-مختصة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا لـ«الصباح»: تغيير ثقافة التونسي تجاه الطب النفسي من الوصم الاجتماعي إلى التفريغ النفسي خطوة مهمة
-أخصائية في علم النفس العصبي وفي التأهيل الذهني وعلاج السلوك المعرفي لـ«الصباح»: رغم الانتشار الواسع لعيادات الطب النفسي تبقى شروط القانون المنظم للقطاع مكبلة لإنشاءات جديدة
ظل الطب النفسي لسنوات طويلة، الاختصاص الذي يلاحقه الوصم الاجتماعي والمحاصر بمجموعة من الأفكار النمطية والتوصيفات المليئة بالشحنات السلبية، التي تجعل الوصول إليه قرارا صعبا. لكن في الآونة الأخيرة، أصبح من الاختصاصات الأكثر شيوعا في مجتمعنا عبر الانتشار الواسع للعيادات المختصة في الطب النفسي والمراكز المتطورة في اختصاصات ذات علاقة مثل التأهيل النفسي والمعالجة بتقنيات حديثة، فضلا عن التغير الحاصل في عقلية التونسيين اليوم تجاه الطب النفسي العمومي، وهذا ما كشفته التقارير المحلية والدولية التي أُنجِزت حول مجال الطب النفسي في تونس.
تؤكد التقارير الصادرة في السنتين الأخيرتين (2024 و2025) أن تونس تشهد طفرة في الطلب على خدمات الطب النفسي. من ذلك، صنفت تونس في 2025 في تقرير لإحدى المؤسسات في المرتبة الرابعة عالميا على مستوى الإصابة بالاكتئاب، والبلد الأول عربيا بمعدل 6120 حالة لكل 100 ألف ساكن، أي حوالي 6.1 % من السكان.
في حين حددت منظمة الصحة العالمية عدد المصابين بالاكتئاب في تونس حسب التقديرات لعام 2024 بما يفوق الـ518 ألف تونسي. ويشهد مستشفى الرازي، المختص في الأمراض العصبية والعقلية والنفسية، تزايدا في عدد المرضى الوافدين على العيادات الخارجية بشكل ملحوظ، حيث تجاوزت الطلبات طاقة الاستيعاب العادية في عدة مناسبات.
للوقوف عند هذا الاختصاص بين الواقع والتغيرات الحاصلة ودور الدولة وعقلية التونسيين تجاهه ومدى تعاملهم معه على المستوى النفسي والاجتماعي، تحدثت «الصباح» مع عدة أطراف متداخلة في المجال.
واقع الطب النفسي العمومي
يعتبر الطب النفسي في تونس من الاختصاصات الطبية العريقة والمتطورة مقارنة بمحيطها الإقليمي، حيث تمتلك تونس كفاءات طبية مشهودا لها وطنيا وعالميا، وبنية تحتية تجمع بين القطاعين العام والخاص.
وتعتمد تونس على شبكة من المستشفيات الجامعية والأقسام المتخصصة، وهي مستشفى الرازي، المؤسسة المرجعية والأقدم في البلاد، التي تضم عدة أقسام متخصصة (طب نفس شرعي، طب نفس الأطفال، علاج الإدمان، وغيرها)، فضلا عن الأقسام الجامعية التي تتوفر في أغلب المستشفيات الجامعية الكبرى مثل مستشفى «فرحات حشاد» بسوسة، «الهادي شاكر» بصفاقس، و«فطومة بورقيبة» بالمنستير.
ويوجد في مستشفى «المنجي سليم» بالمرسى تخصص دقيق وناجح في تونس يعنى بالطب النفسي للأطفال والمراهقين، هذا القسم المشهود له بالكفاءة منذ سنوات، حسب ما أفادت به رئيسة قسم الطب النفسي للأطفال بالمستشفى الجامعي المنجي سليم، فاطمة الشرفي في تصريحها لـ»الصباح»، مشيرة إلى أن هذا الاختصاص بدأ في السنوات الأخيرة يشهد تطورًا ملحوظًا.
وبينت المسؤولة أن هذا الاختصاص أصبح يدرس في جامعاتنا التونسية منذ سنة 1996، مضيفة أن برنامج وزارة الصحة الخاص بتركيز أقسام متخصصة بالطب النفسي للأطفال والمراهقين في جميع ولايات الجمهورية سيكون له دور مهم مستقبلا في مجتمعنا.
