إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

خلال مائدة مستديرة في أيام قرطاج السينمائية بحضور جمع هام من السينمائيين.. تساؤلات حول السينما العربية الجديدة.. وصنّاع أفلام عرب يناقشون المضامين وإشكاليات التمويل والتوزيع

 

  • السينما المستقلة في العالم العربي تعيش تحديات وصعوبات التمويل
  • صنّاع أفلام السينما العربية الفتية يبحثون عن متنفس عبر صناديق الدعم وإشعاع المهرجانات الدولية

رصدت المائدة المستديرة لأيام قرطاج السينمائية، في دورتها السادسة والثلاثين، ومحورها «السينما العربية الجديدة»، والتي انعقدت يوم الأربعاء 17 ديسمبر الجاري، المتغيرات الطارئة على المشهد السينمائي في العقدين الآخرين بالعالم العربي. وحضر هذا اللقاء عدد هام من صنّاع الأفلام ممّن قدّموا أفلاما مهمة في هذه المرحلة من تاريخ السينما العربية.

في السياق، أوضح عضو الهيئة الفنية والمسؤول على قسم سينما المجهر في أيام قرطاج السينمائية رضوان العيادي أن السينما العربية لم تكن بمعزل عن الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي ظهرت فيه، فقد كانت في أغلبها مرآة لكل التحولات التي شملته، فعكست تجاذباته وإحباطاته وانهياراته، حتى بداية الثمانينات التي شهدت أفلاما فتية على غرار أفلام برهان علوية من لبنان وفريد بوغدير من تونس وغيرهما، حيث قطعت مع أعمال سبقتها ارتبطت بالنكسة وتداعياتها.

وتابع: «شهدت الفترة اللاحقة تحولات كبيرة في صناعة السينما ارتبطت بالتطور التقني، حتى بداية القرن الحادي والعشرين الذي شهد ظهور مجموعة من الاعمال السينمائية استفادت من موجة المطالبة بحرية التعبير التي عمت الوطن العربي في 2011 وما بعده، فقطعت مع السائد في كل النواحي. حيث تطرقت مواضيعها إلى زوايا كانت الى ما قبل زمن قصير محرّمة، مثل (الجنس والمرأة والإرهاب، وغيرها). وحملت في عمومها هموم الشباب الذي صنعها وحيرته وخوفه على الحاضر وتوجسه من المستقبل. كما شهدت نقلة نوعية من حيث التقنية والإضاءة والألوان، مستفيدة من التطور السريع والمخيف للتكنولوجيا، إضافة الى نوع الأداء الذي اتسم بالتلقائية والواقعية أكثر».

وأضاف رضوان العيادي أنه مع نهاية الربع الأول من القرن 21، ظهرت العديد من التساؤلات حول واقع السينما العربية في خضم زيادة عدد المنصات، والمحامل التكنولوجية، إضافة إلى هذا الكم الكبير من التمويلات وما رافق مصادرها من خلافات بين مؤيد ورافض، بين مشكك ومدافع. وتساءل المسؤول عن قسم سينما المجهر (سينماءات أرمينيا، فلبين والسينما العربية الجديدة) في ورقته المخصصة لهذه المائدة المستديرة: «هل يمكن الحديث عن سينما عربية جديدة؟ أم هي مجرد سينماءات أملتها ضرورة التغييرات التي طالت جمهور السينما فتغيرت اهتماماته وتطلعاته؟ وهل يمكن الحديث عن سينما عربية جديدة بمفهوم القطيعة؟ وإلى أي مدى يمكن الحديث عن الثابت والمتحول في السينما العربية الجديدة؟ كذلك هل نجحت هذه الأعمال في تأجيج الصراع بين المحافظة والتجديد؟ أم أنها نجحت في تطويع الشكل (المتحول) لطرح نفس المواضيع (الثابت) التي تهم المجتمعات العربية؟»

وشارك في نقاش مضامين السينما العربية في العقدين الأخيرين عدد من السينمائيين العرب، وأدار الجلسة الإعلامي التونسي أمين بن حمزة. وفي السياق، قال المخرج العراقي محمد جبارة الدراجي إن السينما مرآة للمجتمع، فالأفلام في فلسطين تروي قصص الاحتلال، وفي تونس والسودان وسوريا ومصر تصوّر الحياة ما بعد الثورات، وبالتالي السينما هي نتاج مجتمعاتها والظروف السياسية والاقتصادية. وعن سينما بلاده العراق، كشف أن مراحل عديدة أثرت على مضامينها، من سينما دعائية وأفلام البروباغندا إلى سينما اليوم، تحديدا بعد سنة 2003، والتي تتحدث عن ما يمرّ به المواطن العراقي وتعالج قضايا تلامس الواقع والمعيش اليومي عبر رؤى لجيل جديد يسعى لتقديم رسالة فنية واجتماعية قد تغيّر في يوم ما، مشددا أنه لا تعنيه التسميات «موجة جديدة» أو «سينما جديدة»، فالأهم بالنسبة لتجربته الفنية هو استمرارية إنتاج أفلام عراقية وتقديم أفكار صادقة تروي وتحاكي ذاته وهواجسه، وتكون حقيقة وتمتع مشاهديها.

