إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

انحراف ..انزلاق في عالم الجريمة.. وهروب إلى المجهول.. الأبناء يدفعون «فاتورة» الطلاق.. والمئات يعيشون تحت ضغط التفكك الأسري

- باحث في علم الاجتماع لـ«الصباح» : صورة الأطفال داخل العائلة تحولت من «رأسمال عاطفي واستثماري للمستقبل» إلى كلفة مادية وعاطفية

الآباء يتخذون قرار الانفصال والأبناء يدفعون الثمن..قلق، اكتئاب وتراجع في النتائج الدراسية فضلا عن انحراف في السلوك وانخراط في عالم الجريمة والمخدرات، حتى ان بعض الأبناء اختاروا الهرب من جحيم التفكك الأسري الى المجهول.. وصورة نمطية مشوهة عن الزواج.. آثار قد تتفاقم بسبب النزاعات المستمرة حول النفقة وغيرها من المشكلات المتفرعة عن الانفصال الزوجي.

أكثر من 600 ألف طفل في تونس يعيشون في وضع انفصال بين الأم والأب وفق بيان للمنظمة الدولية لحماية أطفال المتوسط، وقد بلغ عدد حالات الطلاق في تونس سنة 2023 حوالي 35 ألف حالة طلاق، وهو رقم قياسي مقارنة بالأعوام السابقة».

 هذه التطورات أثارت مخاوف عديد المختصين من التداعيات طويلة المدى للوضعيات الحالية، على هيكل الأسرة والمجتمع التونسي وخاصة التأثيرات السلبية على الأطفال ونفسيتهم وتكوين شخصيتهم.

وتشير بعض الدراسات الى أن تواجد التأثيرات طويلة المدى للطلاق في اختلاف كبير، فهناك بعض الأطفال يحققون نجاحا جيدا إلى حد ما، والتأثيرات إذا وجدت تكون صغيرة أو غير ملاحظة، ولكن بعض الأطفال الآخرين يحملون عبئا طوال الحياة بسبب طلاق والديهم، فيؤثر هذا على العديد من جوانب حياتهم الفردية والتكاليف الاجتماعية لتأثيرات المدى البعيد، والتي تتمثل في نسب أعلى للتغيب والهروب من الدراسة، والإنجاب دون زواج وزيادة إمكانية الطلاق في زيجات أطفال الطلاق، ودائماً ما يطاردهم كابوس طلاق الوالدين طيلة حياتهم.

طفل الطلاق.. والجرح الأبوي

وكانت القاضية والباحثة بمركز الدراسات القانونية والقضائية بوزارة العدل، روان بن رقية، أفادت، في تصريحات إعلامية على هامش المؤتمر الدولي الثالث للجمعية الدولية للدفاع عن حقوق الإنسان  حول موضوع «طفل الطلاق والجرح الأبوي بين فلسفة التربية وحكم القانون»، أنّ عدد أطفال الطلاق في تونس بلغ خلال الفترة المتراوحة بين جانفي 2023 وديسمبر 2024، حوالي 600 ألف طفل مضيفة أنّ 104 أطفال، من بين أطفال الطلاق، انتحروا بسبب التفكك الأسري.

كما تجاوز عدد الإشعارات عن الاختلالات التي يعيشها الأطفال داخل الأسرة 22 ألف إشعار سنة 2022، منها 13 الف اشعار يخص أطفال يعيشون تهديدا مباشرا داخل الفضاء الخاص أي البيت.

واعتبرت الباحثة في تصريح سابق لوكالة تونس أفريقيا للأنباء، أنّ «هذه الإحصائيات المفزعة تشير إلى عمق استفحال هذا الإشكال المجتمعي في الواقع المعاصر، والذي يستوجب مقاربة مجتمعية ونفسية وتربوية وقانونية جديدة».

سن تشريعات..

كان رئيس جمعية أطفال تونس، رفيق نور بن كيلاني، دعا في تصريحات إعلامية، الى ضرورة سنّ تشريعات جديدة وتحديد مفهوم التربية الصحيحة والجيدة واعتماد حلول شمولية تعالج القصور الوظيفي والتفكك الداخلي للأسرة في اتجاه وضع مقاربة جديدة تقوم على الحضانة المشتركة والعلاقة المتواصلة بين أطراف الأسرة لأنها الأساس الفعلي للبناء المتوازن الذي يقطع مع القصور العاطفي، وفق تقديره.