وأوضحت محدثتنا في تصريحها لـ«الصباح» أن في القطاع العمومي اليوم توجد 5 أقسام في هذا الاختصاص بالذات إلى جانب اختصاص الطب النفسي للبالغين، تم تركيزها تباعا في عدد من المستشفيات الجامعية على غرار مستشفى الرازي بمنوبة، مستشفى المنجي سليم، والمستشفى العسكري، وتصنف أقسام الاختصاص في الخط الثالث إلى جانب أقسام الخط الأول، الموجودة أساسا في أقسام الطب المدرسي والجامعي، إلى جانب أقسام أخرى تكون في الخط الثاني.
وأشارت الدكتورة الشرفي إلى أن الوزارة وبحسب برنامجها في توسيع أقسام الطب النفسي للأطفال والمراهقين، تعمل على تركيز أقسام جديدة سنويا لتصل إلى تعميمها في الولايات الـ24 للبلاد مع حلول سنة 2027. مبينة أنه تم خلال 2025 فقط إحداث 5 أقسام جديدة في المهدية والقيروان وبنزرت وجندوبة وقابس، كما سيتم في 2026 إحداث أقسام جديدة في كل من توزر وقبلي ومدنين والقصرين على أن تستكمل بقية الولايات مع حلول سنة 2027.
وأفادت الدكتورة الشرفي بأن الإقبال على الطب النفسي في القطاعين العمومي والخاص على حد السواء يعرف ارتفاعا ملحوظا ووعيا من العائلات التونسية بأهمية التقصي وعلاج هذه الفئات العمرية من المجتمع، مبينة أن مستشفى المنجي سليم لوحده يستقبل سنويا 2000 مريض. وأكدت المسؤولة في نفس الإطار، أن هناك قائمات للانتظار في قسم الطب النفسي لهذه الفئات العمرية من أطفال ومراهقين، مما يستوجب مزيد تدعيم هذا الاختصاص بأطباء جدد، وهو التحدي الأكبر الذي يواجهه القطاع عمومًا، حسب تأكيد رئيسة قسم الطب النفسي للأطفال والمراهقين بمستشفى المنجي سليم.
وفي هذا السياق، أشارت الدكتورة الشرفي إلى أنه سنويا يتم تكوين ما يقارب الـ13 طبيبا في هذا الاختصاص، لا يبقى منهم سوى 3 أو 4 أطباء، والبقية يختارون مغادرة البلاد.
القطاع في أرقام
وبحسب المعطيات الرسمية التي تحصلت عليها «الصباح»، فإن إجمالي الأطباء النفسيين يُقدر بنحو 250 إلى 300 طبيب موزعين بين القطاعين العام والخاص. ويعمل ما يقارب 50 % إلى 60 % من هؤلاء الأطباء في عياداتهم الخاصة، مما يعني وجود حوالي 130 إلى 160 عيادة نفسية خاصة موزعة في كامل تراب الجمهورية.
على مستوى التوزيع الجغرافي، فتتركز أغلب هذه العيادات في تونس الكبرى (تونس، أريانة، بن عروس، منوبة) وفي المدن الساحلية مثل سوسة وصفاقس، بينما تسجل الجهات الداخلية نقصا ملحوظا. وتوجد المصحات النفسية الخاصة لإقامة المرضى لفترة طويلة؛ فبعد أن كان مستشفى الرازي هو الوجهة الوحيدة تقريبا للإقامة المطولة، شهد القطاع الخاص مؤخرا تطورا نوعيا.
توجد في تونس المئات من عيادات الأخصائيين النفسانيين (غير الأطباء)، إلا أن هناك مطالبات مستمرة من الجمعية التونسية لعلماء النفس بتنظيم القطاع بشكل أكبر، حيث تشير التقارير إلى وجود حوالي 60 إلى 100 أخصائي نفساني فقط يمتلكون تراخيص رسمية كاملة لممارسة المهنة بصفة خاصة ومستقلة وفق شروط وزارة الصحة الصارمة، رغم وجود آلاف المتخرجين.
الطب الموازي والبديل أبرز التحديات
رغم الكفاءة العالية للأطباء التونسيين، يواجه القطاع بعض الصعوبات مثل نقص أطباء الاختصاص في القطاع العمومي، إلى جانب توسع انتشار مراكز العلاج البديل والموازي.
