القيمة المضافة قُدّر بحوالي 9.8 بالمائة على أساس سنوي، وهو ما يعكس تحسن الإنتاج وتطور مردودية عدد من الأنشطة الفلاحية. كما تُبرز نتائج الثلاثي الثالث الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء وتيرة نمو أقوى، إذ بلغت نسبة الارتفاع 11.5 بالمائة بحساب الانزلاق السنوي، ما يؤكد الدور الاستراتيجي للفلاحة كأحد محرّكات النمو الاقتصادي.

ويعكس هذا الأداء تحسن الظروف المناخية نسبيًا إلى جانب نجاعة بعض السياسات الداعمة للإنتاج، بما ساهم في تعزيز الأمن الغذائي ودعم الاستقرار الاقتصادي، فضلًا عن إسهامه في خلق الدخل وفرص العمل، خاصة في المناطق الداخلية.

تعزيز الاحتياطي الوطني من النقد الأجنبي

كما سجّلت تحويلات التونسيين المقيمين بالخارج تطورًا ملحوظًا خلال سنة 2025، لتؤكد مجددًا دورها المحوري كأحد أعمدة استقرار الاقتصاد الوطني وتدفق العملة الأجنبية إلى البلاد. ووفقًا لآخر البيانات الصادرة عن البنك المركزي التونسي، بلغت قيمة هذه التحويلات 8761.6 مليون دينار مع نهاية 2025، مقارنة بـ 8262.6 مليون دينار في سنة 2024، مسجلة بذلك ارتفاعًا بنسبة 6 بالمائة.

ويأتي هذا المنحى التصاعدي في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي تقلبات حادة تمثلت في ضغوط تضخمية وسياسات نقدية حذرة في أغلب دول الاستقبال، ما يعكس متانة الروابط التي تجمع الجالية التونسية بوطنها وحرصها على دعم مجهودات الدولة التنموية.

وتُعد تحويلات التونسيين بالخارج اليوم ركيزة أساسية لتوفير السيولة من العملة الصعبة جنبًا إلى جنب مع العائدات السياحية والصادرات، وقد ساهمت هذه التدفقات بشكل مباشر في تعزيز الاحتياطي الوطني من النقد الأجنبي واستقرار الميزان التجاري، فضلًا عن دعم الاستقرار النقدي والحفاظ على توازن ميزان المدفوعات.

ومع أهمية هذه التحويلات لنحو مليوني تونسي مقيم بالخارج، أغلبهم في الاتحاد الأوروبي، فإن التوجه الحالي للدولة يميل نحو تشجيع التونسيين بالخارج على توجيه جزء من هذه التحويلات نحو مشاريع استثمارية منتجة ذات قيمة مضافة عالية، بما يسهم بشكل أكثر فعالية في دفع التنمية المحلية.

قدرة قطاع الفسفاط على العودة كرافعة استراتيجية للاقتصاد الوطني

استعادت تونس خلال سنة 2025 نسق إنتاج الفسفاط بمعدلات لم تتحقق منذ نحو عقد كامل، لتتأكد قدرة القطاع على العودة كرافعة استراتيجية للاقتصاد الوطني. وقد سجّل الإنتاج التجاري للفسفاط تحسنًا ملحوظًا، مما أسهم بشكل مباشر في تعزيز سلسلة التصدير وتحقيق مكاسب اقتصادية مهمة، حيث بلغت صادرات الفسفاط ومشتقاته ارتفاعًا بنسبة 15 بالمائة في مؤشر واضح على تحسن الطلب الخارجي واستعادة التنافسية التونسية في الأسواق الدولية.

كما لعبت الأسواق الخارجية، وخاصة الأوروبية، دورًا مهمًا في استيعاب المنتجات التونسية وتعزيز مداخيل التصدير، وهو ما ساعد على تحريك عجلة النمو بعد سنوات من الجمود.

وتبرز سنة 2025 كمرحلة مفصلية في هذا المسار، حيث نجحت تونس في تحقيق نسبة نمو تُعدّ من الأفضل خلال السنوات الأخيرة، بما يعكس بداية استعادة التوازن الاقتصادي. ويعود هذا التحسن إلى جملة من العوامل، من بينها تحسن مناخ الأعمال وتكثيف الجهود لدعم الاستثمار، إلى جانب تحسن الإنتاج في قطاعات استراتيجية.

كما ساهمت الإجراءات الرامية إلى التحكم في العجز وتحسين مردودية المؤسسات العمومية في توفير هامش أوسع لدفع النشاط الاقتصادي.

وقد سجّل الاقتصاد التونسي خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2025 نسبة نمو بلغت 2.4 بالمائة، في دلالة واضحة على تواصل نسق التعافي الاقتصادي تدريجيًا بعد سنوات من الأداء الضعيف، حيث تشير التقديرات الرسمية إلى إمكانية بلوغ نسبة النمو حدود 2.6 بالمائة خلال كامل سنة 2025.

