بين الكاميرا والقانون، وبين لحظة الخلق الفني ومتاهات النصوص التشريعية، وجد عدد من المخرجين التونسيين أنفسهم وجها لوجه مع سؤال مؤجَّل لكنه حاسم: أين تنتهي سلطة الإبداع وأين تبدأ حدود الحقوق؟ سؤال لم يُطرح هذه المرة في كواليس التصوير ولا في مكاتب الإنتاج، بل في فضاء نقاش مفتوح، خلال مائدة مستديرة حملت عنوانا «المخرج بين الإبداع والحقوق»، انتظمت يوم الخميس 18 ديسمبر ضمن فعاليات الدورة السادسة والثلاثين لأيام قرطاج السينمائية، وتحولت إلى مساحة صريحة لتفكيك العلاقة بين المخرج والمنتج والمؤلف وحقوق كلّ منهم، وللوقوف عند مكمن الخلل القانوني الذي يحكم مسار الفيلم منذ الفكرة الأولى إلى لحظة عرضه على الشاشة.
وفتح بالمناسبة نقاش عميق حول إشكاليات حقوق المؤلف في السينما التونسية، وعلاقة المخرج بالمنتج، وما يترتب عن الإطار القانوني الحالي من خلل يمسّ أحيانا جوهر العملية الإبداعية. وقد طرح المخرج خالد البرصاوي سؤالا مركزيا حول لمن تعود حقوق المؤلف فعليا؟ فنظريا، وفق قوله، «هي حق للمبدع، لكن عمليا، في تونس، تُمنح الأفضلية شبه المطلقة لشركات الإنتاج، باعتبارها الجهة الوحيدة المخوّل لها تسجيل المشاريع والتصرّف فيها قانونيا. وهنا تتجلّى المعضلة الكبرى، إذ يُجرّد المخرج، حتى وهو صاحب الفكرة والسيناريو والرؤية، من حقه في تسجيل مشروعه باسمه، ولا يمكنه المرور إلا عبر المنتج».
وأضاف «هذا الوضع لا يبدو إجرائيا فحسب، بل يحمل تبعات عميقة. ففي حال تعذّر تسجيل المشروع لأي سبب كان، أو غابت المعطيات القانونية في الوقت المناسب، يجد المخرج نفسه في فراغ كامل، لا حماية قانونية له ولا اعتراف بملكيته الفكرية. وفي حالات كثيرة، يتحوّل هذا الفراغ إلى فرصة لاستغلال المشروع من قبل شركات إنتاج أخرى، أو لإعادة تدويره دون ضمان حق صاحبه الأول. المخرج هنا لا يمتلك شركة إنتاج، ولا يملك في المقابل الأدوات القانونية التي تحميه، فيظلّ معلّقا بين الرغبة في الإبداع وواقع قانوني لا يعترف به إلا كطرف ثانوي».
وتواصلت النقاشات، التي يمكن القول إنها لم تكن مجرد تشخيص لمشاكل تقنية، بل دعوة صريحة لإعادة التفكير في فلسفة «القانون السينمائي» التونسي: هل هو قانون ينحاز للإبداع أم للسوق؟ هل يحمي المبدع أم يضعه في موقع الضعيف؟ وهذه الأسئلة باتت أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. وقد أقرّ معظم المتدخلين بأنّ الأمر يزداد تعقيدا عند الحديث عن التمويل. فالسينما لا «تحتاج» المال فقط، بل تُختزل اليوم في معادلة مالية خانقة. فالدعم العمومي، الذي يتراوح بين خمسة ملايين دينار وخمسة عشر مليونا في أفضل الحالات، لا يسمح إلا بتمويل عدد محدود جدا من المشاريع، ما يجعل المنافسة شرسة، ويجعل أول من يدفع الثمن هو المبدع نفسه. فالمخرج هو من يخاطر بسنوات من عمره في تطوير سيناريو، والبحث، والكتابة، أحيانا دون أي مقابل، وفي النهاية يبقى الشخص الوحيد الذي يتحمّل المخاطرة الكاملة، بينما يظلّ موقعه القانوني هشّا.
في ذات النقاش، تمّ التأكيد على أنّ هذا الواقع لا يخصّ حالة فردية، بل هو تجربة جماعية يتقاسمها معظم المخرجين. الجميع يقرأ القوانين نفسها، ويصطدم بالثغرات ذاتها، ويتساءل عن الإطار التاريخي الذي أفرز هذا الوضع. فالقانون، بدل أن يكون أداة حماية، يتحوّل إلى عبء، ويعكس اختيارات اقتصادية وثقافية عميقة، لا يمكن فصلها عن منطق السوق والسلطة الرمزية للمنتج.