وهذا ما لفتت إليه النظر الأخصائية في علم النفس العصبي وفي التأهيل الذهني وعلاج السلوك المعرفي، نادية بن علي، في تصريحها لـ«الصباح»، معتبرة أن توسع العلاج البديل، على غرار ما يُعرف اليوم بالتنمية البشرية وعلم الطاقة والمعالجة بالتنويم المغناطيسي وغيرها من العلاجات البديلة، يعد مؤشرا خطيرا في مجتمعنا.
وأضافت بن علي أن توجه العائلات التونسية إلى هذا النوع من العلاجات غير المرخص لها ولا تتوفر فيها معايير التخصص، وأهمها الشهادات العلمية، يزيد من أزمة المصابين بالأمراض النفسية، داعية بالمقابل إلى ضرورة التوجه مباشرة إلى العيادات الخاصة والأقسام المتواجدة في المستشفيات العمومية المختصة في هذا النوع من الاختصاصات.
أما على مستوى انتشار العيادات الخاصة في الطب النفسي، فقد فسرت بن علي ذلك بتغير ثقافة التونسيين اليوم من الفكرة النمطية السائدة باعتبار الأمراض النفسية والعقلية وصما اجتماعيا وما يُعرف بالمسكوت عنه إلى فكرة التفريغ النفسي والتخلص من كل الضغوطات التي تواجههم يوميا.
كما أكدت بن علي في ذات السياق أنه، وبالرغم من تزايد عدد التونسيين الذين يتوافدون على العيادات والمراكز المختصة بالعلاج النفسي بأنواعه، فإنه لا يمكن التغافل عن الأعداد الأخرى الكبيرة التي تتوجه إلى العلاجات البديلة والموازية، حسب تعبيرها.
وأشارت المختصة في علم النفس إلى أن اختصاصات مثل الوسواس القهري والانفصام في الشخصية والهستيريا وفرط الحركة عند الأطفال وطيف التوحد، لا يمكن التعامل معها في أطر غير قانونية، لأنها تتطلب طرقا علاجية معينة ودقيقة تستند إلى قواعد علمية تم تعلمها والتدرب عليها لسنوات. كما لفتت بن علي النظر إلى عدة إشكاليات أخرى يواجهها الطب النفسي في تونس، مثل إشكاليات البنية التحتية، خاصة في القطاع العمومي، وحالات الاكتظاظ، فضلا عن نقص الاختصاص في الأرياف والمناطق الداخلية للبلاد.
إلى جانب ذلك، تعتبر بن علي أن القانون المنظم للقطاع مكبل، باعتباره يشترط أن تمارس المهنة في القطاع العمومي قبل فتح عيادة خاصة.
ثقافة الطب النفسي من الجانب الاجتماعي
على المستوى الاجتماعي والمجتمعي، ترى الأستاذة المختصة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، صابرين الجلاصي، في حديثها لـ«الصباح»، أن تغير ثقافة التونسي اليوم تجاه الطب النفسي يعد مؤشرا إيجابيا جدا، مشيرة إلى أن التوصيفات النمطية للطب النفسي والوصم الاجتماعي الذي ارتبط بهذا الاختصاص وبمرضاه أصبحت كلها تتلاشى شيئا فشيئا.
وذكرت الجلاصي أن انتشار ثقافة الطب النفسي في تونس قطعت مع الأفكار الهدامة لتجاوز كل الأمراض النفسية والعقلية، خاصة أن الكثير من التونسيين كانوا يفضلون السكوت عن إصاباتهم بالأمراض النفسية والعقلية حتى يصل بهم الأمر إلى حالات انتحار وتدهور في حالاتهم المرضية.
وفسرت الجلاصي تغير العقلية للتونسيين في هذا المجال أساسا إلى تغير المشهد العام في السنوات الأخيرة بعد أن أصبح دور وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي مهما في هذا التغير، من خلال نوعية البرامج الاجتماعية المقدمة التي تطرح مشاكل المجتمع بحضور مختصين وأطباء نفسانيين ومؤطرين، مما ساهم في انتشار الوعي بين التونسيين بهذا النوع الحساس من الأمراض وكذلك أهمية الاختصاص في تجاوزها.