وتجدر الإشارة الى ان آخر تعديل لفصول مجلة الأحوال الشخصية المتعلقة بقانون الطلاق والحضانة والنفقة يعود إلى أكثر من 30 عاماً، وذلك بموجب التنقيحات التي أجريت على القانون في جويلية 1993.

 تفكك الأسرة ومأزق الحماية الاجتماعية

يرى الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين في تصريح لـ«الصباح» أن الأسرة تعد في كل المجتمعات الحديثة والمعاصرة الخلية الأولى للتنشئة الاجتماعية، والفضاء الحميم الذي تُبنى فيه أولى علاقات الثقة والتوازن النفسي، غير أنّ هذه المؤسسة، التي شكلت لعقود أساس التماسك الاجتماعي في تونس، تعرف اليوم أزمة بنيوية وقيمية حادة، تتجلى بوضوح في تصاعد نسب الطلاق وتفكك الروابط الزوجية، بما ينعكس مباشرة على الأطفال الذين يتحولون إلى الضحية الأولى غير المعلنة لهذا الانهيار الصامت.

وتُظهر المؤشرات الإحصائية الحديثة أنّ تونس تعيش موجة غير مسبوقة من حالات الطلاق. فبين جانفي 2023 وديسمبر 2024، بلغ عدد الأطفال ضحايا الطلاق نحو 600 ألف طفل، من بينهم 104 أطفال أقدموا على الانتحار بسبب ما تعرضوا له من صدمات نفسية ناجمة عن التفكك الأسري. هذه الأرقام الصادمة لا تعكس فقط أزمة في العلاقات الزوجية، بل تعبّر عن مأزق اجتماعي شامل يمسّ منظومة القيم، ووظائف الأسرة، ودور الدولة في الحماية الاجتماعية.

تشخيص الوضع..

تشير الإحصاءات الرسمية إلى أنّ 58 بالمائة من حالات الطلاق تقع خلال السنوات العشر الأولى من الزواج، أي في الفترة التي يُفترض أن تكون فيها العلاقة الزوجية أكثر استقرارًا. كما أنّ 27 بالمائة من المطلقين تقل أعمارهم عن 36 سنة، ما يعني أنّ الجيل الشاب هو الأكثر هشاشة في مواجهة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والنفسية.

أما من حيث أشكال الطلاق، فيحتل الطلاق بالتراضي المرتبة الأولى بنسبة 38.5 بالمائة سنة 2022، وهو ما يعكس صعود قيم الفردانية وتراجع البُعد التضامني داخل العلاقة الزوجية. فالانفصال أصبح، في كثير من الحالات، يُقدَّم باعتباره «اختيارًا شخصيًا» أو «تحقيقًا للذات» أكثر من كونه مأساة اجتماعية.

في المقابل، يعرف المجتمع التونسي ارتفاعًا متواصلًا في نسب العنف داخل الأسرة والطلاق الصامت — أي الطلاق العاطفي والمعيشي دون انفصال قانوني — بما يُظهر حالة من التفكك التدريجي والمستتر للمؤسسة العائلية. هذه الظواهر ترتبط بتحولات قيمية كبرى طالت معنى الزواج نفسه، ودوره ووظائفه.

تمثلات الطلاق والأسرة في المخيال الاجتماعي

من منظور سوسيولوجي، تتأرجح تمثلات التونسيين للطلاق بين خطابين متناقضين:

1. الخطاب التقليدي المحافظ الذي يرى في الطلاق فشلًا أخلاقيًا ووصمة اجتماعية، ويحمّل المرأة عادة مسؤولية انهيار الأسرة.

2. الخطاب الحداثي الفرداني الذي يعتبر الطلاق حقًا مشروعًا وتحررًا من علاقة غير منسجمة، ووسيلة لتحقيق السعادة الفردية.