وفي هذا السياق، طرح المخرج الناصر القطاري مثال نظام «الكوبي رايت» الأمريكي، لا من باب الإدانة السطحية، بل لفهم منطقه. فـ»الكوبي رايت» في الولايات المتحدة، وفق قوله، «ليس مجرد آلية قانونية، بل منظومة اقتصادية ضخمة، تضم آلاف الوكلاء والمصنّفين والمكاتب التي تعمل ضمن منطق السوق الخالص. في هذا النظام، لا وجود لمركزية المؤلف، بل لمنطق الصناعة، حيث لا يُدار المصنّف كقيمة ثقافية، بل كسلعة. هو مجتمع يقاتل داخل اقتصاد ليبرالي واضح المعالم، لا يختبئ خلف شعارات ثقافية.»
وأضاف «في المقابل، يقدّم النموذج الفرنسي مسارا مغايرا. فبعد الحرب العالمية الثانية، وُضعت سياسات ثقافية واضحة لمواجهة الهيمنة الأمريكية، كان في قلبها «مركزية المؤلف». فُرضت ضرائب على كل فيلم يُعرض في فرنسا، يُعاد ضخّها في صندوق دعم السينما، بما يضمن استمرارية الإنتاج الفرنسي وحماية مصنّفيه. لم يكن هذا الخيار تقنيا فقط، بل سياسيا وثقافيا، قائما على قناعة بأن دعم المؤلف هو شكل من أشكال المقاومة الثقافية، وأن ترك السوق وحده يعني سحق الخصوصية المحلية».
من هنا، يصبح الحديث عن الشخصيات المشتركة، وعن حقوقها، حديثا لا يمكن فصله عن الإطار القانوني. فأول شرط لأي نقاش جدي، وفق ما أكّده المخرج مراد بالشيخ، «هو الاعتراف بأن هذه الشخصيات هي كيانات قانونية، لها حقوق واضحة، ولا يمكن التعامل معها بمنطق التبعية المطلقة». وبدون هذا الاعتراف، يستحيل بناء منظومة عادلة، أو الحديث عن شراكة حقيقية بين المخرج والمنتج. والكلام لنفس المصدر.
إيمان عبد اللطيف
بين الكاميرا والقانون، وبين لحظة الخلق الفني ومتاهات النصوص التشريعية، وجد عدد من المخرجين التونسيين أنفسهم وجها لوجه مع سؤال مؤجَّل لكنه حاسم: أين تنتهي سلطة الإبداع وأين تبدأ حدود الحقوق؟ سؤال لم يُطرح هذه المرة في كواليس التصوير ولا في مكاتب الإنتاج، بل في فضاء نقاش مفتوح، خلال مائدة مستديرة حملت عنوانا «المخرج بين الإبداع والحقوق»، انتظمت يوم الخميس 18 ديسمبر ضمن فعاليات الدورة السادسة والثلاثين لأيام قرطاج السينمائية، وتحولت إلى مساحة صريحة لتفكيك العلاقة بين المخرج والمنتج والمؤلف وحقوق كلّ منهم، وللوقوف عند مكمن الخلل القانوني الذي يحكم مسار الفيلم منذ الفكرة الأولى إلى لحظة عرضه على الشاشة.
وفتح بالمناسبة نقاش عميق حول إشكاليات حقوق المؤلف في السينما التونسية، وعلاقة المخرج بالمنتج، وما يترتب عن الإطار القانوني الحالي من خلل يمسّ أحيانا جوهر العملية الإبداعية. وقد طرح المخرج خالد البرصاوي سؤالا مركزيا حول لمن تعود حقوق المؤلف فعليا؟ فنظريا، وفق قوله، «هي حق للمبدع، لكن عمليا، في تونس، تُمنح الأفضلية شبه المطلقة لشركات الإنتاج، باعتبارها الجهة الوحيدة المخوّل لها تسجيل المشاريع والتصرّف فيها قانونيا. وهنا تتجلّى المعضلة الكبرى، إذ يُجرّد المخرج، حتى وهو صاحب الفكرة والسيناريو والرؤية، من حقه في تسجيل مشروعه باسمه، ولا يمكنه المرور إلا عبر المنتج».