وأوضحت المختصة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، أن الفئة الأكثر توافدا على العيادات المختصة في الطب النفسي هي فئة الشباب، خاصة المنحدرة من بيئة اجتماعية متعلمة وميسورة ماديا، خاصة تلك القريبة والمتابعة للعالم الرقمي على غرار مواقع التواصل الاجتماعي والبرامج الإعلامية التي تهتم بتحليل الظواهر النفسية والاجتماعية بكل تفاصيلها.
بالمقابل، تعتبر الجلاصي أن الفئات الأكثر توافدا على المستشفيات العمومية، وخاصة مستشفى الرازي، هي فئة كبار السن، خاصة المصابين أكثر بالزهايمر والخرف، وكذلك فئة الأطفال والمراهقين المدمنين.
واعتبرت الجلاصي أن توجه التونسيين إلى الطبيب النفسي للتفريغ النفسي يعد خطوة مهمة جدا، وهي عملية تفريغ صحية في اتجاه التخلص من الضغوطات النفسية اليومية والابتعاد عن العنف والشخصيات العنيفة، مما قد يساهم في تحسين واقع المجتمع وتراجع حالات العنف وغيرها من الظواهر الخطيرة.
وفي ما يتعلق بأكثر الفئات الاجتماعية توافدا على عيادات الطب النفسي، أكدت الجلاصي أنه بحسب الدراسات العلمية اليوم، تبين أن فئة الشباب هي الأكثر توجهاً والفئات الميسورة ماديا وتعليميا والقريبة من العالم الرقمي ومن مواقع التواصل الاجتماعي. مبينة أن دور وسائل الإعلام في السنوات الأخيرة ساهم في انتشار ثقافة التسامح وقبول هذا النوع من الاختصاصات كحل لكل المشاكل النفسية والاجتماعية التي تواجه التونسي اليوم.
وأفادت الجلاصي في هذا السياق بأن البرامج الإعلامية التي تطرح القضايا الاجتماعية ومشاكل العنف والطلاق والتنمر وغيرها من الظواهر الاجتماعية ساهمت بشكل كبير في تصالح التونسيين مع الطبيب النفسي ليصبح ملاذهم في مواجهة ضغوطات الحياة اليومية على اختلافها.
وفاء بن محمد
-مختصة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا لـ«الصباح»: تغيير ثقافة التونسي تجاه الطب النفسي من الوصم الاجتماعي إلى التفريغ النفسي خطوة مهمة
-أخصائية في علم النفس العصبي وفي التأهيل الذهني وعلاج السلوك المعرفي لـ«الصباح»: رغم الانتشار الواسع لعيادات الطب النفسي تبقى شروط القانون المنظم للقطاع مكبلة لإنشاءات جديدة
ظل الطب النفسي لسنوات طويلة، الاختصاص الذي يلاحقه الوصم الاجتماعي والمحاصر بمجموعة من الأفكار النمطية والتوصيفات المليئة بالشحنات السلبية، التي تجعل الوصول إليه قرارا صعبا. لكن في الآونة الأخيرة، أصبح من الاختصاصات الأكثر شيوعا في مجتمعنا عبر الانتشار الواسع للعيادات المختصة في الطب النفسي والمراكز المتطورة في اختصاصات ذات علاقة مثل التأهيل النفسي والمعالجة بتقنيات حديثة، فضلا عن التغير الحاصل في عقلية التونسيين اليوم تجاه الطب النفسي العمومي، وهذا ما كشفته التقارير المحلية والدولية التي أُنجِزت حول مجال الطب النفسي في تونس.
تؤكد التقارير الصادرة في السنتين الأخيرتين (2024 و2025) أن تونس تشهد طفرة في الطلب على خدمات الطب النفسي. من ذلك، صنفت تونس في 2025 في تقرير لإحدى المؤسسات في المرتبة الرابعة عالميا على مستوى الإصابة بالاكتئاب، والبلد الأول عربيا بمعدل 6120 حالة لكل 100 ألف ساكن، أي حوالي 6.1 % من السكان.
في حين حددت منظمة الصحة العالمية عدد المصابين بالاكتئاب في تونس حسب التقديرات لعام 2024 بما يفوق الـ518 ألف تونسي. ويشهد مستشفى الرازي، المختص في الأمراض العصبية والعقلية والنفسية، تزايدا في عدد المرضى الوافدين على العيادات الخارجية بشكل ملحوظ، حيث تجاوزت الطلبات طاقة الاستيعاب العادية في عدة مناسبات.