ووفق محدثنا يعكس هذا التناقض في التمثلات تحوّلًا عميقًا في المنظومة القيمية للمجتمع التونسي، فبينما كان الزواج سابقًا يُنظر إليه كرباط مقدّس يستمر رغم الصعوبات، أصبح اليوم يُقيّم بمعيار المنفعة النفسية والرضى الشخصي. كما تغيّرت صورة الأطفال داخل العائلة: من كونهم «رأسمالًا عاطفيًا واستثماريًا للمستقبل» إلى كلفة مادية وعاطفية في ظل صعوبات العيش.

وتكشف دراسات ميدانية حديثة أنّ جيل الشباب في تونس يميل إلى تصور الزواج كخيار مؤجل أو هش، بفعل التجارب السلبية المحيطة، وتراجع الثقة في استمرارية المؤسسة الزوجية. أما الأطفال، فهم غالبًا يُمثلون داخل المخيال الاجتماعي كضحايا صامتين أو «أضرار جانبية» في معركة الكبار، ما يزيد من هشاشتهم النفسية والاجتماعية.

السياقات المؤثرة في تصاعد الظاهرة

1. السياق الاقتصادي والاجتماعي

يرى الباحث في علم الاجتماع ان ارتفاع نسب البطالة، وتدهور القدرة الشرائية، وغلاء المعيشة، كلها عوامل تخلق توترًا داخل الأسرة، مضيفا ان الصعوبات المادية اليومية تتحول إلى صراعات رمزية حول السلطة، الكرامة، والواجبات. تشير إحصاءات المعهد الوطني للإحصاء إلى أنّ معدّل البطالة لدى الشباب تجاوز 37 % في بعض الجهات الداخلية، ما يجعل الزواج مسؤولية ثقيلة يصعب تحمّلها.

2. السياق الثقافي والقيمي

ان تأثير العولمة الرقمية وثقافة الاستهلاك الفردي جعلت من السعادة الفردية معيارًا أساسيًا لتقييم العلاقات. فالعلاقات الزوجية لم تعد تُبنى على التضحية أو الصبر، بل على التوافق اللحظي والانسجام النفسي. كما أنّ انفتاح الفضاء الرقمي خلق مقارنات دائمة بين أنماط الحياة، مما عزّز الإحساس بعدم الرضى.

السياق النفسي والتواصلي

ضعف مهارات التواصل العاطفي بين الأزواج وغياب التربية على إدارة الخلافات يؤديان إلى تراكم التوترات. ويلاحظ علماء النفس الاجتماعي تزايد حالات الاكتئاب، الإدمان، والاضطرابات النفسية داخل الأسر المفككة، وهو ما ينعكس مباشرة على الأطفال.

 السياق القانوني والسياسي

رغم أن تونس تُعدّ من الدول الرائدة في العالم العربي في ما يخص التشريعات الأسرية (مجلة الأحوال الشخصية 1956)، إلا أنّ غياب سياسات فعالة لمرافقة الأسر أثناء وبعد الطلاق يجعل القوانين غير كافية. فالمحاكم تتعامل مع الطلاق كإجراء قانوني، لا كحدث اجتماعي يحتاج إلى مواكبة نفسية واجتماعية للأطفال والوالدين معًا.

التداعيات والمخاطر الاجتماعية والنفسية

1. على الأطفال

_اضطرابات الهوية والانتماء: إذ يشعر الطفل بأنه بين عالمين متناقضين، ويفقد الإحساس بالأمان الأسري.

_العزلة والانطواء أو العدوانية:  حيث تظهر حالات سلوكية عنيفة في المدرسة أو في الشارع.

_الانتحار أو إيذاء الذات: وهي ظاهرة مقلقة، إذ انتحر 104 أطفال بين 2023 و2024 بسبب التفكك الأسري، وفق أرقام شبه رسمية.

_تراجع التحصيل الدراسي: الأطفال ضحايا الطلاق يسجلون معدلات غياب وانقطاع أعلى بكثير من أقرانهم.

2. على المجتمع

_تفكك الشبكات التضامنية التقليدية: الأسرة الممتدة التي كانت توفر الدعم المادي والمعنوي فقدت دورها.

_ارتفاع نسب الجريمة والانحراف: العديد من الشباب الذين تورطوا في سلوكيات إجرامية نشأوا في أسر مفككة.

_تآكل رأس المال الاجتماعي: فالثقة المتبادلة، المسؤولية المشتركة، والإحساس بالانتماء في تراجع مستمر.

