في كل موسم رمضاني، اعتاد التونسي أن يستقبل الشهر لا فقط كزمن تعبدي واجتماعي خاص، بل كذروة سنوية للحراك الثقافي، حيث تتحول المدن العتيقة والمسارح ودور الثقافة إلى فضاءات مفتوحة للعروض الموسيقية والروحانية والمسرحية، غير أنّ ما يلفت الانتباه هذا العام، وقبيل أسابيع قليلة فقط من حلول شهر رمضان، هو ذلك الفراغ الاتصالي والبرنامجي الذي يخيّم على كبرى التظاهرات، مقابل الاكتفاء بملامح عامة وبلاغات صحفية لا تتجاوز مستوى النوايا، وهو ما يطرح إشكالية حقيقية تتجاوز مسألة التنظيم الظرفي لتلامس عمق إدارة الخارطة الثقافية في تونس.
فمنذ بداية شهر جانفي، تواترت اجتماعات وزارة الشؤون الثقافية، وخاصة تلك المتعلقة بمسرح الأوبرا وبرمجة رمضان، حيث انعقد اجتماعا عمل متتاليان أشرفت عليهما وزيرة الشؤون الثقافية، أحدهما خُصّص لمتابعة الاستعدادات لبلورة البرنامج السنوي لمسرح الأوبرا وبرمجة شهر رمضان، والآخر خُصّص لاستعراض الاستعدادات التنظيمية واللوجستية والمالية لاحتضان التظاهرات الرمضانية، وعلى رأسها مهرجان الأغنية التونسية في دورته الرابعة والعشرين، غير أنّ المتأمل في نصّي البلاغين لا يعثر سوى على عبارات عامة من قبيل “تضافر الجهود”، و“بناء استراتيجية عمل ناجعة”، و“تحسين المضامين الفنية”، و“القطع مع التقديم الكلاسيكي”، دون أي إشارة إلى تواريخ العروض، أو طبيعة البرمجة، أو أسماء المشاركين، أو حتى الخطوط الفنية الكبرى التي ستميّز هذا الموسم عن سابقاته. هذا الغموض لا يبدو مسألة تقنية بسيطة، بل يعكس نمطا متكررا في التعاطي مع الاستحقاقات الثقافية الكبرى، حيث يتم تأجيل الإعلان عن التفاصيل إلى اللحظات الأخيرة، بما يربك الفنانين والمنتجين والجمهور على حدّ سواء، ويطرح سؤال التخطيط المسبق والحوكمة الثقافية.
ويتعزز هذا الإرباك أكثر حين نلاحظ أنّ بعض التظاهرات، التي يُفترض أن تكون قد قطعت أشواطا متقدمة في الإعداد، أعلنت منذ أيام قليلة فقط عن فتح باب الترشحات، كما هو الحال مع مهرجان الأغنية التونسية الذي تقرر التمديد في آجال إيداع ملفات الترشح إلى منتصف جانفي، أو تظاهرة «صوفيات» التي يعتزم مركز الموسيقى العربية والمتوسطية تنظيمها من 11 إلى 14 مارس، إذ وُجّه البلاغ إلى الفنانين التونسيين والعرب لتقديم مشاريع موسيقية في التراث الصوفي الشعبي، وهو ما يثير تساؤلا مشروعا حول جدوى فتح الترشحات في توقيت ضيق لا يسمح لا بالتحضير الجيد ولا بضمان جودة الاختيارات، خاصة وأنّ هذه التظاهرات تراهن عادة على عمق التجربة الفنية وعلى جاهزية العروض.
الأمر نفسه ينسحب على مهرجان ليالي ابن رشيق للعزف المنفرد، الذي سيقام من 28 فيفري إلى 7 مارس، فقد فُتح باب الترشحات لعروض فردية أو ثنائية في مجالات العزف والغناء والتمثيل، في وقت يُفترض فيه أن تكون الرؤية الفنية والبرنامج العام قد اتضحا، لا أن يكونا رهينين بسباق الزمن.
هذا التزامن بين غياب الرؤية المعلنة من جهة، وتسارع الدعوات إلى الترشح من جهة أخرى، يعيد طرح مسألة خارطة التظاهرات الثقافية في تونس، ليس فقط من حيث التوزيع الزمني، بل من حيث التنسيق بين المؤسسات، وتحديد الأولويات، وضمان حدّ أدنى من الاستقرار البرنامجي الذي يسمح ببناء علاقة ثقة مع الجمهور.