للوقوف عند هذا الاختصاص بين الواقع والتغيرات الحاصلة ودور الدولة وعقلية التونسيين تجاهه ومدى تعاملهم معه على المستوى النفسي والاجتماعي، تحدثت «الصباح» مع عدة أطراف متداخلة في المجال.
واقع الطب النفسي العمومي
يعتبر الطب النفسي في تونس من الاختصاصات الطبية العريقة والمتطورة مقارنة بمحيطها الإقليمي، حيث تمتلك تونس كفاءات طبية مشهودا لها وطنيا وعالميا، وبنية تحتية تجمع بين القطاعين العام والخاص.
وتعتمد تونس على شبكة من المستشفيات الجامعية والأقسام المتخصصة، وهي مستشفى الرازي، المؤسسة المرجعية والأقدم في البلاد، التي تضم عدة أقسام متخصصة (طب نفس شرعي، طب نفس الأطفال، علاج الإدمان، وغيرها)، فضلا عن الأقسام الجامعية التي تتوفر في أغلب المستشفيات الجامعية الكبرى مثل مستشفى «فرحات حشاد» بسوسة، «الهادي شاكر» بصفاقس، و«فطومة بورقيبة» بالمنستير.
ويوجد في مستشفى «المنجي سليم» بالمرسى تخصص دقيق وناجح في تونس يعنى بالطب النفسي للأطفال والمراهقين، هذا القسم المشهود له بالكفاءة منذ سنوات، حسب ما أفادت به رئيسة قسم الطب النفسي للأطفال بالمستشفى الجامعي المنجي سليم، فاطمة الشرفي في تصريحها لـ»الصباح»، مشيرة إلى أن هذا الاختصاص بدأ في السنوات الأخيرة يشهد تطورًا ملحوظًا.
وبينت المسؤولة أن هذا الاختصاص أصبح يدرس في جامعاتنا التونسية منذ سنة 1996، مضيفة أن برنامج وزارة الصحة الخاص بتركيز أقسام متخصصة بالطب النفسي للأطفال والمراهقين في جميع ولايات الجمهورية سيكون له دور مهم مستقبلا في مجتمعنا.
وأوضحت محدثتنا في تصريحها لـ«الصباح» أن في القطاع العمومي اليوم توجد 5 أقسام في هذا الاختصاص بالذات إلى جانب اختصاص الطب النفسي للبالغين، تم تركيزها تباعا في عدد من المستشفيات الجامعية على غرار مستشفى الرازي بمنوبة، مستشفى المنجي سليم، والمستشفى العسكري، وتصنف أقسام الاختصاص في الخط الثالث إلى جانب أقسام الخط الأول، الموجودة أساسا في أقسام الطب المدرسي والجامعي، إلى جانب أقسام أخرى تكون في الخط الثاني.
وأشارت الدكتورة الشرفي إلى أن الوزارة وبحسب برنامجها في توسيع أقسام الطب النفسي للأطفال والمراهقين، تعمل على تركيز أقسام جديدة سنويا لتصل إلى تعميمها في الولايات الـ24 للبلاد مع حلول سنة 2027. مبينة أنه تم خلال 2025 فقط إحداث 5 أقسام جديدة في المهدية والقيروان وبنزرت وجندوبة وقابس، كما سيتم في 2026 إحداث أقسام جديدة في كل من توزر وقبلي ومدنين والقصرين على أن تستكمل بقية الولايات مع حلول سنة 2027.
وأفادت الدكتورة الشرفي بأن الإقبال على الطب النفسي في القطاعين العمومي والخاص على حد السواء يعرف ارتفاعا ملحوظا ووعيا من العائلات التونسية بأهمية التقصي وعلاج هذه الفئات العمرية من المجتمع، مبينة أن مستشفى المنجي سليم لوحده يستقبل سنويا 2000 مريض. وأكدت المسؤولة في نفس الإطار، أن هناك قائمات للانتظار في قسم الطب النفسي لهذه الفئات العمرية من أطفال ومراهقين، مما يستوجب مزيد تدعيم هذا الاختصاص بأطباء جدد، وهو التحدي الأكبر الذي يواجهه القطاع عمومًا، حسب تأكيد رئيسة قسم الطب النفسي للأطفال والمراهقين بمستشفى المنجي سليم.