مفيدة القيزاني

انحراف ..انزلاق في عالم الجريمة.. وهروب إلى المجهول..   الأبناء يدفعون «فاتورة» الطلاق..   والمئات يعيشون تحت ضغط التفكك الأسري

- باحث في علم الاجتماع لـ«الصباح» : صورة الأطفال داخل العائلة تحولت من «رأسمال عاطفي واستثماري للمستقبل» إلى كلفة مادية وعاطفية

الآباء يتخذون قرار الانفصال والأبناء يدفعون الثمن..قلق، اكتئاب وتراجع في النتائج الدراسية فضلا عن انحراف في السلوك وانخراط في عالم الجريمة والمخدرات، حتى ان بعض الأبناء اختاروا الهرب من جحيم التفكك الأسري الى المجهول.. وصورة نمطية مشوهة عن الزواج.. آثار قد تتفاقم بسبب النزاعات المستمرة حول النفقة وغيرها من المشكلات المتفرعة عن الانفصال الزوجي.

أكثر من 600 ألف طفل في تونس يعيشون في وضع انفصال بين الأم والأب وفق بيان للمنظمة الدولية لحماية أطفال المتوسط، وقد بلغ عدد حالات الطلاق في تونس سنة 2023 حوالي 35 ألف حالة طلاق، وهو رقم قياسي مقارنة بالأعوام السابقة».

 هذه التطورات أثارت مخاوف عديد المختصين من التداعيات طويلة المدى للوضعيات الحالية، على هيكل الأسرة والمجتمع التونسي وخاصة التأثيرات السلبية على الأطفال ونفسيتهم وتكوين شخصيتهم.

وتشير بعض الدراسات الى أن تواجد التأثيرات طويلة المدى للطلاق في اختلاف كبير، فهناك بعض الأطفال يحققون نجاحا جيدا إلى حد ما، والتأثيرات إذا وجدت تكون صغيرة أو غير ملاحظة، ولكن بعض الأطفال الآخرين يحملون عبئا طوال الحياة بسبب طلاق والديهم، فيؤثر هذا على العديد من جوانب حياتهم الفردية والتكاليف الاجتماعية لتأثيرات المدى البعيد، والتي تتمثل في نسب أعلى للتغيب والهروب من الدراسة، والإنجاب دون زواج وزيادة إمكانية الطلاق في زيجات أطفال الطلاق، ودائماً ما يطاردهم كابوس طلاق الوالدين طيلة حياتهم.

طفل الطلاق.. والجرح الأبوي

وكانت القاضية والباحثة بمركز الدراسات القانونية والقضائية بوزارة العدل، روان بن رقية، أفادت، في تصريحات إعلامية على هامش المؤتمر الدولي الثالث للجمعية الدولية للدفاع عن حقوق الإنسان  حول موضوع «طفل الطلاق والجرح الأبوي بين فلسفة التربية وحكم القانون»، أنّ عدد أطفال الطلاق في تونس بلغ خلال الفترة المتراوحة بين جانفي 2023 وديسمبر 2024، حوالي 600 ألف طفل مضيفة أنّ 104 أطفال، من بين أطفال الطلاق، انتحروا بسبب التفكك الأسري.

كما تجاوز عدد الإشعارات عن الاختلالات التي يعيشها الأطفال داخل الأسرة 22 ألف إشعار سنة 2022، منها 13 الف اشعار يخص أطفال يعيشون تهديدا مباشرا داخل الفضاء الخاص أي البيت.

واعتبرت الباحثة في تصريح سابق لوكالة تونس أفريقيا للأنباء، أنّ «هذه الإحصائيات المفزعة تشير إلى عمق استفحال هذا الإشكال المجتمعي في الواقع المعاصر، والذي يستوجب مقاربة مجتمعية ونفسية وتربوية وقانونية جديدة».

سن تشريعات..

كان رئيس جمعية أطفال تونس، رفيق نور بن كيلاني، دعا في تصريحات إعلامية، الى ضرورة سنّ تشريعات جديدة وتحديد مفهوم التربية الصحيحة والجيدة واعتماد حلول شمولية تعالج القصور الوظيفي والتفكك الداخلي للأسرة في اتجاه وضع مقاربة جديدة تقوم على الحضانة المشتركة والعلاقة المتواصلة بين أطراف الأسرة لأنها الأساس الفعلي للبناء المتوازن الذي يقطع مع القصور العاطفي، وفق تقديره.