فشهر رمضان في تونس يظل موسما ثقافيا استثنائيا بامتياز، إذ يحتضن تظاهرات راسخة مثل مهرجان المدينة، الذي ظلّ لعقود فضاءً للاحتفاء بالمالوف والموسيقى الصوفية والطرب الأصيل في المواقع والأماكن التاريخية، إلى جانب «ليالي السليمانية»، و«ليالي رمضان»، و»ليالي القمر» التي تنتشر في الجهات، وتجمع بين الموسيقى والمسرح والشعر والعروض الموجهة للأطفال. كما يشكّل مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة قطبا أساسيا لهذه البرمجة، بما يقدمه من سهرات موسيقية وفنية تتناغم مع أجواء الشهر، وتستقطب جمهورا كبيرا وواسعا ومتنوعا.
غير أنّ تنوّع هذه التظاهرات واتساع رقعتها الجغرافية يطرح بالضرورة تحديات على مستوى التنسيق الزمني والاتصالي، خاصة في ظل محدودية الموارد وتعدد المتدخلين، وهو ما يجعل مسألة الإعلان المبكر عن خارطة رمضانية شاملة مطلبا مطروحا لدى الفنانين والجمهور على حدّ سواء، لا من باب التشكيك في الجهود المبذولة، بل من منطلق الرغبة في مزيد من الوضوح والقدرة على التخطيط المسبق.
فتشتت الإعلان عن التظاهرات، وغياب روزنامة وطنية واضحة لشهر رمضان، يفتح الباب أمام تداخل المواعيد، وتنافس غير صحي بين الفعاليات، بل وأحيانا تكرار نفس الأسماء والأنماط الفنية، ما يفرغ فكرة التنوع من محتواها.
تبدو الاستعدادات لشهر رمضان الثقافي قائمة، لكنها ما تزال في طور التشكل، بين اجتماعات تحضيرية، وبلاغات عامة، ودعوات مفتوحة للمشاركة. وبين الانتظار والترقّب، يبقى الرهان الحقيقي هو أن تترجم هذه الملامح الكبرى إلى برامج واضحة ومتوازنة، تحافظ على روح رمضان الثقافية في تونس، وتستجيب في الآن ذاته لتطلعات جمهور بات أكثر انتباها لتفاصيل البرمجة، وأكثر حرصا على أن يكون هذا الموعد السنوي فضاءً للاكتشاف والاحتفاء، لا مجرد تكرار لما سبق.
إيمان عبد اللطيف
في كل موسم رمضاني، اعتاد التونسي أن يستقبل الشهر لا فقط كزمن تعبدي واجتماعي خاص، بل كذروة سنوية للحراك الثقافي، حيث تتحول المدن العتيقة والمسارح ودور الثقافة إلى فضاءات مفتوحة للعروض الموسيقية والروحانية والمسرحية، غير أنّ ما يلفت الانتباه هذا العام، وقبيل أسابيع قليلة فقط من حلول شهر رمضان، هو ذلك الفراغ الاتصالي والبرنامجي الذي يخيّم على كبرى التظاهرات، مقابل الاكتفاء بملامح عامة وبلاغات صحفية لا تتجاوز مستوى النوايا، وهو ما يطرح إشكالية حقيقية تتجاوز مسألة التنظيم الظرفي لتلامس عمق إدارة الخارطة الثقافية في تونس.
فمنذ بداية شهر جانفي، تواترت اجتماعات وزارة الشؤون الثقافية، وخاصة تلك المتعلقة بمسرح الأوبرا وبرمجة رمضان، حيث انعقد اجتماعا عمل متتاليان أشرفت عليهما وزيرة الشؤون الثقافية، أحدهما خُصّص لمتابعة الاستعدادات لبلورة البرنامج السنوي لمسرح الأوبرا وبرمجة شهر رمضان، والآخر خُصّص لاستعراض الاستعدادات التنظيمية واللوجستية والمالية لاحتضان التظاهرات الرمضانية، وعلى رأسها مهرجان الأغنية التونسية في دورته الرابعة والعشرين، غير أنّ المتأمل في نصّي البلاغين لا يعثر سوى على عبارات عامة من قبيل “تضافر الجهود”، و“بناء استراتيجية عمل ناجعة”، و“تحسين المضامين الفنية”، و“القطع مع التقديم الكلاسيكي”، دون أي إشارة إلى تواريخ العروض، أو طبيعة البرمجة، أو أسماء المشاركين، أو حتى الخطوط الفنية الكبرى التي ستميّز هذا الموسم عن سابقاته. هذا الغموض لا يبدو مسألة تقنية بسيطة، بل يعكس نمطا متكررا في التعاطي مع الاستحقاقات الثقافية الكبرى، حيث يتم تأجيل الإعلان عن التفاصيل إلى اللحظات الأخيرة، بما يربك الفنانين والمنتجين والجمهور على حدّ سواء، ويطرح سؤال التخطيط المسبق والحوكمة الثقافية.