وتنسجم هذه التوقعات مع تقديرات كلّ من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، حيث أكدا تحسّن الآفاق الاقتصادية لتونس رغم استمرار التحديات الداخلية والخارجية، مستندين في ذلك إلى تحسن أداء عدد من القطاعات الحيوية على غرار الصناعة والسياحة، إلى جانب تطور نسق الصادرات واستقرار نسبي في المؤشرات المالية.

إمكانية ترسيخ مسار الانتعاش الاقتصادي

وتشير التوقعات إلى أن الاقتصاد الوطني سيواصل هذا المنحى التصاعدي خلال سنة 2026، مع ترجيح تحقيق نسبة نمو للناتج المحلي الإجمالي في حدود 3.3 بالمائة، وهو ما يعكس تفاؤلًا بإمكانية ترسيخ مسار الانتعاش الاقتصادي.

وسبق أن قال وزير الاقتصاد والتخطيط، سمير عبد الحفيظ، إن الميزان الاقتصادي لسنة 2026 يجسّد حرص الدولة على تعبئة مختلف الطاقات لدعم مسار التنمية الشاملة وتحقيق التوازن بين متطلبات العدالة الاجتماعية واستحقاقات النمو الاقتصادي، خاصة وأنه يتزامن مع انطلاق تنفيذ مخطط التنمية.

وتوقع عبد الحفيظ، خلال حضوره يوم 31 أكتوبر 2025 في الجلسة المشتركة للجنتي المالية والميزانية بكل من مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم، تسجيل نسبة نمو بـ %3.3 سنة 2026 و%2.6 سنة 2025.

وأبرز الوزير أن التوقعات تشير إلى تسجيل أكثر من 51 ألف انتداب أو تسوية في الوظيفة العمومية.

وقدم عبد الحفيظ، خلال الجلسة، مؤشرات إيجابية سجلتها تونس على عدة مستويات ساهمت في التحكم النسبي في نسبة التضخم وارتفاع نسبة النمو.

كما تطرق وزير الاقتصاد، خلال مداخلته، إلى ما وصفها بنقاط الضعف التي تتمثل أساسًا في العجز الطاقي والتفاوت التنموي.

قدرة الاقتصاد التونسي على الصمود

ويعكس هذا النسق الإيجابي أيضًا قدرة الاقتصاد التونسي على الصمود والتكيّف مع المتغيرات بعد مرحلة اتسمت بالهشاشة وعدم اليقين. فعودة النمو، وإن كانت تدريجية، تمثل رسالة طمأنة للأسواق والمستثمرين، وتؤشر إلى إمكانية بناء مرحلة جديدة أكثر استقرارًا. كما تفتح هذه المؤشرات آفاقًا واعدة لتحسين التشغيل والحد من البطالة، خاصة في صفوف الشباب، إذا ما ترافقت مع سياسات تنموية شاملة وعادلة.

ويمكن القول إن تونس بدأت بالفعل في استعادة مسار النمو بعد سنوات من التراجع، مستفيدة من تحسن الأداء الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة وخاصة في سنة 2025.

ورغم أن التحديات لا تزال قائمة، فإن المؤشرات الحالية تعكس بداية تحول إيجابي يتطلب مزيدًا من الإصلاحات الهيكلية وتعزيز الثقة ودعم القطاعات المنتجة لضمان نمو مستدام قادر على تلبية تطلعات التونسيين وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

مخطط للارتقاء بنسق النمو إلى مستويات أعلى

كما يبرز المخطط التنموي لتونس 2026–2030 توجّه الدولة نحو إرساء نموذج تنموي جديد يقوم أساسًا على تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية العادلة والمتوازنة باعتبارهما خيارًا استراتيجيًا في صلب السياسة الاقتصادية الوطنية. ويعكس هذا التوجّه انسجامًا واضحًا مع رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيّد، التي تضع الإنسان في قلب العملية التنموية وتقوم على القطع مع الاختلالات الهيكلية التي عمّقت الفوارق الاجتماعية والجهوية لعقود.

وفي هذا الإطار يعتمد السيناريو المستهدف للمخطط على إعادة توجيه السياسات العمومية نحو توزيع أكثر عدلًا للثروة وتحقيق التوازن بين الجهات، بما يضمن نموًا اقتصاديًا يخدم مختلف فئات المجتمع ولا يقتصر على مراكز محدودة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يهدف المخطط إلى الارتقاء بنسق النمو إلى مستويات أعلى وأكثر استدامة من خلال دعم القطاعات ذات القيمة المضافة العالية وتعزيز الابتكار والبحث والتطوير، بما يسمح بإحداث نقلة نوعية في هيكلة الاقتصاد الوطني. كما يراهن على تحفيز الاستثمار قصد تعزيز قدرة الاقتصاد التونسي على الصمود أمام الصدمات الخارجية وتحسين تنافسيته في الأسواق الإقليمية والدولية. ويرتبط هذا التوجه مباشرة برؤية رئيس الدولة التي تؤكد على ضرورة بناء اقتصاد وطني قوي، مستقل، وقادر على خلق فرص عمل لائقة مع تقليص نسبة البطالة، لا سيما في صفوف الشباب وحاملي الشهادات العليا، باعتبار التشغيل ركيزة أساسية لتحقيق الكرامة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي.

جهاد الكلبوسي