وأضاف «هذا الوضع لا يبدو إجرائيا فحسب، بل يحمل تبعات عميقة. ففي حال تعذّر تسجيل المشروع لأي سبب كان، أو غابت المعطيات القانونية في الوقت المناسب، يجد المخرج نفسه في فراغ كامل، لا حماية قانونية له ولا اعتراف بملكيته الفكرية. وفي حالات كثيرة، يتحوّل هذا الفراغ إلى فرصة لاستغلال المشروع من قبل شركات إنتاج أخرى، أو لإعادة تدويره دون ضمان حق صاحبه الأول. المخرج هنا لا يمتلك شركة إنتاج، ولا يملك في المقابل الأدوات القانونية التي تحميه، فيظلّ معلّقا بين الرغبة في الإبداع وواقع قانوني لا يعترف به إلا كطرف ثانوي».
وتواصلت النقاشات، التي يمكن القول إنها لم تكن مجرد تشخيص لمشاكل تقنية، بل دعوة صريحة لإعادة التفكير في فلسفة «القانون السينمائي» التونسي: هل هو قانون ينحاز للإبداع أم للسوق؟ هل يحمي المبدع أم يضعه في موقع الضعيف؟ وهذه الأسئلة باتت أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. وقد أقرّ معظم المتدخلين بأنّ الأمر يزداد تعقيدا عند الحديث عن التمويل. فالسينما لا «تحتاج» المال فقط، بل تُختزل اليوم في معادلة مالية خانقة. فالدعم العمومي، الذي يتراوح بين خمسة ملايين دينار وخمسة عشر مليونا في أفضل الحالات، لا يسمح إلا بتمويل عدد محدود جدا من المشاريع، ما يجعل المنافسة شرسة، ويجعل أول من يدفع الثمن هو المبدع نفسه. فالمخرج هو من يخاطر بسنوات من عمره في تطوير سيناريو، والبحث، والكتابة، أحيانا دون أي مقابل، وفي النهاية يبقى الشخص الوحيد الذي يتحمّل المخاطرة الكاملة، بينما يظلّ موقعه القانوني هشّا.
في ذات النقاش، تمّ التأكيد على أنّ هذا الواقع لا يخصّ حالة فردية، بل هو تجربة جماعية يتقاسمها معظم المخرجين. الجميع يقرأ القوانين نفسها، ويصطدم بالثغرات ذاتها، ويتساءل عن الإطار التاريخي الذي أفرز هذا الوضع. فالقانون، بدل أن يكون أداة حماية، يتحوّل إلى عبء، ويعكس اختيارات اقتصادية وثقافية عميقة، لا يمكن فصلها عن منطق السوق والسلطة الرمزية للمنتج.
وفي هذا السياق، طرح المخرج الناصر القطاري مثال نظام «الكوبي رايت» الأمريكي، لا من باب الإدانة السطحية، بل لفهم منطقه. فـ»الكوبي رايت» في الولايات المتحدة، وفق قوله، «ليس مجرد آلية قانونية، بل منظومة اقتصادية ضخمة، تضم آلاف الوكلاء والمصنّفين والمكاتب التي تعمل ضمن منطق السوق الخالص. في هذا النظام، لا وجود لمركزية المؤلف، بل لمنطق الصناعة، حيث لا يُدار المصنّف كقيمة ثقافية، بل كسلعة. هو مجتمع يقاتل داخل اقتصاد ليبرالي واضح المعالم، لا يختبئ خلف شعارات ثقافية.»
وأضاف «في المقابل، يقدّم النموذج الفرنسي مسارا مغايرا. فبعد الحرب العالمية الثانية، وُضعت سياسات ثقافية واضحة لمواجهة الهيمنة الأمريكية، كان في قلبها «مركزية المؤلف». فُرضت ضرائب على كل فيلم يُعرض في فرنسا، يُعاد ضخّها في صندوق دعم السينما، بما يضمن استمرارية الإنتاج الفرنسي وحماية مصنّفيه. لم يكن هذا الخيار تقنيا فقط، بل سياسيا وثقافيا، قائما على قناعة بأن دعم المؤلف هو شكل من أشكال المقاومة الثقافية، وأن ترك السوق وحده يعني سحق الخصوصية المحلية».
من هنا، يصبح الحديث عن الشخصيات المشتركة، وعن حقوقها، حديثا لا يمكن فصله عن الإطار القانوني. فأول شرط لأي نقاش جدي، وفق ما أكّده المخرج مراد بالشيخ، «هو الاعتراف بأن هذه الشخصيات هي كيانات قانونية، لها حقوق واضحة، ولا يمكن التعامل معها بمنطق التبعية المطلقة». وبدون هذا الاعتراف، يستحيل بناء منظومة عادلة، أو الحديث عن شراكة حقيقية بين المخرج والمنتج. والكلام لنفس المصدر.