ويتعزز هذا الإرباك أكثر حين نلاحظ أنّ بعض التظاهرات، التي يُفترض أن تكون قد قطعت أشواطا متقدمة في الإعداد، أعلنت منذ أيام قليلة فقط عن فتح باب الترشحات، كما هو الحال مع مهرجان الأغنية التونسية الذي تقرر التمديد في آجال إيداع ملفات الترشح إلى منتصف جانفي، أو تظاهرة «صوفيات» التي يعتزم مركز الموسيقى العربية والمتوسطية تنظيمها من 11 إلى 14 مارس، إذ وُجّه البلاغ إلى الفنانين التونسيين والعرب لتقديم مشاريع موسيقية في التراث الصوفي الشعبي، وهو ما يثير تساؤلا مشروعا حول جدوى فتح الترشحات في توقيت ضيق لا يسمح لا بالتحضير الجيد ولا بضمان جودة الاختيارات، خاصة وأنّ هذه التظاهرات تراهن عادة على عمق التجربة الفنية وعلى جاهزية العروض.
الأمر نفسه ينسحب على مهرجان ليالي ابن رشيق للعزف المنفرد، الذي سيقام من 28 فيفري إلى 7 مارس، فقد فُتح باب الترشحات لعروض فردية أو ثنائية في مجالات العزف والغناء والتمثيل، في وقت يُفترض فيه أن تكون الرؤية الفنية والبرنامج العام قد اتضحا، لا أن يكونا رهينين بسباق الزمن.
هذا التزامن بين غياب الرؤية المعلنة من جهة، وتسارع الدعوات إلى الترشح من جهة أخرى، يعيد طرح مسألة خارطة التظاهرات الثقافية في تونس، ليس فقط من حيث التوزيع الزمني، بل من حيث التنسيق بين المؤسسات، وتحديد الأولويات، وضمان حدّ أدنى من الاستقرار البرنامجي الذي يسمح ببناء علاقة ثقة مع الجمهور.
فشهر رمضان في تونس يظل موسما ثقافيا استثنائيا بامتياز، إذ يحتضن تظاهرات راسخة مثل مهرجان المدينة، الذي ظلّ لعقود فضاءً للاحتفاء بالمالوف والموسيقى الصوفية والطرب الأصيل في المواقع والأماكن التاريخية، إلى جانب «ليالي السليمانية»، و«ليالي رمضان»، و»ليالي القمر» التي تنتشر في الجهات، وتجمع بين الموسيقى والمسرح والشعر والعروض الموجهة للأطفال. كما يشكّل مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة قطبا أساسيا لهذه البرمجة، بما يقدمه من سهرات موسيقية وفنية تتناغم مع أجواء الشهر، وتستقطب جمهورا كبيرا وواسعا ومتنوعا.
غير أنّ تنوّع هذه التظاهرات واتساع رقعتها الجغرافية يطرح بالضرورة تحديات على مستوى التنسيق الزمني والاتصالي، خاصة في ظل محدودية الموارد وتعدد المتدخلين، وهو ما يجعل مسألة الإعلان المبكر عن خارطة رمضانية شاملة مطلبا مطروحا لدى الفنانين والجمهور على حدّ سواء، لا من باب التشكيك في الجهود المبذولة، بل من منطلق الرغبة في مزيد من الوضوح والقدرة على التخطيط المسبق.
فتشتت الإعلان عن التظاهرات، وغياب روزنامة وطنية واضحة لشهر رمضان، يفتح الباب أمام تداخل المواعيد، وتنافس غير صحي بين الفعاليات، بل وأحيانا تكرار نفس الأسماء والأنماط الفنية، ما يفرغ فكرة التنوع من محتواها.
تبدو الاستعدادات لشهر رمضان الثقافي قائمة، لكنها ما تزال في طور التشكل، بين اجتماعات تحضيرية، وبلاغات عامة، ودعوات مفتوحة للمشاركة. وبين الانتظار والترقّب، يبقى الرهان الحقيقي هو أن تترجم هذه الملامح الكبرى إلى برامج واضحة ومتوازنة، تحافظ على روح رمضان الثقافية في تونس، وتستجيب في الآن ذاته لتطلعات جمهور بات أكثر انتباها لتفاصيل البرمجة، وأكثر حرصا على أن يكون هذا الموعد السنوي فضاءً للاكتشاف والاحتفاء، لا مجرد تكرار لما سبق.