وفي هذا السياق، أشارت الدكتورة الشرفي إلى أنه سنويا يتم تكوين ما يقارب الـ13 طبيبا في هذا الاختصاص، لا يبقى منهم سوى 3 أو 4 أطباء، والبقية يختارون مغادرة البلاد.
القطاع في أرقام
وبحسب المعطيات الرسمية التي تحصلت عليها «الصباح»، فإن إجمالي الأطباء النفسيين يُقدر بنحو 250 إلى 300 طبيب موزعين بين القطاعين العام والخاص. ويعمل ما يقارب 50 % إلى 60 % من هؤلاء الأطباء في عياداتهم الخاصة، مما يعني وجود حوالي 130 إلى 160 عيادة نفسية خاصة موزعة في كامل تراب الجمهورية.
على مستوى التوزيع الجغرافي، فتتركز أغلب هذه العيادات في تونس الكبرى (تونس، أريانة، بن عروس، منوبة) وفي المدن الساحلية مثل سوسة وصفاقس، بينما تسجل الجهات الداخلية نقصا ملحوظا. وتوجد المصحات النفسية الخاصة لإقامة المرضى لفترة طويلة؛ فبعد أن كان مستشفى الرازي هو الوجهة الوحيدة تقريبا للإقامة المطولة، شهد القطاع الخاص مؤخرا تطورا نوعيا.
توجد في تونس المئات من عيادات الأخصائيين النفسانيين (غير الأطباء)، إلا أن هناك مطالبات مستمرة من الجمعية التونسية لعلماء النفس بتنظيم القطاع بشكل أكبر، حيث تشير التقارير إلى وجود حوالي 60 إلى 100 أخصائي نفساني فقط يمتلكون تراخيص رسمية كاملة لممارسة المهنة بصفة خاصة ومستقلة وفق شروط وزارة الصحة الصارمة، رغم وجود آلاف المتخرجين.
الطب الموازي والبديل أبرز التحديات
رغم الكفاءة العالية للأطباء التونسيين، يواجه القطاع بعض الصعوبات مثل نقص أطباء الاختصاص في القطاع العمومي، إلى جانب توسع انتشار مراكز العلاج البديل والموازي.
وهذا ما لفتت إليه النظر الأخصائية في علم النفس العصبي وفي التأهيل الذهني وعلاج السلوك المعرفي، نادية بن علي، في تصريحها لـ«الصباح»، معتبرة أن توسع العلاج البديل، على غرار ما يُعرف اليوم بالتنمية البشرية وعلم الطاقة والمعالجة بالتنويم المغناطيسي وغيرها من العلاجات البديلة، يعد مؤشرا خطيرا في مجتمعنا.
وأضافت بن علي أن توجه العائلات التونسية إلى هذا النوع من العلاجات غير المرخص لها ولا تتوفر فيها معايير التخصص، وأهمها الشهادات العلمية، يزيد من أزمة المصابين بالأمراض النفسية، داعية بالمقابل إلى ضرورة التوجه مباشرة إلى العيادات الخاصة والأقسام المتواجدة في المستشفيات العمومية المختصة في هذا النوع من الاختصاصات.
أما على مستوى انتشار العيادات الخاصة في الطب النفسي، فقد فسرت بن علي ذلك بتغير ثقافة التونسيين اليوم من الفكرة النمطية السائدة باعتبار الأمراض النفسية والعقلية وصما اجتماعيا وما يُعرف بالمسكوت عنه إلى فكرة التفريغ النفسي والتخلص من كل الضغوطات التي تواجههم يوميا.
كما أكدت بن علي في ذات السياق أنه، وبالرغم من تزايد عدد التونسيين الذين يتوافدون على العيادات والمراكز المختصة بالعلاج النفسي بأنواعه، فإنه لا يمكن التغافل عن الأعداد الأخرى الكبيرة التي تتوجه إلى العلاجات البديلة والموازية، حسب تعبيرها.