من جهتها، أوضحت مركّبة الأفلام المصرية هبة عثمان (وقد شاركت في عدد من التجارب السينمائية الهامة في العقدين الأخيرين، منها «ستموت في العشرين»، «وداعا جوليا»، «حضر تجوال» و»الخروج إلى النهار» ...) أن الديجيتال سهّل عمل صنّاع الأفلام في السنوات الأخيرة، ومع التطورات التكنولوجية أصبحت عملية تنفيذ الأفكار تمر بسلاسة أكبر. ومع ذلك فإن الأهم هي البصمة والاختلاف وتفرّد عدد من التجارب السينمائية في العالم العربي، مشيرة إلى أن تقديم أفلام مستقلة تعكس رؤية صانعها أكثر مشقة في مصر لسيطرة السينما التجارية على المشهد، لذلك تعبر المهرجانات الدولية مساحة لتثمين قيمة هذه الأعمال وترويجها بطريقة مغايرة لقواعد التوزيع المعتادة في مصر.

ونوّه المخرج والناقد والأكاديمي المصري أحمد عاطف الدرة بالتجربة التونسية على مستوى دعم الأفلام من قبل الدولة، على غرار المغرب وعدد قليل من الدول العربية التي تنتهج هذه الاستراتيجية، على عكس مصر التي يحتكر عدد من شركات الإنتاج صناعة السينما، وبالتالي لا تجد السينما المستقلة منفذا كبيرا لدور العرض والجمهور. وأوضح أحمد عاطف الدرة أن دعم الدولة للأفلام ساهم في ظهور أسماء على غرار كوثر بن هنية ونبيل عيوش بسينما مختلفة، ومجموعة من الأصوات السينمائية، مشددا على أن الشراكات العربية ودعم صناديق منح عربية لصنّاع الأفلام تقدّم رؤية أقرب لمخرجيها من الصناديق والتمويل الأجنبي، لذلك يعتبر هذه النقطة مهمة في تحديد مضامين العمل ومدى صدقها وملامستها لواقع دولها.

وركّزت المخرجة نجوى النجار، ورئيسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة في الدورة 36 لأيام قرطاج السينمائية، حديثها على تحديات تمويل الأفلام العربية، وانطلاقا من تجربتها المهنية فالتحديات كبيرة. واستعانت بتجربة بحثها عن شركاء في إنتاج فيلم «بين الجنة والأرض»، حيث وجدت صعوبة في طرح موضوع يحظى بمنح الدعم عن الصحة النفسية، عوضا عن قصة عن اللجوء والحرب والاضطهاد في فلسطين. وفي الإطار نفسه، أشار المخرج المصري محمد صيام، المشارك في أيام قرطاج السينمائية بفيلم «كولونيا»، إلى مسألة التمويل في علاقة بالطرح والقضايا، فالمموّلون لهم خيارات تختلف في الغالب عن الأفكار المقترحة من صنّاع الأفلام، مضيفا أن صانع الأفلام العربي يعيش في منطقة مليئة بالصراعات تحدد خياراته في علاقة بالتمويل.

وفي ذات الإطار، انتقد المخرج والمنتج إبراهيم لطيف في مداخلته أطر التمويل ودعم الأفلام في العالم العربي، متسائلا عن مصادر التمويل الحالية التي توجّه لسينما معيّنة، وفي المقابل تعاني السينما المستقلة من صعوبات كبيرة على مستوى الإنتاج والتوزيع.

واعتبر المخرج والمنتج السوداني أمجد أبو العلا السينما العربية اليوم صاحبة مساحة أكبر على مستوى حرية الطرح، انطلاقا من تجربته المهنية وتجاربه مع انتعاش السينما السودانية في السنوات الأخيرة. وبالتالي يرى صاحب فيلم «ستموت في العشرين»، وهو أحد من أهم الأفلام العربية في العشرية الأخيرة، أن السرد البصري وجرأة طرح القضايا والخوض في عمق الإشكاليات منح نفسا جديدا للسينما العربية. أمّا عفاف بن محمود، فترى أن رؤى صنّاع الأفلام الشباب مختلفة عن الجيل السابق على عدة مستويات، أهمها الطرح والأساليب الجمالية، وبالتالي البصمة بدأت تتشكّل لتعلن عن مشهد مغاير للسياق من التجارب.