وتجدر الإشارة الى ان آخر تعديل لفصول مجلة الأحوال الشخصية المتعلقة بقانون الطلاق والحضانة والنفقة يعود إلى أكثر من 30 عاماً، وذلك بموجب التنقيحات التي أجريت على القانون في جويلية 1993.

 تفكك الأسرة ومأزق الحماية الاجتماعية

يرى الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين في تصريح لـ«الصباح» أن الأسرة تعد في كل المجتمعات الحديثة والمعاصرة الخلية الأولى للتنشئة الاجتماعية، والفضاء الحميم الذي تُبنى فيه أولى علاقات الثقة والتوازن النفسي، غير أنّ هذه المؤسسة، التي شكلت لعقود أساس التماسك الاجتماعي في تونس، تعرف اليوم أزمة بنيوية وقيمية حادة، تتجلى بوضوح في تصاعد نسب الطلاق وتفكك الروابط الزوجية، بما ينعكس مباشرة على الأطفال الذين يتحولون إلى الضحية الأولى غير المعلنة لهذا الانهيار الصامت.

وتُظهر المؤشرات الإحصائية الحديثة أنّ تونس تعيش موجة غير مسبوقة من حالات الطلاق. فبين جانفي 2023 وديسمبر 2024، بلغ عدد الأطفال ضحايا الطلاق نحو 600 ألف طفل، من بينهم 104 أطفال أقدموا على الانتحار بسبب ما تعرضوا له من صدمات نفسية ناجمة عن التفكك الأسري. هذه الأرقام الصادمة لا تعكس فقط أزمة في العلاقات الزوجية، بل تعبّر عن مأزق اجتماعي شامل يمسّ منظومة القيم، ووظائف الأسرة، ودور الدولة في الحماية الاجتماعية.

تشخيص الوضع..

تشير الإحصاءات الرسمية إلى أنّ 58 بالمائة من حالات الطلاق تقع خلال السنوات العشر الأولى من الزواج، أي في الفترة التي يُفترض أن تكون فيها العلاقة الزوجية أكثر استقرارًا. كما أنّ 27 بالمائة من المطلقين تقل أعمارهم عن 36 سنة، ما يعني أنّ الجيل الشاب هو الأكثر هشاشة في مواجهة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والنفسية.

أما من حيث أشكال الطلاق، فيحتل الطلاق بالتراضي المرتبة الأولى بنسبة 38.5 بالمائة سنة 2022، وهو ما يعكس صعود قيم الفردانية وتراجع البُعد التضامني داخل العلاقة الزوجية. فالانفصال أصبح، في كثير من الحالات، يُقدَّم باعتباره «اختيارًا شخصيًا» أو «تحقيقًا للذات» أكثر من كونه مأساة اجتماعية.

في المقابل، يعرف المجتمع التونسي ارتفاعًا متواصلًا في نسب العنف داخل الأسرة والطلاق الصامت — أي الطلاق العاطفي والمعيشي دون انفصال قانوني — بما يُظهر حالة من التفكك التدريجي والمستتر للمؤسسة العائلية. هذه الظواهر ترتبط بتحولات قيمية كبرى طالت معنى الزواج نفسه، ودوره ووظائفه.

تمثلات الطلاق والأسرة في المخيال الاجتماعي

من منظور سوسيولوجي، تتأرجح تمثلات التونسيين للطلاق بين خطابين متناقضين:

1. الخطاب التقليدي المحافظ الذي يرى في الطلاق فشلًا أخلاقيًا ووصمة اجتماعية، ويحمّل المرأة عادة مسؤولية انهيار الأسرة.

2. الخطاب الحداثي الفرداني الذي يعتبر الطلاق حقًا مشروعًا وتحررًا من علاقة غير منسجمة، ووسيلة لتحقيق السعادة الفردية.