وأشارت المختصة في علم النفس إلى أن اختصاصات مثل الوسواس القهري والانفصام في الشخصية والهستيريا وفرط الحركة عند الأطفال وطيف التوحد، لا يمكن التعامل معها في أطر غير قانونية، لأنها تتطلب طرقا علاجية معينة ودقيقة تستند إلى قواعد علمية تم تعلمها والتدرب عليها لسنوات. كما لفتت بن علي النظر إلى عدة إشكاليات أخرى يواجهها الطب النفسي في تونس، مثل إشكاليات البنية التحتية، خاصة في القطاع العمومي، وحالات الاكتظاظ، فضلا عن نقص الاختصاص في الأرياف والمناطق الداخلية للبلاد.
إلى جانب ذلك، تعتبر بن علي أن القانون المنظم للقطاع مكبل، باعتباره يشترط أن تمارس المهنة في القطاع العمومي قبل فتح عيادة خاصة.
ثقافة الطب النفسي من الجانب الاجتماعي
على المستوى الاجتماعي والمجتمعي، ترى الأستاذة المختصة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، صابرين الجلاصي، في حديثها لـ«الصباح»، أن تغير ثقافة التونسي اليوم تجاه الطب النفسي يعد مؤشرا إيجابيا جدا، مشيرة إلى أن التوصيفات النمطية للطب النفسي والوصم الاجتماعي الذي ارتبط بهذا الاختصاص وبمرضاه أصبحت كلها تتلاشى شيئا فشيئا.
وذكرت الجلاصي أن انتشار ثقافة الطب النفسي في تونس قطعت مع الأفكار الهدامة لتجاوز كل الأمراض النفسية والعقلية، خاصة أن الكثير من التونسيين كانوا يفضلون السكوت عن إصاباتهم بالأمراض النفسية والعقلية حتى يصل بهم الأمر إلى حالات انتحار وتدهور في حالاتهم المرضية.
وفسرت الجلاصي تغير العقلية للتونسيين في هذا المجال أساسا إلى تغير المشهد العام في السنوات الأخيرة بعد أن أصبح دور وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي مهما في هذا التغير، من خلال نوعية البرامج الاجتماعية المقدمة التي تطرح مشاكل المجتمع بحضور مختصين وأطباء نفسانيين ومؤطرين، مما ساهم في انتشار الوعي بين التونسيين بهذا النوع الحساس من الأمراض وكذلك أهمية الاختصاص في تجاوزها.
وأوضحت المختصة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، أن الفئة الأكثر توافدا على العيادات المختصة في الطب النفسي هي فئة الشباب، خاصة المنحدرة من بيئة اجتماعية متعلمة وميسورة ماديا، خاصة تلك القريبة والمتابعة للعالم الرقمي على غرار مواقع التواصل الاجتماعي والبرامج الإعلامية التي تهتم بتحليل الظواهر النفسية والاجتماعية بكل تفاصيلها.
بالمقابل، تعتبر الجلاصي أن الفئات الأكثر توافدا على المستشفيات العمومية، وخاصة مستشفى الرازي، هي فئة كبار السن، خاصة المصابين أكثر بالزهايمر والخرف، وكذلك فئة الأطفال والمراهقين المدمنين.
واعتبرت الجلاصي أن توجه التونسيين إلى الطبيب النفسي للتفريغ النفسي يعد خطوة مهمة جدا، وهي عملية تفريغ صحية في اتجاه التخلص من الضغوطات النفسية اليومية والابتعاد عن العنف والشخصيات العنيفة، مما قد يساهم في تحسين واقع المجتمع وتراجع حالات العنف وغيرها من الظواهر الخطيرة.
وفي ما يتعلق بأكثر الفئات الاجتماعية توافدا على عيادات الطب النفسي، أكدت الجلاصي أنه بحسب الدراسات العلمية اليوم، تبين أن فئة الشباب هي الأكثر توجهاً والفئات الميسورة ماديا وتعليميا والقريبة من العالم الرقمي ومن مواقع التواصل الاجتماعي. مبينة أن دور وسائل الإعلام في السنوات الأخيرة ساهم في انتشار ثقافة التسامح وقبول هذا النوع من الاختصاصات كحل لكل المشاكل النفسية والاجتماعية التي تواجه التونسي اليوم.
وأفادت الجلاصي في هذا السياق بأن البرامج الإعلامية التي تطرح القضايا الاجتماعية ومشاكل العنف والطلاق والتنمر وغيرها من الظواهر الاجتماعية ساهمت بشكل كبير في تصالح التونسيين مع الطبيب النفسي ليصبح ملاذهم في مواجهة ضغوطات الحياة اليومية على اختلافها.