مدير أيام قرطاج السينمائية محمد طارق بن شعبان كشف في مداخلته، وخلال تفاعله مع الحضور الكبير للسينمائيين العرب بالمائدة المستديرة، عن اهتمامه الشخصي والمهني بهذه السينما الجديدة والفتية على مستوى البحث والدراسة، موضحا أن ظهور سينما ملتزمة مع مجموعة من المخرجين، على غرار النوري بوزيد ومحمود بن محمود وغيرهم في فترة سابقة، تفرض التساؤل اليوم عن موقعنا في الحراك العالمي. فبعد سقوط جدار برلين كان التأثير الكبير في صناعة السينما على عدة مستويات، ومنها التمويل والإنتاج والتوزيع. وفي فترة السبعينات والثمانينات كانت السينما الملتزمة تؤمن بضرورة القطع مع السينما القيادية، واليوم بعد عدد من التحولات والمتغيرات السياسية والاجتماعية، ما الذي يجمع السينمائيين العرب غير القضية الفلسطينية على مستوى المضامين؟ لذلك كان من الضروري، حسب محمد طارق بن شعبان، أن تطرح تساؤلات تنير المشهد السينمائي العربي في العقدين الأخيرين والبحث في هذه التجارب والمشاريع السينمائية.

وللتذكير، نشير إلى أن المائدة المستديرة حول «السينما العربية الجديدة» سجّلت حضور عدد كبير من السينمائيين، من بينهم المخرجة والممثلة عفاف بن محمود، المخرجة الفلسطينية نجوى النجار، المخرجة الأردنية زين دريعي، ومركّبة الأفلام المصرية هبة عثمان، المنتج التونسي فارس العجيمي، المخرج والمنتج إبراهيم لطيف، السوداني أمجد أبو العلا، السوري أحمد الحاج، العراقي محمد جبارة الدراجي، والمخرجين المصريين أمير رمسيس، تامر السعيد، محمد صيام وأحمد عاطف الدرة.

نجلاء قموع

خلال مائدة مستديرة في أيام قرطاج السينمائية بحضور جمع هام من السينمائيين..   تساؤلات حول السينما العربية الجديدة.. وصنّاع أفلام عرب يناقشون المضامين وإشكاليات التمويل والتوزيع

 

  • السينما المستقلة في العالم العربي تعيش تحديات وصعوبات التمويل
  • صنّاع أفلام السينما العربية الفتية يبحثون عن متنفس عبر صناديق الدعم وإشعاع المهرجانات الدولية

رصدت المائدة المستديرة لأيام قرطاج السينمائية، في دورتها السادسة والثلاثين، ومحورها «السينما العربية الجديدة»، والتي انعقدت يوم الأربعاء 17 ديسمبر الجاري، المتغيرات الطارئة على المشهد السينمائي في العقدين الآخرين بالعالم العربي. وحضر هذا اللقاء عدد هام من صنّاع الأفلام ممّن قدّموا أفلاما مهمة في هذه المرحلة من تاريخ السينما العربية.

في السياق، أوضح عضو الهيئة الفنية والمسؤول على قسم سينما المجهر في أيام قرطاج السينمائية رضوان العيادي أن السينما العربية لم تكن بمعزل عن الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي ظهرت فيه، فقد كانت في أغلبها مرآة لكل التحولات التي شملته، فعكست تجاذباته وإحباطاته وانهياراته، حتى بداية الثمانينات التي شهدت أفلاما فتية على غرار أفلام برهان علوية من لبنان وفريد بوغدير من تونس وغيرهما، حيث قطعت مع أعمال سبقتها ارتبطت بالنكسة وتداعياتها.

وتابع: «شهدت الفترة اللاحقة تحولات كبيرة في صناعة السينما ارتبطت بالتطور التقني، حتى بداية القرن الحادي والعشرين الذي شهد ظهور مجموعة من الاعمال السينمائية استفادت من موجة المطالبة بحرية التعبير التي عمت الوطن العربي في 2011 وما بعده، فقطعت مع السائد في كل النواحي. حيث تطرقت مواضيعها إلى زوايا كانت الى ما قبل زمن قصير محرّمة، مثل (الجنس والمرأة والإرهاب، وغيرها). وحملت في عمومها هموم الشباب الذي صنعها وحيرته وخوفه على الحاضر وتوجسه من المستقبل. كما شهدت نقلة نوعية من حيث التقنية والإضاءة والألوان، مستفيدة من التطور السريع والمخيف للتكنولوجيا، إضافة الى نوع الأداء الذي اتسم بالتلقائية والواقعية أكثر».