ووفق محدثنا يعكس هذا التناقض في التمثلات تحوّلًا عميقًا في المنظومة القيمية للمجتمع التونسي، فبينما كان الزواج سابقًا يُنظر إليه كرباط مقدّس يستمر رغم الصعوبات، أصبح اليوم يُقيّم بمعيار المنفعة النفسية والرضى الشخصي. كما تغيّرت صورة الأطفال داخل العائلة: من كونهم «رأسمالًا عاطفيًا واستثماريًا للمستقبل» إلى كلفة مادية وعاطفية في ظل صعوبات العيش.

وتكشف دراسات ميدانية حديثة أنّ جيل الشباب في تونس يميل إلى تصور الزواج كخيار مؤجل أو هش، بفعل التجارب السلبية المحيطة، وتراجع الثقة في استمرارية المؤسسة الزوجية. أما الأطفال، فهم غالبًا يُمثلون داخل المخيال الاجتماعي كضحايا صامتين أو «أضرار جانبية» في معركة الكبار، ما يزيد من هشاشتهم النفسية والاجتماعية.

السياقات المؤثرة في تصاعد الظاهرة

1. السياق الاقتصادي والاجتماعي

يرى الباحث في علم الاجتماع ان ارتفاع نسب البطالة، وتدهور القدرة الشرائية، وغلاء المعيشة، كلها عوامل تخلق توترًا داخل الأسرة، مضيفا ان الصعوبات المادية اليومية تتحول إلى صراعات رمزية حول السلطة، الكرامة، والواجبات. تشير إحصاءات المعهد الوطني للإحصاء إلى أنّ معدّل البطالة لدى الشباب تجاوز 37 % في بعض الجهات الداخلية، ما يجعل الزواج مسؤولية ثقيلة يصعب تحمّلها.

2. السياق الثقافي والقيمي

ان تأثير العولمة الرقمية وثقافة الاستهلاك الفردي جعلت من السعادة الفردية معيارًا أساسيًا لتقييم العلاقات. فالعلاقات الزوجية لم تعد تُبنى على التضحية أو الصبر، بل على التوافق اللحظي والانسجام النفسي. كما أنّ انفتاح الفضاء الرقمي خلق مقارنات دائمة بين أنماط الحياة، مما عزّز الإحساس بعدم الرضى.

السياق النفسي والتواصلي

ضعف مهارات التواصل العاطفي بين الأزواج وغياب التربية على إدارة الخلافات يؤديان إلى تراكم التوترات. ويلاحظ علماء النفس الاجتماعي تزايد حالات الاكتئاب، الإدمان، والاضطرابات النفسية داخل الأسر المفككة، وهو ما ينعكس مباشرة على الأطفال.

 السياق القانوني والسياسي

رغم أن تونس تُعدّ من الدول الرائدة في العالم العربي في ما يخص التشريعات الأسرية (مجلة الأحوال الشخصية 1956)، إلا أنّ غياب سياسات فعالة لمرافقة الأسر أثناء وبعد الطلاق يجعل القوانين غير كافية. فالمحاكم تتعامل مع الطلاق كإجراء قانوني، لا كحدث اجتماعي يحتاج إلى مواكبة نفسية واجتماعية للأطفال والوالدين معًا.

التداعيات والمخاطر الاجتماعية والنفسية

1. على الأطفال

_اضطرابات الهوية والانتماء: إذ يشعر الطفل بأنه بين عالمين متناقضين، ويفقد الإحساس بالأمان الأسري.

_العزلة والانطواء أو العدوانية:  حيث تظهر حالات سلوكية عنيفة في المدرسة أو في الشارع.

_الانتحار أو إيذاء الذات: وهي ظاهرة مقلقة، إذ انتحر 104 أطفال بين 2023 و2024 بسبب التفكك الأسري، وفق أرقام شبه رسمية.

_تراجع التحصيل الدراسي: الأطفال ضحايا الطلاق يسجلون معدلات غياب وانقطاع أعلى بكثير من أقرانهم.

2. على المجتمع

_تفكك الشبكات التضامنية التقليدية: الأسرة الممتدة التي كانت توفر الدعم المادي والمعنوي فقدت دورها.

_ارتفاع نسب الجريمة والانحراف: العديد من الشباب الذين تورطوا في سلوكيات إجرامية نشأوا في أسر مفككة.

_تآكل رأس المال الاجتماعي: فالثقة المتبادلة، المسؤولية المشتركة، والإحساس بالانتماء في تراجع مستمر.

مفيدة القيزاني