وأضاف رضوان العيادي أنه مع نهاية الربع الأول من القرن 21، ظهرت العديد من التساؤلات حول واقع السينما العربية في خضم زيادة عدد المنصات، والمحامل التكنولوجية، إضافة إلى هذا الكم الكبير من التمويلات وما رافق مصادرها من خلافات بين مؤيد ورافض، بين مشكك ومدافع. وتساءل المسؤول عن قسم سينما المجهر (سينماءات أرمينيا، فلبين والسينما العربية الجديدة) في ورقته المخصصة لهذه المائدة المستديرة: «هل يمكن الحديث عن سينما عربية جديدة؟ أم هي مجرد سينماءات أملتها ضرورة التغييرات التي طالت جمهور السينما فتغيرت اهتماماته وتطلعاته؟ وهل يمكن الحديث عن سينما عربية جديدة بمفهوم القطيعة؟ وإلى أي مدى يمكن الحديث عن الثابت والمتحول في السينما العربية الجديدة؟ كذلك هل نجحت هذه الأعمال في تأجيج الصراع بين المحافظة والتجديد؟ أم أنها نجحت في تطويع الشكل (المتحول) لطرح نفس المواضيع (الثابت) التي تهم المجتمعات العربية؟»

وشارك في نقاش مضامين السينما العربية في العقدين الأخيرين عدد من السينمائيين العرب، وأدار الجلسة الإعلامي التونسي أمين بن حمزة. وفي السياق، قال المخرج العراقي محمد جبارة الدراجي إن السينما مرآة للمجتمع، فالأفلام في فلسطين تروي قصص الاحتلال، وفي تونس والسودان وسوريا ومصر تصوّر الحياة ما بعد الثورات، وبالتالي السينما هي نتاج مجتمعاتها والظروف السياسية والاقتصادية. وعن سينما بلاده العراق، كشف أن مراحل عديدة أثرت على مضامينها، من سينما دعائية وأفلام البروباغندا إلى سينما اليوم، تحديدا بعد سنة 2003، والتي تتحدث عن ما يمرّ به المواطن العراقي وتعالج قضايا تلامس الواقع والمعيش اليومي عبر رؤى لجيل جديد يسعى لتقديم رسالة فنية واجتماعية قد تغيّر في يوم ما، مشددا أنه لا تعنيه التسميات «موجة جديدة» أو «سينما جديدة»، فالأهم بالنسبة لتجربته الفنية هو استمرارية إنتاج أفلام عراقية وتقديم أفكار صادقة تروي وتحاكي ذاته وهواجسه، وتكون حقيقة وتمتع مشاهديها.

من جهتها، أوضحت مركّبة الأفلام المصرية هبة عثمان (وقد شاركت في عدد من التجارب السينمائية الهامة في العقدين الأخيرين، منها «ستموت في العشرين»، «وداعا جوليا»، «حضر تجوال» و»الخروج إلى النهار» ...) أن الديجيتال سهّل عمل صنّاع الأفلام في السنوات الأخيرة، ومع التطورات التكنولوجية أصبحت عملية تنفيذ الأفكار تمر بسلاسة أكبر. ومع ذلك فإن الأهم هي البصمة والاختلاف وتفرّد عدد من التجارب السينمائية في العالم العربي، مشيرة إلى أن تقديم أفلام مستقلة تعكس رؤية صانعها أكثر مشقة في مصر لسيطرة السينما التجارية على المشهد، لذلك تعبر المهرجانات الدولية مساحة لتثمين قيمة هذه الأعمال وترويجها بطريقة مغايرة لقواعد التوزيع المعتادة في مصر.

ونوّه المخرج والناقد والأكاديمي المصري أحمد عاطف الدرة بالتجربة التونسية على مستوى دعم الأفلام من قبل الدولة، على غرار المغرب وعدد قليل من الدول العربية التي تنتهج هذه الاستراتيجية، على عكس مصر التي يحتكر عدد من شركات الإنتاج صناعة السينما، وبالتالي لا تجد السينما المستقلة منفذا كبيرا لدور العرض والجمهور. وأوضح أحمد عاطف الدرة أن دعم الدولة للأفلام ساهم في ظهور أسماء على غرار كوثر بن هنية ونبيل عيوش بسينما مختلفة، ومجموعة من الأصوات السينمائية، مشددا على أن الشراكات العربية ودعم صناديق منح عربية لصنّاع الأفلام تقدّم رؤية أقرب لمخرجيها من الصناديق والتمويل الأجنبي، لذلك يعتبر هذه النقطة مهمة في تحديد مضامين العمل ومدى صدقها وملامستها لواقع دولها.

وركّزت المخرجة نجوى النجار، ورئيسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة في الدورة 36 لأيام قرطاج السينمائية، حديثها على تحديات تمويل الأفلام العربية، وانطلاقا من تجربتها المهنية فالتحديات كبيرة. واستعانت بتجربة بحثها عن شركاء في إنتاج فيلم «بين الجنة والأرض»، حيث وجدت صعوبة في طرح موضوع يحظى بمنح الدعم عن الصحة النفسية، عوضا عن قصة عن اللجوء والحرب والاضطهاد في فلسطين. وفي الإطار نفسه، أشار المخرج المصري محمد صيام، المشارك في أيام قرطاج السينمائية بفيلم «كولونيا»، إلى مسألة التمويل في علاقة بالطرح والقضايا، فالمموّلون لهم خيارات تختلف في الغالب عن الأفكار المقترحة من صنّاع الأفلام، مضيفا أن صانع الأفلام العربي يعيش في منطقة مليئة بالصراعات تحدد خياراته في علاقة بالتمويل.

وفي ذات الإطار، انتقد المخرج والمنتج إبراهيم لطيف في مداخلته أطر التمويل ودعم الأفلام في العالم العربي، متسائلا عن مصادر التمويل الحالية التي توجّه لسينما معيّنة، وفي المقابل تعاني السينما المستقلة من صعوبات كبيرة على مستوى الإنتاج والتوزيع.

واعتبر المخرج والمنتج السوداني أمجد أبو العلا السينما العربية اليوم صاحبة مساحة أكبر على مستوى حرية الطرح، انطلاقا من تجربته المهنية وتجاربه مع انتعاش السينما السودانية في السنوات الأخيرة. وبالتالي يرى صاحب فيلم «ستموت في العشرين»، وهو أحد من أهم الأفلام العربية في العشرية الأخيرة، أن السرد البصري وجرأة طرح القضايا والخوض في عمق الإشكاليات منح نفسا جديدا للسينما العربية. أمّا عفاف بن محمود، فترى أن رؤى صنّاع الأفلام الشباب مختلفة عن الجيل السابق على عدة مستويات، أهمها الطرح والأساليب الجمالية، وبالتالي البصمة بدأت تتشكّل لتعلن عن مشهد مغاير للسياق من التجارب.

مدير أيام قرطاج السينمائية محمد طارق بن شعبان كشف في مداخلته، وخلال تفاعله مع الحضور الكبير للسينمائيين العرب بالمائدة المستديرة، عن اهتمامه الشخصي والمهني بهذه السينما الجديدة والفتية على مستوى البحث والدراسة، موضحا أن ظهور سينما ملتزمة مع مجموعة من المخرجين، على غرار النوري بوزيد ومحمود بن محمود وغيرهم في فترة سابقة، تفرض التساؤل اليوم عن موقعنا في الحراك العالمي. فبعد سقوط جدار برلين كان التأثير الكبير في صناعة السينما على عدة مستويات، ومنها التمويل والإنتاج والتوزيع. وفي فترة السبعينات والثمانينات كانت السينما الملتزمة تؤمن بضرورة القطع مع السينما القيادية، واليوم بعد عدد من التحولات والمتغيرات السياسية والاجتماعية، ما الذي يجمع السينمائيين العرب غير القضية الفلسطينية على مستوى المضامين؟ لذلك كان من الضروري، حسب محمد طارق بن شعبان، أن تطرح تساؤلات تنير المشهد السينمائي العربي في العقدين الأخيرين والبحث في هذه التجارب والمشاريع السينمائية.

وللتذكير، نشير إلى أن المائدة المستديرة حول «السينما العربية الجديدة» سجّلت حضور عدد كبير من السينمائيين، من بينهم المخرجة والممثلة عفاف بن محمود، المخرجة الفلسطينية نجوى النجار، المخرجة الأردنية زين دريعي، ومركّبة الأفلام المصرية هبة عثمان، المنتج التونسي فارس العجيمي، المخرج والمنتج إبراهيم لطيف، السوداني أمجد أبو العلا، السوري أحمد الحاج، العراقي محمد جبارة الدراجي، والمخرجين المصريين أمير رمسيس، تامر السعيد، محمد صيام وأحمد عاطف الدرة.

نجلاء قموع